All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

An-Najm 53:4 Juzʾ 27 Page 526

‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏

It is not but a revelation revealed,

Read in the muṣḥaf

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ بِكَلِمَةِ البَيانِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [ النَّجْمِ: ٣] كَأنَّ قائِلًا قالَ: فَبِماذا يَنْطِقُ أعَنِ الدَّلِيلِ أوْ الِاجْتِهادِ ؟ فَقالَ لا، وإنَّما يَنْطِقُ عَنِ اللَّهِ بِالوَحْيِ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: (إنْ) اسْتُعْمِلَتْ مَكانَ (ما) لِلنَّفْيِ، كَما اسْتُعْمِلَتْ (ما) لِلشَّرْطِ مَكانَ (إنْ)، قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [ البَقَرَةِ: ١٠٦] والمُشابَهَةُ بَيْنَهُما مِن حَيْثُ اللَّفْظُ والمَعْنى، أمّا اللَّفْظُ فَلِأنَّ (إنْ) مِنَ الهَمْزَةِ والنُّونِ، و(ما) مِنَ المِيمِ والألِفِ، والألِفُ كالهَمْزَةِ والنُّونُ كالمِيمِ، أمّا الأوَّلُ: فَبِدَلِيلِ جَوازِ القَلْبِ، وأمّا الثّانِي: فَبِدَلِيلِ جَوازِ الإدْغامِ ووُجُوبِهِ، وأمّا المَعْنى فَلِأنَّ (إنْ) تَدُلُّ عَلى النَّفْيِ مِن وجْهٍ، وعَلى الإثْباتِ مِن وجْهٍ، ولَكِنَّ دَلالَتَها عَلى النَّفْيِ أقْوى وأبْلَغُ، لِأنَّ الشَّرْطَ والجَزاءَ في صُورَةِ اسْتِعْمالِ لَفْظَةِ (إنْ) يَجِبْ أنْ يَكُونَ في الحالَةِ مَعْدُومًا إذا كانَ المَقْصُودُ الحَثَّ أوِ المَنعَ، تَقُولُ إنْ تُحْسِنْ فَلَكَ الثَّوابُ، وإنْ تُسِئْ فَلَكَ العَذابُ، وإنْ كانَ المُرادُ بَيانَ حالِ القِسْمَيْنِ المَشْكُوكِ فِيهِما كَقَوْلِكَ: إنْ كانَ هَذا الفَصُّ زُجاجًا فَقِيمَتُهُ نِصْفٌ، وإنْ كانَ جَوْهَرًا فَقِيمَتُهُ ألْفٌ، فَهاهُنا وُجُودُ شَيْءٍ مِنهُما غَيْرُ مَعْلُومٍ وعَدَمُ العِلْمِ حاصِلٌ، وعَدَمُ العِلْمِ هاهُنا كَعَدَمِ الحُصُولِ في الحَثِّ والمَنعِ، فَلا بُدَّ في صُوَرِ اسْتِعْمالِ إنْ عَدَمٌ، إمّا في الأمْرِ، وإمّا في العِلْمِ، وإمّا في الوُجُودِ فَذَلِكَ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ في بَيانِ الحالِ، ولِهَذا قالَ النُّحاةُ: لا يَحْسُنُ أنْ يُقالَ إنِ احْمَرَّ البُسْرُ آتِيكَ، لِأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ سَيُوجَدُ لا مَحالَةَ، وجَوَّزُوا اسْتِعْمالَ إنْ فِيما لا يُوجَدُ أصْلًا، يُقالُ في قَطْعِ الرَّجاءِ إنِ ابْيَضَّ القارُ تَغْلِبْنِي، قالَ اللَّهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [ الأعْرافِ: ١٤٣] ولَمْ يُوجَدِ الِاسْتِقْرارُ ولا الرُّؤْيَةُ، فَعُلِمَ أنَّ دَلالَتَهُ عَلى النَّفْيِ أتَمُّ، فَإنَّ مَدْلُولَهُ إلى مَدْلُولٍ ما أقْرَبُ فاسْتُعْمِلَ أحَدُهُما مَكانَ الآخَرِ هَذا هو الظّاهِرُ، وما يُقالُ إنْ وما، حَرْفانِ نافِيانِ في الأصْلِ، فَلا حاجَةَ إلى التَّرادُفِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هو ضَمِيرٌ مَعْلُومٌ أوْ ضَمِيرٌ مَذْكُورٌ ؟ نَقُولُ فِيهِ وجْهانِ أشْهَرُهُما: أنَّهُ ضَمِيرٌ مَعْلُومٌ وهو القُرْآنُ، كَأنَّهُ يَقُولُ: ما القُرْآنُ إلّا وحْيٌ، وهَذا عَلى قَوْلِ مَن قالَ النَّجْمُ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ القُرْآنَ، وأمّا عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ هو القُرْآنُ فَهو عائِدٌ إلى مَذْكُورٍ. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى مَذْكُورٍ ضِمْنًا وهو قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ وكَلامِهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ في ضِمْنِهِ النُّطْقُ وهو كَلامٌ وقَوْلٌ فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ وما كَلامُهُ وهو نُطْقُهُ إلّا وحْيٌ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ أبْعَدُ وأدَقُّ، وهو أنْ يُقالَ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ قَدْ ذُكِرَ أنَّ المُرادَ مِنهُ في وجْهٍ أنَّهُ ما جُنَّ وما مَسَّهُ الجِنُّ فَلَيْسَ بِكاهِنٍ، وقَوْلُهُ ‏‏‏ ‏‏‏ أيْ لَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الغِوايَةِ تَعَلُّقٌ، فَلَيْسَ بِشاعِرٍ، فَإنَّ الشُّعَراءَ يَتْبَعُهُمُ الغاوُونَ، [ الشُّعَراءِ: ٤٢] وحِينَئِذٍ يَكُونُ قَوْلُهُ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ رَدًّا عَلَيْهِمْ حَيْثُ قالُوا: قَوْلُهُ قَوْلُ ﴿كاهِنٍ﴾ وقالُوا: قَوْلُهُ قَوْلُ شاعِرٍ، فَقالَ ما قَوْلُهُ إلّا وحْيٌ ولَيْسَ بِقَوْلِ كاهِنٍ ولا شاعِرٍ كَما قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [ الحاقَّةِ: ٤١ ٤٢] .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الوَحْيُ اسْمٌ أوْ مَصْدَرٌ ؟ نَقُولُ يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ، فَإنَّ الوَحْيَ اسْمٌ مَعْناهُ الكِتابُ ومَصْدَرٌ ولَهُ مَعانٍ مِنها الإرْسالُ والإلْهامُ، والكِتابَةُ والكَلامُ والإشارَةُ والإفْهامُ فَإنْ قُلْنا هو ضَمِيرُ القُرْآنِ، فالوَحْيُ اسْمٌ

صفحة ٢٤٤
مَعْناهُ الكِتابُ كَأنَّهُ يَقُولُ، ما القُرْآنُ إلّا كِتابٌ، ويُوحى بِمَعْنى يُرْسَلُ، ويُحْتَمَلُ عَلى هَذا أيْضًا أنْ يُقالَ هو مَصْدَرٌ، أيْ ما القُرْآنُ إلّا إرْسالٌ وإلْهامٌ، بِمَعْنى المَفْعُولِ أيْ مُرْسَلٌ، وإنْ قُلْنا المُرادُ مِن قَوْلِهِ (إنَ هو) قَوْلُهُ وكَلامُهُ، فالوَحْيُ حِينَئِذٍ هو الإلْهامُ مُلْهَمٌ مِنَ اللَّهِ، أوْ مُرْسَلٌ وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: الظّاهِرُ خِلافُ ما هو المَشْهُورُ عِنْدَ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ وهو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ما كانَ يَنْطِقُ إلّا عَنْ وحْيٍ، ولا حُجَّةَ لِمَن تَوَهَّمَ هَذا في الآيَةِ، لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ إنْ كانَ ضَمِيرَ القُرْآنِ فَظاهِرٌ وإنْ كانَ ضَمِيرًا عائِدًا إلى قَوْلِهِ، فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ هو القَوْلُ الَّذِي كانُوا يَقُولُونَ فِيهِ إنَّهُ قَوْلُ شاعِرٍ، ورَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [ الحاقَّةِ: ٤١] وذَلِكَ القَوْلُ هو القُرْآنُ، وإنْ قُلْنا بِما قالُوا بِهِ فَيَنْبَغِي أنْ يُفَسَّرَ الوَحْيُ بِالإلْهامِ.

البَحْثُ الثّانِي: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ﷺ لَمْ يَجْتَهِدْ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، فَإنَّهُ في الحُرُوبِ اجْتَهَدَ وحَرَّمَ ما قالَ اللَّهُ لَمْ يَحْرُمْ وأذِنَ لِمَن قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ [ التَّوْبَةِ: ٤٣]، نَقُولُ عَلى ما ثَبَتَ لا تَدُلُّ الآيَةُ عَلَيْهِ.

البَحْثُ الثّالِثُ: يُوحى يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن وحِيَ يُوحِي ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن أوْحى يُوحِي، تَقُولُ عَدِمَ يَعْدَمُ، وأعْدَمَ يُعْدِمُ وكَذَلِكَ عَلِمَ يَعْلَمُ وأعْلَمَ يُعْلِمُ، فَنَقُولُ يُوحى مِن أوْحى لا مِن وحى، وإنْ كانَ وحِيَ وأوْحى كِلاهُما جاءَ بِمَعْنًى ولَكِنَّ اللَّهَ في القُرْآنِ عِنْدَ ذِكْرِ المَصْدَرِ لَمْ يَذْكُرِ الإيحاءَ الَّذِي هو مَصْدَرُ أوْحى، وعِنْدَ ذِكْرِ الفِعْلِ لَمْ يَذْكُرْ وحِيَ، الَّذِي مَصْدَرُهُ وحْيٌ، بَلْ قالَ عِنْدَ ذِكْرِ المَصْدَرِ الوَحْيُ، وقالَ عِنْدَ ذِكْرِ الفِعْلِ (أوْحى) [ الأنْعامِ: ١٩] وكَذَلِكَ القَوْلُ في أحَبَّ وحَبَّ فَإنَّ حَبَّ وأحَبَّ بِمَعْنًى واحِدٍ، واللَّهُ تَعالى عِنْدَ ذِكْرِ المَصْدَرِ لَمْ يَذْكُرْ في القُرْآنِ الإحْبابَ، وذَكَرَ الحُبَّ إلى ﴿أشَدُّ حُبًّا﴾ [ البَقَرَةِ: ١٦٥] وعِنْدَ الفِعْلِ لَمْ يَقُلْ حَبَّهُ اللَّهُ بَلْ قالَ: ﴿يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ﴾ [ المائِدَةِ: ٥٤]، وقالَ: ﴿أيُحِبُّ أحَدُكُمْ﴾ [ الحُجُراتِ: ١٢] وقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [ آلِ عِمْرانَ: ٩٢] إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وفِيهِ سِرٌّ مِن عِلْمِ الصَّرْفِ وهو أنَّ المَصْدَرَ والفِعْلَ الماضِيَ الثُّلاثِيَّ فِيهِما خِلافٌ، قالَ بَعْضُ عُلَماءِ الصَّرْفِ المَصْدَرُ مُشْتَقٌّ مِنَ الفِعْلِ الماضِي، والماضِي هو الأصْلُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ وجْهانِ، لَفْظِيٌّ ومَعْنَوِيٌّ:

أمّا اللَّفْظِيُّ فَإنَّهم يَقُولُونَ مَصْدَرُ فَعَلَ يَفْعِلُ إذا كانَ مُتَعَدِّيًا فَعْلًا بِسُكُونِ العَيْنِ، وإذا كانَ لازِمًا فُعُولٌ في الأكْثَرِ، ولا يَقُولُونَ الفِعْلُ الماضِي مِن فُعُولٍ فُعْلى، وهَذا دَلِيلُ ما ذَكَرْنا.

وأمّا المَعْنَوِيُّ فَلِأنَّ ما يُوجَدُ مِنَ الأُمُورِ لا يُوجَدُ إلّا وهو خاصٌّ، وفي ضِمْنِهِ العامُّ مِثالُهُ الإنْسانُ الَّذِي يُوجَدُ ويَتَحَقَّقُ يَكُونُ زَيْدًا أوْ عَمْرًا أوْ غَيْرَهُما، ويَكُونُ في ضِمْنِهِ أنَّهُ هِنْدِيٌّ أوْ تُرْكِيٌّ وفي ضِمْنِ ذَلِكَ أنَّهُ حَيَوانٌ وناطِقٌ، ولا يُوجَدُ أوَّلًا إنْسانٌ ثُمَّ يَصِيرُ تُرْكِيًّا ثُمَّ يَصِيرُ زَيْدًا أوْ عَمْرًا.

إذا عَلِمْتَ هَذا فالفِعْلُ الَّذِي يَتَحَقَّقُ لا يَنْفَكُّ مِن أنْ يَكُونَ ماضِيًا أوْ مُسْتَقْبَلًا، وفي ضِمْنِهِ أنَّهُ فِعْلٌ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ مُضِيِّهِ واسْتِقْبالِهِ، مِثالُهُ الضَّرْبُ إذا وُجِدَ فَإمّا أنْ يَكُونَ قَدْ مَضى أوْ بَعْدُ لَمْ يَمْضِ، والأوَّلُ ماضٍ والثّانِي حاضِرٌ أوْ مُسْتَقْبَلٌ، ولا يُوجَدُ الضَّرْبُ مِن حَيْثُ إنَّهُ ضَرْبٌ خالِيًا عَنِ المُضِيِّ والحُضُورِ والِاسْتِقْبالِ، غَيْرَ أنَّ العاقِلَ يُدْرِكُ مِن فَعَلَ وهو يَفْعَلُ الآنَ وسَيَفْعَلُ غَدًا أمْرًا مُشْتَرَكًا فَيُسَمِّيهِ فِعْلًا، كَذَلِكَ يُدْرِكُ في ضَرَبَ وهو يَضْرِبُ الآنَ وسَيَضْرِبُ غَدًا أمْرًا مُشْتَرَكًا فَيُسَمِّيهِ ضَرْبًا فَضَرَبَ يُوجَدُ أوَّلًا ويُسْتَخْرَجُ مِنهُ الضَّرْبُ، والألْفاظُ

صفحة ٢٤٥
وُضِعَتْ لِأُمُورٍ تَتَحَقَّقُ فِيها فَيُعَبَّرُ بِها عَنْها، والأُمُورُ المُشْتَرَكَةُ لا تَتَحَقَّقُ إلّا في ضِمْنِ أشْياءَ أُخَرَ، فالوَضْعُ أوَّلًا لِما يُوجَدُ مِنهُ لا يُدْرَكُ مِنهُ قَبْلَ الضَّرْبِ، وهَذا ما يُمْكِنُ أنْ يُقالَ لِمَن يَقُولُ الماضِي أصْلٌ والمَصْدَرُ مَأْخُوذٌ مِنهُ، وأمّا الَّذِي يَقُولُ المَصْدَرُ أصْلٌ والماضِي مَأْخُوذٌ مِنهُ فَلَهُ دَلائِلُ مِنها أنَّ الِاسْمَ أصْلٌ، والفِعْلَ مُتَفَرِّعٌ، والمَصْدَرُ اسْمٌ، ولِأنَّ المَصْدَرَ مُعْرَبٌ والماضِي مَبْنِيٌّ، والإعْرابُ قَبْلَ البِناءِ ولِأنَّ قالَ وقالَ، وراعَ وراعَ، إذا أرَدْنا الفَرْقَ بَيْنَهُما نَرُدُّ أبْنِيَتَهُما إلى المَصْدَرِ فَنَقُولُ: قالَ: الألِفُ مُنْقَلِبَةٌ مِن واوٍ بِدَلِيلِ القَوْلِ، وقالَ: ألِفٌ مُنْقَلِبَةٌ مِن ياءٍ بِدَلِيلِ القِيلِ، وكَذَلِكَ الرَّوْعُ والرَّيْعُ. وأمّا المَعْقُولُ فَلِأنَّ الألْفاظَ وُضِعَتْ لِلْأُمُورِ الَّتِي في الأذْهانِ، والعامُّ قَبْلَ الخاصِّ في الذِّهْنِ، فَإنَّ المَوْجُودَ إذا أُدْرِكَ يَقُولُ المُدْرِكُ هَذا المَوْجُودُ جَوْهَرٌ أوْ عَرَضٌ فَإذا أدْرَكَ أنَّهُ جَوْهَرٌ يَقُولُ إنَّهُ جِسْمٌ أوْ غَيْرُ جِسْمٍ عِنْدَ مَن يَجْعَلُ الجِسْمَ جَوْهَرًا وهو الأصَحُّ الأظْهَرُ، ثُمَّ إذا أدْرَكَ كَوْنَهُ جِسْمًا يَقُولُ هو تامٌّ، وكَذَلِكَ الأمْرُ إلى أنْ يَنْتَهِيَ إلى أخَصِّ الأشْياءِ إنْ أمْكَنَ الِانْتِهاءُ إلَيْهِ بِالتَّقْسِيمِ، فالوَضْعُ الأوَّلُ الفِعْلُ وهو المَصْدَرُ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ، ثُمَّ إذا انْضَمَّ إلَيْهِ زَمانٌ تَقُولُ: ضَرَبَ أوْ سَيَضْرِبُ فالمَصْدَرُ قَبْلَ الماضِي، وهَذا هو الأصَحُّ، إذا عَلِمْتَ هَذا فَنَقُولُ عَلى مَذْهَبِ مَن يَقُولُ المَصْدَرُ في الثُّلاثِيِّ مِنَ الماضِي فالحُبُّ وأحَبَّ كِلاهُما في دَرَجَةٍ واحِدَةٍ لِأنَّ كِلَيْهِما مِن حَبَّ يُحِبُّ، والمَصْدَرُ مِنَ الثُّلاثِيِّ قَبْلَ مَصْدَرِ المُنْشَعِبَةِ بِمَرْتَبَةٍ، وعَلى مَذْهَبِ مَن يَقُولُ الماضِي في الثُّلاثِيِّ مَأْخُوذٌ مِنَ المَصْدَرِ فالمَصْدَرُ الثُّلاثِيُّ قَبْلَ المَصْدَرِ في المُنْشَعِبَةِ بِمَرْتَبَتَيْنِ، فاسْتُعْمِلَ مَصْدَرُ الثُّلاثِيِّ لِأنَّهُ قَبْلَ مَصْدَرِ المُنْشَعِبَةِ، وأمّا الفِعْلُ في أحَبَّ وأوْحى فَلِأنَّ الألِفَ فِيهِما تُفِيدُ فائِدَةً لا يُفِيدُها الثُّلاثِيُّ المُجَرَّدُ لِأنَّ أحَبَّ أدْخَلُ في التَّعْدِيَةِ وأبْعَدُ عَنْ تَوَهُّمِ اللُّزُومِ فاسْتَعْمَلَهُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ أبْلَغُ مِن قَوْلِ القائِلِ هو وحْيٌ، وفِيهِ فائِدَةٌ غَيْرُ المُبالَغَةِ وهي أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ هو قَوْلُ كاهِنٍ، هو قَوْلُ شاعِرٍ، فَأرادَ نَفْيَ قَوْلِهِمْ، وذَلِكَ يَحْصُلُ بِصِيغَةِ النَّفْيِ، فَقالَ ما هو كَما يَقُولُونَ وزادَ فَقالَ: بَلْ هو وحْيٌ، وفِيهِ زِيادَةُ فائِدَةٍ أُخْرى وهو قَوْلُهُ (يُوحى) ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وفِيهِ تَحْقِيقُ الحَقِيقَةِ، فَإنَّ الفَرَسَ الشَّدِيدَ العَدْوِ رُبَّما يُقالُ هو طائِرٌ فَإذا قالَ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ يُزِيلُ جَوازَ المَجازِ، كَذَلِكَ يَقُولُ بَعْضُ مَن لا يَحْتَرِزُ في الكَلامِ ويُبالِغُ في المُبالَغَةِ كَلامُ فُلانٍ وحْيٌ، كَما يَقُولُ شِعْرُهُ سِحْرٌ، وكَما يَقُولُ قَوْلُهُ مُعْجِزَةٌ، فَإذا قالَ يُوحى يَزُولُ ذَلِكَ المَجازُ أوْ يَبْعُدُ.

The same ayah, in another commentary

An-Najm 53:4