All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

Aṣ-Ṣaff 61:9 Juzʾ 28 Page 552

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏

It is He who sent His Messenger with guidance and the religion of truth to manifest it over all religion, although those who associate others with Allah dislike it.

Read in the muṣḥaf
مفاتيح الغيب Al-Rāzī

صفحة ٢٧٣
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏
(لِيُطْفِئُوا) أيْ أنْ يُطْفِئُوا وكَأنَّ هَذِهِ اللّامَ زِيدَتْ مَعَ فِعْلِ الإرادَةِ تَأْكِيدًا لَهُ لِما فِيها مِن مَعْنى الإرادَةِ في قَوْلِكَ: جِئْتُكَ لِإكْرامِكَ، كَما زِيدَتِ اللّامُ في لا أبا لَكَ، تَأْكِيدًا لِمَعْنى الإضافَةِ في أباكَ، وإطْفاءُ نُورِ اللَّهِ تَعالى بِأفْواهِهِمْ، تَهَكُّمٌ بِهِمْ في إرادَتِهِمْ إبْطالَ الإسْلامِ بِقَوْلِهِمْ في القُرْآنِ: (هَذا ساحِرٌ) مُثِّلَتْ حالُهم بِحالِ مَن يَنْفُخُ في نُورِ الشَّمْسِ بِفِيهِ لِيُطْفِئَهُ، كَذا ذَكَرَهُ في الكَشّافِ، وقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ قُرِئَ بِكَسْرِ الرّاءِ عَلى الإضافَةِ، والأصْلُ هو التَّنْوِينُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُظْهِرُ دِينَهُ، وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: مُتِمٌّ الحَقَّ ومُبَلِّغُهُ غايَتَهُ، وقِيلَ: دِينُ اللَّهِ، وكِتابُ اللَّهِ، ورَسُولُ اللَّهِ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ؛ لِأنَّهُ يَظْهَرُ عَلَيْهِمْ مِنَ الآثارِ.

وثانِيها: أنَّ نُورَ اللَّهِ ساطِعٌ أبَدًا وطالِعٌ مِن مَطْلَعٍ لا يُمْكِنُ زَوالُهُ أصْلًا وهو الحَضْرَةُ القُدْسِيَّةُ، وكُلُّ واحِدٍ مِنَ الثَّلاثَةِ كَذَلِكَ.

وثالِثُها: أنَّ النُّورَ نَحْوَ العِلْمِ، والظُّلْمَةَ نَحْوَ الجَهْلِ، أوِ النُّورُ: الإيمانُ يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، أوِ الإسْلامُ هو النُّورُ، أوْ يُقالُ: الدِّينُ وضْعٌ إلَهِيٌّ سائِقٌ لِأُولِي الألْبابِ إلى الخَيِّراتِ بِاخْتِيارِهِمُ المَحْمُودِ وذَلِكَ هو النُّورُ، والكِتابُ هو المُبِينُ قالَ تَعالى: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ [يوسف: ١] فالإبانَةُ والكِتابُ هو النُّورُ، أوْ يُقالُ: الكِتابُ حُجَّةٌ لِكَوْنِهِ مُعْجِزًا، والحُجَّةُ هو النُّورُ، فالكِتابُ كَذَلِكَ، أوْ يُقالُ في الرَّسُولِ إنَّهُ النُّورُ، وإلّا لَما وُصِفَ بِصِفَةِ كَوْنِهِ رَحْمَةً لِلْعالِمِينَ، إذِ الرَّحْمَةُ بِإظْهارِ ما يَكُونُ مِنَ الأسْرارِ وذَلِكَ بِالنُّورِ، أوْ نَقُولُ: إنَّهُ هو النُّورُ، لِأنَّهُ بِواسِطَتِهِ اهْتَدى الخَلْقُ، أوْ هو النُّورُ لِكَوْنِهِ مُبَيِّنًا لِلنّاسِ ما نَزَلَ إلَيْهِمْ، والمُبِينُ هو النُّورُ، ثُمَّ الفَوائِدُ في كَوْنِهِ نُورًا وُجُوهٌ

مِنها: أنَّهُ يَدُلُّ عَلى عُلُوِّ شَأْنِهِ وعَظْمَةِ بُرْهانِهِ، وذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: الوَصْفُ بِالنُّورِ.

وثانِيهِما: الإضافَةُ إلى الحَضْرَةِ.

(ومِنها): أنَّهُ إذا كانَ نُورًا مِن أنْوارِ اللَّهِ تَعالى كانَ مُشْرِقًا في جَمِيعِ أقْطارِ العالَمِ، لِأنَّهُ لا يَكُونُ مَخْصُوصًا بِبَعْضِ الجَوانِبِ، فَكانَ رَسُولًا إلى جَمِيعِ الخَلائِقِ، لِما رُوِيَ عَنْهُ ﷺ: ”«بُعِثْتُ إلى الأحْمَرِ والأسْوَدِ» “ فَلا يُوجَدُ شَخْصٌ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إلّا ويَكُونُ مِن أُمَّتِهِ إنْ كانَ مُؤْمِنًا فَهو مِن أُمَّةِ المُتابَعَةِ، وإنْ كانَ كافِرًا فَهو مِن أُمَّةِ الدَّعْوَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ أيِ اليَهُودُ والنَّصارى وغَيْرُهم مِنَ المُشْرِكِينَ، وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ لِمَنِ اتَّبَعَهُ (ودِينِ الحَقِّ) قِيلَ: الحَقُّ هو اللَّهُ تَعالى، أيْ دِينِ اللَّهِ. وقِيلَ: نَعْتٌ لِلدِّينِ، أيْ والدِّينُ هو الحَقُّ، وقِيلَ: الَّذِي يَحِقُّ أنْ يَتَّبِعَهُ كُلُّ أحَدٍ و‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ يُرِيدُ الإسْلامَ، وقِيلَ: لِيَظْهَرَهُ، أيِ الرَّسُولُ ﷺ بِالغَلَبَةِ وذَلِكَ بِالحُجَّةِ، وهَهُنا مَباحِثُ:

الأوَّلُ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ والتَّمامُ لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ النُّقْصانِ، فَكَيْفَ نُقْصانُ هَذا النُّورِ ؟ فَنَقُولُ إتْمامُهُ بِحَسَبِ النُّقْصانِ في الأثَرِ، وهو الظُّهُورُ في سائِرِ البِلادِ مِنَ المَشارِقِ إلى المَغارِبِ، إذِ الظُّهُورُ لا يَظْهَرُ إلّا بِالإظْهارِ وهو الإتْمامُ، يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [المائدة: ٣] وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ ذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِ عِيسى مِنَ السَّماءِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

صفحة ٢٧٤

الثّانِي: قالَ هَهُنا: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ [النور: ٣٥] وهَذا عَيْنُ ذَلِكَ أوْ غَيْرُهُ ؟ نَقُولُ: هو غَيْرُهُ، لِأنَّ نُورَ اللَّهِ في ذَلِكَ المَوْضِعِ هو اللَّهُ تَعالى عِنْدَ أهْلِ التَّحْقِيقِ، وهُنا هو الدِّينُ أوِ الكِتابُ أوِ الرَّسُولُ.

الثّالِثُ: قالَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ وقالَ في المُتَأخِّرَةِ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ فَما الحِكْمَةُ فِيهِ ؟ فَنَقُولُ: إنَّهم أنْكَرُوا الرَّسُولَ، وما أُنْزِلَ إلَيْهِ وهو الكِتابُ، وذَلِكَ مِن نِعَمِ اللَّهِ، والكافِرُونَ كُلُّهم في كُفْرانِ النِّعَمِ، فَلِهَذا قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ولِأنَّ لَفْظَ الكافِرِ أعَمُّ مِن لَفْظِ المُشْرِكِ، والمُرادُ مِنَ الكافِرِينَ هَهُنا اليَهُودُ والنَّصارى والمُشْرِكُونَ، وهُنا ذَكَرَ النُّورَ وإطْفاءَهُ، واللّائِقُ الكُفْرُ لِأنَّهُ السَّتْرُ والتَّغْطِيَةُ، لِأنَّ مَن يُحاوِلُ الإطْفاءَ إنَّما يُرِيدُ الزَّوالَ، وفي الآيَةِ الثّانِيَةِ ذَكَرَ الرَّسُولَ والإرْسالَ ودِينَ الحَقِّ، وذَلِكَ مَنزِلَةٌ عَظِيمَةٌ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهي اعْتِراضٌ عَلى اللَّهِ تَعالى كَما قالَ:

ألا قُلْ لِمَن ظَلَّ لِي حاسِدًا أتَدْرِي عَلى مَن أسَأْتَ الأدَبَ

أسَأْتَ عَلى اللَّهِ في فِعْلِهِ ∗∗∗ كَأنَّهُ لَمْ تَرْضَ لِي ما وهَبَ
والِاعْتِراضُ قَرِيبٌ مِنَ الشِّرْكِ، ولِأنَّ الحاسِدِينَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أكْثَرُهم مِن قُرَيْشٍ وهُمُ المُشْرِكُونَ، ولَمّا كانَ النُّورُ أعَمَّ مِنَ الدِّينِ والرَّسُولِ، لا جَرَمَ قابَلَهُ بِالكافِرِينَ الَّذِينَ هم جَمِيعُ مُخالِفِي الإسْلامِ والإرْسالِ، والرَّسُولُ والدِّينُ أخَصُّ مِنَ النُّورِ قابَلَهُ بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ هم أخَصُّ مِنَ الكافِرِينَ.

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏

O you who have believed, shall I guide you to a transaction that will save you from a painful punishment?

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

ثُمَّ قالَ تَعالى:

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ في مَعْنى الأمْرِ عِنْدَ الفَرّاءِ، يُقالُ: هَلْ أنْتَ ساكِتٌ أيِ اسْكُتْ وبَيانُهُ: أنَّ هَلْ، بِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ، ثُمَّ يَتَدَرَّجُ إلى أنْ يَصِيرَ عَرْضًا وحَثًّا، والحَثُّ كالإغْراءِ، والإغْراءُ أمْرٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ‏ ‏‏‏‏ هي التِّجارَةُ بَيْنَ أهْلِ الإيمانِ وحَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى، كَما قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [التوبة: ١١١] دَلَّ عَلَيْهِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ والتِّجارَةُ عِبارَةٌ عَنْ مُعارَضَةِ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ، وكَما أنَّ التِّجارَةَ تُنْجِي التّاجِرَ مِن مِحْنَةِ الفَقْرِ، ورَحْمَةِ الصَّبْرِ عَلى ما هو مِن لَوازِمِهِ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ التِّجارَةُ وهي التَّصْدِيقُ بِالجِنانِ والإقْرارُ بِاللِّسانِ، كَما قِيلَ في تَعْرِيفِ الإيمانِ فَلِهَذا قالَ: بِلَفْظِ التِّجارَةِ، وكَما أنَّ التِّجارَةَ في الرِّبْحِ والخُسْرانِ، فَكَذَلِكَ في هَذا، فَإنَّ مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَلَهُ الأجْرُ، والرِّبْحُ الوافِرُ، واليَسارُ المُبِينُ، ومَن أعْرَضَ عَنِ العَمَلِ الصّالِحِ فَلَهُ التَّحَسُّرُ والخُسْرانُ المُبِينُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ قُرِئَ مُخَفَّفًا ومُثَقَّلًا، و﴿تُؤْمِنُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ، كَأنَّهم قالُوا: كَيْفَ نَعْمَلُ ؟ فَقالَ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وهو خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ، ولِهَذا أُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ وقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ والجِهادُ بَعْدَ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ ثَلاثَةٌ، جِهادٌ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ نَفْسِهِ، وهو قَهْرُ النَّفْسِ، ومَنعُها عَنِ

صفحة ٢٧٥
اللَّذّاتِ والشَّهَواتِ، وجِهادٌ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ الخَلْقِ، وهو أنْ يَدَعَ الطَّمَعَ مِنهم، ويُشْفِقَ عَلَيْهِمْ ويَرْحَمَهم. وجِهادٌ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ الدُّنْيا وهو أنْ يَتَّخِذَها زادًا لِمادَّةٍ فَتَكُونَ عَلى خَمْسَةِ أوْجُهٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ يَعْنِي الَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى والجِهادِ في سَبِيلِهِ خَيْرٌ لَكم مِن أنْ تَتَبَّعُوا أهْواءَكم ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ إنْ كُنْتُمْ تَنْتَفِعُونَ بِما عَمِلْتُمْ فَهو خَيْرٌ لَكم، وفي الآيَةِ مَباحِثُ:
الأوَّلُ: لِمَ قالَ: (تُؤْمِنُونَ) بِلَفْظِ الخَبَرِ ؟ نَقُولُ: لِلْإيذانِ بِوُجُوبِ الِامْتِثالِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالُوا لَوْ نَعْلَمُ أحَبَّ الأعْمالِ إلى اللَّهِ تَعالى لَعَمِلْنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَمَكَثُوا ما شاءَ اللَّهُ يَقُولُونَ: يا لَيْتَنا نَعْلَمُ ما هي ؟ فَدَلَّهُمُ اللَّهُ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: (‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ .

الثّانِي: ما مَعْنى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ نَقُولُ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أنَّهُ خَيْرٌ لَكم كانَ خَيْرًا لَكم، وهَذِهِ الوُجُوهُ لِلْكَشّافِ، وأمّا الغَيْرُ فَقالَ: الخَوْفُ مِن نَفْسِ العَذابِ لا مِنَ العَذابِ الألِيمِ، إذِ العَذابُ الألِيمُ هو نَفْسُ العَذابِ مَعَ غَيْرِهِ، والخَوْفُ مِنَ اللَّوازِمِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [آل عمران: ١٧٥] ومِنها أنَّ الأمْرَ بِالإيمانِ كَيْفَ هو بَعْدَ قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَنَقُولُ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ المُنافِقِينَ، وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا في الظّاهِرِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ أهْلَ الكِتابِ وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى فَإنَّهم آمَنُوا بِالكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ فَكَأنَّهُ قالَ: (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا) بِالكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ آمِنُوا بِاللَّهِ وبِمُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ أهْلَ الإيمانِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَزادَتْهم إيمانًا﴾ [التوبة: ١٢٤]، ﴿لِيَزْدادُوا إيمانًا﴾ [الفتح: ٤] وهو الأمْرُ بِالثَّباتِ كَقَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [إبراهيم: ٢٧] وهو الأمْرُ بِالتَّجَدُّدِ كَقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وفي قَوْلِهِ ﷺ: ”«مَن جَدَّدَ وُضُوءَهُ فَكَأنَّما جَدَّدَ إيمانَهُ» “، (ومِنها): أنَّ رَجاءَ النَّجاةِ كَيْفَ هو إذا آمَنَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، ولَمْ يُجاهِدْ في سَبِيلِ اللَّهِ، وقَدْ عُلِّقَ بِالمَجْمُوعِ، ومِنها أنَّ هَذا المَجْمُوعَ وهو الإيمانُ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والجِهادُ بِالنَّفْسِ والمالِ في سَبِيلِ اللَّهِ خَبَرٌ في نَفْسِ الأمْرِ.

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

[It is that] you believe in Allah and His Messenger and strive in the cause of Allah with your wealth and your lives. That is best for you, if you should know.

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

ثُمَّ قالَ تَعالى:

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ في مَعْنى الأمْرِ عِنْدَ الفَرّاءِ، يُقالُ: هَلْ أنْتَ ساكِتٌ أيِ اسْكُتْ وبَيانُهُ: أنَّ هَلْ، بِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ، ثُمَّ يَتَدَرَّجُ إلى أنْ يَصِيرَ عَرْضًا وحَثًّا، والحَثُّ كالإغْراءِ، والإغْراءُ أمْرٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ‏ ‏‏‏‏ هي التِّجارَةُ بَيْنَ أهْلِ الإيمانِ وحَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى، كَما قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [التوبة: ١١١] دَلَّ عَلَيْهِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ والتِّجارَةُ عِبارَةٌ عَنْ مُعارَضَةِ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ، وكَما أنَّ التِّجارَةَ تُنْجِي التّاجِرَ مِن مِحْنَةِ الفَقْرِ، ورَحْمَةِ الصَّبْرِ عَلى ما هو مِن لَوازِمِهِ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ التِّجارَةُ وهي التَّصْدِيقُ بِالجِنانِ والإقْرارُ بِاللِّسانِ، كَما قِيلَ في تَعْرِيفِ الإيمانِ فَلِهَذا قالَ: بِلَفْظِ التِّجارَةِ، وكَما أنَّ التِّجارَةَ في الرِّبْحِ والخُسْرانِ، فَكَذَلِكَ في هَذا، فَإنَّ مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَلَهُ الأجْرُ، والرِّبْحُ الوافِرُ، واليَسارُ المُبِينُ، ومَن أعْرَضَ عَنِ العَمَلِ الصّالِحِ فَلَهُ التَّحَسُّرُ والخُسْرانُ المُبِينُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ قُرِئَ مُخَفَّفًا ومُثَقَّلًا، و‏‏‏‏‏‏ اسْتِئْنافٌ، كَأنَّهم قالُوا: كَيْفَ نَعْمَلُ ؟ فَقالَ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وهو خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ، ولِهَذا أُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ وقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ والجِهادُ بَعْدَ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ ثَلاثَةٌ، جِهادٌ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ نَفْسِهِ، وهو قَهْرُ النَّفْسِ، ومَنعُها عَنِ

صفحة ٢٧٥
اللَّذّاتِ والشَّهَواتِ، وجِهادٌ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ الخَلْقِ، وهو أنْ يَدَعَ الطَّمَعَ مِنهم، ويُشْفِقَ عَلَيْهِمْ ويَرْحَمَهم. وجِهادٌ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ الدُّنْيا وهو أنْ يَتَّخِذَها زادًا لِمادَّةٍ فَتَكُونَ عَلى خَمْسَةِ أوْجُهٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ يَعْنِي الَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى والجِهادِ في سَبِيلِهِ خَيْرٌ لَكم مِن أنْ تَتَبَّعُوا أهْواءَكم ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ إنْ كُنْتُمْ تَنْتَفِعُونَ بِما عَمِلْتُمْ فَهو خَيْرٌ لَكم، وفي الآيَةِ مَباحِثُ:
الأوَّلُ: لِمَ قالَ: (تُؤْمِنُونَ) بِلَفْظِ الخَبَرِ ؟ نَقُولُ: لِلْإيذانِ بِوُجُوبِ الِامْتِثالِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالُوا لَوْ نَعْلَمُ أحَبَّ الأعْمالِ إلى اللَّهِ تَعالى لَعَمِلْنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَمَكَثُوا ما شاءَ اللَّهُ يَقُولُونَ: يا لَيْتَنا نَعْلَمُ ما هي ؟ فَدَلَّهُمُ اللَّهُ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: (‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ .

الثّانِي: ما مَعْنى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ نَقُولُ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أنَّهُ خَيْرٌ لَكم كانَ خَيْرًا لَكم، وهَذِهِ الوُجُوهُ لِلْكَشّافِ، وأمّا الغَيْرُ فَقالَ: الخَوْفُ مِن نَفْسِ العَذابِ لا مِنَ العَذابِ الألِيمِ، إذِ العَذابُ الألِيمُ هو نَفْسُ العَذابِ مَعَ غَيْرِهِ، والخَوْفُ مِنَ اللَّوازِمِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [آل عمران: ١٧٥] ومِنها أنَّ الأمْرَ بِالإيمانِ كَيْفَ هو بَعْدَ قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَنَقُولُ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ المُنافِقِينَ، وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا في الظّاهِرِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ أهْلَ الكِتابِ وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى فَإنَّهم آمَنُوا بِالكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ فَكَأنَّهُ قالَ: (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا) بِالكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ آمِنُوا بِاللَّهِ وبِمُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ أهْلَ الإيمانِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَزادَتْهم إيمانًا﴾ [التوبة: ١٢٤]، ﴿لِيَزْدادُوا إيمانًا﴾ [الفتح: ٤] وهو الأمْرُ بِالثَّباتِ كَقَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [إبراهيم: ٢٧] وهو الأمْرُ بِالتَّجَدُّدِ كَقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وفي قَوْلِهِ ﷺ: ”«مَن جَدَّدَ وُضُوءَهُ فَكَأنَّما جَدَّدَ إيمانَهُ» “، (ومِنها): أنَّ رَجاءَ النَّجاةِ كَيْفَ هو إذا آمَنَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، ولَمْ يُجاهِدْ في سَبِيلِ اللَّهِ، وقَدْ عُلِّقَ بِالمَجْمُوعِ، ومِنها أنَّ هَذا المَجْمُوعَ وهو الإيمانُ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والجِهادُ بِالنَّفْسِ والمالِ في سَبِيلِ اللَّهِ خَبَرٌ في نَفْسِ الأمْرِ.

‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

He will forgive for you your sins and admit you to gardens beneath which rivers flow and pleasant dwellings in gardens of perpetual residence. That is the great attainment.

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

Loading…

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And [you will obtain] another [favor] that you love - victory from Allah and an imminent conquest; and give good tidings to the believers.

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

Loading…

You read 61:9–13 Just this one The next passage

The same ayah, in another commentary

Aṣ-Ṣaff 61:9