All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

Al-Māʾidah 5:98 Juzʾ 7 Page 124

‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

Know that Allah is severe in penalty and that Allah is Forgiving and Merciful.

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أنْواعَ رَحْمَتِهِ بِعِبادِهِ ذَكَرَ بَعْدَهُ أنَّهُ شَدِيدُ العِقابِ؛ لِأنَّ الإيمانَ لا يَتِمُّ إلّا بِالرَّجاءِ والخَوْفِ، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لَوْ وُزِنَ خَوْفُ المُؤْمِنِ ورَجاؤُهُ لاعْتَدَلا» “ ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ ما يَدُلُّ عَلى الرَّحْمَةِ، وهو كَوْنُهُ غَفُورًا رَحِيمًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ جانِبَ الرَّحْمَةِ أغْلَبُ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ فِيما قَبْلُ أنْواعَ رَحْمَتِهِ وكَرَمِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ شَدِيدُ العِقابِ ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ وصْفَيْنِ مِن أوْصافِ الرَّحْمَةِ وهو كَوْنُهُ غَفُورًا رَحِيمًا، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى دَقِيقَةٍ وهي أنَّ ابْتِداءَ الخَلْقِ والإيجادِ كانَ لِأجْلِ الرَّحْمَةِ، والظّاهِرُ أنَّ الخَتْمَ لا يَكُونُ إلّا عَلى الرَّحْمَةِ.

‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Not upon the Messenger is [responsibility] except [for] notification. And Allah knows whatever you reveal and whatever you conceal.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَّمَ التَّرْهِيبَ والتَّرْغِيبَ بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أتْبَعَهُ بِالتَّكْلِيفِ بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ يَعْنِي أنَّهُ كانَ مُكَلَّفًا بِالتَّبْلِيغِ فَلَمّا بَلَّغَ خَرَجَ عَنِ العُهْدَةِ وبَقِيَ الأمْرُ مِن جانِبِكم وأنا عالِمٌ بِما تُبْدُونَ

صفحة ٨٦
وبِما تَكْتُمُونَ، فَإنْ خالَفْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ، وإنْ أطَعْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا زَجَرَ عَنِ المَعْصِيَةِ ورَغَّبَ في الطّاعَةِ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِالتَّكْلِيفِ بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِالتَّرْغِيبِ في الطّاعَةِ والتَّنْفِيرِ عَنِ المَعْصِيَةِ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أتْبَعَهُ بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ التَّرْغِيبِ في الطّاعَةِ والتَّنْفِيرِ عَنِ المَعْصِيَةِ فَقالَ: ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وذَلِكَ لِأنَّ الخَبِيثَ والطَّيِّبَ قِسْمانِ، أحَدُهُما: الَّذِي يَكُونُ جُسْمانِيًّا، وهو ظاهِرٌ لِكُلِّ أحَدٍ.

والثّانِي: الَّذِي يَكُونُ رُوحانِيًّا، وأخْبَثُ الخَبائِثِ الرُّوحانِيَّةِ الجَهْلُ والمَعْصِيَةُ، وأطْيَبُ الطَّيِّباتِ الرُّوحانِيَّةِ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى وطاعَةُ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ لِأنَّ الجِسْمَ الَّذِي يَلْتَصِقُ بِهِ شَيْءٌ مِنَ النَّجاساتِ يَصِيرُ مُسْتَقْذَرًا عِنْدَ أرْبابِ الطِّباعِ السَّلِيمَةِ، فَكَذَلِكَ الأرْواحُ المَوْصُوفَةُ بِالجَهْلِ بِاللَّهِ والإعْراضِ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى تَصِيرُ مُسْتَقْذَرَةً عِنْدَ الأرْواحِ الكامِلَةِ المُقَدَّسَةِ.

وأمّا الأرْواحُ العارِفَةُ بِاللَّهِ تَعالى المُواظِبَةُ عَلى خِدْمَةِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّها تَصِيرُ مُشْرِقَةً بِأنْوارِ المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ، مُبْتَهِجَةً بِالقُرْبِ مِنَ الأرْواحِ المُقَدَّسَةِ الطّاهِرَةِ، وكَما أنَّ الخَبِيثَ والطَّيِّبَ في عالَمِ الجُسْمانِيّاتِ لا يَسْتَوِيانِ، فَكَذَلِكَ في عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ لا يَسْتَوِيانِ، بَلِ المُبايَنَةُ بَيْنَهُما في عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ أشَدُّ؛ لِأنَّ مَضَرَّةَ خُبْثِ الخَبِيثِ الجُسْمانِيِّ شَيْءٌ قَلِيلٌ، ومَنفَعَتَهُ طَيِّبَةٌ مُخْتَصَرَةٌ، وأمّا خُبْثُ الخَبِيثِ الرُّوحانِيِّ فَمَضَرَّتُهُ عَظِيمَةٌ دائِمَةٌ أبَدِيَّةٌ، وطَيِّبُ الطَّيِّبِ الرُّوحانِيِّ فَمَنفَعَتُهُ عَظِيمَةٌ دائِمَةٌ أبَدِيَّةٌ، وهو القُرْبُ مِن جِوارِ رَبِّ العالَمِينَ، والِانْخِراطُ في زُمْرَةِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، والمُرافَقَةُ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ، فَكانَ هَذا مِن أعْظَمِ وُجُوهِ التَّرْغِيبِ في الطّاعَةِ والتَّنْفِيرِ عَنِ المَعْصِيَةِ.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ يَعْنِي أنَّ الَّذِي يَكُونُ خَبِيثًا في عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ قَدْ يَكُونُ طَيِّبًا في عالَمِ الجُسْمانِيّاتِ، ويَكُونُ كَثِيرَ المِقْدارِ، وعَظِيمَ اللَّذَّةِ، إلّا أنَّهُ مَعَ كَثْرَةِ مِقْدارِهِ ولَذاذَةِ مُتَناوَلِهِ وقُرْبِ وِجْدانِهِ، سَبَبٌ لِلْحِرْمانِ مِنَ السَّعاداتِ الباقِيَةِ الأبَدِيَّةِ السَّرْمَدِيَّةِ، الَّتِي إلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الكَهْفِ: ٤٦] وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فالخَبِيثُ ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَتُهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مُساوِيًا لِلطَّيِّبِ الَّذِي هو المَعْرِفَةُ والمَحَبَّةُ والطّاعَةُ والِابْتِهاجُ بِالسَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ والكَراماتِ الرَّبّانِيَّةِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ التَّرْغِيباتِ الكَثِيرَةَ في الطّاعَةِ، والتَّحْذِيراتِ مِنَ المَعْصِيَةِ، أتْبَعَها بِوَجْهٍ آخَرَ يُؤَكِّدُها، فَقالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ فاتَّقُوا اللَّهَ بَعْدَ هَذِهِ البَياناتِ الجَلِيَّةِ والتَّعْرِيفاتِ القَوِيَّةِ، ولا تُقْدِمُوا عَلى مُخالَفَتِهِ لَعَلَّكم تَصِيرُونَ فائِزِينَ بِالمَطالِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ والدِّينِيَّةِ العاجِلَةِ والآجِلَةِ.

‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Say, "Not equal are the evil and the good, although the abundance of evil might impress you." So fear Allah, O you of understanding, that you may be successful.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَّمَ التَّرْهِيبَ والتَّرْغِيبَ بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أتْبَعَهُ بِالتَّكْلِيفِ بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ يَعْنِي أنَّهُ كانَ مُكَلَّفًا بِالتَّبْلِيغِ فَلَمّا بَلَّغَ خَرَجَ عَنِ العُهْدَةِ وبَقِيَ الأمْرُ مِن جانِبِكم وأنا عالِمٌ بِما تُبْدُونَ

صفحة ٨٦
وبِما تَكْتُمُونَ، فَإنْ خالَفْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ، وإنْ أطَعْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا زَجَرَ عَنِ المَعْصِيَةِ ورَغَّبَ في الطّاعَةِ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِالتَّكْلِيفِ بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِالتَّرْغِيبِ في الطّاعَةِ والتَّنْفِيرِ عَنِ المَعْصِيَةِ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أتْبَعَهُ بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ التَّرْغِيبِ في الطّاعَةِ والتَّنْفِيرِ عَنِ المَعْصِيَةِ فَقالَ: ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وذَلِكَ لِأنَّ الخَبِيثَ والطَّيِّبَ قِسْمانِ، أحَدُهُما: الَّذِي يَكُونُ جُسْمانِيًّا، وهو ظاهِرٌ لِكُلِّ أحَدٍ.

والثّانِي: الَّذِي يَكُونُ رُوحانِيًّا، وأخْبَثُ الخَبائِثِ الرُّوحانِيَّةِ الجَهْلُ والمَعْصِيَةُ، وأطْيَبُ الطَّيِّباتِ الرُّوحانِيَّةِ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى وطاعَةُ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ لِأنَّ الجِسْمَ الَّذِي يَلْتَصِقُ بِهِ شَيْءٌ مِنَ النَّجاساتِ يَصِيرُ مُسْتَقْذَرًا عِنْدَ أرْبابِ الطِّباعِ السَّلِيمَةِ، فَكَذَلِكَ الأرْواحُ المَوْصُوفَةُ بِالجَهْلِ بِاللَّهِ والإعْراضِ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى تَصِيرُ مُسْتَقْذَرَةً عِنْدَ الأرْواحِ الكامِلَةِ المُقَدَّسَةِ.

وأمّا الأرْواحُ العارِفَةُ بِاللَّهِ تَعالى المُواظِبَةُ عَلى خِدْمَةِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّها تَصِيرُ مُشْرِقَةً بِأنْوارِ المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ، مُبْتَهِجَةً بِالقُرْبِ مِنَ الأرْواحِ المُقَدَّسَةِ الطّاهِرَةِ، وكَما أنَّ الخَبِيثَ والطَّيِّبَ في عالَمِ الجُسْمانِيّاتِ لا يَسْتَوِيانِ، فَكَذَلِكَ في عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ لا يَسْتَوِيانِ، بَلِ المُبايَنَةُ بَيْنَهُما في عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ أشَدُّ؛ لِأنَّ مَضَرَّةَ خُبْثِ الخَبِيثِ الجُسْمانِيِّ شَيْءٌ قَلِيلٌ، ومَنفَعَتَهُ طَيِّبَةٌ مُخْتَصَرَةٌ، وأمّا خُبْثُ الخَبِيثِ الرُّوحانِيِّ فَمَضَرَّتُهُ عَظِيمَةٌ دائِمَةٌ أبَدِيَّةٌ، وطَيِّبُ الطَّيِّبِ الرُّوحانِيِّ فَمَنفَعَتُهُ عَظِيمَةٌ دائِمَةٌ أبَدِيَّةٌ، وهو القُرْبُ مِن جِوارِ رَبِّ العالَمِينَ، والِانْخِراطُ في زُمْرَةِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، والمُرافَقَةُ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ، فَكانَ هَذا مِن أعْظَمِ وُجُوهِ التَّرْغِيبِ في الطّاعَةِ والتَّنْفِيرِ عَنِ المَعْصِيَةِ.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ يَعْنِي أنَّ الَّذِي يَكُونُ خَبِيثًا في عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ قَدْ يَكُونُ طَيِّبًا في عالَمِ الجُسْمانِيّاتِ، ويَكُونُ كَثِيرَ المِقْدارِ، وعَظِيمَ اللَّذَّةِ، إلّا أنَّهُ مَعَ كَثْرَةِ مِقْدارِهِ ولَذاذَةِ مُتَناوَلِهِ وقُرْبِ وِجْدانِهِ، سَبَبٌ لِلْحِرْمانِ مِنَ السَّعاداتِ الباقِيَةِ الأبَدِيَّةِ السَّرْمَدِيَّةِ، الَّتِي إلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الكَهْفِ: ٤٦] وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فالخَبِيثُ ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَتُهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مُساوِيًا لِلطَّيِّبِ الَّذِي هو المَعْرِفَةُ والمَحَبَّةُ والطّاعَةُ والِابْتِهاجُ بِالسَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ والكَراماتِ الرَّبّانِيَّةِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ التَّرْغِيباتِ الكَثِيرَةَ في الطّاعَةِ، والتَّحْذِيراتِ مِنَ المَعْصِيَةِ، أتْبَعَها بِوَجْهٍ آخَرَ يُؤَكِّدُها، فَقالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ فاتَّقُوا اللَّهَ بَعْدَ هَذِهِ البَياناتِ الجَلِيَّةِ والتَّعْرِيفاتِ القَوِيَّةِ، ولا تُقْدِمُوا عَلى مُخالَفَتِهِ لَعَلَّكم تَصِيرُونَ فائِزِينَ بِالمَطالِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ والدِّينِيَّةِ العاجِلَةِ والآجِلَةِ.

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

O you who have believed, do not ask about things which, if they are shown to you, will distress you. But if you ask about them while the Qur'an is being revealed, they will be shown to you. Allah has pardoned that which is past; and Allah is Forgiving and Forbearing.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ .

المَسْألَةُ الأُولى: في اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ صارَ التَّقْدِيرُ كَأنَّهُ قالَ: ما بَلَّغَهُ الرَّسُولُ إلَيْكم فَخُذُوهُ وكُونُوا مُنْقادِينَ لَهُ، وما لَمْ يُبَلِّغْهُ الرَّسُولُ إلَيْكم

صفحة ٨٧
فَلا تَسْألُوا عَنْهُ ولا تَخُوضُوا فِيهِ، فَإنَّكم إنْ خُضْتُمْ فِيما لا تَكْلِيفَ فِيهِ عَلَيْكم فَرُبَّما جاءَكم بِسَبَبِ ذَلِكَ الخَوْضِ الفاسِدِ مِنَ التَّكالِيفِ ما يَثْقُلُ عَلَيْكم ويَشُقُّ عَلَيْكم.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ وهَذا ادِّعاءٌ مِنهُ لِلرِّسالَةِ، ثُمَّ إنَّ الكُفّارَ كانُوا يُطالِبُونَهُ بَعْدَ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ، بِمُعْجِزاتٍ أُخَرَ عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ، كَما قالَ تَعالى حاكِيًا عَنْهم: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الإسْراءِ: ٩٠] إلى قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الإسْراءِ: ٩٣] والمَعْنى أنِّي رَسُولٌ أُمِرْتُ بِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ والشَّرائِعِ والأحْكامِ إلَيْكم، واللَّهُ تَعالى قَدْ أقامَ الدَّلالَةَ عَلى صِحَّةِ دَعْوايَ في الرِّسالَةِ بِإظْهارِ أنْواعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ المُعْجِزاتِ، فَبَعْدَ ذَلِكَ طَلَبُ الزِّيادَةِ مِن بابِ التَّحَكُّمِ وذَلِكَ لَيْسَ في وُسْعِي، ولَعَلَّ إظْهارَها يُوجِبُ ما يَسُوءُكم مِثْلُ أنَّها لَوْ ظَهَرَتْ فَكُلُّ مَن خالَفَ بَعْدَ ذَلِكَ اسْتَوْجَبَ العِقابَ في الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّ المُسْلِمِينَ لَمّا سَمِعُوا الكُفّارَ يُطالِبُونَ الرَّسُولَ ﷺ بِهَذِهِ المُعْجِزاتِ، وقَعَ في قُلُوبِهِمْ مَيْلٌ إلى ظُهُورِها فَعَرَفُوا في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم لا يَنْبَغِي أنْ يَطْلُبُوا ذَلِكَ فَرُبَّما كانَ ظُهُورُها يُوجِبُ ما يَسُوءُهم.

الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فاتْرُكُوا الأُمُورَ عَلى ظَواهِرِها ولا تَسْألُوا عَنْ أحْوالٍ مُخِيفَةٍ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكم.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: (أشْياءَ) جَمْعُ شَيْءٍ، وإنَّها غَيْرُ مُنْصَرِفَةٍ، ولِلنَّحْوِيِّينَ في سَبَبِ امْتِناعِ الصَّرْفِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: قَوْلُنا: شَيْءٌ، جَمْعُهُ في الأصْلِ شَيْآءُ، عَلى وزْنِ فَعْلاءَ، فاسْتَثْقَلُوا اجْتِماعَ الهَمْزَتَيْنِ في آخِرِهِ، فَنَقَلُوا الهَمْزَةَ الأُولى الَّتِي هي لامُ الفِعْلِ إلى أوَّلِ الكَلِمَةِ فَجاءَتْ: لَفْعاءُ، وذَلِكَ يُوجِبُ مَنعَ الصَّرْفِ لِثَلاثَةِ أوْجُهٍ، واحِدٌ مِنها مَذْكُورٌ، واثْنانِ خَطَرا بِبالِي:

أمّا الأوَّلُ: وهو المَذْكُورُ؛ فَهو أنَّ الكَلِمَةَ لَمّا كانَتْ في الأصْلِ عَلى وزْنِ فَعَلاءَ، مِثْلُ حَمْراءَ، لا جَرَمَ لَمْ تَنْصَرِفْ حَمْراءُ. ٥٠ والثّانِي: أنَّها لَمّا كانَتْ في الأصْلِ (شَيَآءَ) ثُمَّ جُعِلَتْ (أشْياءَ) كانَ ذَلِكَ تَشْبِيهًا بِالمَعْدُولِ كَما في عامِرٍ وعُمَرَ، وزافِرٍ وزُفَرَ، والعَدْلُ أحَدُ أسْبابِ مَنعِ الصَّرْفِ.

الثّالِثُ: وهو أنّا لَمّا قَطَعْنا الحَرْفَ الأخِيرَ مِنهُ وجَعَلْناهُ أوَّلَهُ، والكَلِمَةُ مِن حَيْثُ إنَّها قُطِعَ مِنها الحَرْفُ الأخِيرُ صارَتْ كَنِصْفِ الكَلِمَةِ، ونِصْفُ الكَلِمَةِ لا يَقْبَلُ الإعْرابَ، ومِن حَيْثُ إنَّ ذَلِكَ الحَرْفَ الَّذِي قَطَعْناهُ مِنها ما حَذَفْناهُ بِالكُلِّيَّةِ، بَلْ ألْصَقْناهُ بِأوَّلِها، كانَتِ الكَلِمَةُ كَأنَّها باقِيَةٌ بِتَمامِها، فَلا جَرَمَ مَنَعْناهُ بَعْضَ وُجُوهِ الإعْرابِ دُونَ البَعْضِ، تَنْبِيهًا عَلى هَذِهِ الحالَةِ، فَهَذا ما خَطَرَ بِالبالِ في هَذا المَقامِ.

الوَجْهُ الثّانِي في بَيانِ السَّبَبِ في مَنعِ الصَّرْفِ: ما ذَكَرَهُ الأخْفَشُ والفَرّاءُ وهو أنَّ (أشْياءَ) وزْنُهُ أفْعِلاءُ، كَقَوْلِهِ أصْدِقاءُ وأصْفِياءُ، ثُمَّ إنَّهُمُ اسْتَثْقَلُوا اجْتِماعَ الياءِ والهَمْزَتَيْنِ فَقَدَّمُوا الهَمْزَةَ، فَلَمّا كانَ (أشْياءُ) في الأصْلِ (أشْيِياءَ) عَلى وزْنِ أصْدِقاءَ وأفْعِلاءَ، وكانَ ذَلِكَ مِمّا لا يَجْرِي فِيهِ الصَّرْفُ، فَكَذا هاهُنا.

الوَجْهُ الثّالِثُ: ما ذَكَرَهُ الكِسائِيُّ وهو أنَّ (أشْياءَ) عَلى وزْنِ أفْعالٍ، إلّا أنَّهم لَمْ يَصْرِفُوهُ لِكَوْنِهِ شَبِيهًا في الظّاهِرِ بِحَمْراءَ وصَفْراءَ، وألْزَمَهُ الزَّجّاجُ أنْ لا يَنْصَرِفَ أسْماءٌ وأبْناءٌ، وعِنْدِي أنَّ سُؤالَ الزَّجّاجِ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ لِلْكِسائِيِّ أنْ يَقُولَ: القِياسُ يَقْتَضِي ذَلِكَ في أبْناءٍ وأسْماءٍ، إلّا أنَّهُ تُرِكَ العَمَلُ بِهِ لِلنَّصِّ؛ لِأنَّ النَّصَّ أقْوى مِنَ القِياسِ، ولَمْ يُوجَدِ النَّصُّ في لَفْظِ أشْياءَ فَوَجَبَ الجَرْيُ فِيهِ عَلى القِياسِ، ولِأنَّ المُحَقِّقِينَ مِنَ النَّحْوِيِّينَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ العِلَلَ النَّحْوِيَّةَ لا تُوجِبُ الِاطِّرادَ، ألا تَرى أنّا إذا قُلْنا: الفاعِلِيَّةُ تُوجِبُ الرَّفْعَ، لَزِمَنا أنْ نَحْكُمَ

صفحة ٨٨
بِحُصُولِ الرَّفْعِ في جَمِيعِ المَواضِعِ، كَقَوْلِنا جاءَنِي هَؤُلاءِ وضَرَبَنِي هَذا؛ بَلْ نَقُولُ: القِياسُ ذَلِكَ، فَيُعْمَلُ بِهِ إلّا إذا عارَضَهُ نَصٌّ، فَكَذا القَوْلُ فِيما أوْرَدَهُ الزَّجّاجُ عَلى الكِسائِيِّ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: «رَوى أنَسٌ أنَّهم سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ فَأكْثَرُوا المَسْألَةَ، فَقامَ عَلى المِنبَرِ فَقالَ: سَلُونِي فَواللَّهِ لا تَسْألُونِي عَنْ شَيْءٍ ما دُمْتُ في مَقامِي هَذا إلّا حَدَّثْتُكم بِهِ، فَقامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذافَةَ السَّهْمِيُّ وكانَ يُطْعَنُ في نَسَبِهِ، فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ مَن أبِي ؟ فَقالَ: أبُوكَ حُذافَةُ بْنُ قَيْسٍ، وقالَ سُراقَةُ بْنُ مالِكٍ - ويُرْوى عُكّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ - يا رَسُولَ اللَّهِ، الحَجُّ عَلَيْنا في كُلِّ عامٍ ؟ فَأعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى أعادَ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثَةً، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”ويْحَكَ وما يُؤَمِّنُكَ أنْ أقُولَ نَعَمْ، واللَّهِ لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ، ولَوْ وجَبَتْ لَتَرَكْتُمْ، ولَوْ تَرَكْتُمْ لَكَفَرْتُمْ، فاتْرُكُونِي ما تَرَكْتُكم؛ فَإنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِكَثْرَةِ سُؤالِهِمْ، فَإذا أمَرْتُكم بِشَيْءٍ فائْتُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ، وإذا نَهَيْتُكم عَنْ شَيْءٍ فاجْتَنِبُوهُ“ وقامَ آخَرُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيْنَ أبِي ؟ فَقالَ: ”فِي النّارِ“ ولَمّا اشْتَدَّ غَضَبُ الرَّسُولِ ﷺ قامَ عُمَرُ وقالَ: رَضِينا بِاللَّهِ رَبًّا وبِالإسْلامِ دِينًا وبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» .

واعْلَمْ أنَّ السُّؤالَ عَنِ الأشْياءِ رُبَّما يُؤَدِّي إلى ظُهُورِ أحْوالٍ مَكْتُومَةٍ يُكْرَهُ ظُهُورُها ورُبَّما تَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ تَكالِيفُ شاقَّةٌ صَعْبَةٌ، فالأوْلى بِالعاقِلِ أنْ يَسْكُتَ عَمّا لا تَكْلِيفَ عَلَيْهِ فِيهِ، ألا تَرى أنَّ الَّذِي سَألَ عَنْ أبِيهِ فَإنَّهُ لَمْ يَأْمَن أنْ يُلْحِقَهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِغَيْرِ أبِيهِ فَيَفْتَضِحَ، وأمّا السّائِلُ عَنِ الحَجِّ فَقَدْ كادَ أنْ يَكُونَ مِمَّنْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهِ: ”«إنَّ أعْظَمَ المُسْلِمِينَ في المُسْلِمِينَ جُرْمًا مَن كانَ سَبَبًا لِتَحْرِيمِ حَلالٍ» “ إذْ لَمْ يُؤْمَن أنْ يَقُولَ في الحَجِّ إيجابٌ في كُلِّ عامٍ. وكانَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ أحَلَّ وحَرَّمَ، فَما أحَلَّ فاسْتَحِلُّوهُ وما حَرَّمَ فاجْتَنِبُوهُ، وتَرَكَ بَيْنَ ذَلِكَ أشْياءَ لَمْ يُحَلِّلْها ولَمْ يُحَرِّمْها، فَذَلِكَ عَفْوٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ. وقالَ أبُو ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيُّ: إنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرائِضَ فَلا تُضَيِّعُوها، ونَهى عَنْ أشْياءَ فَلا تَنْتَهِكُوها، وحَدَّ حُدُودًا فَلا تَعْتَدُوها، وعَفا عَنْ أشْياءَ مِن غَيْرِ نِسْيانٍ فَلا تَبْحَثُوا عَنْها.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ وفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ بَيَّنَ بِالآيَةِ الأُولى أنَّ تِلْكَ الأشْياءَ الَّتِي سَألُوا عَنْها إنْ أُبْدِيَتْ لَهم ساءَتْهم، ثُمَّ بَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّهم إنْ سَألُوا عَنْها أُبْدِيَتْ لَهم، فَكانَ حاصِلُ الكَلامِ أنَّهم إنْ سَألُوا عَنْها أُبْدِيَتْ لَهم، وإنْ أُبْدِيَتْ لَهم ساءَتْهم، فَيَلْزَمُ مِن مَجْمُوعِ المُقَدِّمَتَيْنِ أنَّهم إنْ سَألُوا عَنْها ظَهَرَ لَهم ما يَسُوءُهم ولا يَسُرُّهم.

والوَجْهُ الثّانِي في تَأْوِيلِ الآيَةِ: أنَّ السُّؤالَ عَلى قِسْمَيْنِ، أحَدُهُما: السُّؤالُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يَجُزْ ذِكْرُهُ في الكِتابِ والسُّنَّةِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَهَذا السُّؤالُ مَنهِيٌّ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ .

والنَّوْعُ الثّانِي مِنَ السُّؤالِ: السُّؤالُ عَنْ شَيْءٍ نَزَلَ بِهِ القُرْآنُ لَكِنَّ السّامِعَ لَمْ يَفْهَمْهُ كَما يَنْبَغِي فَهاهُنا

صفحة ٨٩
السُّؤالُ واجِبٌ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ والفائِدَةُ في ذِكْرِ هَذا القِسْمِ أنَّهُ لَمّا مَنَعَ في الآيَةِ الأُولى مِنَ السُّؤالِ أوْهَمَ أنَّ جَمِيعَ أنْواعِ السُّؤالِ مَمْنُوعٌ مِنهُ، فَذَكَرَ ذَلِكَ تَمْيِيزًا لِهَذا القِسْمِ عَنْ ذَلِكَ القِسْمِ.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ هَذا الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الأشْياءِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ فَكَيْفَ يُعْقَلُ في (أشْياءَ) بِأعْيانِها أنْ يَكُونَ السُّؤالُ عَنْها مَمْنُوعًا وجائِزًا مَعًا ؟

قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: جائِزٌ أنْ يَكُونَ السُّؤالُ عَنْها مَمْنُوعًا قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ بِها ومَأْمُورًا بِهِ بَعْدَ نُزُولِ القُرْآنِ بِها.

والثّانِي: أنَّهُما وإنْ كانا نَوْعَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، إلّا أنَّهُما في كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَسْئُولًا عَنْهُ شَيْءٌ واحِدٌ، فَلِهَذا الوَجْهِ حَسُنَ اتِّحادُ الضَّمِيرِ وإنْ كانا في الحَقِيقَةِ نَوْعَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ.

الوَجْهُ الثّالِثُ في تَأْوِيلِ الآيَةِ: أنَّ قَوْلَهُ: ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ دَلَّ عَلى سُؤالاتِهِمْ عَنْ تِلْكَ الأشْياءِ، فَقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ وإنْ تَسْألُوا عَنْ تِلْكَ السُّؤالاتِ حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ يُبَيَّنْ لَكم أنَّ تِلْكَ السُّؤالاتِ هَلْ هي جائِزَةٌ أمْ لا ؟ والحاصِلُ أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يَجِبُ السُّؤالُ أوَّلًا، وأنَّهُ هَلْ يَجُوزُ السُّؤالُ عَنْ كَذا وكَذا أمْ لا.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ مِن مَسائِلِكم وإغْضابِكم لِلرَّسُولِ بِسَبَبِها، فَلا تَعُودُوا إلى مِثْلِها.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّ تِلْكَ الأشْياءَ الَّتِي سَألُوا عَنْها إنْ أُبْدِيَتْ لَهم ساءَتْهم، فَقالَ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ يَعْنِي عَمّا ظَهَرَ عِنْدَ تِلْكَ السُّؤالاتِ مِمّا يَسُوءُكم ويَثْقُلُ ويَشُقُّ في التَّكْلِيفِ عَلَيْكم.

الثّالِثُ: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ عَفا اللَّهُ عَنْها في الآيَةِ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ الكَلامَ إذا اسْتَقامَ مِن غَيْرِ تَغْيِيرِ النَّظْمِ لَمْ يَجُزِ المَصِيرُ إلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فَقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ أمْسَكَ عَنْها وكَفَّ عَنْ ذِكْرِها ولَمْ يُكَلِّفْ فِيها بِشَيْءٍ، وهَذا كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«عَفَوْتُ لَكم عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ، والرَّقِيقِ» “ أيْ خَفَّفْتُ عَنْكم بِإسْقاطِها.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ما ذَكَرْناهُ في الوَجْهِ الأوَّلِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي قَوْمَ صالِحٍ سَألُوا النّاقَةَ ثُمَّ عَقَرُوها، وقَوْمُ مُوسى قالُوا: ﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فَصارَ ذَلِكَ وبالًا عَلَيْهِمْ، وبَنُو إسْرائِيلَ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ و‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ [البَقَرَةِ: ٢٤٧] فَسَألُوها ثُمَّ كَفَرُوا بِها، وقَوْمُ عِيسى سَألُوا المائِدَةَ ثُمَّ كَفَرُوا بِها، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: أُولَئِكَ سَألُوا فَلَمّا أُعْطُوا سُؤْلَهم ساءَهم ذَلِكَ فَلا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ فَلَعَلَّكم إنْ أُعْطِيتُمْ سُؤْلَكم ساءَكم ذَلِكَ. فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى قالَ أوَّلًا: ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ثُمَّ قالَ هاهُنا: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ وكانَ الأوْلى أنْ يَقُولَ: قَدْ سَألَ عَنْها قَوْمٌ فَما السَّبَبُ في ذَلِكَ ؟

صفحة ٩٠
قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ السُّؤالَ عَنِ الشَّيْءِ عِبارَةٌ عَنِ السُّؤالِ عَنْ حالَةٍ مِن أحْوالِهِ وصِفَةٍ مِن صِفاتِهِ، وسُؤالُ الشَّيْءِ عِبارَةٌ عَنْ طَلَبِ ذَلِكَ الشَّيْءِ في نَفْسِهِ، يُقالُ: سَألْتُهُ دِرْهَمًا؛ أيْ طَلَبْتُ مِنهُ الدِّرْهَمَ، ويُقالُ: سَألْتُهُ عَنِ الدِّرْهَمِ؛ أيْ سَألْتُهُ عَنْ صِفَةِ الدِّرْهَمِ وعَنْ نَعْتِهِ، فالمُتَقَدِّمُونَ إنَّما سَألُوا مِنَ اللَّهِ إخْراجَ النّاقَةِ مِنَ الصَّخْرَةِ، وإنْزالَ المائِدَةِ مِنَ السَّماءِ، فَهم سَألُوا نَفْسَ الشَّيْءِ، وأمّا أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ فَهم ما سَألُوا ذَلِكَ، وإنَّما سَألُوا عَنْ أحْوالِ الأشْياءِ وصِفاتِها، فَلَمّا اخْتَلَفَ السُّؤالانِ في النَّوْعِ اخْتَلَفَتِ العِبارَةُ أيْضًا، إلّا أنَّ كِلا القِسْمَيْنِ يَشْتَرِكانِ في وصْفٍ واحِدٍ، وهو أنَّهُ خَوْضٌ في الفُضُولِ، وشُرُوعٌ فِيما لا حاجَةَ إلَيْهِ، وفِيهِ خَطَرُ المَفْسَدَةِ، والشَّيْءُ الَّذِي لا يُحْتاجُ إلَيْهِ ويَكُونُ فِيهِ خَطَرُ المَفْسَدَةِ يَجِبُ عَلى العاقِلِ الِاحْتِرازُ عَنْهُ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ قَوْمَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في السُّؤالِ عَنْ أحْوالِ الأشْياءِ مُشابِهُونَ لِأُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ في سُؤالِ تِلْكَ الأشْياءِ في كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما فُضُولًا وخَوْضًا فِيما لا فائِدَةَ فِيهِ.

والوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ أنَّ الهاءَ في قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ غَيْرُ عائِدَةٍ إلى الأشْياءِ الَّتِي سَألُوا عَنْها، بَلْ عائِدَةٌ إلى سُؤالاتِهِمْ عَنْ تِلْكَ الأشْياءِ، والتَّقْدِيرُ: قَدْ سَألَ تِلْكَ السُّؤالاتِ الفاسِدَةَ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم، فَلَمّا أُجِيبُوا عَنْها أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ.

‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

A people asked such [questions] before you; then they became thereby disbelievers.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ .

المَسْألَةُ الأُولى: في اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ صارَ التَّقْدِيرُ كَأنَّهُ قالَ: ما بَلَّغَهُ الرَّسُولُ إلَيْكم فَخُذُوهُ وكُونُوا مُنْقادِينَ لَهُ، وما لَمْ يُبَلِّغْهُ الرَّسُولُ إلَيْكم

صفحة ٨٧
فَلا تَسْألُوا عَنْهُ ولا تَخُوضُوا فِيهِ، فَإنَّكم إنْ خُضْتُمْ فِيما لا تَكْلِيفَ فِيهِ عَلَيْكم فَرُبَّما جاءَكم بِسَبَبِ ذَلِكَ الخَوْضِ الفاسِدِ مِنَ التَّكالِيفِ ما يَثْقُلُ عَلَيْكم ويَشُقُّ عَلَيْكم.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ وهَذا ادِّعاءٌ مِنهُ لِلرِّسالَةِ، ثُمَّ إنَّ الكُفّارَ كانُوا يُطالِبُونَهُ بَعْدَ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ، بِمُعْجِزاتٍ أُخَرَ عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ، كَما قالَ تَعالى حاكِيًا عَنْهم: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الإسْراءِ: ٩٠] إلى قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الإسْراءِ: ٩٣] والمَعْنى أنِّي رَسُولٌ أُمِرْتُ بِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ والشَّرائِعِ والأحْكامِ إلَيْكم، واللَّهُ تَعالى قَدْ أقامَ الدَّلالَةَ عَلى صِحَّةِ دَعْوايَ في الرِّسالَةِ بِإظْهارِ أنْواعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ المُعْجِزاتِ، فَبَعْدَ ذَلِكَ طَلَبُ الزِّيادَةِ مِن بابِ التَّحَكُّمِ وذَلِكَ لَيْسَ في وُسْعِي، ولَعَلَّ إظْهارَها يُوجِبُ ما يَسُوءُكم مِثْلُ أنَّها لَوْ ظَهَرَتْ فَكُلُّ مَن خالَفَ بَعْدَ ذَلِكَ اسْتَوْجَبَ العِقابَ في الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّ المُسْلِمِينَ لَمّا سَمِعُوا الكُفّارَ يُطالِبُونَ الرَّسُولَ ﷺ بِهَذِهِ المُعْجِزاتِ، وقَعَ في قُلُوبِهِمْ مَيْلٌ إلى ظُهُورِها فَعَرَفُوا في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم لا يَنْبَغِي أنْ يَطْلُبُوا ذَلِكَ فَرُبَّما كانَ ظُهُورُها يُوجِبُ ما يَسُوءُهم.

الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فاتْرُكُوا الأُمُورَ عَلى ظَواهِرِها ولا تَسْألُوا عَنْ أحْوالٍ مُخِيفَةٍ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكم.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: (أشْياءَ) جَمْعُ شَيْءٍ، وإنَّها غَيْرُ مُنْصَرِفَةٍ، ولِلنَّحْوِيِّينَ في سَبَبِ امْتِناعِ الصَّرْفِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: قَوْلُنا: شَيْءٌ، جَمْعُهُ في الأصْلِ شَيْآءُ، عَلى وزْنِ فَعْلاءَ، فاسْتَثْقَلُوا اجْتِماعَ الهَمْزَتَيْنِ في آخِرِهِ، فَنَقَلُوا الهَمْزَةَ الأُولى الَّتِي هي لامُ الفِعْلِ إلى أوَّلِ الكَلِمَةِ فَجاءَتْ: لَفْعاءُ، وذَلِكَ يُوجِبُ مَنعَ الصَّرْفِ لِثَلاثَةِ أوْجُهٍ، واحِدٌ مِنها مَذْكُورٌ، واثْنانِ خَطَرا بِبالِي:

أمّا الأوَّلُ: وهو المَذْكُورُ؛ فَهو أنَّ الكَلِمَةَ لَمّا كانَتْ في الأصْلِ عَلى وزْنِ فَعَلاءَ، مِثْلُ حَمْراءَ، لا جَرَمَ لَمْ تَنْصَرِفْ حَمْراءُ. ٥٠ والثّانِي: أنَّها لَمّا كانَتْ في الأصْلِ (شَيَآءَ) ثُمَّ جُعِلَتْ (أشْياءَ) كانَ ذَلِكَ تَشْبِيهًا بِالمَعْدُولِ كَما في عامِرٍ وعُمَرَ، وزافِرٍ وزُفَرَ، والعَدْلُ أحَدُ أسْبابِ مَنعِ الصَّرْفِ.

الثّالِثُ: وهو أنّا لَمّا قَطَعْنا الحَرْفَ الأخِيرَ مِنهُ وجَعَلْناهُ أوَّلَهُ، والكَلِمَةُ مِن حَيْثُ إنَّها قُطِعَ مِنها الحَرْفُ الأخِيرُ صارَتْ كَنِصْفِ الكَلِمَةِ، ونِصْفُ الكَلِمَةِ لا يَقْبَلُ الإعْرابَ، ومِن حَيْثُ إنَّ ذَلِكَ الحَرْفَ الَّذِي قَطَعْناهُ مِنها ما حَذَفْناهُ بِالكُلِّيَّةِ، بَلْ ألْصَقْناهُ بِأوَّلِها، كانَتِ الكَلِمَةُ كَأنَّها باقِيَةٌ بِتَمامِها، فَلا جَرَمَ مَنَعْناهُ بَعْضَ وُجُوهِ الإعْرابِ دُونَ البَعْضِ، تَنْبِيهًا عَلى هَذِهِ الحالَةِ، فَهَذا ما خَطَرَ بِالبالِ في هَذا المَقامِ.

الوَجْهُ الثّانِي في بَيانِ السَّبَبِ في مَنعِ الصَّرْفِ: ما ذَكَرَهُ الأخْفَشُ والفَرّاءُ وهو أنَّ (أشْياءَ) وزْنُهُ أفْعِلاءُ، كَقَوْلِهِ أصْدِقاءُ وأصْفِياءُ، ثُمَّ إنَّهُمُ اسْتَثْقَلُوا اجْتِماعَ الياءِ والهَمْزَتَيْنِ فَقَدَّمُوا الهَمْزَةَ، فَلَمّا كانَ (أشْياءُ) في الأصْلِ (أشْيِياءَ) عَلى وزْنِ أصْدِقاءَ وأفْعِلاءَ، وكانَ ذَلِكَ مِمّا لا يَجْرِي فِيهِ الصَّرْفُ، فَكَذا هاهُنا.

الوَجْهُ الثّالِثُ: ما ذَكَرَهُ الكِسائِيُّ وهو أنَّ (أشْياءَ) عَلى وزْنِ أفْعالٍ، إلّا أنَّهم لَمْ يَصْرِفُوهُ لِكَوْنِهِ شَبِيهًا في الظّاهِرِ بِحَمْراءَ وصَفْراءَ، وألْزَمَهُ الزَّجّاجُ أنْ لا يَنْصَرِفَ أسْماءٌ وأبْناءٌ، وعِنْدِي أنَّ سُؤالَ الزَّجّاجِ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ لِلْكِسائِيِّ أنْ يَقُولَ: القِياسُ يَقْتَضِي ذَلِكَ في أبْناءٍ وأسْماءٍ، إلّا أنَّهُ تُرِكَ العَمَلُ بِهِ لِلنَّصِّ؛ لِأنَّ النَّصَّ أقْوى مِنَ القِياسِ، ولَمْ يُوجَدِ النَّصُّ في لَفْظِ أشْياءَ فَوَجَبَ الجَرْيُ فِيهِ عَلى القِياسِ، ولِأنَّ المُحَقِّقِينَ مِنَ النَّحْوِيِّينَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ العِلَلَ النَّحْوِيَّةَ لا تُوجِبُ الِاطِّرادَ، ألا تَرى أنّا إذا قُلْنا: الفاعِلِيَّةُ تُوجِبُ الرَّفْعَ، لَزِمَنا أنْ نَحْكُمَ

صفحة ٨٨
بِحُصُولِ الرَّفْعِ في جَمِيعِ المَواضِعِ، كَقَوْلِنا جاءَنِي هَؤُلاءِ وضَرَبَنِي هَذا؛ بَلْ نَقُولُ: القِياسُ ذَلِكَ، فَيُعْمَلُ بِهِ إلّا إذا عارَضَهُ نَصٌّ، فَكَذا القَوْلُ فِيما أوْرَدَهُ الزَّجّاجُ عَلى الكِسائِيِّ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: «رَوى أنَسٌ أنَّهم سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ فَأكْثَرُوا المَسْألَةَ، فَقامَ عَلى المِنبَرِ فَقالَ: سَلُونِي فَواللَّهِ لا تَسْألُونِي عَنْ شَيْءٍ ما دُمْتُ في مَقامِي هَذا إلّا حَدَّثْتُكم بِهِ، فَقامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذافَةَ السَّهْمِيُّ وكانَ يُطْعَنُ في نَسَبِهِ، فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ مَن أبِي ؟ فَقالَ: أبُوكَ حُذافَةُ بْنُ قَيْسٍ، وقالَ سُراقَةُ بْنُ مالِكٍ - ويُرْوى عُكّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ - يا رَسُولَ اللَّهِ، الحَجُّ عَلَيْنا في كُلِّ عامٍ ؟ فَأعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى أعادَ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثَةً، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”ويْحَكَ وما يُؤَمِّنُكَ أنْ أقُولَ نَعَمْ، واللَّهِ لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ، ولَوْ وجَبَتْ لَتَرَكْتُمْ، ولَوْ تَرَكْتُمْ لَكَفَرْتُمْ، فاتْرُكُونِي ما تَرَكْتُكم؛ فَإنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِكَثْرَةِ سُؤالِهِمْ، فَإذا أمَرْتُكم بِشَيْءٍ فائْتُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ، وإذا نَهَيْتُكم عَنْ شَيْءٍ فاجْتَنِبُوهُ“ وقامَ آخَرُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيْنَ أبِي ؟ فَقالَ: ”فِي النّارِ“ ولَمّا اشْتَدَّ غَضَبُ الرَّسُولِ ﷺ قامَ عُمَرُ وقالَ: رَضِينا بِاللَّهِ رَبًّا وبِالإسْلامِ دِينًا وبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» .

واعْلَمْ أنَّ السُّؤالَ عَنِ الأشْياءِ رُبَّما يُؤَدِّي إلى ظُهُورِ أحْوالٍ مَكْتُومَةٍ يُكْرَهُ ظُهُورُها ورُبَّما تَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ تَكالِيفُ شاقَّةٌ صَعْبَةٌ، فالأوْلى بِالعاقِلِ أنْ يَسْكُتَ عَمّا لا تَكْلِيفَ عَلَيْهِ فِيهِ، ألا تَرى أنَّ الَّذِي سَألَ عَنْ أبِيهِ فَإنَّهُ لَمْ يَأْمَن أنْ يُلْحِقَهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِغَيْرِ أبِيهِ فَيَفْتَضِحَ، وأمّا السّائِلُ عَنِ الحَجِّ فَقَدْ كادَ أنْ يَكُونَ مِمَّنْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهِ: ”«إنَّ أعْظَمَ المُسْلِمِينَ في المُسْلِمِينَ جُرْمًا مَن كانَ سَبَبًا لِتَحْرِيمِ حَلالٍ» “ إذْ لَمْ يُؤْمَن أنْ يَقُولَ في الحَجِّ إيجابٌ في كُلِّ عامٍ. وكانَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ أحَلَّ وحَرَّمَ، فَما أحَلَّ فاسْتَحِلُّوهُ وما حَرَّمَ فاجْتَنِبُوهُ، وتَرَكَ بَيْنَ ذَلِكَ أشْياءَ لَمْ يُحَلِّلْها ولَمْ يُحَرِّمْها، فَذَلِكَ عَفْوٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ. وقالَ أبُو ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيُّ: إنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرائِضَ فَلا تُضَيِّعُوها، ونَهى عَنْ أشْياءَ فَلا تَنْتَهِكُوها، وحَدَّ حُدُودًا فَلا تَعْتَدُوها، وعَفا عَنْ أشْياءَ مِن غَيْرِ نِسْيانٍ فَلا تَبْحَثُوا عَنْها.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ وفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ بَيَّنَ بِالآيَةِ الأُولى أنَّ تِلْكَ الأشْياءَ الَّتِي سَألُوا عَنْها إنْ أُبْدِيَتْ لَهم ساءَتْهم، ثُمَّ بَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّهم إنْ سَألُوا عَنْها أُبْدِيَتْ لَهم، فَكانَ حاصِلُ الكَلامِ أنَّهم إنْ سَألُوا عَنْها أُبْدِيَتْ لَهم، وإنْ أُبْدِيَتْ لَهم ساءَتْهم، فَيَلْزَمُ مِن مَجْمُوعِ المُقَدِّمَتَيْنِ أنَّهم إنْ سَألُوا عَنْها ظَهَرَ لَهم ما يَسُوءُهم ولا يَسُرُّهم.

والوَجْهُ الثّانِي في تَأْوِيلِ الآيَةِ: أنَّ السُّؤالَ عَلى قِسْمَيْنِ، أحَدُهُما: السُّؤالُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يَجُزْ ذِكْرُهُ في الكِتابِ والسُّنَّةِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَهَذا السُّؤالُ مَنهِيٌّ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ .

والنَّوْعُ الثّانِي مِنَ السُّؤالِ: السُّؤالُ عَنْ شَيْءٍ نَزَلَ بِهِ القُرْآنُ لَكِنَّ السّامِعَ لَمْ يَفْهَمْهُ كَما يَنْبَغِي فَهاهُنا

صفحة ٨٩
السُّؤالُ واجِبٌ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ والفائِدَةُ في ذِكْرِ هَذا القِسْمِ أنَّهُ لَمّا مَنَعَ في الآيَةِ الأُولى مِنَ السُّؤالِ أوْهَمَ أنَّ جَمِيعَ أنْواعِ السُّؤالِ مَمْنُوعٌ مِنهُ، فَذَكَرَ ذَلِكَ تَمْيِيزًا لِهَذا القِسْمِ عَنْ ذَلِكَ القِسْمِ.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ هَذا الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الأشْياءِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ فَكَيْفَ يُعْقَلُ في (أشْياءَ) بِأعْيانِها أنْ يَكُونَ السُّؤالُ عَنْها مَمْنُوعًا وجائِزًا مَعًا ؟

قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: جائِزٌ أنْ يَكُونَ السُّؤالُ عَنْها مَمْنُوعًا قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ بِها ومَأْمُورًا بِهِ بَعْدَ نُزُولِ القُرْآنِ بِها.

والثّانِي: أنَّهُما وإنْ كانا نَوْعَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، إلّا أنَّهُما في كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَسْئُولًا عَنْهُ شَيْءٌ واحِدٌ، فَلِهَذا الوَجْهِ حَسُنَ اتِّحادُ الضَّمِيرِ وإنْ كانا في الحَقِيقَةِ نَوْعَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ.

الوَجْهُ الثّالِثُ في تَأْوِيلِ الآيَةِ: أنَّ قَوْلَهُ: ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ دَلَّ عَلى سُؤالاتِهِمْ عَنْ تِلْكَ الأشْياءِ، فَقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ وإنْ تَسْألُوا عَنْ تِلْكَ السُّؤالاتِ حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ يُبَيَّنْ لَكم أنَّ تِلْكَ السُّؤالاتِ هَلْ هي جائِزَةٌ أمْ لا ؟ والحاصِلُ أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يَجِبُ السُّؤالُ أوَّلًا، وأنَّهُ هَلْ يَجُوزُ السُّؤالُ عَنْ كَذا وكَذا أمْ لا.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ مِن مَسائِلِكم وإغْضابِكم لِلرَّسُولِ بِسَبَبِها، فَلا تَعُودُوا إلى مِثْلِها.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّ تِلْكَ الأشْياءَ الَّتِي سَألُوا عَنْها إنْ أُبْدِيَتْ لَهم ساءَتْهم، فَقالَ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ يَعْنِي عَمّا ظَهَرَ عِنْدَ تِلْكَ السُّؤالاتِ مِمّا يَسُوءُكم ويَثْقُلُ ويَشُقُّ في التَّكْلِيفِ عَلَيْكم.

الثّالِثُ: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ عَفا اللَّهُ عَنْها في الآيَةِ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ الكَلامَ إذا اسْتَقامَ مِن غَيْرِ تَغْيِيرِ النَّظْمِ لَمْ يَجُزِ المَصِيرُ إلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فَقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ أمْسَكَ عَنْها وكَفَّ عَنْ ذِكْرِها ولَمْ يُكَلِّفْ فِيها بِشَيْءٍ، وهَذا كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«عَفَوْتُ لَكم عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ، والرَّقِيقِ» “ أيْ خَفَّفْتُ عَنْكم بِإسْقاطِها.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ما ذَكَرْناهُ في الوَجْهِ الأوَّلِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي قَوْمَ صالِحٍ سَألُوا النّاقَةَ ثُمَّ عَقَرُوها، وقَوْمُ مُوسى قالُوا: ﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فَصارَ ذَلِكَ وبالًا عَلَيْهِمْ، وبَنُو إسْرائِيلَ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ و‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ [البَقَرَةِ: ٢٤٧] فَسَألُوها ثُمَّ كَفَرُوا بِها، وقَوْمُ عِيسى سَألُوا المائِدَةَ ثُمَّ كَفَرُوا بِها، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: أُولَئِكَ سَألُوا فَلَمّا أُعْطُوا سُؤْلَهم ساءَهم ذَلِكَ فَلا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ فَلَعَلَّكم إنْ أُعْطِيتُمْ سُؤْلَكم ساءَكم ذَلِكَ. فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى قالَ أوَّلًا: ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ثُمَّ قالَ هاهُنا: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ وكانَ الأوْلى أنْ يَقُولَ: قَدْ سَألَ عَنْها قَوْمٌ فَما السَّبَبُ في ذَلِكَ ؟

صفحة ٩٠
قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ السُّؤالَ عَنِ الشَّيْءِ عِبارَةٌ عَنِ السُّؤالِ عَنْ حالَةٍ مِن أحْوالِهِ وصِفَةٍ مِن صِفاتِهِ، وسُؤالُ الشَّيْءِ عِبارَةٌ عَنْ طَلَبِ ذَلِكَ الشَّيْءِ في نَفْسِهِ، يُقالُ: سَألْتُهُ دِرْهَمًا؛ أيْ طَلَبْتُ مِنهُ الدِّرْهَمَ، ويُقالُ: سَألْتُهُ عَنِ الدِّرْهَمِ؛ أيْ سَألْتُهُ عَنْ صِفَةِ الدِّرْهَمِ وعَنْ نَعْتِهِ، فالمُتَقَدِّمُونَ إنَّما سَألُوا مِنَ اللَّهِ إخْراجَ النّاقَةِ مِنَ الصَّخْرَةِ، وإنْزالَ المائِدَةِ مِنَ السَّماءِ، فَهم سَألُوا نَفْسَ الشَّيْءِ، وأمّا أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ فَهم ما سَألُوا ذَلِكَ، وإنَّما سَألُوا عَنْ أحْوالِ الأشْياءِ وصِفاتِها، فَلَمّا اخْتَلَفَ السُّؤالانِ في النَّوْعِ اخْتَلَفَتِ العِبارَةُ أيْضًا، إلّا أنَّ كِلا القِسْمَيْنِ يَشْتَرِكانِ في وصْفٍ واحِدٍ، وهو أنَّهُ خَوْضٌ في الفُضُولِ، وشُرُوعٌ فِيما لا حاجَةَ إلَيْهِ، وفِيهِ خَطَرُ المَفْسَدَةِ، والشَّيْءُ الَّذِي لا يُحْتاجُ إلَيْهِ ويَكُونُ فِيهِ خَطَرُ المَفْسَدَةِ يَجِبُ عَلى العاقِلِ الِاحْتِرازُ عَنْهُ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ قَوْمَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في السُّؤالِ عَنْ أحْوالِ الأشْياءِ مُشابِهُونَ لِأُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ في سُؤالِ تِلْكَ الأشْياءِ في كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما فُضُولًا وخَوْضًا فِيما لا فائِدَةَ فِيهِ.

والوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ أنَّ الهاءَ في قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ غَيْرُ عائِدَةٍ إلى الأشْياءِ الَّتِي سَألُوا عَنْها، بَلْ عائِدَةٌ إلى سُؤالاتِهِمْ عَنْ تِلْكَ الأشْياءِ، والتَّقْدِيرُ: قَدْ سَألَ تِلْكَ السُّؤالاتِ الفاسِدَةَ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم، فَلَمّا أُجِيبُوا عَنْها أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ.

‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Allah has not appointed [such innovations as] bahirah or sa'ibah or wasilah or ham. But those who disbelieve invent falsehood about Allah, and most of them do not reason.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا مَنَعَ النّاسَ مِنَ البَحْثِ عَنْ أُمُورٍ ما كُلِّفُوا بِالبَحْثِ عَنْها، كَذَلِكَ مَنَعَهم عَنِ التِزامِ أُمُورٍ ما كُلِّفُوا التِزامَها، ولَمّا كانَ الكُفّارُ يُحَرِّمُونَ عَلى أنْفُسِهِمُ الِانْتِفاعَ بِهَذِهِ الحَيَواناتِ وإنْ كانُوا في غايَةِ الِاحْتِياجِ إلى الِانْتِفاعِ بِها، بَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ باطِلٌ فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ يُقالُ: فَعَلَ وعَمِلَ وطَفِقَ وجَعَلَ وأنْشَأ وأقْبَلَ، وبَعْضُها أعَمُّ مِن بَعْضٍ، وأكْثَرُها عُمُومًا فَعَلَ؛ لِأنَّهُ واقِعٌ عَلى أعْمالِ الجَوارِحِ وأعْمالِ القُلُوبِ، أمّا إنَّهُ واقِعٌ عَلى أعْمالِ الجَوارِحِ فَظاهِرٌ، وأمّا إنَّهُ واقِعٌ عَلى أعْمالِ القُلُوبِ، فَدَلِيلٌ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ إلى قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النَّحْلِ: ٣٣] وأمّا (عَمِلَ) فَإنَّهُ أخَصُّ مِن فَعَلَ؛ لِأنَّهُ لا يَقَعُ إلّا عَلى أعْمالِ الجَوارِحِ، ولا يَقَعُ عَلى الهَمِّ والعَزْمِ والقَصْدِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«نِيَّةُ المُؤْمِنِ خَيْرٌ مِن عَمَلِهِ» “ جَعَلَ النِّيَّةَ خَيْرًا مِنَ العَمَلِ، فَلَوْ كانَتِ النِّيَّةُ عَمَلًا، لَزِمَ كَوْنُ النِّيَّةِ خَيْرًا مِن نَفْسِها، وأمّا ”جَعَلَ“ فَلَهُ وُجُوهٌ:

أحَدُها: الحُكْمُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الزُّخْرُفِ: ١٩] .

وثانِيها: الخَلْقُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنْعامِ: ١] . وثالِثُها: بِمَعْنى التَّصْيِيرِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: (إنّا)

صفحة ٩١
﴿جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣] .
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ أيْ ما حَكَمَ اللَّهُ بِذَلِكَ ولا شَرَعَ ولا أمَرَ بِهِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هاهُنا أرْبَعَةَ أشْياءَ:

أوَّلُها: البَحِيرَةُ، وهي فَعِيلَةٌ مِنَ البَحْرِ وهو الشَّقُّ، يُقالُ: بَحَرَ ناقَتَهُ: إذا شَقَّ أُذُنَها، وهي بِمَعْنى المَفْعُولِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والزَّجّاجُ: النّاقَةُ إذا نَتَجَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ وكانَ آخِرُها ذَكَرًا شَقُّوا أُذُنَ النّاقَةِ وامْتَنَعُوا مِن رُكُوبِها وذَبْحِها وسَيَّبُوها لِآلِهَتِهِمْ، ولا يُجَزُّ لَها وبَرٌ، ولا يُحْمَلُ عَلى ظَهْرِها، ولا تُطْرَدُ عَنْ ماءٍ، ولا تُمْنَعُ عَنْ مَرْعًى، ولا يُنْتَفَعُ بِها، وإذا لَقِيَها المُعْيى لَمْ يَرْكَبْها تَحْرِيجًا.

وأمّا السّائِبَةُ: فَهي فاعِلَةٌ مِن سابَ: إذا جَرى عَلى وجْهِ الأرْضِ، يُقالُ: سابَ الماءُ وسابَتِ الحَيَّةُ، فالسّائِبَةُ هي الَّتِي تُرِكَتْ حَتّى تَسِيبَ إلى حَيْثُ شاءَتْ، وهي المُسَيَّبَةُ، كَعِيشَةٍ راضِيَةٍ، بِمَعْنى مَرْضِيَّةٍ، وذَكَرُوا فِيها وُجُوهًا:

أحَدُها: ما ذَكَرَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وهو أنَّ الرَّجُلَ كانَ إذا مَرِضَ أوْ قَدِمَ مِن سَفَرٍ أوْ نَذَرَ نَذْرًا أوْ شَكَرَ نِعْمَةً سَيَّبَ بَعِيرًا، فَكانَ بِمَنزِلَةِ البَحِيرَةِ في جَمِيعِ ما حَكَمُوا لَها.

وثانِيها: قالَ الفَرّاءُ: إذا ولَدَتِ النّاقَةُ عَشَرَةَ أبْطُنٍ كُلُّهُنَّ إناثٌ، سُيِّبَتْ فَلَمْ تُرْكَبْ ولَمْ تُحْلَبْ ولَمْ يُجَزَّ لَها وبَرٌ، ولَمْ يَشْرَبْ لَبَنَها إلّا ولَدٌ أوْ ضَيْفٌ.

وثالِثُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السّائِبَةُ هي الَّتِي تُسَيَّبُ لِلْأصْنامِ؛ أيْ تُعْتَقُ لَها، وكانَ الرَّجُلُ يُسَيِّبُ مِن مالِهِ ما يَشاءُ، فَيَجِيءُ بِهِ إلى السَّدَنَةِ وهم خَدَمُ آلِهَتِهِمْ فَيُطْعِمُونَ مِن لَبَنِها أبْناءَ السَّبِيلِ.

ورابِعُها: السّائِبَةُ هو العَبْدُ يُعْتَقُ عَلى أنْ لا يَكُونَ عَلَيْهِ ولاءٌ ولا عَقْلٌ ولا مِيراثٌ.

وأمّا الوَصِيلَةُ، فَقالَ المُفَسِّرُونَ: إذا ولَدَتِ الشّاةُ أُنْثى فَهي لَهم، وإنْ ولَدَتْ ذَكَرًا فَهو لِآلِهَتِهِمْ، وإنْ ولَدَتْ ذَكَرًا وأُنْثى قالُوا: وصَلَتْ أخاها. وأمّا الحامُ فَيُقالُ: حَماهُ يَحْمِيهِ: إذا حَفِظَهُ، وفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: الفَحْلُ إذا رُكِبَ ولَدُ ولَدِهِ قِيلَ: حَمى ظَهْرَهُ؛ أيْ حَفِظَهُ عَنِ الرُّكُوبِ، فَلا يُرْكَبُ ولا يُحْمَلُ عَلَيْهِ ولا يُمْنَعُ مِن ماءٍ ولا مَرْعًى إلى أنْ يَمُوتَ، فَحِينَئِذٍ تَأْكُلُهُ الرِّجالُ والنِّساءُ.

وثانِيها: إذا نَتَجَتِ النّاقَةُ عَشَرَةَ أبْطُنٍ قالُوا: حَمَتْ ظَهْرَها، حَكاهُ أبُو مُسْلِمٍ.

وثالِثُها: الحامُ هو الفَحْلُ الَّذِي يَضْرِبُ في الإبِلِ عَشْرَ سِنِينَ فَيُخَلّى، وهو مِنَ الأنْعامِ الَّتِي حُرِّمَتْ ظُهُورُها، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

فَإنْ قِيلَ: إذا جازَ إعْتاقُ العَبِيدِ والإماءِ فَلِمَ لا يَجُوزُ إعْتاقُ هَذِهِ البَهائِمِ مِنَ الذَّبْحِ والإتْعابِ والإيلامِ ؟

قُلْنا: الإنْسانُ مَخْلُوقٌ لِخِدْمَةِ اللَّهِ تَعالى وعُبُودِيَّتِهِ، فَإذا تَمَرَّدَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى عُوقِبَ بِضَرْبِ الرِّقِّ عَلَيْهِ، فَإذا أُزِيلَ الرِّقُّ عَنْهُ تَفَرَّغَ لِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ ذَلِكَ عِبادَةً مُسْتَحْسَنَةً، وأمّا هَذِهِ الحَيَواناتُ فَإنَّها مَخْلُوقَةٌ لِمَنافِعِ المُكَلَّفِينَ، فَتَرْكُها وإهْمالُها يَقْتَضِي فَواتَ مَنفَعَةٍ عَلى مالِكِها مِن غَيْرِ أنْ يَحْصُلَ في مُقابَلَتِها فائِدَةٌ، فَظَهَرَ الفَرْقُ، وأيْضًا الإنْسانُ إذا كانَ عَبْدًا فَأُعْتِقَ قَدَرَ عَلى تَحْصِيلِ مَصالِحِ نَفْسِهِ، وأمّا البَهِيمَةُ إذا أُعْتِقَتْ وتُرِكَتْ لَمْ تَقْدِرْ عَلى رِعايَةِ مَصالِحِ نَفْسِها فَوَقَعَتْ في أنْواعٍ مِنَ المِحْنَةِ أشَدَّ وأشَقَّ مِمّا كانَتْ فِيها حالَ ما كانَتْ مَمْلُوكَةً، فَظَهَرَ الفَرْقُ.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ .

صفحة ٩٢
قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ الخُزاعِيَّ كانَ قَدْ مَلَكَ مَكَّةَ، وكانَ أوَّلَ مَن غَيَّرَ دِينَ إسْماعِيلَ، فاتَّخَذَ الأصْنامَ ونَصَبَ الأوْثانَ وشَرَعَ البَحِيرَةَ والسّائِبَةَ والوَصِيلَةَ والحامَ.
قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«فَلَقَدْ رَأيْتُهُ في النّارِ يُؤْذِي أهْلَ النّارِ بِرِيحِ قُصْبِهِ» “ والقُصْبُ المِعى وجَمْعُهُ الأقْصابُ، ويُرْوى يَجُرُّ قُصْبَهُ في النّارِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ يُرِيدُ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ وأصْحابَهُ، يَقُولُونَ عَلى اللَّهِ هَذِهِ الأكاذِيبَ والأباطِيلَ في تَحْرِيمِهِمْ هَذِهِ الأنْعامَ، والمَعْنى أنَّ الرُّؤَساءَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ عَلى الكَذِبِ، فَأمّا الأتْباعُ والعَوامُّ فَأكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ، فَلا جَرَمَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ هَذِهِ الأكاذِيبَ مِن أُولَئِكَ الرُّؤَساءِ.

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And when it is said to them, "Come to what Allah has revealed and to the Messenger," they say, "Sufficient for us is that upon which we found our fathers." Even though their fathers knew nothing, nor were they guided?

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ .

والمَعْنى مَعْلُومٌ، وهو رَدٌّ عَلى أصْحابِ التَّقْلِيدِ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا الكَلامَ فِيهِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ.

واعْلَمْ أنَّ الواوَ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ﴾ واوُ الحالِ قَدْ دَخَلَتْ عَلَيْها هَمْزَةُ الإنْكارِ، وتَقْدِيرُهُ: أحْسُبُهم كَذَلِكَ ولَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ.

واعْلَمْ أنَّ الِاقْتِداءَ إنَّما يَجُوزُ بِالعالِمِ المُهْتَدِي، وإنَّما يَكُونُ عالِمًا مُهْتَدِيًا إذا بَنى قَوْلَهُ عَلى الحُجَّةِ والدَّلِيلِ، فَإذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عالِمًا مُهْتَدِيًا، فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ الِاقْتِداءُ بِهِ.

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

O you who have believed, upon you is [responsibility for] yourselves. Those who have gone astray will not harm you when you have been guided. To Allah is you return all together; then He will inform you of what you used to do.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: لَمّا بَيَّنَ أنْواعَ التَّكالِيفِ والشَّرائِعِ والأحْكامِ ثُمَّ قالَ: ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إلى قَوْلِهِ: ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّ هَؤُلاءِ الجُهّالَ مَعَ ما تَقَدَّمَ مِن أنْواعِ المُبالَغَةِ في الإعْذارِ والإنْذارِ والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِشَيْءٍ مِنهُ بَلْ بَقُوا مُصِرِّينَ عَلى جَهْلِهِمْ مُجِدِّينَ عَلى جَهالاتِهِمْ وضَلالَتِهِمْ، فَلا تُبالُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ بِجَهالَتِهِمْ وضَلالَتِهِمْ، بَلْ كُونُوا مُنْقادِينَ لِتَكالِيفِ اللَّهِ مُطِيعِينَ لِأوامِرِهِ ونَواهِيهِ، فَلا يَضُرُّكم ضَلالَتُهم

صفحة ٩٣
وجَهالَتُهم، فَلِهَذا قالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيِ احْفَظُوا أنْفُسَكم مِن مُلابَسَةِ المَعاصِي والإصْرارِ عَلى الذُّنُوبِ، قالَ النَّحْوِيُّونَ: عَلَيْكَ وعِنْدَكَ ودُونَكَ، مِن جُمْلَةِ أسْماءِ الأفْعالِ؛ تَقُولُ العَرَبُ: عَلَيْكَ وعِنْدَكَ ودُونَكَ، فَيُعَدُّونَها إلى المَفْعُولِ ويُقِيمُونَها مُقامَ الفِعْلِ، ويَنْصِبُونَ بِها، فَيُقالُ: عَلَيْكَ زَيْدًا، كَأنَّهُ قِيلَ: خُذْ زَيْدًا فَقَدْ عَلاكَ، أيْ أشْرَفَ عَلَيْكَ، وعِنْدَكَ زَيْدًا، أيْ حَضَرَكَ فَخُذْهُ، ودُونَكَ؛ أيْ قَرُبَ مِنكَ فَخُذْهُ، فَهَذِهِ الأحْرُفُ الثَّلاثَةُ لا اخْتِلافَ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ في إجازَةِ النَّصْبِ بِها، ونَقَلَ صاحِبُ الكَشّافِ (عَلَيْكم أنْفُسُكم) بِالرَّفْعِ عَنْ نافِعٍ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا في سَبَبِ النُّزُولِ وُجُوهًا:

أحَدُها: ما رَوى الكَلْبِيُّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا قَبِلَ مِن أهْلِ الكِتابِ الجِزْيَةَ ولَمْ يَقْبَلْ مِنَ العَرَبِ إلّا الإسْلامَ أوِ السَّيْفَ، عَيَّرَ المُنافِقُونَ المُؤْمِنِينَ بِقَبُولِ الجِزْيَةِ مِن بَعْضِ الكُفّارِ دُونَ البَعْضِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أيْ ‏ ‏‏‏‏‏ مَلامَةُ اللّائِمِينَ إذا كُنْتُمْ عَلى الهُدى» .

وثانِيها: أنَّ المُؤْمِنِينَ كانَ يَشْتَدُّ عَلَيْهِمْ بَقاءُ الكُفّارِ في كُفْرِهِمْ وضَلالَتِهِمْ، فَقِيلَ لَهم: عَلَيْكم أنْفُسَكم، وما كُلِّفْتُمْ مِن إصْلاحِها والمَشْيِ بِها في طَرِيقِ الهُدى ‏ ‏‏‏‏‏ ضَلالُ الضّالِّينَ ولا جَهْلُ الجاهِلِينَ.

وثالِثُها: أنَّهم كانُوا يَغْتَمُّونَ لِعَشائِرِهِمْ لَمّا ماتُوا عَلى الكُفْرِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، والأقْرَبُ عِنْدِي أنَّهُ لَمّا حَكى عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ إذا قِيلَ لَهم: ﴿تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، والمَقْصُودُ مِنها بَيانُ أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَتَشَبَّهُوا بِهِمْ في هَذِهِ الطَّرِيقَةِ الفاسِدَةِ، بَلْ يَنْبَغِي أنْ يَكُونُوا مُصِرِّينَ عَلى دِينِهِمْ، وأنْ يَعْلَمُوا أنَّهُ لا يَضُرُّهم جَهْلُ أُولَئِكَ الجاهِلِينَ إذا كانُوا راسِخِينَ في دِينِهِمْ ثابِتِينَ فِيهِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يُوهِمُ أنَّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ غَيْرُ واجِبٍ.

قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ وهو الَّذِي عَلَيْهِ أكْثَرُ النّاسِ، أنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ بَلْ تُوجِبُ أنَّ المُطِيعَ لِرَبِّهِ لا يَكُونُ مُؤاخَذًا بِذُنُوبِ العاصِي، فَأمّا وُجُوبُ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ فَثابِتٌ بِالدَّلائِلِ، «خَطَبَ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: إنَّكم تَقْرَءُونَ هَذِهِ الآيَةَ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وتَضَعُونَها غَيْرَ مَوْضِعِها وإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”إنَّ النّاسَ إذا رَأوُا المُنْكَرَ فَلَمْ يُنْكِرُوهُ يُوشِكُ أنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقابٍ» “ .

والوَجْهُ الثّانِي في تَأْوِيلِ الآيَةِ: ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عُمَرَ أنَّهُما قالا: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ يَكُونُ هَذا في آخِرِ الزَّمانِ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَمّا قُرِئَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ: لَيْسَ هَذا بِزَمانِها، ما دامَتْ قُلُوبُكم واحِدَةً، ولَمْ تُلْبَسُوا شِيَعًا ولَمْ يَذُقْ بَعْضُكم بَأْسَ بَعْضٍ، فَأْمُرُوا وانْهَوْا، فَإذا اخْتَلَفَتِ القُلُوبُ والأهْواءُ وأُلْبِسْتُمْ شِيَعًا ووُكِّلَ كُلُّ امْرِئٍ ونَفْسَهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ جاءَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ، وهَذا القَوْلُ عِنْدِي ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ خِطابٌ عامٌّ، وهو أيْضًا خِطابٌ مَعَ الحاضِرِينَ فَكَيْفَ يُخْرِجُ الحاضِرَ ويَخُصُّ الغائِبَ.

والوَجْهُ الثّالِثُ في تَأْوِيلِ الآيَةِ: ما ذَهَبَ إلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ فَقالَ: هَذِهِ أوْكَدُ آيَةٍ في وُجُوبِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ؛ فَإنَّهُ قالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ يَعْنِي عَلَيْكم أهْلَ دِينِكم ولا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ مِنَ الكُفّارِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٥٤] يَعْنِي أهْلَ دِينِكم فَقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ يَعْنِي بِأنْ يَعِظَ

صفحة ٩٤
بَعْضُكم بَعْضًا ويُرَغِّبُ بَعْضُكم بَعْضًا في الخَيْراتِ، ويُنَفِّرُهُ عَنِ القَبائِحِ والسَّيِّئاتِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ ذَلِكَ ما بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ مَعْناهُ احْفَظُوا أنْفُسَكم، فَكانَ ذَلِكَ أمْرًا بِأنْ نَحْفَظَ أنْفُسَنا، فَإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الحِفْظُ إلّا بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ كانَ ذَلِكَ واجِبًا.
والوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ الآيَةَ مَخْصُوصَةٌ بِالكُفّارِ الَّذِينَ عُلِمَ أنَّهُ لا يَنْفَعُهُمُ الوَعْظُ، ولا يَتْرُكُونَ الكُفْرَ بِسَبَبِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، فَهاهُنا لا يَجِبُ عَلى الإنْسانِ أنْ يَأْمُرَهم بِالمَعْرُوفِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا القَوْلَ ما ذَكَرْنا في سَبَبِ النُّزُولِ أنَّ الآيَةَ نازِلَةٌ في المُنافِقِينَ، حَيْثُ عَيَّرُوا المُسْلِمِينَ بِأخْذِ الجِزْيَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ دُونَ المُشْرِكِينَ.

الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ الآيَةَ مَخْصُوصَةٌ بِما إذا خافَ الإنْسانُ عِنْدَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ عَلى نَفْسِهِ أوْ عَلى عِرْضِهِ أوْ عَلى مالِهِ، فَهاهُنا عَلَيْهِ نَفْسُهُ لا تَضُرُّهُ ضَلالَةُ مَن ضَلَّ ولا جَهالَةُ مَن جَهِلَ، وكانَ ابْنُ شُبْرُمَةَ يَقُولُ: مَن فَرَّ مِنِ اثْنَيْنِ فَقَدْ فَرَّ، ومَن فَرَّ مِن ثَلاثَةٍ فَلَمْ يَفِرَّ.

الوَجْهُ السّادِسُ: لا يَضُرُّكم - إذا اهْتَدَيْتُمْ فَأمَرْتُمْ بِالمَعْرُوفِ ونَهَيْتُمْ عَنِ المُنْكَرِ - ضَلالُ مَن ضَلَّ فَلَمْ يَقْبَلْ ذَلِكَ.

الوَجْهُ السّابِعُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ مِن أداءِ الواجِباتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ عِنْدَ القُدْرَةِ، فَإنْ لَمْ يَقْبَلُوا ذَلِكَ فَلا يَنْبَغِي أنْ تَسْتَوْحِشُوا مِن ذَلِكَ فَإنَّكم خَرَجْتُمْ عَنْ عُهْدَةِ تَكْلِيفِكم فَلا يَضُرُّكم ضَلالُ غَيْرِكم.

والوَجْهُ الثّامِنُ: أنَّهُ تَعالى قالَ لِرَسُولِهِ: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [النِّساءِ: ٨٤] وذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى سُقُوطِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ عَنِ الرَّسُولِ، فَكَذا هاهُنا.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قُرِئَ (لا يَضُرَّكُمْ) بِفَتْحِ الرّاءِ مَجْزُومًا عَلى جَوابِ قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وقُرِئَ بِضَمِّ الرّاءِ، وفِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: عَلى وجْهِ الخَبَرِ؛ أيْ لَيْسَ يَضُرُّكم مَن ضَلَّ.

والثّانِي: أنَّ حَقَّها الفَتْحُ عَلى الجَوابِ، ولَكِنْ ضُمَّتِ الرّاءُ إتْباعًا لِضَمَّةِ الضّادِ.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ يُرِيدُ مَصِيرَكم ومَصِيرَ مَن خالَفَكم ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ يَعْنِي يُجازِيكم بِأعْمالِكم.

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

O you who have believed, testimony [should be taken] among you when death approaches one of you at the time of bequest - [that of] two just men from among you or two others from outside if you are traveling through the land and the disaster of death should strike you. Detain them after the prayer and let them both swear by Allah if you doubt [their testimony, saying], "We will not exchange our oath for a price, even if he should be a near relative, and we will not withhold the testimony of Allah. Indeed, we would then be of the sinful."

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِحِفْظِ النَّفْسِ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أمَرَ بِحِفْظِ المالِ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ تَمِيمًا الدّارِيَّ وأخاهُ عَدِيًّا كانا نَصْرانِيَّيْنِ خَرَجا
صفحة ٩٥
إلى الشّامِ ومَعَهُما بَدِيلٌ مَوْلى عَمْرِو بْنِ العاصِ وكانَ مُسْلِمًا مُهاجِرًا، خَرَجُوا لِلتِّجارَةِ، فَلَمّا قَدِمُوا الشّامَ مَرِضَ بَدِيلٌ فَكَتَبَ كِتابًا فِيهِ نُسْخَةُ جَمِيعِ ما مَعَهُ وألْقاهُ فِيما بَيْنَ الأقْمِشَةِ ولَمْ يُخْبِرْ صاحِبَهُ بِذَلِكَ، ثُمَّ أوْصى إلَيْهِما وأمَرَهُما أنْ يَدْفَعا مَتاعَهُ إذا رَجَعا إلى أهْلِهِ، وماتَ بَدِيلٌ فَأخَذا مِن مَتاعِهِ إناءً مِن فِضَّةٍ مَنقُوشًا بِالذَّهَبِ ثَلاثَمِائَةِ مِثْقالٍ، ودَفَعا باقِيَ المَتاعِ إلى أهْلِهِ لَمّا قَدِما، فَفَتَّشُوا فَوَجَدُوا الصَّحِيفَةَ وفِيها ذِكْرُ الإناءِ، فَقالُوا لِتَمِيمٍ وعَدِيٍّ: أيْنَ الإناءُ ؟ فَقالا: لا نَدْرِي، والَّذِي دَفَعَ إلَيْنا دَفَعْناهُ إلَيْكم، فَرَفَعُوا الواقِعَةَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ يَعْنِي شَهادَةَ ما بَيْنَكم، وما بَيْنَكم كِنايَةٌ عَنِ التَّنازُعِ والتَّشاجُرِ، وإنَّما أضافَ الشَّهادَةَ إلى التَّنازُعِ لِأنَّ الشُّهُودَ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِمْ عِنْدَ وُقُوعِ التَّنازُعِ، وحَذْفُ (ما) مِن قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ جائِزٌ لِظُهُورِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الكَهْفِ: ٧٨] أيْ ما بَيْنِي وبَيْنَكَ، وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنْعامِ: ٩٤] في قِراءَةِ مَن نَصَبَ، وقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ يَعْنِي الشَّهادَةَ المُحْتاجَ إلَيْها عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ، و‏‏ ‏‏‏‏‏‏ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ لِأنَّ زَمانَ حُضُورِ المَوْتِ هو زَمانُ حُضُورِ الوَصِيَّةِ، فَعُرِفَ ذَلِكَ الزَّمانُ بِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ الواقِعَيْنِ فِيهِ، كَما يُقالُ: ائْتِنِي إذا زالَتِ الشَّمْسُ حِينَ صَلاةِ الظُّهْرِ. والمُرادُ بِحُضُورِ المَوْتِ مُشارَفَتُهُ وظُهُورُ أماراتِ وُقُوعِهِ، كَقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البَقَرَةِ: ١٨٠] قالُوا: وقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ الوَصِيَّةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ زَمانَ حُضُورِ المَوْتِ غَيْرَ زَمانِ الوَصِيَّةِ، وهَذا إنَّما يَكُونُ إذا كانا مُتَلازِمَيْنِ، وإنَّما تَحْصُلُ هَذِهِ المُلازَمَةُ عِنْدَ وُجُوبِ الوَصِيَّةِ.

‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ .

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ حَذْفٌ، والمُرادُ أنْ يَشْهَدَ ذَوا عَدْلٍ مِنكم، وتَقْدِيرُ الآيَةِ: شَهادَةُ ما بَيْنَكم عِنْدَ المَوْتِ المَوْصُوفِ، هي أنْ يَشْهَدَ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم، وإنَّما حَسُنَ هَذا الحَذْفُ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ: (مِنكم) عَلى قَوْلَيْنِ:

الأوَّلُ: وهو قَوْلُ عامَّةِ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُرادَ: اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم يا مَعْشَرَ المُؤْمِنِينَ، أيْ مِن أهْلِ دِينِكم ومِلَّتِكم، وقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ يَعْنِي أوْ شَهادَةَ آخَرَيْنِ مِن غَيْرِ أهْلِ دِينِكم ومِلَّتِكم إذا كُنْتُمْ في السَّفَرِ، فالعَدْلانِ المُسْلِمانِ صالِحانِ لِلشَّهادَةِ في الحَضَرِ والسَّفَرِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ وسَعِيدِ بْنِ

صفحة ٩٦
جُبَيْرٍ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وشُرَيْحٍ ومُجاهِدٍ وابْنِ سِيرِينَ وابْنِ جُرَيْجٍ. قالُوا: إذا كانَ الإنْسانُ في الغُرْبَةِ، ولَمْ يَجِدْ مُسْلِمًا يُشْهِدُهُ عَلى وصِيَّتِهِ، جازَ لَهُ أنْ يُشْهِدَ اليَهُودِيَّ أوِ النَّصْرانِيَّ أوِ المَجُوسِيَّ أوْ عابِدَ الوَثَنِ أوْ أيَّ كافِرٍ كانَ، وشَهادَتُهم مَقْبُولَةٌ، ولا يَجُوزُ شَهادَةُ الكافِرِينَ عَلى المُسْلِمِينَ إلّا في هَذِهِ الصُّورَةِ. قالَ الشَّعْبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَرِضَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ في الغُرْبَةِ، فَلَمْ يَجِدْ أحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ يُشْهِدُهُ عَلى وصِيَّتِهِ، فَأشْهَدَ رَجُلَيْنِ مِن أهْلِ الكِتابِ، فَقَدِما الكُوفَةَ وأتَيا أبا مُوسى الأشْعَرِيَّ وكانَ والِيًا عَلَيْها، فَأخْبَراهُ بِالواقِعَةِ وقَدَّما تَرِكَتَهُ ووَصِيَّتَهُ، فَقالَ أبُو مُوسى: هَذا أمْرٌ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الَّذِي كانَ في عَهْدِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ثُمَّ حَلَّفَهُما في مَسْجِدِ الكُوفَةِ بَعْدَ العَصْرِ بِاللَّهِ أنَّهُما ما كَذَبا ولا بَدَّلا، وأجازَ شَهادَتَهُما. ثُمَّ إنَّ القائِلِينَ بِهَذا القَوْلِ، مِنهم مَن قالَ: هَذا الحُكْمُ بَقِيَ مُحْكَمًا، ومِنهم مَن قالَ: صارَ مَنسُوخًا.
القَوْلُ الثّانِي، وهو قَوْلُ الحَسَنِ والزُّهْرِيِّ وجُمْهُورِ الفُقَهاءِ، أنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ مِن أقارِبِكم، وقَوْلَهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ مِنَ الأجانِبِ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ أيْ إنْ تُوُقِّعَ المَوْتُ في السَّفَرِ، ولَمْ يَكُنْ مَعَكم أحَدٌ مِن أقارِبِكم، فاسْتَشْهِدُوا أجْنَبِيَّيْنِ عَلى الوَصِيَّةِ. وجَعَلَ الأقارِبَ أوَّلًا لِأنَّهم أعْلَمُ بِأحْوالِ المَيِّتِ وهم بِهِ أشْفَقُ، وبِوَرَثَتِهِ أرْحَمُ وأرْأفُ. واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى القَوْلِ الأوَّلِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِوُجُوهٍ:

الحُجَّةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى قالَ في أوَّلِ الآيَةِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَعَمَّمَ بِهَذا الخِطابِ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ، فَلَمّا قالَ بَعْدَهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ كانَ المُرادُ أوْ آخَرانِ مِن جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ لا مَحالَةَ.

الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ جَوازَ الِاسْتِشْهادِ بِهَذَيْنِ الآخَرَيْنِ مَشْرُوطٌ بِكَوْنِ المُسْتَشْهِدِ في السَّفَرِ، فَلَوْ كانَ هَذانِ الشّاهِدانِ مُسْلِمَيْنِ لَما كانَ جَوازُ الِاسْتِشْهادِ بِهِما مَشْرُوطًا بِالسَّفَرِ؛ لِأنَّ اسْتِشْهادَ المُسْلِمِ جائِزٌ في السَّفَرِ والحَضَرِ.

الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى وُجُوبِ الحَلِفِ عَلى هَذَيْنِ الشّاهِدَيْنِ مِن بَعْدِ الصَّلاةِ، وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ الشّاهِدَ المُسْلِمَ لا يَجِبُ عَلَيْهِ الحَلِفُ، فَعَلِمْنا أنَّ هَذَيْنِ الشّاهِدَيْنِ لَيْسا مِنَ المُسْلِمِينَ.

الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما ذَكَرْناهُ مِن شَهادَةِ النَّصْرانِيَّيْنِ عَلى بَدِيلٍ وكانَ مُسْلِمًا.

الحُجَّةُ الخامِسَةُ: ما رُوِّينا أنَّ أبا مُوسى الأشْعَرِيَّ قَضى بِشَهادَةِ اليَهُودِيَّيْنِ بَعْدَ أنْ حَلَّفَهُما، وما أنْكَرَ عَلَيْهِ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ، فَكانَ ذَلِكَ إجْماعًا.

الحُجَّةُ السّادِسَةُ: أنّا إنَّما نُجِيزُ إشْهادَ الكافِرِينَ إذا لَمْ نَجِدْ أحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ، والضَّرُوراتُ قَدْ تُبِيحُ المَحْظُوراتِ، ألا تَرى أنَّهُ تَعالى أجازَ التَّيَمُّمَ والقَصْرَ في الصَّلاةِ، والإفْطارَ في رَمَضانَ، وأكْلَ المَيْتَةِ في حالِ الضَّرُورَةِ، والضَّرُورَةُ حاصِلَةٌ في هَذِهِ المَسْألَةِ؛ لِأنَّ المُسْلِمَ إذا قَرُبَ أجْلُهُ في الغُرْبَةِ ولَمْ يَجِدْ مُسْلِمًا يُشْهِدُهُ عَلى نَفْسِهِ ولَمْ تَكُنْ شَهادَةُ الكُفّارِ مَقْبُولَةً، فَإنَّهُ يُضَيِّعُ أكْثَرَ مُهِمّاتِهِ، فَإنَّهُ رُبَّما وجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَواتٌ وكَفّاراتٌ وما أدّاها، ورُبَّما كانَ عِنْدَهُ ودائِعُ أوْ دُيُونٌ كانَتْ في ذِمَّتِهِ. وكَما تَجُوزُ شَهادَةُ النِّساءِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ النِّساءِ، كالحَيْضِ والحَبَلِ والوِلادَةِ والِاسْتِهْلالِ؛ لِأجْلِ أنَّهُ لا يُمْكِنُ وُقُوفُ الرِّجالِ عَلى هَذِهِ الأحْوالِ، فاكْتَفَيْنا فِيها بِشَهادَةِ النِّساءِ لِأجْلِ الضَّرُورَةِ، فَكَذا هاهُنا. وأمّا قَوْلُ مَن يَقُولُ بِأنَّ هَذا الحُكْمَ صارَ مَنسُوخًا، فَبَعِيدٌ؛ لِاتِّفاقِ أكْثَرِ الأُمَّةِ عَلى أنَّ سُورَةَ المائِدَةِ مِن آخِرِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ، ولَيْسَ فِيها مَنسُوخٌ، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِالقَوْلِ الثّانِي بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [الطَّلاقِ: ٢] والكافِرُ لا يَكُونُ عَدْلًا.

صفحة ٩٧
أجابَ الأوَّلُونَ عَنْهُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالعَدْلِ مَن كانَ عَدْلًا في الِاحْتِرازِ عَنِ الكَذِبِ، لا مَن كانَ عَدْلًا في الدِّينِ والِاعْتِقادِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنّا أجْمَعْنا عَلى قَبُولِ شَهادَةِ أهْلِ الأهْواءِ والبِدَعِ، مَعَ أنَّهم لَيْسُوا عُدُولًا في مَذاهِبِهِمْ، ولَكِنَّهم لَمّا كانُوا عُدُولًا في الِاحْتِرازِ عَنِ الكَذِبِ قَبِلْنا شَهادَتَهم، فَكَذا هاهُنا. سَلَّمْنا أنَّ الكافِرَ لَيْسَ بِعَدْلٍ، إلّا أنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ عامٌّ، وقَوْلَهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ خاصٌّ، فَإنَّهُ أوْجَبَ شَهادَةَ العَدْلِ الَّذِي يَكُونُ مِنّا في الحَضَرِ، واكْتَفى بِشَهادَةِ مَن لا يَكُونُ مِنّا في السَّفَرِ، فَهَذِهِ الآيَةُ خاصَّةٌ، والآيَةُ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها عامَّةٌ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ، لا سِيَّما إذا كانَ الخاصُّ مُتَأخِّرًا في النُّزُولِ، ولا شَكَّ أنَّ سُورَةَ المائِدَةِ مُتَأخِّرَةٌ، فَكانَ تَقْدِيمُ هَذِهِ الآيَةِ الخاصَّةِ عَلى الآيَةِ العامَّةِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها واجِبًا بِالِاتِّفاقِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .
وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ والتَّقْدِيرُ: شَهادَةُ بَيْنِكم أنْ يَشْهَدَ اثْنانِ مِنكم أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكم.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ المَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ أنَّ جَوازَ الِاسْتِشْهادِ بِآخَرَيْنِ مِن غَيْرِهِمْ مَشْرُوطٌ بِما إذا كانَ المُسْتَشْهِدُ مُسافِرًا ضارِبًا في الأرْضِ وحَضَرَتْ عَلاماتُ نُزُولِ المَوْتِ بِهِ.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: تَحْبِسُونَهُما، أيْ تُوقِفُونَهُما كَما يَقُولُ الرَّجُلُ: مَرَّ بِي فُلانٌ عَلى فَرَسٍ فَحَبَسَ عَلَيَّ دابَّتَهُ؛ أيْ أوْقَفَها، وحَبَسْتُ الرَّجُلَ في الطَّرِيقِ أُكَلِّمُهُ؛ أيْ أوْقَفْتُهُ.

فَإنْ قِيلَ: ما مَوْقِعُ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ؟

قُلْنا: هو اسْتِئْنافٌ، كَأنَّهُ: قِيلَ كَيْفَ نَعْمَلُ إنْ حَصَلَتِ الرِّيبَةُ فِيهِما ؟ فَقِيلَ: تَحْبِسُونَهُما.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فِيهِ أقْوالٌ، الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن بَعْدِ صَلاةِ أهْلِ دِينِهِما.

والثّانِي: قالَ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ: مِن بَعْدِ صَلاةِ العَصْرِ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ عُرِفَ أنَّ المُرادَ هو صَلاةُ العَصْرِ، مَعَ أنَّ المَذْكُورَ هو الصَّلاةُ المُطْلَقَةُ ؟

قُلْنا: إنَّما عُرِفَ هَذا التَّعْيِينُ بِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ هَذا الوَقْتَ كانَ مَعْرُوفًا عِنْدَهم بِالتَّحْلِيفِ بَعْدَها، فالتَّقْيِيدُ بِالمَعْرُوفِ المَشْهُورِ أغْنى عَنِ التَّقْيِيدِ بِاللَّفْظِ.

وثانِيها: ما رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ صَلّى النَّبِيُّ ﷺ صَلاةَ العَصْرِ، ودَعا بِعَدِيٍّ وتَمِيمٍ، فاسْتَحْلَفَهُما عِنْدَ المِنبَرِ، فَصارَ فِعْلُ الرَّسُولِ دَلِيلًا عَلى التَّقْيِيدِ.

وثالِثُها: أنَّ جَمِيعَ أهْلِ الأدْيانِ يُعَظِّمُونَ هَذا الوَقْتَ ويَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ ويَحْتَرِزُونَ عَنِ الحَلِفِ الكاذِبِ، وأهْلُ الكِتابِ يُصَلُّونَ لِطُلُوعِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها.

والقَوْلُ الثّالِثُ: قالَ الحَسَنُ: المُرادُ بَعْدَ الظُّهْرِ أوْ بَعْدَ العَصْرِ؛ لِأنَّ أهْلَ الحِجازِ كانُوا يَقْعُدُونَ لِلْحُكُومَةِ بَعْدَهُما.

صفحة ٩٨
والقَوْلُ الرّابِعُ: أنَّ المُرادَ بَعْدَ أداءِ الصَّلاةِ أيَّ صَلاةٍ كانَتْ والغَرَضُ مِنَ التَّحْلِيفِ بَعْدَ إقامَةِ الصَّلاةِ هو أنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، فَكانَ احْتِرازُ الحالِفِ عَنِ الكَذِبِ في ذَلِكَ الوَقْتِ أتَمَّ وأكْمَلَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الأيْمانُ تُغَلَّظُ في الدِّماءِ والطَّلاقِ والعَتاقِ، والمالِ إذا بَلَغَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، في الزَّمانِ والمَكانِ، فَيَحْلِفُ بَعْدَ العَصْرِ بِمَكَّةَ بَيْنَ الرُّكْنِ والمَقامِ، وبِالمَدِينَةِ عِنْدَ المِنبَرِ، وفي بَيْتِ المَقْدِسِ عِنْدَ الصَّخْرَةِ، وفي سائِرِ البُلْدانِ في أشْرَفِ المَساجِدِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَحْلِفُ مِن غَيْرِ أنْ يَخْتَصَّ الحَلِفُ بِزَمانٍ أوْ مَكانٍ، وهَذا عَلى خِلافِ الآيَةِ، ولِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ التَّهْوِيلُ والتَّعْظِيمُ، ولا شَكَّ أنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أقْوى.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الفاءُ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ لِلْجَزاءِ، يَعْنِي: تَحْبِسُونَهُما فَيُقْدِمانِ لِأجْلِ ذَلِكَ الحَبْسِ عَلى القَسَمِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ. والمَعْنى: إنِ ارْتَبْتُمْ في شَأْنِهِما واتَّهَمْتُمُوهُما فَحَلِّفُوهُما، وبِهَذا يَحْتَجُّ مَن يَقُولُ الآيَةُ نازِلَةٌ في إشْهادِ الكُفّارِ؛ لِأنَّ تَحْلِيفَ الشّاهِدِ المُسْلِمِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، ومَن قالَ: الآيَةُ نازِلَةٌ في حَقِّ المُسْلِمِ، قالَ: إنَّها مَنسُوخَةٌ، وعَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كانَ يُحَلِّفُ الشّاهِدَ والرّاوِيَ عِنْدَ التُّهْمَةِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ يَعْنِي يُقْسِمانِ بِاللَّهِ أنّا لا نَبِيعُ عَهْدَ اللَّهِ بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيا قائِلِينَ: لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا، وهو كَقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [آلِ عِمْرانَ: ٧٧] أيْ لا نَأْخُذُ ولا نَسْتَبْدِلُ، ومَن باعَ شَيْئًا فَقَدِ اشْتَرى ثَمَنَهُ، وقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ أيْ لا نَبِيعُ عَهْدَ اللَّهِ بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيا، ولَوْ كانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ حَبْوَةَ ذِي قُرْبى أوْ نَفْسِهِ، وخَصَّ ذا القُرْبى بِالذِّكْرِ لِأنَّ المَيْلَ إلَيْهِمْ أتَمُّ والمُداهَنَةَ بِسَبَبِهِمْ أعْظَمُ، وهو كَقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [النِّساءِ: ١٣٥] .

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: هَذا عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ يَعْنِي أنَّهُما يُقْسِمانِ حالَ ما يَقُولانِ: لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ؛ أيِ الشَّهادَةَ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِحِفْظِها وإظْهارِها.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: نُقِلَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ وقَفَ عَلى قَوْلِهِ: (شَهادَةً) ثُمَّ ابْتَدَأ (آللَّهِ) بِالمَدِّ عَلى طَرْحِ حَرْفِ القَسَمِ وتَعْوِيضِ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ مِنهُ، ورُوِيَ عَنْهُ بِغَيْرِ مَدٍّ عَلى ما ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ أنَّ مِنهم مَن يَقُولُ: اللَّهِ لَقَدْ كانَ كَذا، والمَعْنى تاللَّهِ.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ يَعْنِي إذا كَتَمْناها كُنّا مِنَ الآثِمِينَ.

‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

But if it is found that those two were guilty of perjury, let two others stand in their place [who are] foremost [in claim] from those who have a lawful right. And let them swear by Allah, "Our testimony is truer than their testimony, and we have not transgressed. Indeed, we would then be of the wrongdoers."

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ قالَ اللَّيْثُ رَحِمَهُ اللَّهُ: عَثَرَ الرَّجُلُ يَعْثُرُ عُثُورًا: إذا هَجَمَ عَلى أمْرٍ لَمْ يَهْجُمْ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وأعْثَرْتُ فُلانًا عَلى أمْرِي؛ أيْ أطْلَعْتُهُ عَلَيْهِ، وعَثَرَ الرَّجُلُ يَعْثُرُ عَثْرَةً: إذا وقَعَ عَلى شَيْءٍ، قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: وأصْلُ عَثَرَ بِمَعْنى اطَّلَعَ مِنَ العَثْرَةِ الَّتِي هي الوُقُوعُ، وذَلِكَ لِأنَّ العاثِرَ إنَّما يَعْثُرُ بِشَيْءٍ كانَ لا يَراهُ، فَلَمّا عَثَرَ بِهِ اطَّلَعَ عَلَيْهِ ونَظَرَ ما هو، فَقِيلَ لِكُلِّ مَنِ اطَّلَعَ عَلى أمْرٍ كانَ خَفِيًّا عَلَيْهِ: قَدْ عَثَرَ عَلَيْهِ، وأعْثَرَ غَيْرَهُ: إذا أطْلَعَهُ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ [الكَهْفِ: ٢١] أيْ أطْلَعْنا، ومَعْنى الآيَةِ فَإنْ حَصَلَ العُثُورُ والوُقُوفُ عَلى أنَّهُما أتَيا بِخِيانَةٍ واسْتَحَقّا الإثْمَ بِسَبَبِ اليَمِينِ الكاذِبَةِ.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ مَعْنى الآيَةِ: فَإنْ عُثِرَ بَعْدَما حَلَفَ الوَصِيّانِ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا؛ أيْ حَنَثا في اليَمِينِ بِكَذِبٍ في قَوْلٍ أوْ خِيانَةٍ في مالٍ، قامَ في اليَمِينِ مَقامَهُما رَجُلانِ مِن قَرابَةِ المَيِّتِ فَيَحْلِفانِ بِاللَّهِ لَقَدْ ظَهَرْنا عَلى خِيانَةِ الذِّمِّيَّيْنِ وكَذِبِهِما وتَبْدِيلِهِما وما اعْتَدَيْنا في ذَلِكَ وما كَذَبْنا. ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ الأُولى «صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ العَصْرَ ودَعا بِتَمِيمٍ وعَدِيٍّ فاسْتَحْلَفَهُما عِنْدَ المِنبَرِ بِاللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنّا خِيانَةٌ في هَذا المالِ، ولَمّا حَلَفا خَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَبِيلَهُما وكَتَما الإناءَ مُدَّةً، ثُمَّ ظَهَرَ، واخْتَلَفُوا فَقِيلَ: وُجِدَ بِمَكَّةَ، وقِيلَ: لَمّا طالَتِ المُدَّةُ أظْهَرا الإناءَ فَبَلَغَ ذَلِكَ بَنِي سَهْمٍ فَطالَبُوهُما، فَقالا: كُنّا قَدِ اشْتَرَيْناهُ مِنهُ، فَقالُوا: ألَمْ نَقُلْ لَكم: هَلْ باعَ صاحِبُنا شَيْئًا، فَقُلْتُما لا ؟ فَقالا: لَمْ يَكُنْ عِنْدَنا بَيِّنَةٌ فَكَرِهْنا أنْ نُعْثَرَ فَكَتَمْنا، فَرَفَعُوا القِصَّةَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ الآيَةَ، فَقامَ عَمْرُو بْنُ العاصِ والمُطَّلِبُ بْنُ أبِي رِفاعَةَ السَّهْمِيّانِ فَحَلَفا بِاللَّهِ بَعْدَ العَصْرِ فَدَفَعَ الرَّسُولُ ﷺ الإناءَ إلَيْهِما وإلى أوْلِياءِ المَيِّتِ.

وكانَ تَمِيمٌ الدّارِيُّ يَقُولُ بَعْدَما أسْلَمَ: صَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ أنا أخَذْتُ الإناءَ فَأتُوبُ إلى اللَّهِ تَعالى» . وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ بَقِيَتْ تِلْكَ الواقِعَةُ مَخْفِيَّةً إلى أنْ أسْلَمَ تَمِيمٌ الدّارِيُّ، فَلَمّا أسْلَمَ أخْبَرَ بِذَلِكَ وقالَ: حَلَفْتُ كاذِبًا، وأنا وصاحِبِي بِعْنا الإناءَ بِألْفٍ وقَسَمْنا الثَّمَنَ، ثُمَّ دَفَعَ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ مِن نَفْسِهِ ونَزَعَ مِن صاحِبِهِ خَمْسَمِائَةٍ أُخْرى ودَفَعَ الألْفَ إلى مَوالِي المَيِّتِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ مَقامَ الشّاهِدَيْنِ اللَّذَيْنِ هُما مِن غَيْرِ مِلَّتِهِما، وقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ المُرادُ بِهِ مَوالِي المَيِّتِ، وقَدْ أكْثَرَ النّاسُ في أنَّهُ لِمَ وصَفَ مَوالِيَ المَيِّتِ بِهَذا الوَصْفِ، والأصَحُّ عِنْدِي فِيهِ وجْهٌ واحِدٌ، وهو أنَّهم إنَّما وُصِفُوا بِذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا أُخِذَ مالُهم فَقَدِ اسْتَحَقَّ

صفحة ١٠٠
عَلَيْهِمْ مالُهم، فَإنَّ مَن أخَذَ مالَ غَيْرِهِ فَقَدْ حاوَلَ أنْ يَكُونَ تَعَلُّقُهُ بِذَلِكَ المالِ مُسْتَعْلِيًا عَلى تَعَلُّقِ مالِكِهِ بِهِ، فَصَحَّ أنْ يُوصَفَ المالِكُ بِأنَّهُ قَدِ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ المالُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أمّا قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ خَبَرُ المُبْتَدَأِ مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ: هُما الأوْلَيانِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ومَن هُما ؟ فَقِيلَ: الأوْلَيانِ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في يَقُومانِ، والتَّقْدِيرُ: فَيَقُومُ الأوْلَيانِ.

والثّالِثُ: أجازَ الأخْفَشُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ صِفَةً لِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ وذَلِكَ لِأنَّ النَّكِرَةَ إذا تَقَدَّمَ ذِكْرُها ثُمَّ أُعِيدَ عَلَيْها الذِّكْرُ صارَتْ مَعْرِفَةً، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ﴾ [النُّورِ: ٣٥] فَمِصْباحٌ نَكِرَةٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿المِصْباحُ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿فِي زُجاجَةٍ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿الزُّجاجَةُ﴾، وهَذا مِثْلُ قَوْلِكَ: رَأيْتُ رَجُلًا، ثُمَّ يَقُولُ إنْسانٌ: مَنِ الرَّجُلُ ؟ فَصارَ بِالعَوْدِ إلى ذِكْرِهِ مَعْرِفَةً.

الرّابِعُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿آخَرانِ﴾ وإبْدالُ المَعْرِفَةِ مِنَ النَّكِرَةِ كَثِيرٌ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إنَّما وصَفَهُما بِأنَّهُما أوْلَيانِ لِوَجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: مَعْنى الأوْلَيانِ الأقْرَبانِ إلى المَيِّتِ.

الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى الأوْلَيانِ بِاليَمِينِ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ الوَصِيَّيْنِ قَدِ ادَّعَيا أنَّ المَيِّتَ باعَ الإناءَ الفِضَّةَ فانْتَقَلَ اليَمِينُ إلى مَوالِي المَيِّتِ؛ لِأنَّ الوَصِيَّيْنِ قَدِ ادَّعَيا أنَّ مُورِثَهُما باعَ الإناءَ وهُما أنْكَرا ذَلِكَ، فَكانَ اليَمِينُ حَقًّا لَهُما، وهَذا كَما لَوْ أنَّ إنْسانًا أقَرَّ لِآخَرَ بِدَيْنٍ ثُمَّ ادَّعى أنَّهُ قَضاهُ، حُكِمَ بِرَدِّ اليَمِينِ إلى الَّذِي ادَّعى الدَّيْنَ أوَّلًا؛ لِأنَّهُ صارَ مُدَّعًى عَلَيْهِ أنَّهُ قَدِ اسْتَوْفاهُ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: القِراءَةُ المَشْهُورَةُ لِلْجُمْهُورِ ‏‏‏‏‏ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الحاءِ، والأوْلَيانِ تَثْنِيَةُ الأوْلى، وقَدْ ذَكَرْنا وجْهَهُ، وقِراءَةُ حَمْزَةَ وعاصِمٍ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ (الأوَّلِينَ) بِالجَمْعِ، وهو نَعْتٌ لِجَمِيعِ الوَرَثَةِ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وتَقْدِيرُهُ: مِنَ الأوَّلِينَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ مالُهم، وإنَّما قِيلَ لَهُمُ الأوَّلِينَ مِن حَيْثُ كانُوا أوَّلِينَ في الذِّكْرِ، ألا تَرى أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وكَذَلِكَ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ذِكْرًا في اللَّفْظِ قَبْلَ قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ وقَرَأ حَفْصٌ وحْدَهُ بِفَتْحِ التّاءِ والحاءِ، ‏‏‏‏‏‏ عَلى التَّثْنِيَةِ، ووَجْهُهُ أنَّ الوَصِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ ظَهَرَتْ خِيانَتُهُما هُما أوْلى مِن غَيْرِهِما بِسَبَبِ أنَّ المَيِّتَ عَيَّنَهُما لِلْوِصايَةِ، ولَمّا خانا في مالِ الوَرَثَةِ صَحَّ أنْ يُقالَ: إنَّ الوَرَثَةَ قَدِ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ، أيْ خانَ في مالِهِمُ الأوْلَيانِ، وقَرَأ الحَسَنُ (الأوَّلانِ) ووَجْهُهُ ظاهِرٌ مِمّا تَقَدَّمَ.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .
والمَعْنى ظاهِرٌ؛ أيْ وما اعْتَدَيْنا في طَلَبِ هَذا المالِ، وفي نِسْبَتِهِمْ إلى الخِيانَةِ. وقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ إنّا إذًا حَلَفْنا مُوقِنِينَ بِالكَذِبِ مُعْتَقِدِينَ الزُّورَ والباطِلَ.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ .
والمَعْنى: ذَلِكَ الحُكْمُ الَّذِي ذَكَرْناهُ والطَّرِيقُ الَّذِي شَرَعْناهُ أقْرَبُ إلى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها، وأنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ لا عَلى وجْهِها، ولَكِنَّهم يَخافُونَ أنْ يَحْلِفُوا عَلى ما ذَكَرُوهُ لِخَوْفِهِمْ مِن أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ عَلى الوَرَثَةِ بَعْدَ أيْمانِهِمْ، فَيَظْهَرُ كَذِبُهم ويَفْتَضِحُونَ فِيما بَيْنَ النّاسِ.

* * *

صفحة ١٠١
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .
والمَعْنى: اتَّقُوا اللَّهَ أنْ تَخُونُوا في الأماناتِ واسْمَعُوا مَواعِظَ اللَّهِ؛ أيِ اعْمَلُوا بِها وأطِيعُوا اللَّهَ فِيها ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وهو تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ لِمَن خالَفَ حُكْمَ اللَّهِ وأوامِرَهُ، فَهَذا هو القَوْلُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّها في غايَةِ الصُّعُوبَةِ إعْرابًا ونَظْمًا وحُكْمًا، ورَوى الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في ”البَسِيطِ“ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ أعْضَلُ ما في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الأحْكامِ. والحُكْمُ الَّذِي ذَكَرْناهُ في هَذِهِ الآيَةِ مَنسُوخٌ عِنْدَ أكْثَرِ الفُقَهاءِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِأسْرارِ كَلامِهِ.

Reading a passage 3 ayat 5 ayat 10 ayat Just this one

The same ayah, in another commentary

Al-Māʾidah 5:98