All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Al-Ḥāqqah 69:6 Juzʾ 29 Page 566

‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

And as for 'Aad, they were destroyed by a screaming, violent wind

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ .

﴿القارِعَةُ﴾ هي الَّتِي تَقْرَعُ النّاسَ بِالأفْزاعِ والأهْوالِ، والسَّماءَ بِالِانْشِقاقِ والِانْفِطارِ، والأرْضَ والجِبالَ بِالدَّكِّ والنَّسْفِ، والنُّجُومَ بِالطَّمْسِ والِانْكِدارِ، وإنَّما قالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ولَمْ يَقُلْ: بِها، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ مَعْنى القَرْعِ حاصِلٌ في الحاقَّةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ زِيادَةً عَلى وصْفِ شِدَّتِها. ولَمّا ذَكَرَها وفَخَّمَها أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ مَن كَذَّبَ بِها، وما حَلَّ بِهِمْ بِسَبَبِ التَّكْذِيبِ تَذْكِيرًا لِأهْلِ مَكَّةَ، وتَخْوِيفًا لَهم مِن عاقِبَةِ تَكْذِيبِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏

اعْلَمْ أنَّ في الطّاغِيَةِ أقْوالًا:

الأوَّلُ: أنَّ الطّاغِيَةَ هي الواقِعَةُ المُجاوِزَةُ لِلْحَدِّ في الشِّدَّةِ والقُوَّةِ، قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ (الحاقَّةِ: ١١) أيْ جاوَزَ الحَدَّ، وقالَ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ (النَّجْمِ: ١٧) فَعَلى هَذا القَوْلِ: الطّاغِيَةُ نَعْتٌ مَحْذُوفٌ، واخْتَلَفُوا في ذَلِكَ المَحْذُوفِ، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّها الصَّيْحَةُ المُجاوِزَةُ في القُوَّةِ والشِّدَّةِ لِلصَّيْحاتِ، قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ (القَمَرِ: ٣١) وقالَ بَعْضُهم: إنَّها الرَّجْفَةُ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّها الصّاعِقَةُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الطّاغِيَةَ هَهُنا الطُّغْيانُ، فَهي مَصْدَرٌ كالكاذِبَةِ والباقِيَةِ والعاقِبَةِ والعافِيَةِ، أيْ أُهْلِكُوا بِطُغْيانِهِمْ عَلى اللَّهِ؛ إذْ كَذَّبُوا رُسُلَهُ وكَفَرُوا بِهِ، وهو مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والمُتَأخِّرُونَ طَعَنُوا فِيهِ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: وهو الَّذِي قالَهُ الزَّجّاجُ: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ نَوْعَ الشَّيْءِ الَّذِي وقَعَ بِهِ العَذابُ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وجَبَ أنْ يَكُونَ الحالُ في الجُمْلَةِ الأُولى كَذَلِكَ حَتّى تَكُونَ المُناسِبَةُ حاصِلَةً.

والثّانِي: وهو الَّذِي قالَهُ القاضِي: وهو أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ ما قالُوهُ، لَكانَ مِن حَقِّ الكَلامِ أنْ يُقالَ: أُهْلِكُوا لَها ولِأجْلِها.

والقَوْلُ الثّالِثُ: ﴿بِالطّاغِيَةِ﴾ أيْ بِالفِرْقَةِ الَّتِي طَغَتْ مِن جُمْلَةِ ثَمُودَ، فَتَآمَرُوا بِعَقْرِ النّاقَةِ فَعَقَرُوها، أيْ أُهْلِكُوا بِشُؤْمِ فِرْقَتِهِمُ الطّاغِيَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالطّاغِيَةِ ذَلِكَ الرَّجُلُ الواحِدُ الَّذِي أقْدَمَ عَلى عَقْرِ النّاقَةِ وأهْلَكَ الجَمِيعَ؛ لِأنَّهم رَضُوا بِفِعْلِهِ وقِيلَ لَهُ: طاغِيَةٌ، كَما يَقُولُ: فُلانٌ راوِيَةُ الشِّعْرِ، وداهِيَةٌ وعَلّامَةٌ ونَسّابَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ الصَّرْصَرُ الشَّدِيدَةُ الصَّوْتِ لَها صَرْصَرَةٌ وقِيلَ: البارِدَةُ مِنَ الصِّرِّ كَأنَّها الَّتِي كُرِّرَ فِيها البَرْدُ وكَثُرَ، فَهي تَحْرِقُ بِشِدَّةِ بَرْدِها، وأمّا العاتِيَةُ فَفِيها أقْوالٌ:

الأوَّلُ: قالَ الكَلْبِيُّ: عَتَتْ عَلى خَزَنَتِها يَوْمَئِذٍ، فَلَمْ يَحْفَظُوا كَمْ خَرَجَ مِنها، ولَمْ يَخْرُجْ قَبْلَ ذَلِكَ، ولا بَعْدَهُ مِنها شَيْءٌ إلّا بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «طَغى الماءُ عَلى خُزّانِهِ يَوْمَ نُوحٍ، وعَتَتِ الرِّيحُ عَلى خُزّانِها يَوْمَ عادٍ، فَلَمْ يَكُنْ لَها عَلَيْها سَبِيلٌ»، فَعَلى هَذا القَوْلِ: هي عاتِيَةٌ عَلى الخُزّانِ.

الثّانِي: قالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: يُرِيدُ

صفحة ٩٢
الرِّيحَ عَتَتْ عَلى عادٍ فَما قَدَرُوا عَلى رَدِّها بِحِيلَةٍ مِنَ اسْتِتارٍ بِبِناءٍ أوِ اسْتِنادٍ إلى جَبَلٍ، فَإنَّها كانَتْ تَنْزِعُهم مِن مَكامِنِهِمْ وتُهْلِكُهم.
القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ هَذا لَيْسَ مِنَ العُتُوِّ الَّذِي هو عِصْيانٌ، إنَّما هو بُلُوغُ الشَّيْءِ وانْتِهاؤُهُ، ومِنهُ قَوْلُهم: عَتا النَّبْتُ، أيْ بَلَغَ مُنْتَهاهُ وجَفَّ، قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ (مَرْيَمَ: ٨) فَعاتِيَةٌ أيْ بالِغَةٌ مُنْتَهاها في القُوَّةِ والشِّدَّةِ.

The same ayah, in another commentary

Al-Ḥāqqah 69:6