O you who have believed, testimony [should be taken] among you when death approaches one of you at the time of bequest - [that of] two just men from among you or two others from outside if you are traveling through the land and the disaster of death should strike you. Detain them after the prayer and let them both swear by Allah if you doubt [their testimony, saying], "We will not exchange our oath for a price, even if he should be a near relative, and we will not withhold the testimony of Allah. Indeed, we would then be of the sinful."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِحِفْظِ النَّفْسِ في قَوْلِهِ: ﴿ ﴾ أمَرَ بِحِفْظِ المالِ في قَوْلِهِ: ﴿ ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ تَمِيمًا الدّارِيَّ وأخاهُ عَدِيًّا كانا نَصْرانِيَّيْنِ خَرَجا
صفحة ٩٥
إلى الشّامِ ومَعَهُما بَدِيلٌ مَوْلى عَمْرِو بْنِ العاصِ وكانَ مُسْلِمًا مُهاجِرًا، خَرَجُوا لِلتِّجارَةِ، فَلَمّا قَدِمُوا الشّامَ مَرِضَ بَدِيلٌ فَكَتَبَ كِتابًا فِيهِ نُسْخَةُ جَمِيعِ ما مَعَهُ وألْقاهُ فِيما بَيْنَ الأقْمِشَةِ ولَمْ يُخْبِرْ صاحِبَهُ بِذَلِكَ، ثُمَّ أوْصى إلَيْهِما وأمَرَهُما أنْ يَدْفَعا مَتاعَهُ إذا رَجَعا إلى أهْلِهِ، وماتَ بَدِيلٌ فَأخَذا مِن مَتاعِهِ إناءً مِن فِضَّةٍ مَنقُوشًا بِالذَّهَبِ ثَلاثَمِائَةِ مِثْقالٍ، ودَفَعا باقِيَ المَتاعِ إلى أهْلِهِ لَمّا قَدِما، فَفَتَّشُوا فَوَجَدُوا الصَّحِيفَةَ وفِيها ذِكْرُ الإناءِ، فَقالُوا لِتَمِيمٍ وعَدِيٍّ: أيْنَ الإناءُ ؟ فَقالا: لا نَدْرِي، والَّذِي دَفَعَ إلَيْنا دَفَعْناهُ إلَيْكم، فَرَفَعُوا الواقِعَةَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ ﴾ يَعْنِي شَهادَةَ ما بَيْنَكم، وما بَيْنَكم كِنايَةٌ عَنِ التَّنازُعِ والتَّشاجُرِ، وإنَّما أضافَ الشَّهادَةَ إلى التَّنازُعِ لِأنَّ الشُّهُودَ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِمْ عِنْدَ وُقُوعِ التَّنازُعِ، وحَذْفُ (ما) مِن قَوْلِهِ: ﴿ ﴾ جائِزٌ لِظُهُورِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ ﴾ [الكَهْفِ: ٧٨] أيْ ما بَيْنِي وبَيْنَكَ، وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنْعامِ: ٩٤] في قِراءَةِ مَن نَصَبَ، وقَوْلُهُ: ﴿ ﴾ يَعْنِي الشَّهادَةَ المُحْتاجَ إلَيْها عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ، و﴿ ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ ﴾ لِأنَّ زَمانَ حُضُورِ المَوْتِ هو زَمانُ حُضُورِ الوَصِيَّةِ، فَعُرِفَ ذَلِكَ الزَّمانُ بِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ الواقِعَيْنِ فِيهِ، كَما يُقالُ: ائْتِنِي إذا زالَتِ الشَّمْسُ حِينَ صَلاةِ الظُّهْرِ. والمُرادُ بِحُضُورِ المَوْتِ مُشارَفَتُهُ وظُهُورُ أماراتِ وُقُوعِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٠] قالُوا: وقَوْلُهُ: ﴿ ﴾ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ الوَصِيَّةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ زَمانَ حُضُورِ المَوْتِ غَيْرَ زَمانِ الوَصِيَّةِ، وهَذا إنَّما يَكُونُ إذا كانا مُتَلازِمَيْنِ، وإنَّما تَحْصُلُ هَذِهِ المُلازَمَةُ عِنْدَ وُجُوبِ الوَصِيَّةِ.
﴿ ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ حَذْفٌ، والمُرادُ أنْ يَشْهَدَ ذَوا عَدْلٍ مِنكم، وتَقْدِيرُ الآيَةِ: شَهادَةُ ما بَيْنَكم عِنْدَ المَوْتِ المَوْصُوفِ، هي أنْ يَشْهَدَ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم، وإنَّما حَسُنَ هَذا الحَذْفُ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ: (مِنكم) عَلى قَوْلَيْنِ:
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ عامَّةِ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُرادَ: اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم يا مَعْشَرَ المُؤْمِنِينَ، أيْ مِن أهْلِ دِينِكم ومِلَّتِكم، وقَوْلُهُ: ﴿ ﴾ يَعْنِي أوْ شَهادَةَ آخَرَيْنِ مِن غَيْرِ أهْلِ دِينِكم ومِلَّتِكم إذا كُنْتُمْ في السَّفَرِ، فالعَدْلانِ المُسْلِمانِ صالِحانِ لِلشَّهادَةِ في الحَضَرِ والسَّفَرِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ وسَعِيدِ بْنِ
صفحة ٩٦
جُبَيْرٍ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وشُرَيْحٍ ومُجاهِدٍ وابْنِ سِيرِينَ وابْنِ جُرَيْجٍ. قالُوا: إذا كانَ الإنْسانُ في الغُرْبَةِ، ولَمْ يَجِدْ مُسْلِمًا يُشْهِدُهُ عَلى وصِيَّتِهِ، جازَ لَهُ أنْ يُشْهِدَ اليَهُودِيَّ أوِ النَّصْرانِيَّ أوِ المَجُوسِيَّ أوْ عابِدَ الوَثَنِ أوْ أيَّ كافِرٍ كانَ، وشَهادَتُهم مَقْبُولَةٌ، ولا يَجُوزُ شَهادَةُ الكافِرِينَ عَلى المُسْلِمِينَ إلّا في هَذِهِ الصُّورَةِ. قالَ الشَّعْبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَرِضَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ في الغُرْبَةِ، فَلَمْ يَجِدْ أحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ يُشْهِدُهُ عَلى وصِيَّتِهِ، فَأشْهَدَ رَجُلَيْنِ مِن أهْلِ الكِتابِ، فَقَدِما الكُوفَةَ وأتَيا أبا مُوسى الأشْعَرِيَّ وكانَ والِيًا عَلَيْها، فَأخْبَراهُ بِالواقِعَةِ وقَدَّما تَرِكَتَهُ ووَصِيَّتَهُ، فَقالَ أبُو مُوسى: هَذا أمْرٌ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الَّذِي كانَ في عَهْدِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ثُمَّ حَلَّفَهُما في مَسْجِدِ الكُوفَةِ بَعْدَ العَصْرِ بِاللَّهِ أنَّهُما ما كَذَبا ولا بَدَّلا، وأجازَ شَهادَتَهُما. ثُمَّ إنَّ القائِلِينَ بِهَذا القَوْلِ، مِنهم مَن قالَ: هَذا الحُكْمُ بَقِيَ مُحْكَمًا، ومِنهم مَن قالَ: صارَ مَنسُوخًا.
القَوْلُ الثّانِي، وهو قَوْلُ الحَسَنِ والزُّهْرِيِّ وجُمْهُورِ الفُقَهاءِ، أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ ﴾ أيْ مِن أقارِبِكم، وقَوْلَهُ: ﴿ ﴾ أيْ مِنَ الأجانِبِ ﴿ ﴾ أيْ إنْ تُوُقِّعَ المَوْتُ في السَّفَرِ، ولَمْ يَكُنْ مَعَكم أحَدٌ مِن أقارِبِكم، فاسْتَشْهِدُوا أجْنَبِيَّيْنِ عَلى الوَصِيَّةِ. وجَعَلَ الأقارِبَ أوَّلًا لِأنَّهم أعْلَمُ بِأحْوالِ المَيِّتِ وهم بِهِ أشْفَقُ، وبِوَرَثَتِهِ أرْحَمُ وأرْأفُ. واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى القَوْلِ الأوَّلِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِوُجُوهٍ:
الحُجَّةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى قالَ في أوَّلِ الآيَةِ: ﴿ ﴾ فَعَمَّمَ بِهَذا الخِطابِ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ، فَلَمّا قالَ بَعْدَهُ: ﴿ ﴾ كانَ المُرادُ أوْ آخَرانِ مِن جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ لا مَحالَةَ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ جَوازَ الِاسْتِشْهادِ بِهَذَيْنِ الآخَرَيْنِ مَشْرُوطٌ بِكَوْنِ المُسْتَشْهِدِ في السَّفَرِ، فَلَوْ كانَ هَذانِ الشّاهِدانِ مُسْلِمَيْنِ لَما كانَ جَوازُ الِاسْتِشْهادِ بِهِما مَشْرُوطًا بِالسَّفَرِ؛ لِأنَّ اسْتِشْهادَ المُسْلِمِ جائِزٌ في السَّفَرِ والحَضَرِ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى وُجُوبِ الحَلِفِ عَلى هَذَيْنِ الشّاهِدَيْنِ مِن بَعْدِ الصَّلاةِ، وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ الشّاهِدَ المُسْلِمَ لا يَجِبُ عَلَيْهِ الحَلِفُ، فَعَلِمْنا أنَّ هَذَيْنِ الشّاهِدَيْنِ لَيْسا مِنَ المُسْلِمِينَ.
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما ذَكَرْناهُ مِن شَهادَةِ النَّصْرانِيَّيْنِ عَلى بَدِيلٍ وكانَ مُسْلِمًا.
الحُجَّةُ الخامِسَةُ: ما رُوِّينا أنَّ أبا مُوسى الأشْعَرِيَّ قَضى بِشَهادَةِ اليَهُودِيَّيْنِ بَعْدَ أنْ حَلَّفَهُما، وما أنْكَرَ عَلَيْهِ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ، فَكانَ ذَلِكَ إجْماعًا.
الحُجَّةُ السّادِسَةُ: أنّا إنَّما نُجِيزُ إشْهادَ الكافِرِينَ إذا لَمْ نَجِدْ أحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ، والضَّرُوراتُ قَدْ تُبِيحُ المَحْظُوراتِ، ألا تَرى أنَّهُ تَعالى أجازَ التَّيَمُّمَ والقَصْرَ في الصَّلاةِ، والإفْطارَ في رَمَضانَ، وأكْلَ المَيْتَةِ في حالِ الضَّرُورَةِ، والضَّرُورَةُ حاصِلَةٌ في هَذِهِ المَسْألَةِ؛ لِأنَّ المُسْلِمَ إذا قَرُبَ أجْلُهُ في الغُرْبَةِ ولَمْ يَجِدْ مُسْلِمًا يُشْهِدُهُ عَلى نَفْسِهِ ولَمْ تَكُنْ شَهادَةُ الكُفّارِ مَقْبُولَةً، فَإنَّهُ يُضَيِّعُ أكْثَرَ مُهِمّاتِهِ، فَإنَّهُ رُبَّما وجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَواتٌ وكَفّاراتٌ وما أدّاها، ورُبَّما كانَ عِنْدَهُ ودائِعُ أوْ دُيُونٌ كانَتْ في ذِمَّتِهِ. وكَما تَجُوزُ شَهادَةُ النِّساءِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ النِّساءِ، كالحَيْضِ والحَبَلِ والوِلادَةِ والِاسْتِهْلالِ؛ لِأجْلِ أنَّهُ لا يُمْكِنُ وُقُوفُ الرِّجالِ عَلى هَذِهِ الأحْوالِ، فاكْتَفَيْنا فِيها بِشَهادَةِ النِّساءِ لِأجْلِ الضَّرُورَةِ، فَكَذا هاهُنا. وأمّا قَوْلُ مَن يَقُولُ بِأنَّ هَذا الحُكْمَ صارَ مَنسُوخًا، فَبَعِيدٌ؛ لِاتِّفاقِ أكْثَرِ الأُمَّةِ عَلى أنَّ سُورَةَ المائِدَةِ مِن آخِرِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ، ولَيْسَ فِيها مَنسُوخٌ، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِالقَوْلِ الثّانِي بِقَوْلِهِ: ﴿ ﴾ [الطَّلاقِ: ٢] والكافِرُ لا يَكُونُ عَدْلًا.
صفحة ٩٧
أجابَ الأوَّلُونَ عَنْهُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالعَدْلِ مَن كانَ عَدْلًا في الِاحْتِرازِ عَنِ الكَذِبِ، لا مَن كانَ عَدْلًا في الدِّينِ والِاعْتِقادِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنّا أجْمَعْنا عَلى قَبُولِ شَهادَةِ أهْلِ الأهْواءِ والبِدَعِ، مَعَ أنَّهم لَيْسُوا عُدُولًا في مَذاهِبِهِمْ، ولَكِنَّهم لَمّا كانُوا عُدُولًا في الِاحْتِرازِ عَنِ الكَذِبِ قَبِلْنا شَهادَتَهم، فَكَذا هاهُنا. سَلَّمْنا أنَّ الكافِرَ لَيْسَ بِعَدْلٍ، إلّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ ﴾ عامٌّ، وقَوْلَهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ ﴾ خاصٌّ، فَإنَّهُ أوْجَبَ شَهادَةَ العَدْلِ الَّذِي يَكُونُ مِنّا في الحَضَرِ، واكْتَفى بِشَهادَةِ مَن لا يَكُونُ مِنّا في السَّفَرِ، فَهَذِهِ الآيَةُ خاصَّةٌ، والآيَةُ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها عامَّةٌ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ، لا سِيَّما إذا كانَ الخاصُّ مُتَأخِّرًا في النُّزُولِ، ولا شَكَّ أنَّ سُورَةَ المائِدَةِ مُتَأخِّرَةٌ، فَكانَ تَقْدِيمُ هَذِهِ الآيَةِ الخاصَّةِ عَلى الآيَةِ العامَّةِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها واجِبًا بِالِاتِّفاقِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ ﴾ .
وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ ﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿﴾ والتَّقْدِيرُ: شَهادَةُ بَيْنِكم أنْ يَشْهَدَ اثْنانِ مِنكم أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكم.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ ﴾ المَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ أنَّ جَوازَ الِاسْتِشْهادِ بِآخَرَيْنِ مِن غَيْرِهِمْ مَشْرُوطٌ بِما إذا كانَ المُسْتَشْهِدُ مُسافِرًا ضارِبًا في الأرْضِ وحَضَرَتْ عَلاماتُ نُزُولِ المَوْتِ بِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: تَحْبِسُونَهُما، أيْ تُوقِفُونَهُما كَما يَقُولُ الرَّجُلُ: مَرَّ بِي فُلانٌ عَلى فَرَسٍ فَحَبَسَ عَلَيَّ دابَّتَهُ؛ أيْ أوْقَفَها، وحَبَسْتُ الرَّجُلَ في الطَّرِيقِ أُكَلِّمُهُ؛ أيْ أوْقَفْتُهُ.
فَإنْ قِيلَ: ما مَوْقِعُ ﴿﴾ ؟
قُلْنا: هو اسْتِئْنافٌ، كَأنَّهُ: قِيلَ كَيْفَ نَعْمَلُ إنْ حَصَلَتِ الرِّيبَةُ فِيهِما ؟ فَقِيلَ: تَحْبِسُونَهُما.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ ﴾ فِيهِ أقْوالٌ، الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن بَعْدِ صَلاةِ أهْلِ دِينِهِما.
والثّانِي: قالَ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ: مِن بَعْدِ صَلاةِ العَصْرِ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ عُرِفَ أنَّ المُرادَ هو صَلاةُ العَصْرِ، مَعَ أنَّ المَذْكُورَ هو الصَّلاةُ المُطْلَقَةُ ؟
قُلْنا: إنَّما عُرِفَ هَذا التَّعْيِينُ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ هَذا الوَقْتَ كانَ مَعْرُوفًا عِنْدَهم بِالتَّحْلِيفِ بَعْدَها، فالتَّقْيِيدُ بِالمَعْرُوفِ المَشْهُورِ أغْنى عَنِ التَّقْيِيدِ بِاللَّفْظِ.
وثانِيها: ما رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ صَلّى النَّبِيُّ ﷺ صَلاةَ العَصْرِ، ودَعا بِعَدِيٍّ وتَمِيمٍ، فاسْتَحْلَفَهُما عِنْدَ المِنبَرِ، فَصارَ فِعْلُ الرَّسُولِ دَلِيلًا عَلى التَّقْيِيدِ.
وثالِثُها: أنَّ جَمِيعَ أهْلِ الأدْيانِ يُعَظِّمُونَ هَذا الوَقْتَ ويَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ ويَحْتَرِزُونَ عَنِ الحَلِفِ الكاذِبِ، وأهْلُ الكِتابِ يُصَلُّونَ لِطُلُوعِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها.
والقَوْلُ الثّالِثُ: قالَ الحَسَنُ: المُرادُ بَعْدَ الظُّهْرِ أوْ بَعْدَ العَصْرِ؛ لِأنَّ أهْلَ الحِجازِ كانُوا يَقْعُدُونَ لِلْحُكُومَةِ بَعْدَهُما.
صفحة ٩٨
والقَوْلُ الرّابِعُ: أنَّ المُرادَ بَعْدَ أداءِ الصَّلاةِ أيَّ صَلاةٍ كانَتْ والغَرَضُ مِنَ التَّحْلِيفِ بَعْدَ إقامَةِ الصَّلاةِ هو أنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، فَكانَ احْتِرازُ الحالِفِ عَنِ الكَذِبِ في ذَلِكَ الوَقْتِ أتَمَّ وأكْمَلَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الأيْمانُ تُغَلَّظُ في الدِّماءِ والطَّلاقِ والعَتاقِ، والمالِ إذا بَلَغَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، في الزَّمانِ والمَكانِ، فَيَحْلِفُ بَعْدَ العَصْرِ بِمَكَّةَ بَيْنَ الرُّكْنِ والمَقامِ، وبِالمَدِينَةِ عِنْدَ المِنبَرِ، وفي بَيْتِ المَقْدِسِ عِنْدَ الصَّخْرَةِ، وفي سائِرِ البُلْدانِ في أشْرَفِ المَساجِدِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَحْلِفُ مِن غَيْرِ أنْ يَخْتَصَّ الحَلِفُ بِزَمانٍ أوْ مَكانٍ، وهَذا عَلى خِلافِ الآيَةِ، ولِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ التَّهْوِيلُ والتَّعْظِيمُ، ولا شَكَّ أنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أقْوى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿ ﴾ لِلْجَزاءِ، يَعْنِي: تَحْبِسُونَهُما فَيُقْدِمانِ لِأجْلِ ذَلِكَ الحَبْسِ عَلى القَسَمِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ. والمَعْنى: إنِ ارْتَبْتُمْ في شَأْنِهِما واتَّهَمْتُمُوهُما فَحَلِّفُوهُما، وبِهَذا يَحْتَجُّ مَن يَقُولُ الآيَةُ نازِلَةٌ في إشْهادِ الكُفّارِ؛ لِأنَّ تَحْلِيفَ الشّاهِدِ المُسْلِمِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، ومَن قالَ: الآيَةُ نازِلَةٌ في حَقِّ المُسْلِمِ، قالَ: إنَّها مَنسُوخَةٌ، وعَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كانَ يُحَلِّفُ الشّاهِدَ والرّاوِيَ عِنْدَ التُّهْمَةِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ ﴾ يَعْنِي يُقْسِمانِ بِاللَّهِ أنّا لا نَبِيعُ عَهْدَ اللَّهِ بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيا قائِلِينَ: لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٧٧] أيْ لا نَأْخُذُ ولا نَسْتَبْدِلُ، ومَن باعَ شَيْئًا فَقَدِ اشْتَرى ثَمَنَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ ﴾ أيْ لا نَبِيعُ عَهْدَ اللَّهِ بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيا، ولَوْ كانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ حَبْوَةَ ذِي قُرْبى أوْ نَفْسِهِ، وخَصَّ ذا القُرْبى بِالذِّكْرِ لِأنَّ المَيْلَ إلَيْهِمْ أتَمُّ والمُداهَنَةَ بِسَبَبِهِمْ أعْظَمُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ ﴾ [النِّساءِ: ١٣٥] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: هَذا عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ ﴾ يَعْنِي أنَّهُما يُقْسِمانِ حالَ ما يَقُولانِ: لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ؛ أيِ الشَّهادَةَ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِحِفْظِها وإظْهارِها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: نُقِلَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ وقَفَ عَلى قَوْلِهِ: (شَهادَةً) ثُمَّ ابْتَدَأ (آللَّهِ) بِالمَدِّ عَلى طَرْحِ حَرْفِ القَسَمِ وتَعْوِيضِ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ مِنهُ، ورُوِيَ عَنْهُ بِغَيْرِ مَدٍّ عَلى ما ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ أنَّ مِنهم مَن يَقُولُ: اللَّهِ لَقَدْ كانَ كَذا، والمَعْنى تاللَّهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ ﴾ يَعْنِي إذا كَتَمْناها كُنّا مِنَ الآثِمِينَ.