All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

Ar-Raḥmān 55:8 Juzʾ 27 Page 531

‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

That you not transgress within the balance.

Read in the muṣḥaf
مفاتيح الغيب Al-Rāzī

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وعَلى هَذا قِيلَ: المُرادُ مِنَ المِيزانِ الأوَّلِ العَدْلُ ووَضْعُهُ شَرْعُهُ كَأنَّهُ قالَ: شَرَعَ اللَّهُ العَدْلَ لِئَلّا تَطْغَوْا في المِيزانِ الَّذِي هو آلَةُ العَدْلِ، هَذا هو المَنقُولُ، والأوْلى أنْ يُعْكَسَ الأمْرُ، ويُقالَ: المِيزانُ الأوَّلُ هو الآلَةُ، والثّانِي هو بِمَعْنى المَصْدَرِ ومَعْناهُ وضَعَ المِيزانَ لِئَلّا تَطْغَوْا في الوَزْنِ أوْ بِمَعْنى العَدْلِ وهو إعْطاءُ كُلِّ مُسْتَحَقٍّ حَقَّهُ، فَكَأنَّهُ قالَ: وضَعَ الآلَةَ لِئَلّا تَطْغَوْا في إعْطاءِ المُسْتَحِقِّينَ حُقُوقَهم. ويَجُوزُ إرادَةُ المَصْدَرِ مِنَ المِيزانِ كَإرادَةِ الوُثُوقِ مِنَ المِيثاقِ والوَعْدِ مِنَ المِيعادِ، فَإذَنِ المُرادُ مِنَ المِيزانِ آلَةُ الوَزْنِ. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ ”أنْ“ مُفَسِّرَةٌ والتَّقْدِيرُ شَرَعَ العَدْلَ، أيْ لا تَطْغَوْا، فَيَكُونُ وضَعَ المِيزانَ بِمَعْنى شَرَعَ العَدْلَ، وإطْلاقُ الوَضْعِ لِلشَّرْعِ والمِيزانِ لِلْعَدْلِ جائِزٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: وضَعَ المِيزانَ أيِ الوَزْنَ.

وقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ عَلى هَذا الوَجْهِ، المُرادُ مِنهُ الوَزْنُ، فَكَأنَّهُ نَهى عَنِ الطُّغْيانِ في الوَزْنِ، والِاتِّزانِ، وإعادَةُ المِيزانِ بِلَفْظِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُما واحِدٌ، فَكَأنَّهُ قالَ: ألّا تَطْغَوْا فِيهِ، فَإنْ قِيلَ: لَوْ كانَ المُرادُ الوَزْنَ، لَقالَ: ألّا تَطْغَوْا في الوَزْنِ، نَقُولُ: لَوْ قالَ في الوَزْنِ لَظُنَّ أنَّ النَّهْيَ مُخْتَصٌّ بِالوَزْنِ لِلْغَيْرِ لا بِالِاتِّزانِ لِلنَّفْسِ، فَذُكِرَ بِلَفْظِ الآلَةِ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلى الأخْذِ والإعْطاءِ، وذَلِكَ لِأنَّ المُعْطِيَ لَوْ وزَنَ ورَجَّحَ رُجْحانًا ظاهِرًا يَكُونُ قَدْ أرْبى، ولا سِيَّما في الصَّرْفِ وبَيْعِ المِثْلِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ هو بِمَعْنى لا تَطْغَوْا في الوَزْنِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ كالبَيانِ لِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وهو الخُرُوجُ

صفحة ٨١
عَنْ إقامَتِهِ بِالعَدْلِ، وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أقِيمُوا بِمَعْنى قُومُوا بِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] أيْ قُومُوا بِها دَوامًا، لِأنَّ الفِعْلَ تارَةً يُعَدّى بِحَرْفِ الجَرِّ، وتارَةً بِزِيادَةِ الهَمْزَةِ، تَقُولُ: أذْهَبَهُ وذَهَبَ بِهِ. ثانِيها: أنْ يَكُونَ أقِيمُوا بِمَعْنى قُومُوا، يُقالُ: في العُودِ أقَمْتُهُ وقَوَّمْتُهُ، والقِسْطُ العَدْلُ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جاءَ قَسَطَ بِمَعْنى جارَ لا بِمَعْنى عَدَلَ ؟ نَقُولُ: القِسْطُ اسْمٌ لَيْسَ بِمَصْدَرٍ، والأسْماءُ الَّتِي لا تَكُونُ مَصادِرَ إذا أتى بِها آتٍ أوْ وجَدَها مُوجِدٌ، يُقالُ فِيها: أفْعَلَ بِمَعْنى أثْبَتَ، كَما قالَ: فُلانٌ أطْرَفَ وأتْحَفَ وأعْرَفَ بِمَعْنى جاءَ بِطُرْفَةٍ وتُحْفَةٍ وعُرْفٍ، وتَقُولُ: أقْبَضَ السَّيْفَ بِمَعْنى أثْبَتَ لَهُ قَبْضَةً، وأعْلَمَ الثَّوْبَ بِمَعْنى جَعَلَ لَهُ عَلَمًا، وأعْلَمَ بِمَعْنى أثْبَتَ العَلامَةَ، وكَذا ألْجَمَ الفَرَسَ وأسْرَجَ، فَإذا أمَرَ بِالقِسْطِ أوْ أثْبَتَهُ فَقَدْ أقْسَطَ، وهو بِمَعْنى عَدَلَ، وأمّا قَسَطَ فَهو فَعَلَ مِنَ اسْمٍ لَيْسَ بِمَصْدَرٍ، والِاسْمُ إذا لَمْ يَكُنْ مَصْدَرًا في الأصْلِ، ويُورَدُ عَلَيْهِ فِعْلٌ فَرُبَّما يُغَيِّرُهُ عَمّا هو عَلَيْهِ في أصْلِهِ، مِثالُهُ الكَتِفُ إذا قُلْتَ: كَتَّفْتُهُ كِتافًا فَكَأنَّكَ قُلْتَ: أخْرَجْتُهُ عَمّا كانَ عَلَيْهِ مِنَ الِانْتِفاعِ وغَيَّرْتُهُ، فَإنَّ مَعْنى كَتَّفْتُهُ شَدَدْتُ كَتِفَيْهِ بَعْضَهُما إلى بَعْضٍ فَهو مَكْتُوفٌ، فالكَتِفُ كالقِسْطِ صارا مَصْدَرَيْنِ عَنِ اسْمٍ، وصارَ الفِعْلُ مَعْناهُ تَغَيَّرَ عَنِ الوَجْهِ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ، وعَلى هَذا لا يُحْتاجُ إلى أنْ يُقالَ: القاسِطُ والمُقْسِطُ لَيْسَ أصْلُهُما واحِدًا وكَيْفَ كانَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: أقْسَطَ بِمَعْنى أزالَ القِسْطَ، كَما يُقالُ: أشْكى بِمَعْنى أزالَ الشَّكْوى أوْ أعْجَمَ بِمَعْنى أزالَ العُجْمَةَ، وهَذا البَحْثُ فِيهِ فائِدَةٌ فَإنَّ قَوْلَ القائِلِ: فُلانٌ أقْسَطُ مِن فُلانٍ وقالَ اللَّهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ [البقرة: ٢٨٢] والأصْلُ في أفْعَلِ التَّفْضِيلِ أنْ يَكُونَ مِنَ الثُّلاثِيِّ المُجَرَّدِ تَقُولُ: أظْلَمُ وأعْدَلُ مِن ظالِمٍ وعادِلٍ، فَكَذَلِكَ أقْسَطُ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مِن قاسِطٍ، ولَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، لِأنَّهُ عَلى ما بَيَّنّا الأصْلُ القِسْطُ، وقَسَطَ فِعْلٌ فِيهِ لا عَلى الوَجْهِ، والإقْساطُ إزالَةُ ذَلِكَ، ورَدَّ القِسْطَ إلى أصْلِهِ، فَصارَ أقْسَطُ مُوافِقًا لِلْأصْلِ، وأفْعَلُ التَّفْضِيلِ يُؤْخَذُ مِمّا هو أصْلٌ لا مِنَ الَّذِي فَرْعٌ عَلَيْهِ، فَيُقالُ: أظْلَمُ مِن ظالِمٍ لا مِن مُتَظَلِّمٍ، وأعْلَمُ مِن عالِمٍ لا مِن مُعَلِّمٍ، والحاصِلُ أنَّ الأقْسَطَ وإنْ كانَ نَظَرًا إلى اللَّفْظِ، كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مِنَ القاسِطِ، لَكِنَّهُ نَظَرًا إلى المَعْنى، يَجِبُ أنْ يَكُونَ مِنَ المُقْسِطِ، لِأنَّ المُقْسِطَ أقْرَبُ مِنَ الأصْلِ المُشْتَقِّ وهو القِسْطُ، ولا كَذَلِكَ الظّالِمُ والمُظْلِمُ، فَإنَّ الأظْلَمَ صارَ مُشْتَقًّا مِنَ الظّالِمِ، لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى الأصْلِ لَفْظًا ومَعْنًى، وكَذَلِكَ العالِمُ والمُعَلِّمُ، والخَبَرُ والمُخْبِرُ.

‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And establish weight in justice and do not make deficient the balance.

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

ثُمَّ قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ لا تُنْقِصُوا المَوْزُونَ. والمِيزانُ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى ثَلاثَ مَرّاتٍ كُلُّ مَرَّةٍ بِمَعْنًى آخَرَ، فالأوَّلُ هو الآلَةُ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏، والثّانِي بِمَعْنى المَصْدَرِ لا تَطْغَوْا في المِيزانِ أيِ الوَزْنِ، والثّالِثُ لِلْمَفْعُولِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيِ المَوْزُونَ، وذَكَرَ الكُلَّ بِلَفْظِ المِيزانِ لِما بَيَّنّا أنَّ المِيزانَ أشْمَلُ لِلْفائِدَةِ، وهو كالقُرْآنِ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِمَعْنى المَصْدَرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] وبِمَعْنى المَقْرُوءِ في قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [القيامة: ١٧] وبِمَعْنى الكِتابِ الَّذِي فِيهِ المَقْرُوءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [الرعد: ٣١] فَكَأنَّهُ آلَةٌ ومَحَلٌّ لَهُ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الحجر: ٨٧] وفي كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ ذَكَرَ القُرْآنَ لِهَذا الكِتابِ الكَرِيمِ، وبَيْنَ القُرْآنِ والمِيزانِ مُناسَبَةٌ، فَإنَّ القُرْآنَ فِيهِ مِنَ العِلْمِ ما لا يُوجَدُ في غَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ، والمِيزانُ فِيهِ مِنَ العَدْلِ ما لا يُوجَدُ في غَيْرِهِ

صفحة ٨٢
مِنَ الآلاتِ، فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في تَقْدِيمِ السَّماءِ عَلى الفِعْلِ حَيْثُ قالَ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وتَقْدِيمِ الفِعْلِ عَلى المِيزانِ حَيْثُ قالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ؟ نَقُولُ: قَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ في كُلِّ كَلِمَةٍ مِن كَلِماتِ اللَّهِ فَوائِدُ لا يُحِيطُ بِها عِلْمُ البَشَرِ إلّا ما ظَهَرَ، والظّاهِرُ هَهُنا أنَّهُ تَعالى لَمّا عَدَّ النِّعَمَ الثَّمانِيَةَ كَما بَيَّنّا، وكانَ بَعْضُها أشَدَّ اخْتِصاصًا بِالإنْسانِ مِن بَعْضٍ، فَما كانَ شَدِيدَ الِاخْتِصاصِ بِالإنْسانِ قَدَّمَ فِيهِ الفِعْلَ، كَما بَيَّنّا أنَّ الإنْسانَ يَقُولُ: أعْطَيْتُكَ الأُلُوفَ وحَصَّلْتُ لَكَ العَشَراتِ، فَلا يُصَرِّحُ في القَلِيلِ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى نَفْسِهِ، وكَذَلِكَ يَقُولُ في النِّعَمِ المُخْتَصَّةِ: أعْطَيْتُكَ كَذا، وفي التَّشْرِيكِ، وصَلَ إلَيْكَ مِمّا اقْتَسَمْتُمْ بَيْنَكم كَذا، فَيُصَرِّحُ بِالإعْطاءِ عِنْدَ الِاخْتِصاصِ، ولا يُسْنِدُ الفِعْلَ إلى نَفْسِهِ عِنْدَ التَّشْرِيكِ، فَكَذَلِكَ هَهُنا ذَكَرَ أُمُورًا أرْبَعَةً بِتَقْدِيمِ الفِعْلِ، قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الرحمن: ٧] وأُمُورًا أرْبَعَةً بِتَقْدِيمِ الِاسْمِ، قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ لِما أنَّ تَعْلِيمَ القُرْآنِ نَفْعُهُ إلى الإنْسانِ أعْوَدُ، وخَلْقُ الإنْسانِ مُخْتَصٌّ بِهِ، وتَعْلِيمُهُ البَيانَ كَذَلِكَ ووَضْعُ المِيزانِ كَذَلِكَ، لِأنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ المَلائِكَةَ، ولا غَيْرَ الإنْسانِ مِنَ الحَيَواناتِ، وأمّا الشَّمْسُ والقَمَرُ والنَّجْمُ والشَّجَرُ والسَّماءُ والأرْضُ فَيَنْتَفِعُ بِهِ كُلُّ حَيَوانٍ عَلى وجْهِ الأرْضِ وتَحْتَ السَّماءِ.

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

And the earth He laid [out] for the creatures.

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فِيهِ مَباحِثُ:

الأوَّلُ: هو أنَّهُ قَدْ مَرَّ أنَّ تَقْدِيمَ الِاسْمِ عَلى الفِعْلِ كانَ في مَواضِعِ عَدَمِ الِاخْتِصاصِ وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ يَدُلُّ عَلى الِاخْتِصاصِ، فَإنَّ اللّامَ لِعَوْدِ النَّفْعِ. نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما قِيلَ: إنَّ الأنامَ يَجْمَعُ الإنْسانَ وغَيْرَهُ مِنَ الحَيَوانِ، فَقَوْلُهُ ‏‏‏‏‏ لا يُوجِبُ الِاخْتِصاصَ بِالإنْسانِ. ثانِيهِما: أنَّ الأرْضَ مَوْضُوعَةٌ لِكُلِّ ما عَلَيْها، وإنَّما خَصَّ الإنْسانَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ انْتِفاعَهُ بِها أكْثَرُ فَإنَّهُ يَنْتَفِعُ بِها وبِما فِيها وبِما عَلَيْها، فَقالَ ‏‏‏‏‏ لِكَثْرَةِ انْتِفاعِ الأنامِ بِها، إذا قُلْنا إنَّ الأنامَ هو الإنْسانُ، وإنْ قُلْنا إنَّهُ الخَلْقُ فالخَلْقُ يُذْكَرُ ويُرادُ بِهِ الإنْسانَ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إشارَةٌ إلى الأشْجارِ، وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [الرحمن: ١٢] إشارَةٌ إلى النَّباتِ الَّذِي لَيْسَ بِشَجَرٍ. والفاكِهَةُ ما تَطِيبُ بِهِ النَّفْسُ، وهي فاعِلَةٌ إمّا عَلى طَرِيقَةِ: ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [القارعة: ٧] أيْ ذاتُ رِضًى يَرْضى بِها كُلُّ أحَدٍ، وإمّا عَلى تَسْمِيَةِ الآلَةِ بِالفاعِلِ يُقالُ: راوِيَةٌ لِلْقِرْبَةِ الَّتِي يُرْوى بِها العَطْشانُ، وفِيهِ مَعْنى المُبالَغَةِ كالرّاحِلَةِ لِما يُرْحَلُ عَلَيْهِ، ثُمَّ صارَ اسْمًا لِبَعْضِ الثِّمارِ وُضِعَتْ أوَّلًا مِن غَيْرِ اشْتِقاقِ، والتَّنْكِيرُ لِلْتَكْثِيرِ، أيْ كَثِيرَةٌ كَما يُقالُ لِفُلانٍ مالٌ أيْ عَظِيمٌ، وقَدْ ذَكَرْنا وجْهَ دَلالَةِ التَّنْكِيرِ عَلى التَّعْظِيمِ. وهو أنَّ القائِلَ كَأنَّهُ يُشِيرُ إلى أنَّهُ عَظِيمٌ لا يُحِيطُ بِهِ مَعْرِفَةُ كُلِّ أحَدٍ فَتَنْكِيرُهُ إشارَةٌ إلى أنَّهُ خارِجٌ عَنْ أنْ يُعْرَفَ كُنْهُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إشارَةٌ إلى النَّوْعِ الآخَرِ مِنَ الأشْجارِ، لِأنَّ الأشْجارَ المُثْمِرَةَ أفْضَلُ الأشْجارِ وهي مُنْقَسِمَةٌ إلى أشْجارِ ثِمارٍ هي فَواكِهُ لا يُقْتاتُ بِها وإلى أشْجارِ ثِمارٍ هي قُوتٌ وقَدْ يُتَفَكَّهُ بِها، كَما أنَّ الفاكِهَةَ قَدْ يُقْتاتُ بِها، فَإنَّ الجائِعَ إذا لَمْ يَجِدْ غَيْرَ الفَواكِهِ يَتَقَوَّتُ بِها ويَأْكُلُ غَيْرَ مُتَفَكِّهٍ بِها، وفِيهِ مَباحِثُ:

صفحة ٨٣
الأوَّلُ: ما الحِكْمَةُ في تَقْدِيمِ الفاكِهَةِ عَلى القُوتِ ؟ نَقُولُ: هو بابُ الِابْتِداءِ بِالأدْنى والِارْتِقاءِ إلى الأعْلى، والفاكِهَةُ في النَّفْعِ دُونَ النَّخْلِ الَّذِي مِنهُ القُوتُ، والتَّفَكُّهُ وهو دُونَ الحَبِّ الَّذِي عَلَيْهِ المَدارُ في سائِرِ المَواضِعِ، وبِهِ يَتَغَذّى الأنامُ في جَمِيعِ البِلادِ، فَبَدَأ بِالفاكِهَةِ ثُمَّ ذَكَرَ النَّخْلَ ثُمَّ ذَكَرَ الحَبَّ الَّذِي هو أتَمُّ نِعْمَةٍ لِمُوافَقَتِهِ مِزاجَ الإنْسانِ، ولِهَذا خَلَقَهُ اللَّهُ في سائِرِ البِلادِ وخَصَّصَ النَّخْلَ بِالبِلادِ الحارَّةِ.
البَحْثُ الثّانِي: ما الحِكْمَةُ في تَنْكِيرِ الفاكِهَةِ وتَعْرِيفِ النَّخْلِ ؟ وجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ القُوتَ مُحْتاجٌ إلَيْهِ في كُلِّ زَمانٍ مُتَداوَلٌ في كُلِّ حِينٍ وأوانٍ، فَهو أعْرَفُ والفاكِهَةُ تَكُونُ في بَعْضِ الأزْمانِ وعِنْدَ بَعْضِ الأشْخاصِ.

وثانِيها: هو أنَّ الفاكِهَةَ عَلى ما بَيَّنّا ما يُتَفَكَّهُ بِهِ وتَطِيبُ بِهِ النَّفْسُ، وذَلِكَ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ بِحَسَبِ كُلِّ وقْتٍ شَيْءٌ، فَمَن غَلَبَ عَلَيْهِ حَرارَةٌ وعَطَشٌ، يُرِيدُ التَّفَكُّهَ بِالحامِضِ وأمْثالِهِ، ومِنَ النّاسِ مَن يُرِيدُ التَّفَكُّهَ بِالحُلْوِ وأمْثالِهِ، فالفاكِهَةُ غَيْرُ مُتَعَيِّنَةٍ فَنَكَّرَها والنَّخْلُ والحَبُّ مُعْتادانِ مَعْلُومانِ فَعَرَّفَهُما.

وثالِثُها: النَّخْلُ وحْدَها نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ تَعَلَّقَتْ بِها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ، وأمّا الفاكِهَةُ فَنَوْعٌ مِنها كالخَوْخِ والإجّاصِ مَثَلًا لَيْسَ فِيهِ عَظِيمُ النِّعْمَةِ كَما في النَّخْلِ، فَقالَ: (فاكِهَةٌ) بِالتَّنْكِيرِ لَيَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ وقَدْ صَرَّحَ بِالكَثْرَةِ في مَواضِعَ أُخَرَ، فَقالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [ص: ٥١] وقالَ: ﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الواقعة: ٣٢، ٣٣]، فالفاكِهَةُ ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى ووَصَفَها بِالكَثْرَةِ صَرِيحًا وذَكَرَها مُنَكَّرَةً، لِتُحْمَلَ عَلى أنَّها مَوْصُوفَةٌ بِالكَثْرَةِ اللّائِقَةِ بِالنِّعْمَةِ في النَّوْعِ الواحِدِ مِنها بِخِلافِ النَّخْلِ.

البَحْثُ الثّالِثُ: ما الحِكْمَةُ في ذِكْرِ الفاكِهَةِ بِاسْمِها لا بِاسْمِ أشْجارِها، وذِكْرِ النَّخْلِ بِاسْمِها لا بِاسْمِ ثَمَرِها ؟ نَقُولُ: قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ: (يس) حَيْثُ قالَ تَعالى: ﴿مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾ [يس: ٣٤] وهو أنَّ شَجَرَةَ العِنَبِ، وهي الكَرْمُ بِالنِّسْبَةِ إلى ثَمَرَتِها وهي العِنَبُ حَقِيرَةٌ، وشَجَرَةُ النَّخْلِ بِالنِّسْبَةِ إلى ثَمَرَتِها عَظِيمَةٌ، وفِيها مِنَ الفَوائِدِ الكَثِيرَةِ عَلى ما عُرِفَ مِنَ اتِّخاذِ الظُّرُوفِ مِنها والِانْتِفاعِ بِجُمّارِها وبِالطَّلْعِ والبُسْرِ والرُّطَبِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَثَمَرَتُها في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ كَأنَّها ثَمَراتٌ مُخْتَلِفَةٌ، فَهي أتَمُّ نِعْمَةً بِالنِّسْبَةِ إلى الغَيْرِ مِنَ الأشْجارِ، فَذَكَرَ النَّخْلَ بِاسْمِهِ وذَكَرَ الفاكِهَةَ دُونَ أشْجارِها، فَإنَّ فَوائِدَ أشْجارِها في عَيْنِ ثِمارِها.

البَحْثُ الرّابِعُ: ما مَعْنى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ؟ نَقُولُ: فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: الأكْمامُ كُلُّ ما يُغَطِّي، جَمْعُ كُمٍّ بِضَمِّ الكافِ، ويَدْخُلُ فِيهِ لِحاؤُها ولِيفُها ونَواها والكُلُّ مُنْتَفَعٌ بِهِ، كَما أنَّ النَّخْلَ مُنْتَفَعٌ بِها وأغْصانِها وقَلْبِها الَّذِي هو الجُمّارُ.

ثانِيهِما: الأكْمامُ جَمْعُ كِمٍّ بِكَسْرِ الكافِ وهو وِعاءُ الطَّلْعِ فَإنَّهُ يَكُونُ أوَّلًا في وِعاءٍ فَيَنْشَقُّ ويَخْرُجُ مِنهُ الطَّلْعُ، فَإنْ قِيلَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ في ذِكْرِها فائِدَةٌ لِأنَّها إشارَةٌ إلى أنْواعِ النِّعَمِ، وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي فَما فائِدَةُ ذِكْرِها ؟ نَقُولُ: الإشارَةُ إلى سُهُولَةِ جَمْعِها والِانْتِفاعِ بِها فَإنَّ النَّخْلَةَ شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ لا يُمْكِنُ هَزُّها لِتَسْقُطَ مِنها الثَّمَرَةُ فَلا بُدَّ مِن قَطْفِ الشَّجَرَةِ فَلَوْ كانَ مِثْلَ الجُمَّيْزِ الَّذِي يُقالُ: إنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ الشَّجَرَةِ مُتَفَرِّقًا واحِدَةً واحِدَةً لَصَعُبَ قِطافُها، فَقالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ يَكُونُ في كِمٍّ شَيْءٌ كَثِيرٌ إذا أُخِذَ عُنْقُودٌ واحِدٌ مِنهُ كَفى رَجُلًا واثْنَيْنِ كَعَناقِيدِ العِنَبِ، فانْظُرْ إلَيْها فَلَوْ كانَ العِنَبُ حَبّاتُها في الأشْجارِ مُتَفَرِّقَةٌ كالجُمَّيْزِ والزُّعْرُورِ لَمْ يُمْكِنْ جَمْعُهُ بِالهَزِّ مَتى أُرِيدَ جَمْعُهُ، فَخَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى عَناقِيدَ مُجْتَمِعَةً، كَذَلِكَ الرُّطَبُ فَكَوْنُها ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مِن جُمْلَةِ إتْمامِ الإنْعامِ.

صفحة ٨٤

You read 55:8–10 Just this one The next passage

The same ayah, in another commentary

Ar-Raḥmān 55:8