All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Al-Wāqiʿah 56:13 Juzʾ 27 Page 534

‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

A [large] company of the former peoples

Read in the muṣḥaf

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وهَذا خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَدْ ذَكَرْتُ أنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ جُمْلَةٌ، وإنَّما كانَ الخَبَرُ عَيْنَ المُبْتَدَأِ لِظُهُورِ حالِهِمْ أوْ لِخَفاءِ أمْرِهِمْ عَلى غَيْرِهِمْ، فَكَيْفَ جاءَ خَبَرٌ بَعْدَهُ ؟ نَقُولُ: ذَلِكَ المَقْصُودُ قَدْ أفادَ ذِكْرَ خَبَرٍ آخَرَ لِمَقْصُودٍ آخَرَ، كَما أنَّ واحِدًا يَقُولُ: زَيْدٌ لا يَخْفى عَلَيْكَ حالُهُ إشارَةً إلى كَوْنِهِ مِنَ المَشْهُورِينَ ثُمَّ يَشْرَعُ في حالٍ يَخْفى عَلى السّامِعِ، مَعَ أنَّهُ قالَ: لا يَخْفى؛ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ لِبَيانِ كَوْنِهِ لَيْسَ مِنَ الغُرَباءِ كَذَلِكَ هَهُنا قالَ: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ لِبَيانِ عَظَمَتِهِمْ ثُمَّ ذَكَرَ حالَ عَدَدِهِمْ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ‏‏‏‏‏ مَن هم ؟ نَقُولُ: المَشْهُورُ أنَّهم مَن كانَ قَبْلَ نَبِيِّنا ﷺ وإنَّما قالَ: ‏‏‏ والثُّلَّةُ

صفحة ١٣٠
الجَماعَةُ العَظِيمَةُ؛ لِأنَّ مَن قَبْلَ نَبِيِّنا مِنَ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ مَن كانَ مِن كِبارِ أصْحابِهِمْ إذا جُمِعُوا يَكُونُونَ أكْثَرَ بِكَثِيرٍ مِنَ السّابِقِينَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وعَلى هَذا قِيلَ: إنَّ الصَّحابَةَ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ صَعُبَ عَلَيْهِمْ قِلَّتُهم، فَنَزَلَ بَعْدَهُ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وهَذا في غايَةِ الضَّعْفِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ عَدَدَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ إذا كانَ في ذَلِكَ الزَّمانِ بَلْ إلى آخِرِ الزَّمانِ، بِالنِّسْبَةِ إلى مَن مَضى في غايَةِ القِلَّةِ، فَماذا كانَ عَلَيْهِمْ مِن إنْعامِ اللَّهِ عَلى خَلْقٍ كَثِيرٍ مِنَ الأوَّلِينَ، وما هَذا إلّا خُلْفٌ غَيْرُ جائِزٍ.

وثانِيها: أنَّ هَذا كالنَّسْخِ في الأخْبارِ وأنَّهُ في غايَةِ البُعْدِ.

ثالِثُها: ما ورَدَ بَعْدَها لا يَرْفَعُ هَذا؛ لِأنَّ الثُّلَّةَ مِنَ الأوَّلِينَ هُنا في السّابِقِينَ مِنَ الأوَّلِينَ وهَذا ظاهِرٌ؛ لِأنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ كَثُرُوا ورَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى فَعَفا عَنْهم أُمُورًا لَمْ تُعْفَ عَنْ غَيْرِهِمْ، وجَعَلَ لِلنَّبِي ﷺ الشَّفاعَةَ فَكَثُرَ عَدَدُ النّاجِينَ وهم أصْحابُ اليَمِينِ، وأمّا مَن لَمْ يَأْثَمْ ولَمْ يَرْتَكِبِ الكَبِيرَةَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَهم في غايَةِ القِلَّةِ وهُمُ السّابِقُونَ.

ورابِعُها: هَذا تَوَهُّمٌ وكانَ يَنْبَغِي أنْ يَفْرَحُوا بِهَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ دَخَلَ فِيهِمُ الأوَّلُ مِنَ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ، ولا نَبِيَّ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَإذا جَعَلَ قَلِيلًا مِن أُمَّتِهِ مَعَ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ والأوْلِياءِ الَّذِينَ كانُوا في دَرَجَةٍ واحِدَةٍ، يَكُونُ ذَلِكَ إنْعامًا في حَقِّهِمْ ولَعَلَّهُ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «عُلَماءُ أُمَّتِي كَأنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ» . الوَجْهُ الثّانِي: المُرادُ مِنهُ: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [التوبة: ١٠٠] فَإنَّ أكْثَرَهم لَهُمُ الدَّرَجَةُ العُلْيا، لِقَوْلِهِ تَعالى: ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [الحديد: ١٠] الآيَةَ. ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ يَكُونُ خِطابًا مَعَ المَوْجُودِينَ وقْتَ التَّنْزِيلِ، ولا يَكُونُ فِيهِ بَيانُ الأوَّلِينَ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ نَبِيِّنا عَلَيْهِ السَّلامُ، وهَذا ظاهِرٌ فَإنَّ الخِطابَ لا يَتَعَلَّقُ إلّا بِالمَوْجُودِينَ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ، ويَدْخُلُ فِيهِ غَيْرُهم بِالدَّلِيلِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِأنْفُسِهِمْ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ فالمُؤْمِنُونَ وذُرِّيّاتُهم إنْ كانُوا مِن أصْحابِ اليَمِينِ فَهم في الكَثْرَةِ سَواءٌ؛ لِأنَّ كُلَّ صَبِيٍّ ماتَ وأحَدُ أبَوَيْهِ مُؤْمِنٌ فَهو مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وأمّا إنْ كانُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ السّابِقِينَ، فَقَلَّما يُدْرِكُ ولَدُهم دَرَجَةَ السّابِقِينَ وكَثِيرًا ما يَكُونُ ولَدُ المُؤْمِنِ أحْسَنَ حالًا مِنَ الأبِ لِتَقْصِيرٍ في أبِيهِ ومَعْصِيَةٍ لَمْ تُوجَدْ في الِابْنِ الصَّغِيرِ وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿الآخِرِينَ﴾ المُرادُ مِنهُ الآخِرُونَ التّابِعُونَ مِنَ الصِّغارِ.

The same ayah, in another commentary

Al-Wāqiʿah 56:13