All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

Al-Mursalāt 77:19 Juzʾ 29 Page 580

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

Woe, that Day, to the deniers.

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الصُّورَةِ تَخْوِيفُ الكُفّارِ، وتَحْذِيرُهم عَنِ الكُفْرِ.

فالنَّوْعُ الأوَّلُ مِنَ التَّخْوِيفِ أنَّهُ أقْسَمَ عَلى أنَّ اليَوْمَ الَّذِي يُوعَدُونَ بِهِ وهو يَوْمُ الفَصْلِ واقِعٌ، ثُمَّ هَوَّلَ فَقالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏، ثُمَّ زادَ في التَّهْوِيلِ فَقالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ .

والنَّوْعُ الثّانِي مِنَ التَّخْوِيفِ: ما ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ، وهو أنَّهُ أهْلَكَ الكَفَرَةَ المُتَقَدِّمِينَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، فَإذا كانَ الكُفْرُ حاصِلًا في هَؤُلاءِ المُتَأخِّرِينَ، فَلا بُدَّ وأنْ يُهْلِكَهم أيْضًا، ثُمَّ قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ كَأنَّهُ يَقُولُ: أمّا الدُّنْيا فَحاصِلُهُمُ الهَلاكُ، وأمّا الآخِرَةُ فالعَذابُ الشَّدِيدُ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الحج: ١١] وفي الآيَةِ سُؤالانِ:

الأوَّلُ: ما المُرادُ مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ؟

الجَوابُ: فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ أهْلَكَ الأوَّلِينَ مِن قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ ثُمَّ أتْبَعَهُمُ الآخِرِينَ قَوْمَ شُعَيْبٍ ولُوطٍ ومُوسى، ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ وهم كُفّارُ قُرَيْشٍ، وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ بِلَفْظِ المُضارِعِ فَهو يَتَناوَلُ الحالَ والِاسْتِقْبالَ ولا يَتَناوَلُ الماضِيَ ألْبَتَّةَ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالأوَّلِينَ جَمِيعُ الكُفّارِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ عَلى الِاسْتِئْنافِ عَلى مَعْنى سَنَفْعَلُ ذَلِكَ ونُتْبِعُ الأوَّلَ الآخِرَ، ويَدُلُّ عَلى الِاسْتِئْنافِ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: ”سَنُتْبِعُهُمُ“، فَإنْ قِيلَ: قَرَأ الأعْرَجُ: ”ثُمَّ نُتْبِعْهُمُ“ بِالجَزْمِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى الِاشْتِراكِ في ”ألَمْ“، وحِينَئِذٍ يَكُونُ المُرادُ بِهِ الماضِيَ لا المُسْتَقْبَلَ، قُلْنا: القِراءَةُ الثّابِتَةُ بِالتَّواتُرِ: ”نُتْبِعُهُمُ“ بِحَرَكَةِ العَيْنِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي المُسْتَقْبَلَ، فَلَوِ اقْتَضَتِ القِراءَةُ بِالجَزْمِ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو الماضِيَ لَوَقَعَ التَّنافِي بَيْنَ القِراءَتَيْنِ، وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ. فَعَلِمْنا أنَّ تَسْكِينَ العَيْنِ لَيْسَ لِلْجَزْمِ، بَلْ لِلتَّخْفِيفِ كَما رُوِيَ في بَيْتِ امْرِئِ القَيْسِ:

واليَوْمَ أُشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ يَفْعَلُ بِهَؤُلاءِ المُتَأخِّرِينَ مِثْلَ ما يَفْعَلُ بِأُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ قالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ أيْ: هَذا الإهْلاكُ إنَّما نَفْعَلُهُ بِهِمْ لِكَوْنِهِمْ مُجْرِمِينَ، فَلا جَرَمَ عَمَّ في جَمِيعِ المُجْرِمِينَ؛ لِأنَّ عُمُومَ
صفحة ٢٤٠
العِلَّةِ يَقْتَضِي عُمُومَ الحُكْمِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ: هَؤُلاءِ وإنْ أُهْلِكُوا وعُذِّبُوا في الدُّنْيا، فالمُصِيبَةُ العُظْمى والطّامَّةُ الكُبْرى مُعَدَّةٌ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ.
السُّؤالُ الثّانِي: المُرادُ مِنَ الإهْلاكِ في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ هو مُطْلَقُ الإماتَةِ أوِ الإماتَةُ بِالعَذابِ ؟ فَإنْ كانَ ذَلِكَ هو الأوَّلَ لَمْ يَكُنْ تَخْوِيفًا لِلْكُفّارِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ حاصِلٌ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، فَلا يَصْلُحُ تَحْذِيرًا لِلْكافِرِ، وإنْ كانَ المُرادُ هو الثّانِيَ، وهو الإماتَةُ بِالعَذابِ فَقَوْلُهُ: (‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ فَعَلَ بِكُفّارِ قُرَيْشٍ مِثْلَ ذَلِكَ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ، وأيْضًا فَلِأنَّهُ تَعالى قالَ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [ الأنْفالِ: ٣٣] الجَوابُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الإماتَةَ بِالتَّعْذِيبِ، وقَدْ وقَعَ ذَلِكَ في حَقِّ قُرَيْشٍ وهو يَوْمُ بَدْرٍ ؟ سَلَّمْنا ذَلِكَ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الإهْلاكِ مَعْنًى ثالِثًا مُغايِرًا لِلْأمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرُوهُما، وهو الإماتَةُ المُسْتَعْقِبَةُ لِلذَّمِّ واللَّعْنِ ؟ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ لِحِرْصِهِمْ عَلى الدُّنْيا عانَدُوا الأنْبِياءَ وخاصَمُوهم، ثُمَّ ماتُوا، فَقَدْ فاتَتْهُمُ الدُّنْيا وبَقِيَ اللَّعْنُ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا، والعُقُوبَةُ الأُخْرَوِيَّةُ دائِمًا سَرْمَدًا، فَهَكَذا يَكُونُ حالُ هَؤُلاءِ الكُفّارِ المَوْجُودِينَ، ومَعْلُومٌ أنَّ مِثْلَ هَذا الكَلامِ مِن أعْظَمِ وُجُوهِ الزَّجْرِ.

The same ayah, in another commentary

Al-Mursalāt 77:19