All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Adh-Dhāriyāt 51:44 Juzʾ 27 Page 522

‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

But they were insolent toward the command of their Lord, so the thunderbolt seized them while they were looking on.

Read in the muṣḥaf

وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ فِيهِ بَحْثٌ وهو أنَّ عَتا يُسْتَعْمَلُ بِعَلى قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [مريم: ٦٩] وهَهُنا اسْتُعْمِلَ مَعَ كَلِمَةِ عَنْ فَنَقُولُ فِيهِ مَعْنى الِاسْتِعْتاءِ فَحَيْثُ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ كانَ كَقَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] وحَيْثُ قالَ عَلى كانَ كَقَوْلِ القائِلِ فُلانٌ يَتَكَبَّرُ عَلَيْنا، والصّاعِقَةُ فِيهِ وجْهانِ ذَكَرْناهُما هُنا.

أحَدُها: أنَّها الواقِعَةُ.

والثّانِي: الصَّوْتُ الشَّدِيدُ وقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ إشارَةٌ إلى أحَدِ مَعْنَيَيْنِ إمّا بِمَعْنى تَسْلِيمِهِمْ وعَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلى الدَّفْعِ كَما يَقُولُ القائِلُ لِلْمَضْرُوبِ يَضْرِبُكَ فُلانٌ وأنْتَ تَنْظُرُ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَدْفَعُ، وإمّا بِمَعْنى أنَّ العَذابَ أتاهم لا عَلى غَفْلَةٍ بَلْ أُنْذِرُوا بِهِ مِن قَبْلُ بِثَلاثَةِ أيّامٍ وانْتَظَرُوهُ، ولَوْ كانَ عَلى غَفْلَةٍ لَكانَ لِمُتَوَهِّمٍ أنْ يَتَوَهَّمَ أنَّهم أُخِذُوا عَلى غَفْلَةٍ أخْذَ العاجِلِ المُحْتاجِ، كَما يَقُولُ المُبارِزُ الشُّجاعُ أخْبَرْتُكَ بِقَصْدِي إيّاكَ فانْتَظَرَنِي.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ لِبَيانِ عَجْزِهِمْ عَنِ الهَرَبِ والفِرارِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، فَإنَّ مَن لا يَقْدِرُ عَلى قِيامٍ كَيْفَ يَمْشِي فَضْلًا عَنْ أنْ يَهْرُبَ، وعَلى هَذا فِيهِ لَطائِفُ لَفْظِيَّةٌ.

إحْداها: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ فَإنَّ الِاسْتِطاعَةَ دُونَ القُدْرَةِ؛ لِأنَّ في الِاسْتِطاعَةِ دَلالَةَ الطَّلَبِ وهو يُنْبِئُ عَنْ عَدَمِ القُدْرَةِ والِاسْتِقْلالِ، فَمَنِ اسْتَطاعَ شَيْئًا كانَ دُونَ مَن يَقْدِرُ عَلَيْهِ، ولِهَذا يَقُولُ المُتَكَلِّمُونَ الِاسْتِطاعَةُ مَعَ الفِعْلِ أوْ قَبْلَ الفِعْلِ إشارَةٌ إلى قُدْرَةٍ مَطْلُوبَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى مَأْخُوذَةٍ مِنهُ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ [المائدة: ١١٢] عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالتّاءِ وقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أبْلَغُ مِن قَوْلِ القائِلِ ما قَدَرُوا عَلى قِيامٍ.

ثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ بِزِيادَةِ مِن، وقَدْ عَرَفْتَ ما فِيهِ مِنَ التَّأْكِيدِ.

ثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿قِيامٍ﴾ بَدَلُ قَوْلِهِ ”هَرَبٍ“ لِما بَيَّنّا أنَّ العاجِزَ عَنِ القِيامِ أوْلى أنْ يَعْجِزَ عَنِ الهَرَبِ.

الوَجْهُ الثّانِي: هو أنَّ المُرادَ

صفحة ١٩٣
”مِن قِيامٍ“ القِيامُ بِالأمْرِ، أيْ ما اسْتَطاعُوا مِن قِيامٍ بِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ ما اسْتَطاعُوا الهَزِيمَةَ والهَرَبَ، ومَن لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ يُقاتِلُ ويَنْتَصِرُ بِكُلِّ ما يُمْكِنُهُ لِأنَّهُ يَدْفَعُ عَنِ الرُّوحِ وهم مَعَ ذَلِكَ ما كانُوا مُنْتَصِرِينَ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ قَوْلَ القائِلِ ما هو بِمُنْتَصِرٍ أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ ما انْتَصَرَ ولا يَنْتَصِرُ والجَوابُ تُرِكَ مَعَ كَوْنِهِ يَجِبُ تَقْدِيرُهُ وقَوْلُهُ: ﴿انْتَصَرَ﴾ [ الشُّورى: ٤١] أيْ لِشَيْءٍ مِن شَأْنِهِ ذَلِكَ، كَما تَقُولُ فُلانٌ لا يَنْصُرُ أوْ فُلانٌ لَيْسَ يَنْصُرُ.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ قُرِئَ:”قَوْمَ“ بِالجَرِّ والنَّصْبِ فَما وجْهُهُما ؟

نَقُولُ: أمّا الجَرُّ فَظاهِرٌ عَطْفًا عَلى ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: وفي عادٍ وفي مُوسى، تَقُولُ لَكَ في فُلانٍ عِبْرَةٌ وفي فُلانٍ وفُلانٍ، وأمّا النَّصْبُ فَعَلى تَقْدِيرِ: وأهْلَكْنا قَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ؛ لِأنَّ ما تَقَدَّمَ دَلَّ عَلى الهَلاكِ فَهو عَطْفٌ عَلى المَحَلِّ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏ مَعْناهُ ظاهِرٌ كَأنَّهُ يَقُولُ: ”وأهْلَكْنا قَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ“ وأمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ فَتَقْدِيرُهُ: وفي قَوْمِ نُوحٍ لَكم عِبْرَةٌ مِن قَبْلِ ثَمُودَ وعادٍ وغَيْرِهِمْ.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ . وهو بَيانٌ لِلْوَحْدانِيَّةِ، وما تَقَدَّمَ كانَ بَيانًا لِلْحَشْرِ.
وأمّا قَوْلُهُ هَهُنا: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وأنْتُمْ تَعْرِفُونَ أنَّ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما خَلَقُوا مِنها شَيْئًا فَلا يَصِحُّ الإشْراكُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ هَذا عَوْدٌ بَعْدَ التَّهْدِيدِ إلى إقامَةِ الدَّلِيلِ، وبِناءُ السَّماءِ دَلِيلٌ عَلى القُدْرَةِ عَلى خَلْقِ الأجْسامِ ثانِيًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١] وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: النَّصْبُ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ يُخْتارُ في مَواضِعَ، وإذا كانَ العَطْفُ عَلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ فَما تِلْكَ الجُمْلَةُ ؟ نَقُولُ في بَعْضِ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْناها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعادٍ وثَمُودَ﴾ [التَّوْبَةِ: ٧٠ ] تَقْدِيرُهُ وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ عادٍ وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ ثَمُودَ، عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وعَلى هَذا يَكُونُ ما تَقَدَّمَ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً لا خَفاءَ فِيهِ، وعَلى غَيْرِ ذَلِكَ الوَجْهِ فالجارُّ والمَجْرُورُ النَّصْبُ أقْرَبُ مِنهُ إلى الرَّفْعِ فَكانَ عَطْفًا عَلى ما بِالنَّصْبِ أوْلى، ولِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَنَبَذْناهُمْ﴾ وقَوْلَهُ: ﴿أرْسَلْنا﴾ وقَوْلَهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ و‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ كُلُّها فِعْلِيّاتٌ فَصارَ النَّصْبُ مُخْتارًا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كَرَّرَ ذِكْرَ البِناءِ في السَّماواتِ، قالَ تَعالى: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ [الشمس: ٥] وقالَ تَعالى: ﴿أمِ السَّماءُ بَناها﴾ [النازعات: ٢٧] وقالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [غافر: ٦٥] فَما الحِكْمَةُ فِيهِ ؟ نَقُولُ فِيهِ وُجُوهٌ.

أحَدُها: أنَّ البِناءَ باقٍ إلى قِيامِ القِيامَةِ لَمْ يَسْقُطْ مِنهُ شَيْءٌ ولَمْ يُعْدَمْ مِنهُ جُزْءٌ، وأمّا الأرْضُ فَهي في التَّبَدُّلِ والتَّغَيُّرِ فَهي كالفَرْشِ الَّذِي يُبْسَطُ ويُطْوى ويُنْقَلُ، والسَّماءُ كالبِناءِ المَبْنِيِّ الثّابِتِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَبْعًا شِدادًا﴾ [النبأ: ١٢] وأمّا الأراضِي فَكَمْ مِنها ما صارَ بَحْرًا وعادَ أرْضًا مِن وقْتِ حُدُوثِها.

ثانِيها: أنَّ السَّماءَ تُرى كالقُبَّةِ المَبْنِيَّةِ فَوْقَ الرُّءُوسِ، والأرْضَ مَبْسُوطَةٌ مَدْحُوَّةٌ، والبِناءُ بِالمَرْفُوعِ ألْيَقُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿رَفَعَ سَمْكَها﴾ [النازعات: ٢٨] .

ثالِثُها: قالَ بَعْضُ الحُكَماءِ: السَّماءُ مَسْكَنُ الأرْواحِ والأرْضُ

صفحة ١٩٤
مَوْضِعُ الأعْمالِ والمَسْكَنُ ألْيَقُ بِكَوْنِهِ بِناءً واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الأصْلُ تَقْدِيمُ العامِلِ عَلى المَعْمُولِ والفِعْلُ هو العامِلُ فَقَوْلُهُ: ”بَنَيْنا“ عامِلٌ في السَّماءِ، فَما الحِكْمَةُ في تَقْدِيمِ المَفْعُولِ عَلى الفِعْلِ ولَوْ قالَ: وبَنَيْنا السَّماءَ بِأيْدٍ، كانَ أوْجَزَ ؟ نَقُولُ الصّانِعُ قَبْلَ الصُّنْعِ عِنْدَ النّاظِرِ في المَعْرِفَةِ، فَلَمّا كانَ المَقْصُودُ إثْباتُ العِلْمِ بِالصّانِعِ، قُدِّمَ الدَّلِيلُ فَقالَ والسَّماءَ المُزَيَّنَةَ الَّتِي لا تَشُكُّونَ فِيها بَنَيْناها فاعْرِفُونا بِها إنْ كُنْتُمْ لا تَعْرِفُونَنا.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إذا كانَ المَقْصُودُ إثْباتَ التَّوْحِيدِ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿بَنَيْناها﴾ ولَمْ يَقُلْ بَنَيْتُها أوْ بَناها اللَّهُ ؟ نَقُولُ قَوْلُهُ:”بَنَيْنا“ أدَلُّ عَلى عَدَمِ الشَّرِيكِ في التَّصَرُّفِ والِاسْتِبْدادِ، وقَوْلُهُ بَنَيْتُها يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ فِيهِ تَشْرِيكٌ، وتَمامُ التَّقْرِيرِ هو أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿بَنَيْناها﴾ لا يُورِثُ إيهامًا بِأنَّ الآلِهَةَ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها هي الَّتِي يَرْجِعُ إلَيْها الضَّمِيرُ في ﴿بَنَيْناها﴾ لِأنَّ تِلْكَ إمّا أصْنامٌ مَنحُوتَةٌ وإمّا كَواكِبُ جَعَلُوا الأصْنامَ عَلى صُوَرِها وطَبائِعِها، فَأمّا الأصْنامُ المَنحُوتَةُ فَلا يَشُكُّونَ أنَّها ما بَنَتْ مِنَ السَّماءِ شَيْئًا، وأمّا الكَواكِبُ فَهي في السَّماءِ مُحْتاجَةٌ إلَيْها فَلا تَكُونُ هي بانِيَتَها، وإنَّما يُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّما بُنِيَتْ لَها وجُعِلَتْ أماكِنُها، فَلَمّا لَمْ يُتَوَهَّمْ ما قالُوا قالَ بَنَيْنا نَحْنُ ونَحْنُ غَيْرُ ما يَقُولُونَ ويَدَعُونَهُ فَلا يَصْلُحُونَ لَنا شُرَكاءَ؛ لِأنَّ كُلَّ ما هو غَيْرُ السَّماءِ ودُونَ السَّماءِ في المَرْتَبَةِ فَلا يَكُونُ خالِقَ السَّماءِ وبانِيَها.

فَإذَنْ عُلِمَ أنَّ المُرادَ جَمْعُ التَّعْظِيمِ، وأفادَ النَّصُّ عَظَمَتَهُ، فالعَظَمَةُ أنْفى لِلشَّرِيكِ فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَنَيْناها﴾ أدَلُّ عَلى نَفْيِ الشَّرِيكِ مِن بَنَيْتُها وبَناها اللَّهُ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ قُلْتَ: إنَّ الجَمْعَ يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ ؟ قُلْنا: الجَوابُ مِنَ الوَجْهَيْنِ.

الأوَّلُ: أنَّ الكَلامَ عَلى قَدْرٍ فَهْمِ السّامِعِ، والسّامِعُ هو الإنْسانُ، والإنْسانُ يَقِيسُ الشّاهِدَ عَلى الغائِبِ، فَإنَّ الكَبِيرَ عِنْدَهم مَن يَفْعَلُ الشَّيْءَ بِجُنْدِهِ وخَدَمِهِ ولا يُباشِرُ بِنَفْسِهِ، فَيَقُولُ المَلِكُ فَعَلْنا أيْ فَعَلَهُ عِبادُنا بِأمْرِنا ويَكُونُ في ذَلِكَ تَعْظِيمٌ، فَكَذَلِكَ في حَقِّ الغائِبِ.

الوَجْهُ الآخَرُ: هو أنَّ القَوْلَ إذا وقَعَ مِن واحِدٍ وكانَ الغَيْرُ بِهِ راضِيًا يَقُولُ القائِلُ فَعَلْنا كُلُّنا كَذا وإذا اجْتَمَعَ جَمْعٌ عَلى فِعْلٍ لا يَقَعُ إلّا بِالبَعْضِ، كَما إذا خَرَجَ جَمٌّ غَفِيرٌ وجَمْعٌ كَثِيرٌ لِقَتْلِ سَبْعٍ وقَتَلُوهُ يُقالُ قَتَلَهُ أهْلُ بَلْدَةٍ كَذا لِرِضا الكُلِّ بِهِ وقَصْدِ الكُلِّ إلَيْهِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فاللَّهُ تَعالى كَيْفَما أمَرَ بِفِعْلِ شَيْءٍ لا يَكُونُ لِأحَدٍ رَدُّهُ وكانَ كُلُّ واحِدٍ مُنْقادًا لَهُ، يَقُولُ بَدَلَ فَعَلْتُ فَعَلْنا، ولِهَذا المَلِكِ العَظِيمِ أجْمَعْنا بِحَيْثُ لا يُنْكِرُهُ أحَدٌ ولا يُرَدِّدُهُ نَفْسٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأيْدٍ﴾ أيْ قُوَّةٍ والأيْدُ القُوَّةُ هَذا هو المَشْهُورُ وبِهِ فُسِّرَ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [ص: ١٧] يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ إنَّ المُرادَ جَمْعُ اليَدِ، ودَلِيلُهُ أنَّهُ قالَ تَعالى: ﴿لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] وقالَ تَعالى: ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا﴾ [يس: ٧١] وهو راجِعٌ في الحَقِيقَةِ إلى المَعْنى الأوَّلِ وعَلى هَذا فَحَيْثُ قالَ: ﴿خَلَقْتُ﴾ قالَ: ﴿بِيَدَيَّ﴾ وحَيْثُ قالَ: (بَنَيْنا) قالَ: ﴿بِأيْدٍ﴾ لِمُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ، فَإنْ قِيلَ لَمْ يَقُلْ بَنَيْناها بِأيْدِينا وقالَ: ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ ؟ نَقُولُ: لِفائِدَةٍ جَلِيلَةٍ، وهي أنَّ السَّماءَ لا يَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ أنَّها مَخْلُوقَةٌ لِغَيْرِ اللَّهِ، والأنْعامُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَقالَ هُناكَ: ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ [ص: ٧١] تَصْرِيحًا بِأنَّ الحَيَوانَ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ واسِطَةٍ وكَذَلِكَ ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥ ] وفي السَّماءِ ﴿بِأيْدٍ﴾ مِن غَيْرِ إضافَةٍ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْها وفِيهِ لَطِيفَةٌ أُخْرى وهي أنَّ هُناكَ لَمّا أثْبَتَ الإضافَةَ بَعْدَ حَذْفِ الضَّمِيرِ العائِدِ إلى المَفْعُولِ، فَلَمْ يَقُلْ خَلَقْتُهُ بِيَدَيَّ ولا قالَ عَمِلَتْهُ أيْدِينا وقالَ هَهُنا: ﴿بَنَيْناها﴾ لِأنَّ هُناكَ لَمْ يَخْطُرْ بِبالِ أحَدٍ أنَّ الإنْسانَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وأنَّ الحَيَوانَ غَيْرُ مَعْمُولٍ فَلَمْ يَقُلْ خَلَقْتُهُ ولا عَمِلْتُهُ وأمّا السَّماءُ فَبَعْضُ الجُهّالِ يَزْعُمُ أنَّها غَيْرُ مَجْعُولَةٍ فَقالَ: ﴿بَنَيْناها﴾ بِعَوْدِ الضَّمِيرِ تَصْرِيحًا بِأنَّها مَخْلُوقَةٌ.

صفحة ١٩٥
وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ مِنَ السَّعَةِ أيْ أوْسَعْناها بِحَيْثُ صارَتِ الأرْضُ وما يُحِيطُ بِها مِنَ الماءِ والهَواءِ بِالنِّسْبَةِ إلى السَّماءِ وسَعَتِها كَحَلْقَةٍ في فَلاةٍ، والبِناءُ الواسِعُ الفَضاءِ عَجِيبٌ فَإنَّ القُبَّةَ الواسِعَةَ لا يَقْدِرُ عَلَيْها البَنّاءُونَ لِأنَّهم يَحْتاجُونَ إلى إقامَةِ آلَةٍ يَصِحُّ بِها اسْتِدارَتُها ويَثْبُتُ بِها تَماسُكُ أجْزائِها إلى أنْ يَتَّصِلَ بَعْضُها بِبَعْضٍ.

ثانِيها: قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ لَقادِرُونَ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ٢٨٦] أيْ قُدْرَتُها والمُناسَبَةُ حِينَئِذٍ ظاهِرَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ بِأنَّ ذَلِكَ حِينَئِذٍ إشارَةٌ إلى المَقْصُودِ الآخَرِ وهو الحَشْرُ كَأنَّهُ يَقُولُ: بَنَيْنا السَّماءَ، وإنّا لَقادِرُونَ عَلى أنْ نَخْلُقَ أمْثالَها، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١] .

ثالِثُها: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ الرِّزْقَ عَلى الخَلْقِ.

The same ayah, in another commentary

Adh-Dhāriyāt 51:44