All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Al-Insān 76:30 Juzʾ 29 Page 580

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

And you do not will except that Allah wills. Indeed, Allah is ever Knowing and Wise.

Read in the muṣḥaf

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: عَلِيمًا بِأحْوالِهِمْ وما يَكُونُ مِنهم؛ حَيْثُ خَلَقَهم مَعَ عِلْمِهِ بِهِمْ.

ثُمَّ خَتَمَ السُّورَةَ فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ اعْلَمْ أنَّ خاتِمَةَ هَذِهِ السُّورَةِ عَجِيبَةٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ يَدُلُّ عَلى أنَّ جَمِيعَ ما يَصْدُرُ عَنِ العَبْدِ فَبِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ يَدُلُّ عَلى أنَّ دُخُولَ الجَنَّةِ والنّارِ لَيْسَ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، فَخَرَجَ مِن آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ إلّا اللَّهَ، وما هو مِنَ اللَّهِ، وذَلِكَ هو التَّوْحِيدُ المُطْلَقُ الَّذِي هو آخِرُ سَيْرِ الصِّدِّيقِينَ ومُنْتَهى مَعارِجِهِمْ في أفْلاكِ المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ إنْ فَسَّرْنا الرَّحْمَةَ بِالإيمانِ، فالآيَةُ صَرِيحَةٌ في أنَّ الإيمانَ مِنَ اللَّهِ، وإنْ فَسَّرْناها بِالجَنَّةِ كانَ دُخُولُ الجَنَّةِ بِسَبَبِ مَشِيئَةِ اللَّهِ وفَضْلِهِ وإحْسانِهِ، لا بِسَبَبِ الِاسْتِحْقاقِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الِاسْتِحْقاقُ لَكانَ تَرْكُهُ يُفْضِي إلى الجَهْلِ والحاجَةِ المُحالَيْنِ عَلى اللَّهِ، والمُفْضِي إلى المَحالِ مُحالٌ، فَتَرْكُهُ مُحالٌ، فَوُجُودُهُ واجِبٌ عَقْلًا، وعَدَمُهُ مُمْتَنِعٌ عَقْلًا، وما كانَ كَذَلِكَ لا يَكُونُ مُعَلَّقًا عَلى المَشِيئَةِ ألْبَتَّةَ، وأيْضًا فَلِأنَّ مَن كانَ مَدْيُونًا مِن إنْسانٍ فَأدّى ذَلِكَ الدَّيْنَ إلى مُسْتَحِقِّهِ، لا يُقالُ بِأنَّهُ إنَّما دَفَعَ ذَلِكَ القَدْرَ إلَيْهِ عَلى سَبِيلِ الرَّحْمَةِ والتَّفَضُّلِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ جَفَّ القَلَمُ بِما هو كائِنٌ؛ لِأنَّ مَعْنى ”أعَدَّ“ أنَّهُ عَلِمَ ذَلِكَ وقَضى بِهِ وأخْبَرَ عَنْهُ وكَتَبَهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، ومَعْلُومٌ أنَّ التَّغْيِيرَ عَلى هَذِهِ الأشْياءِ مُحالٌ، فَكانَ الأمْرُ عَلى ما بَيَّنّاهُ وقُلْناهُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: نَصْبُ ”الظّالِمِينَ“ لِأنَّ قَبْلَهُ مَنصُوبًا، والمَعْنى: يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ، ويُعَذِّبُ الظّالِمِينَ. وقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ كالتَّفْسِيرِ لِذَلِكَ المُضْمَرِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: ”والظّالِمُونَ“، وهَذا لَيْسَ بِاخْتِيارٍ؛ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ”يُدْخِلُ مَن يَشاءُ“، وعَطْفُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ غَيْرُ حَسَنٍ، وأمّا قَوْلُهُ في ”حم عسق“ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ فَإنَّما ارْتَفَعَ لِأنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ بَعْدَهُ فِعْلٌ يَقَعُ عَلَيْهِ فَيَنْصِبَهُ في المَعْنى، فَلَمْ يَجُزْ أنْ يُعْطَفَ عَلى المَنصُوبِ قَبْلَهُ، فارْتَفَعَ بِالِابْتِداءِ، وهَهُنا قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ النّاصِبِ المُضْمَرِ، فَظَهَرَ الفَرْقُ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ بِالصَّوابِ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.

The same ayah, in another commentary

Al-Insān 76:30