All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

Al-Qamar 54:53 Juzʾ 27 Page 531

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

And every small and great [thing] is inscribed.

Read in the muṣḥaf

صفحة ٦٩
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ والأشْياعُ الأشْكالُ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ تَهْدِيدٌ بِالإهْلاكِ والثّانِي ظاهِرٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ إشارَةٌ إلى أنَّ الأمْرَ غَيْرُ مُقْتَصِرٍ عَلى إهْلاكِهِمْ، بَلِ الإهْلاكُ هو العاجِلُ والعَذابُ الآجِلُ الَّذِي هو مُعَدٌّ لَهم عَلى ما فَعَلُوهُ، مَكْتُوبٌ عَلَيْهِمْ، والزُّبُرُ هي كُتُبُ الكَتَبَةِ الَّذِينَ قالَ تَعالى فِيهِمْ: ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١١] و: ﴿فَعَلُوهُ﴾ صِفَةُ شَيْءٍ، والنَّكِرَةُ تُوصَفُ بِالجُمَلِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ تَعْمِيمٌ لِلْحُكْمِ أيْ لَيْسَتِ الكِتابَةُ مُقْتَصِرَةً عَلى ما فَعَلُوهُ بَلْ ما فَعَلَهُ غَيْرُهم أيْضًا، مَسْطُورٌ فَلا يَخْرُجُ عَنِ الكُتُبِ صَغِيرَةٌ ولا كَبِيرَةٌ، وقَدْ ذَكَرْنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ إلّا في كِتابٍ﴾ [سبأ: ٣] أنَّ في قَوْلِهِ ﴿أكْبَرُ﴾ فائِدَةً عَظِيمَةً وهي أنَّ مَن يَكْتُبُ حِسابَ إنْسانٍ، فَإنَّما يَكْتُبُهُ في غالِبِ الأمْرِ لِئَلّا يَنْسى، فَإذا جاءَ بِالجُمْلَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي يَأْمَنُ نِسْيانَها رُبَّما يَتْرُكُ كِتابَتَها ويَشْتَغِلُ بِكِتابَةِ ما يَخافُ نِسْيانَهُ، فَلَمّا قالَ: ﴿ولا أكْبَرُ﴾ مِن ذَلِكَ أشارَ إلى الأُمُورِ العِظامِ الَّتِي يُؤْمَنُ مِن نِسْيانِها أنَّها مَكْتُوبَةٌ، أيْ لَيْسَتْ كِتابَتُنا مِثْلَ كِتابَتِكُمُ الَّتِي يَكُونُ المَقْصُودُ مِنها الأمْنُ مِنَ النِّسْيانِ، فَكَذَلِكَ نَقُولُ: هَهُنا وفي قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الكهف: ٤٩] وفي جَمِيعِ هَذِهِ المَواضِعِ قَدَّمَ الصَّغِيرَةَ لِأنَّها ألْيَقُ بِالتَّثَبُّتِ عِنْدَ الكِتابَةِ فَيْبَتَدِئُ بِها حِفْظًا عَنِ النِّسْيانِ في عادَةِ الخَلْقِ، فَأجْرى اللَّهُ الذِّكْرَ عَلى عادَتِهِمْ، وهَذا يُؤَيِّدُ ما ذَكَرْنا مِن قَبْلُ، أنَّ كُلًّا وإنْ كانَ نَكِرَةً يَحْسُنُ الِابْتِداءُ بِهِ لِلْعُمُومِ وعَدَمِ الإبْهامِ.

‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

Indeed, the righteous will be among gardens and rivers,

ثُمَّ قالَ تَعالى:

‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ قَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَ المُتَّقِينَ والجَنّاتِ في سُوَرٍ مِنها: ﴿والطُّورِ﴾ وأمّا النَّهَرُ فَفِيهِ قِراءاتٌ [ مِنها ] فَتْحُ النُّونِ والهاءِ كَحَجَرٍ، وهو اسْمُ جِنْسٍ ويَقُومُ مَقامَ الأنْهارِ. وهَذا هو الظّاهِرُ الأصَحُّ. وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: لا شَكَّ أنَّ كَمالَ اللَّذَّةِ بِالبِسْتانِ أنْ يَكُونَ الإنْسانُ فِيهِ، ولَيْسَ مِنَ اللَّذَّةِ بِالنَّهَرِ أنْ يَكُونَ الإنْسانُ فِيهِ، بَلْ لَذَّتُهُ أنْ يَكُونَ في الجَنَّةِ عِنْدَ النَّهَرِ، فَما مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ؟ نَقُولُ: قَدْ أجَبْنا عَنْ هَذا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ في سُورَةِ الذّارِياتِ، وقُلْنا: المُرادُ في خِلالِ العُيُونِ، وفِيما بَيْنَها مِنَ المَكانِ وكَذَلِكَ في جَنّاتٍ، لِأنَّ الجَنَّةَ هي الأشْجارُ الَّتِي تَسْتُرُ شُعاعَ الشَّمْسِ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فِي ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ [المرسلات: ٤١] . وإذا كانَتِ الجَنَّةُ هي الأشْجارَ السّاتِرَةَ فالإنْسانُ لا يَكُونُ في الأشْجارِ، وإنَّما يَكُونُ بَيْنَها أوْ خِلالَها، فَكَذَلِكَ النَّهَرُ، ونُزِيدُ هَهُنا وجْهًا آخَرُ: وهو أنَّ المُرادَ في جَناتٍ وعِنْدَ نَهَرٍ لِكَوْنِ المُجاوَرَةِ تُحَسِّنُ إطْلاقَ اللَّفْظِ الَّذِي لا يَحْسُنُ إطْلاقُهُ عِنْدَ عَدَمِ المُجاوَرَةِ كَما قالَ:

عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا
وقالُوا: تَقَلَّدْتُ سَيْفًا ورُمْحًا، والماءُ لا يُعْلَفُ، والرُّمْحُ لا يُتَقَلَّدُ، ولَكِنْ لِمُجاوَرَةِ التِّبْنِ والسَّيْفِ حَسُنَ الإطْلاقُ، فَكَذَلِكَ هُنا لَمْ يَأْتِ في الثّانِي بِما أتى بِهِ في الأوَّلِ مِن كَلِمَةِ في.

صفحة ٧٠
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: وحَدَّ النَّهْرَ مَعَ جَمْعِ الجَنّاتِ، وجَمَعَ الأنْهارَ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ إلى غَيْرِهِ مِنَ المَواضِعِ فَما الحِكْمَةُ فِيهِ ؟ نَقُولُ: أمّا عَلى الجَوابِ الأوَّلِ فَنَقُولُ: لَمّا بَيَّنَ أنَّ مَعْنى في نَهَرٍ في خِلالٍ فَلَمْ يَكُنْ لِلسّامِعِ حاجَةٌ إلى سَماعِ الأنْهارِ، لِعِلْمِهِ بِأنَّ النَّهَرَ الواحِدَ لا يَكُونُ لَهُ خِلالٌ. وأمّا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ فَلَوْ لَمْ يَجْمَعِ الأنْهارَ لَجازَ أنْ يُفْهَمَ أنَّ في الجَنّاتِ كُلِّها نَهَرًا واحِدًا كَما في الدُّنْيا، فَقَدْ يَكُونُ نَهَرٌ واحِدٌ مُمْتَدٌّ جارٍ في جَنّاتٍ كَثِيرَةٍ، وأمّا عَلى الثّانِي فَنَقُولُ: الإنْسانُ يَكُونُ في جَنّاتٍ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الجَمْعَ في جَنّاتٍ إشارَةٌ إلى سَعَتِها وكَثْرَةِ أشْجارِها وتَنَوُّعِها، والتَّوْحِيدُ عِنْدَما قالَ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ [محمد: ١٥] وقالَ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [التوبة: ١١١] لِاتِّصالِ أشْجارِها ولِعَدَمِ وُقُوعِ القِيعانِ الخَرِبَةِ بَيْنَها، وإذا عَلِمْتَ هَذا فالإنْسانُ في الدُّنْيا إذا كانَ في بَيْتٍ في دارٍ وتِلْكَ الدّارُ في مَحَلَّةٍ، وتِلْكَ المَحَلَّةُ في مَدِينَةٍ، يُقالُ إنَّهُ في بَلْدَةِ كَذا، وأمّا القُرْبُ فَإذا كانَ الإنْسانُ في الدُّنْيا بَيْنَ نَهْرَيْنِ بِحَيْثُ يَكُونُ قُرْبُهُ مِنهُما عَلى السَّواءِ يُقالُ إنَّهُ جالِسٌ عِنْدَ نَهْرَيْنِ، فَإذا قَرُبَ مِن أحَدِهِما يُقالُ مِن عِنْدِ أحَدِ نَهْرَيْنِ دُونَ الآخَرِ، لَكِنْ في دارِ الدُّنْيا لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ ثَلاثَةِ أنْهارٍ، وإنَّما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ نَهْرَيْنِ، والثّالِثُ مِنهُ أبْعَدُ مِنَ النَّهْرَيْنِ، فَهو في الحَقِيقَةِ لَيْسَ يَكُونُ في زَمانٍ واحِدٍ عِنْدَ ثَلاثَةِ أنْهارٍ، واللَّهُ تَعالى يَذْكُرُ أمْرَ الآخِرَةِ عَلى ما نَفْهَمُهُ في الدُّنْيا، فَقالَ: عِنْدَ نَهَرٍ لِما بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏ وإنْ كانَ يَقْتَضِي في نَهَرٍ لَكِنْ ذَلِكَ لِلْمُجاوَرَةِ كَما في: تَقَلَّدْتُ سَيْفًا ورُمْحًا، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ فَحَقِيقَتُهُ مَفْهُومَةٌ عِنْدَنا لِأنَّ الجَنَّةَ الواحِدَةَ قَدْ يَجْرِي فِيها أنْهارٌ كَثِيرَةٌ أكْثَرُ مِن ثَلاثَةٍ وأرْبَعَةٍ، فَهَذا ما فِيهِ مَعَ أنَّ أواخِرَ الآياتِ يَحْسُنُ فِيها التَّوْحِيدُ دُونَ الجَمْعِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ و‏‏‏‏ التَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ. وفي الجَنَّةِ نَهَرٌ وهو أعْظَمُ الأنْهُرِ وأحْسَنُها، وهو الَّذِي مِنَ الكَوْثَرِ، ومِن عَيْنِ الرِّضْوانِ، وكانَ الحُصُولُ عِنْدَهُ شَرَفًا وغِبْطَةً، وكُلُّ أحَدٍ يَكُونُ لَهُ مَقْعَدٌ عِنْدَهُ، وسائِرُ الأنْهارُ تَجْرِي في الجَنَّةِ ويَراها أهْلُها، ولا يَرَوْنَ القاعِدَ عِنْدَها فَقالَ: ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ ذَلِكَ النَّهَرُ الَّذِي عِنْدَهُ مَقاعِدُ المُؤْمِنِينَ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [البقرة: ٢٤٩] لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَعْلُومٍ لَهم، وفي هَذا وجْهٌ حَسَنٌ أيْضًا، ولا يُحْتاجُ عَلى الوَجْهَيْنِ أنْ نَقُولَ: نَهَرٌ في مَعْنى الجَمْعِ لِكَوْنِهِ اسْمَ جِنْسٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ هَهُنا في: ‏‏‏‏ وقالَ في الذّارِياتِ: ﴿وعُيُونٍ﴾ [الذاريات: ١٥] فَما الفَرْقُ بَيْنَهُما ؟ نَقُولُ: إنّا إنْ قُلْنا في نَهَرٍ مَعْناهُ في خِلالٍ فالإنْسانُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ في الدُّنْيا في خِلالِ عُيُونٍ كَثِيرَةٍ تُحِيطُ بِهِ إذا كانَ عَلى مَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ مِنَ الأرْضِ، والعُيُونُ تَنْفَجِرُ مِنهُ وتَجْرِي فَتَصِيرُ أنْهارًا عِنْدَ الِامْتِدادِ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ في خِلالِ أنْهارٍ، وإنَّما هي نَهْرانِ فَحَسْبُ، وأمّا إنْ قُلْنا: إنَّ المُرادَ عِنْدَ نَهَرٍ فَكَذَلِكَ وإنْ قُلْنا: مَرْأًى عَظِيمٌ عَلَيْهِ مَقاعِدُ، فَنَقُولُ: يَكُونُ ذَلِكَ النَّهَرُ مُمْتَدًّا واصِلًا إلى كُلِّ واحِدٍ ولَهُ عِنْدَهُ مَقْعَدٌ وعُيُونٌ كَثِيرَةٌ تابِعَةٌ، فالنَّهَرُ لِلتَّشْرِيفِ والعُيُونُ لِلتَّفَرُّجِ والتَّنَزُّهِ، مَعَ أنَّ النَّهَرَ العَظِيمَ يَجْتَمِعُ مَعَ العُيُونِ الكَثِيرَةِ، فَكانَ النَّهَرُ مَعَ وحْدَتِهِ يَقُومُ مَقامَ العُيُونِ مَعَ كَثْرَتِها، وهَذا كُلُّهُ مَعَ النَّظَرِ إلى أواخِرِ الآياتِ هَهُنا وهُناكَ، يَحْسُنُ ذِكْرُ لَفْظِ الواحِدِ هَهُنا والجَمْعُ هُناكَ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قُرِئَ: ”في جَنّاتٍ ونَهَرٍ“ عَلى أنَّها جَمْعُ نَهارٍ إذْ لا لَيْلَ هُناكَ، وعَلى هَذا فَكَلِمَةُ ”في“ حَقِيقَةٌ فِيهِ فَقَوْلُهُ: ‏ ‏‏‏ ظَرْفُ مَكانٍ، وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏ أيْ وفي نَهَرٍ إشارَةٌ إلى ظَرْفِ زَمانٍ، وقُرِئَ ”نُهْرٍ“ بِسُكُونِ الهاءِ وضَمِّ النُّونِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ نَهَرٍ كَأُسْدٍ في جَمْعِ أسَدٍ نَقَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: نُهُرٌ بِضَمِّ الهاءِ جَمْعُ نَهَرٍ كَثُمُرٍ في جَمْعِ ثَمَرٍ.

‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

In a seat of honor near a Sovereign, Perfect in Ability.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ كَيْفَ مَخْرَجُهُ ؟ نَقُولُ: يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ عَلى صُورَةِ بَدَلٍ، كَما يَقُولُ القائِلُ: فُلانٌ في بَلْدَةِ كَذا في دارِ كَذا، وعَلى هَذا يَكُونُ ”مَقْعَدِ“ مِن جُمْلَةِ الجَنّاتِ مَوْضِعًا مُخْتارًا لَهُ مَزِيَّةٌ عَلى ما في الجَنّاتِ مِنَ المَواضِعِ، وعَلى هَذا قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ لِأنّا بَيَّنّا في أحَدِ الوُجُوهِ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ في جَنّاتٍ عِنْدَ نَهَرٍ، فَقالَ: ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ صِفَةُ مَقْعَدِ صِدْقٍ، تَقُولُ دِرْهَمٌ في ذِمَّةِ مَلِيءٍ خَيْرٌ مِن دِينارٍ في ذِمَّةِ مُعْسِرٍ، وقَلِيلٌ عِنْدَ أمِينٍ أفْضَلُ مِن كَثِيرٍ عِنْدَ خائِنٍ، فَيَكُونُ صِفَةً، وإلّا لَما حَسُنَ جَعْلُهُ مُبْتَدَأً. ثانِيهِما: أنْ يَكُونَ: ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ كالصِّفَةِ لِجَنّاتٍ ونَهَرٍ، أيْ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ مَوْصُوفَيْنِ بِأنَّهُما في مَقْعَدِ صِدْقٍ، تَقُولُ: وقْفَةٌ في سَبِيلِ اللَّهِ أفْضَلُ مِن كَذا و‏‏‏ ‏‏‏‏ صِفَةٌ بَعْدَ صِفَةٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ يَدُلُّ عَلى لُبْثٍ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ المَجْلِسُ، وذَلِكَ لِأنَّ قَعَدَ وجَلَسَ لَيْسا عَلى ما يُظَنُّ أنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ لا فَرْقَ بَيْنَهُما، بَلْ بَيْنَهُما فَرْقٌ ولَكِنْ لا يَظْهَرُ إلّا لِلْبارِعِ، والفَرْقُ هو أنَّ القُعُودَ جُلُوسٌ فِيهِ مُكْثٌ حَقِيقَةً واقْتِضاءً، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: هو أنَّ الزَّمَنَ يُسَمّى مَقْعَدًا ولا يُسَمّى مَجْلِسًا لِطُولِ المُكْثِ حَقِيقَةً. ومِنهُ سُمِّيَ قَواعِدُ البَيْتِ. والقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ قَواعِدُ ولا يُقالُ لَهُنَّ: جَوالِسُ لِعَدَمِ دَلالَةِ الجُلُوسِ عَلى المُكْثِ الطَّوِيلِ، فَذَكَرَ القَواعِدَ في المَوْضِعَيْنِ لِكَوْنِهِ مُسْتَقِرًّا بَيْنَ الدَّوامِ والثَّباتِ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ. ويُقالُ لِلْمَرْكُوبِ مِنَ الإبِلِ قَعُودٌ لِدَوامِ اقْتِعادِهِ اقْتِضاءً، وإنْ لَمْ يَكُنْ حَقِيقَةً فَهُو لِصَوْنِهِ عَنِ الحَمْلِ واتِّخاذِهِ لِلرُّكُوبِ كَأنَّهُ وُجِدَ فِيهِ نَوْعُ قُعُودٍ دائِمٍ اقْتَضى ذَلِكَ ولَمْ يُرَدْ لِلْإجْلاسِ. الثّانِي: النَّظَرُ إلى تَقالِيبِ الحُرُوفِ فَإنَّكَ إذا نَظَرْتَ إلى ”ق ع د“ وقَلَبْتَها تَجِدُ مَعْنى المُكْثِ في الكُلِّ فَإذا قَدَّمْتَ القافَ رَأيْتَ قَعَدَ وقَدَعَ بِمَعْنًى، ومِنهُ تَقادَعَ الفَراشُ بِمَعْنى تَهافَتَ، وإذا قَدَّمْتَ العَيْنَ رَأيْتَ عَقَدَ وعَدَقَ بِمَعْنى المُكْثِ في غايَةِ الظُّهُورِ، وفي عَدَقَ لِخَفاءٍ يُقالُ: أعْدِقْ بِيَدِكَ الدَّلْوَ في البِئْرِ إذا أمَرَهُ بِطَلَبِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ فِيها، والعَوْدَقَةُ خَشْبَةٌ عَلَيْها كُلّابٌ يَخْرُجُ مَعَهُ الدَّلْوُ الواقِعُ في البِئْرِ، وإذا قَدَّمْتَ الدّالَ رَأيْتَ دَقَعَ ودَعَقَ والمُكْثُ في الدَّقْعِ ظاهِرٌ والدَّقْعاءُ هي التُّرابُ المُلْتَصِقُ بِالأرْضِ، والفَقْرُ المُدْقَعُ هو الَّذِي يُلْصَقُ صاحِبُهُ بِالتُّرابِ. وفي دَعَقَ أيْضًا إذِ الدَّعْقُ مَكانٌ تَطَؤُهُ الدَّوابُّ بِحَوافِرِها فَيَكُونُ صَلْبًا أجْزاؤُهُ مُتَداخِلٌ بَعْضُها بِبَعْضٍ لا يَتَحَرَّكُ شَيْءٌ مِنها عَنْ مَوْضِعِهِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: الِاسْتِعْمالاتُ في القُعُودِ إذا اعْتُبِرَتْ ظَهَرَ ما ذَكَرْنا قالَ تَعالى: ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [النساء: ٩٥] والمُرادُ الَّذِي لا يَكُونُ بَعْدَهُ اتِّباعٌ، وقالَ تَعالى: ﴿مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾ [آل عمران: ١٢١] مَعَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الصف: ٤] فَأشارَ إلى الثَّباتِ العَظِيمِ. وقالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الأنفال: ٤٥] فالمَقاعِدُ إذَنْ هي المَواضِعُ الَّتِي يَكُونُ فِيها المُقاتِلُ بِثَباتٍ ومُكْثٍ، وإطْلاقُ مَقْعَدَةٍ عَلى العُضْوِ الَّذِي عَلَيْهِ القُعُودُ أيْضًا يَدُلُّ عَلَيْهِ، إذا عَرَفْتَ هَذا الفَرْقَ بَيْنَ الجُلُوسِ والقُعُودِ حَصَلَ لَكَ فَوائِدُ مِنها هَهُنا فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى دَوامِ المُكْثِ وطُولِ اللُّبْثِ، ومِنها في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [ق: ١٧] فَإنَّ القَعِيدَ بِمَعْنى الجَلِيسِ والنَّدِيمِ، ثُمَّ إذا عُرِفَ هَذا وقِيلَ

صفحة ٧٢
لِلْمُفَسِّرِينَ الظّاهِرِينَ فَما الفائِدَةُ في اخْتِيارِ لَفْظِ القَعِيدِ بَدَلَ لَفْظِ الجَلِيسِ مَعَ أنَّ الجَلِيسَ أشْهَرُ ؟ يَكُونُ جَوابُهم أنَّ آخِرَ الآياتِ مِن قَوْلِهِ: ﴿حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] و﴿لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق: ٢٣] وقَوْلِهِ: ﴿جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ [هود: ٥٩] يُناسِبُ القَعِيدَ لا الجَلِيسَ، وإعْجازُ القُرْآنِ لَيْسَ في السَّجْعِ، وإذا نَظَرْتَ إلى ما ذُكِرَ تَبَيَّنَ لَكَ فائِدَةٌ جَلِيلَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ حِكْمِيَّةٌ في وضْعِ اللَّفْظِ المُناسِبِ؛ لِأنَّ القَعِيدَ دَلَّ عَلى أنَّهُما لا يُفارِقانِهِ ويُداوِمانِ الجُلُوسَ مَعَهُ، وهَذا هو المُعْجِزُ وذَلِكَ لِأنَّ الشّاعِرَ يَخْتارُ اللَّفْظَ الفاسِدَ لِضَرُورَةِ الشِّعْرِ والسَّجْعِ، ويَجْعَلُ المَعْنى تَبَعًا لِلَّفْظِ، واللَّهُ تَعالى بَيَّنَ الحِكْمَةَ عَلى ما يَنْبَغِي، وجاءَ بِاللَّفْظِ عَلى أحْسَنِ ما يَنْبَغِي، وفائِدَةٌ أُخْرى في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [المجادلة: ١١] فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿فافْسَحُوا﴾ [المجادلة: ١١] إشارَةٌ إلى الحَرَكَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فانْشُزُوا﴾ [المجادلة: ١١] إشارَةٌ إلى تَرْكِ الجُلُوسِ، فَذَكَرَ المَجْلِسَ إشارَةً إلى أنَّ ذَلِكَ مَوْضِعُ جُلُوسٍ، فَلا يَجِبُ مُلازَمَتُهُ ولَيْسَ بِمَقْعَدٍ حَتّى لا يُفارِقُونَهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ وجْهانِ: أحَدُهُما: ”مَقْعَدِ صِدْقٍ“، أيْ صالِحٍ، يُقالُ: رَجُلُ صِدْقٍ لِلصّالِحِ، ورَجُلُ سَوْءٍ لِلْفاسِدِ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ: ﴿إنّا فَتَحْنا﴾ [الفتح: ١] في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ [الفتح: ١٢]، وثانِيهِما: الصِّدْقُ المُرادُ مِنهُ ضِدُّ الكَذِبِ، وعَلى هَذا فَفِيهِ وجْهانِ. الأوَّلُ: مَقْعَدُ صِدْقِ مَن أخْبَرَ عَنْهُ وهو اللَّهُ ورَسُولُهُ. الثّانِي: مَقْعَدٌ نالَهُ مَن صَدَقَ فَقالَ: بِأنَّ اللَّهَ واحِدٌ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ المُرادُ أنَّهُ مَقْعَدٌ لا يُوجَدُ فِيهِ كَذِبٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى صادِقٌ ويَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ الكَذِبُ، ومَن وصَلَ إلَيْهِ امْتَنَعَ عَلَيْهِ الكَذِبُ؛ لِأنَّ مَظَنَّةَ الكَذِبِ الجَهْلُ، والواصِلُ إلَيْهِ يَعْلَمُ الأشْياءَ كَما هي، ويَسْتَغْنِي بِفَضْلِ اللَّهِ عَنْ أنْ يَكْذِبَ لِيَسْتَفِيدَ بِكَذِبِهِ شَيْئًا، فَهو مَقْعَدُ صِدْقٍ، وكَلِمَةُ (عِنْدَ) قَدْ عَرَفْتَ مَعْناها، والمُرادُ مِنهُ قُرْبُ المَنزِلَةِ والشَّأْنِ لا قُرْبُ المَعْنى والمَكانِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ لِأنَّ القُرْبَةَ مِنَ المُلُوكِ لَذِيذَةٌ كُلَّما كانَ المَلِكُ أشَدَّ اقْتِدارًا كانَ المُتَقَرِّبُ مِنهُ أشَدَّ التِذاذًا وفِيهِ إشارَةٌ إلى مُخالَفَةِ مَعْنى القُرْبِ مِنهُ مِن مَعْنى القُرْبِ مِنَ المُلُوكِ، فَإنَّ المُلُوكَ يُقَرِّبُونَ مَن يَكُونُ مِمَّنْ يُحِبُّونَهُ ومِمَّنْ يَرْهَبُونَهُ، مَخافَةَ أنْ يَعْصُوا عَلَيْهِ ويَنْحازُوا إلى عَدُوِّهِ فَيَغْلِبُونَهُ، واللَّهُ تَعالى قالَ: ‏‏‏‏‏ لا يُقَرِّبُ أحَدًا إلّا بِفَضْلِهِ.

والحَمْدُ لِلَّهِ وصَلاتُهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ خَيْرِ خَلْقِهِ وآلِهِ وصَحْبِهِ وسَلامُهُ.

Reading a passage 3 ayat Just this one

The same ayah, in another commentary

Al-Qamar 54:53