ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ ﴾
فِي نَظْمِ هَذِهِ الآياتِ وجْهٌ حَسَنٌ مَعْقُولٌ، وهو أنَّ المُعانِدَ لا يَخْلُو مِن أحَدِ أحْوالٍ ثَلاثَةٍ، إمّا أنْ يَسْتَمِرَّ عِنادُهُ، أوْ يُرْجى مِنهُ أنْ يَتْرُكَ العِنادَ، أوْ يَتْرُكَ العِنادَ ويَسْتَسْلِمَ، وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآياتِ أحْوالَهم، وأمَرَ المُسْلِمِينَ أنْ يُعامِلُوهم في كُلِّ حالَةٍ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الحالُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ﴾ [الممتحنة: ٤] فَهو إشارَةٌ إلى الحالَةِ الأُولى، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿ ﴾ [الممتحنة: ٧] إشارَةٌ إلى الحالَةِ الثّانِيَةِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿ ﴾ إشارَةٌ إلى الحالَةِ الثّالِثَةِ، ثُمَّ فِيهِ لَطِيفَةٌ وتَنْبِيهٌ وحَثٌّ عَلى مَكارِمِ الأخْلاقِ، لِأنَّهُ تَعالى ما أمَرَ المُؤْمِنِينَ في مُقابَلَةِ تِلْكَ الأحْوالِ الثَّلاثِ بِالجَزاءِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ، وبِالكَلامِ إلّا بِالَّذِي هو ألْيَقُ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى سَمّاهُنَّ مُؤْمِناتٍ لِصُدُورِ ما يَقْتَضِي الإيمانَ وهو كَلِمَةُ الشَّهادَةِ مِنهُنَّ، ولَمْ يَظْهَرْ مِنهُنَّ ما هو المُنافِي لَهُ، أوْ لِأنَّهُنَّ مُشارِفاتٌ لِثَباتِ إيمانِهِنَّ بِالِامْتِحانِ، وهو الِابْتِلاءُ بِالحَلِفِ، والحَلِفُ لِأجْلِ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِإيمانِهِنَّ، «وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِلْمُمْتَحِنَةِ: ”بِاللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو ما خَرَجْتِ مِن بُغْضِ زَوْجٍ، بِاللَّهِ ما خَرَجْتِ رَغْبَةً مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ، بِاللَّهِ ما خَرَجْتِ التِماسَ دُنْيا، بِاللَّهِ ما خَرَجْتِ إلّا حُبًّا لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ“» وقَوْلُهُ: ﴿ ﴾ مِنكم واللَّهُ يَتَوَلّى السَّرائِرَ: ﴿ ﴾ العِلْمَ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الظَّنِّ الغالِبِ بِالحَلِفِ وغَيْرِهِ، ﴿ ﴾ أيْ تَرُدُّوهُنَّ إلى أزْواجِهِنَّ المُشْرِكِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ﴾ أيْ أعْطُوا أزْواجَهُنَّ مِثْلَ ما دَفَعُوا إلَيْهِنَّ مِنَ المُهُورِ، وذَلِكَ «أنَّ الصُّلْحَ عامَ الحُدَيْبِيَةَ كانَ عَلى أنَّ مَن أتاكم مِن أهْلِ مَكَّةَ» يُرَدُّ إلَيْهِمْ، ومَن أتى مَكَّةَ مِنكم لَمْ يُرَدَّ إلَيْكم، وكَتَبُوا بِذَلِكَ العَهْدِ كِتابًا وخَتَمُوهُ، فَجاءَتْ سُبَيْعَةُ بِنْتُ الحارِثِ الأسْلَمِيَّةُ مُسْلِمَةً والنَّبِيُّ ﷺ بِالحُدَيْبِيَةِ، فَأقْبَلَ زَوْجُها مُسافِرٌ المَخْزُومِيُّ، وقِيلَ: صَيْفِيُّ بْنُ الرّاهِبِ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ ارْدُدْ عَلَيَّ امْرَأتِي فَإنَّكَ قَدْ شَرَطْتَ لَنا شَرْطًا أنْ تَرُدَّ عَلَيْنا مَن أتاكَ مِنّا، وهَذِهِ طَيَّةُ الكِتابِ لَمْ تَجِفَّ، فَنَزَلَتْ بَيانًا لِأنَّ الشَّرْطَ إنَّما كانَ لِلرِّجالِ دُونَ النِّساءِ. «وعَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّهُ قالَ: إنَّها جاءَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ وهي عاتِقٌ، فَجاءَ أهْلُها يَطْلُبُونَ مِن رَسُولِ
صفحة ٢٦٥
اللَّهِ ﷺ أنْ يُرْجِعَها إلَيْهِمْ، وكانَتْ هَرَبَتْ مِن زَوْجِها عَمْرِو بْنِ العاصِ ومَعَها أخَواها عُمارَةُ والوَلِيدُ، فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أخَوَيْها وحَبَسَها، فَقالُوا: ارْدُدْها عَلَيْنا، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”كانَ الشَّرْطُ في الرِّجالِ دُونَ النِّساءِ“» وعَنِ الضَّحّاكِ: أنَّ «العَهْدَ كانَ إنْ يَأْتِكَ مِنّا امْرَأةٌ لَيْسَتْ عَلى دِينِكَ إلّا رَدَدْتَها إلَيْنا، وإنْ دَخَلَتْ في دِينِكَ ولَها زَوْجٌ رُدَّتْ عَلى زَوْجِها الَّذِي أنْفَقَ عَلَيْها، ولِلنَّبِيِّ ﷺ مِنَ الشَّرْطِ مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ نُسِخَ هَذا الحُكْمُ وهَذا العَهْدُ، واسْتَحْلَفَها الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَحَلَفَتْ وأعْطى زَوْجَها ما أنْفَقَ، ثُمَّ تَزَوَّجَها عُمَرُ»، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ﴾ أيْ مُهُورَهُنَّ إذِ المَهْرُ أجْرُ البُضْعِ ﴿ ﴾ والعِصْمَةُ ما يُعْتَصَمُ بِهِ مِن عَهْدٍ وغَيْرِهِ، ولا عِصْمَةَ بَيْنَكم وبَيْنَهُنَّ ولا عَلَقَةَ النِّكاحِ كَذَلِكَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ اخْتِلافَ الدّارَيْنِ يَقْطَعُ العِصْمَةَ، وقِيلَ: لا تَقْعُدُوا لِلْكَوافِرِ، وقُرِئَ: تُمْسِكُوا، بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ، وتُمْسِكُوا أيْ ولا تَتَمَسَّكُوا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ﴾ وهو إذا لَحِقَتِ امْرَأةٌ مِنكم بِأهْلِ العَهْدِ مِنَ الكُفّارِ مُرْتَدَّةً فاسْألُوهم ما أنْفَقْتُمْ مِنَ المَهْرِ إذا مَنَعُوها ولَمْ يَدْفَعُوها إلَيْكم فَعَلَيْهِمْ أنْ يَغْرَمُوا صَداقَها كَما يُغْرَمُ لَهم وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ﴾ أيْ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والكُفّارِ، وفي الآيَةِ مَباحِثُ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿﴾ أمْرٌ بِمَعْنى الوُجُوبِ، أوْ بِمَعْنى النَّدْبِ، أوْ بِغَيْرِ هَذا وذَلِكَ، قالَ الواحِدِيُّ: هو بِمَعْنى الِاسْتِحْبابِ.
الثّانِي: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿ ﴾ وذَلِكَ مَعْلُومٌ مِن غَيْرِ شَكٍّ ؟ نَقُولُ: فائِدَتُهُ بَيانُ أنْ لا سَبِيلَ إلى ما تَطْمَئِنُّ بِهِ النَّفْسُ مِنَ الإحاطَةِ بِحَقِيقَةِ إيمانِهِنَّ، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا اسْتَأْثَرَ بِهِ عَلّامُ الغُيُوبِ.
الثّالِثُ: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿ ﴾ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ في أحَدِ الجانِبَيْنِ دُونَ الآخَرِ ؟ نَقُولُ: هَذا بِاعْتِبارِ الإيمانِ مِن جانِبِهِنَّ ومِن جانِبِهِمْ إذِ الإيمانُ مِنَ الجانِبَيْنِ شَرْطٌ لِلْحِلِّ؛ ولِأنَّ الذِّكْرَ مِنَ الجانِبَيْنِ مُؤَكَّدٌ لِارْتِفاعِ الحِلِّ، وفِيهِ مِنَ الإفادَةِ ما لا يَكُونُ في غَيْرِهِ، فَإنْ قِيلَ: هَبْ أنَّهُ كَذَلِكَ لَكِنْ يَكْفِي قَوْلُهُ: ﴿ ﴾ لِأنَّهُ لا يَحِلُّ أحَدُهُما لِلْآخَرِ فَلا حاجَةَ إلى الزِّيادَةِ عَلَيْهِ، والمَقْصُودُ هَذا لا غَيْرُ. نَقُولُ: التَّلَفُّظُ بِهَذا اللَّفْظِ لا يُفِيدُ ارْتِفاعَ الحِلِّ مِنَ الجانِبَيْنِ بِخِلافِ التَّلَفُّظِ بِذَلِكَ اللَّفْظِ وهَذا ظاهِرٌ.
البَحْثُ الرّابِعُ: كَيْفَ سَمّى الظَّنَّ عِلْمًا في قَوْلِهِ: ﴿ ﴾ ؟ نَقُولُ: إنَّهُ مِن بابِ أنَّ الظَّنَّ الغالِبَ وما يُفْضِي إلَيْهِ الِاجْتِهادُ، والقِياسُ جارٍ مَجْرى العِلْمِ، وأنَّ صاحِبَهُ غَيْرُ داخِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿ ﴾ [الإسراء: ٣٦] .