All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Al-Aʿrāf 7:206 Juzʾ 9 Page 176

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏

Indeed, those who are near your Lord are not prevented by arrogance from His worship, and they exalt Him, and to Him they prostrate.

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: لَمّا رَغَّبَ اللَّهُ رَسُولَهُ في الذِّكْرِ وفي المُواظَبَةِ عَلَيْهِ ذَكَرَ عَقِيبَهُ ما يُقَوِّي دَواعِيَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ والمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ مَعَ نِهايَةِ شَرَفِهِمْ وغايَةِ طَهارَتِهِمْ

صفحة ٩٠
وعِصْمَتِهِمْ وبَراءَتِهِمْ عَنْ بَواعِثِ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ، وحَوادِثِ الحِقْدِ والحَسَدِ، لَمّا كانُوا مُواظِبِينَ عَلى العُبُودِيَّةِ والسُّجُودِ والخُضُوعِ والخُشُوعِ، فالإنْسانُ مَعَ كَوْنِهِ مُبْتَلًى بِظُلُماتِ عالَمِ الجُسْمانِيّاتِ ومُسْتَعِدًّا لِلَّذّاتِ البَشَرِيَّةِ والبَواعِثِ الإنْسانِيَّةِ أوْلى بِالمُواظَبَةِ عَلى الطّاعَةِ، ولِهَذا السَّبَبِ قالَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [مَرْيَمَ: ٣١] وقالَ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الحِجْرِ: ٩٩] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُشَبِّهَةُ تَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ وقالُوا لَفْظُ‏‏‏ مُشْعِرٌ بِالمَكانِ والجِهَةِ.

وجَوابُهُ أنّا ذَكَرْنا البَراهِينَ الكَثِيرَةَ العَقْلِيَّةَ والنَّقْلِيَّةَ في هَذِهِ السُّورَةِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأعْرافِ: ٥٤] عَلى أنَّهُ يَمْتَنِعُ كَوْنُهُ تَعالى حاصِلًا في المَكانِ والجِهَةِ.

وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: وجَبَ المَصِيرُ إلى التَّأْوِيلِ في هَذِهِ الآيَةِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحَدِيدِ: ٤] ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ المَعِيَّةَ بِالفَضْلِ والرَّحْمَةِ لا بِالجِهَةِ فَكَذا هُنا، وأيْضًا جاءَ في الأخْبارِ الرَّبّانِيَّةِ أنَّهُ تَعالى قالَ: ”«أنا عِنْدَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهم لِأجْلِي» “ ولا خِلافَ أنَّ هَذِهِ العِنْدِيَّةَ لَيْسَتْ لِأجْلِ المَكانِ والجِهَةِ، فَكَذا هُنا.

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ القُرْبُ بِالشَّرَفِ. ويُقالُ: لِلْوَزِيرِ قُرْبَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ الأمِيرِ، ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ القُرْبَ بِالجِهَةِ، لِأنَّ البَوّابَ والفَرّاشَ يَكُونُ أقْرَبَ إلى المَلِكِ في الجِهَةِ والحَيِّزِ والمَكانِ مِنَ الوَزِيرِ، فَعَلِمْنا أنَّ القُرْبَ المُعْتَبَرَ هو القُرْبُ بِالشَّرَفِ لا القُرْبُ بِالجِهَةِ.

والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ هَذا تَشْرِيفٌ لِلْمَلائِكَةِ بِإضافَتِهِمْ إلى اللَّهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ أسْكَنَهم في المَكانِ الَّذِي كَرَّمَهُ وشَرَّفَهُ وجَعَلَهُ مَنزِلَ الأنْوارِ ومَصْعَدَ الأرْواحِ والطّاعاتِ والكَراماتِ.

والوَجْهُ الرّابِعُ: إنَّما قالَ تَعالى في صِفَةِ المَلائِكَةِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ لِأنَّهم رُسُلُ اللَّهِ إلى الخَلْقِ كَما يُقالُ: إنَّ عِنْدَ الخَلِيفَةِ جَيْشًا عَظِيمًا، وإنْ كانُوا مُتَفَرِّقِينَ في البَلَدِ، فَكَذا هَهُنا. واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَمَسَّكَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ أنَّ المَلائِكَةَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ، لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ بِالعِبادَةِ والذِّكْرِ قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ والمَعْنى فَأنْتَ أوْلى وأحَقُّ بِالعِبادَةِ، وهَذا الكَلامُ إنَّما يَصِحُّ لَوْ كانَتِ المَلائِكَةُ أفْضَلَ مِنهُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ذَكَرَ مِن طاعاتِهِمْ أوَّلًا كَوْنَهم يُسَبِّحُونَ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ التَّسْبِيحَ عِبارَةٌ عَنْ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى مِن كُلِّ سُوءٍ، وذَلِكَ يَرْجِعُ إلى المَعارِفِ والعُلُومِ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ التَّسْبِيحَ أرْدَفَهُ بِذِكْرِ السُّجُودِ، وذَلِكَ يَرْجِعُ إلى أعْمالِ الجَوارِحِ، وهَذا التَّرْتِيبُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأصْلَ في الطّاعَةِ والعُبُودِيَّةِ أعْمالُ القُلُوبِ، ويَتَفَرَّعُ عَلَيْها أعْمالُ الجَوارِحِ. وأيْضًا قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏ يُفِيدُ الحَصْرَ ومَعْناهُ: أنَّهم لا يَسْجُدُونَ لِغَيْرِ اللَّهِ.

فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ [الحِجْرِ: ٣٠] والمُرادُ أنَّهم سَجَدُوا لِآدَمَ.

والجَوابُ: قالَ الشَّيْخُ الغَزالِيُّ: الَّذِينَ سَجَدُوا لِآدَمَ مَلائِكَةُ الأرْضِ، فَأمّا عُظَماءُ مَلائِكَةِ السَّماواتِ فَلا.

صفحة ٩١
وقِيلَ أيْضًا: إنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏ ‏‏ يُفِيدُ أنَّهم ما سَجَدُوا لِغَيْرِ اللَّهِ، فَهَذا يُفِيدُ العُمُومَ. وقَوْلُهُ: فَسَجَدُوا لِآدَمَ خاصٌّ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ.
واعْلَمْ أنَّ الآياتِ الدّالَّةَ عَلى كَوْنِ المَلائِكَةِ مُسْتَغْرِقِينَ في العُبُودِيَّةِ كَثِيرَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْهم: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ [الصّافّاتِ: ١٦٦] وقَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الزُّمَرِ: ٧٥] واللَّهُ أعْلَمُ.

وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

The same ayah, in another commentary

Al-Aʿrāf 7:206