All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Al-Anfāl 8:69 Juzʾ 10 Page 185

‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

So consume what you have taken of war booty [as being] lawful and good, and fear Allah. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

Read in the muṣḥaf

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ .

واعْلَمْ أنَّهُ كَثُرَ أقاوِيلُ النّاسِ في تَفْسِيرِ هَذا الكِتابِ السّابِقِ، ونَحْنُ نَذْكُرُها ونَذْكُرُ ما فِيها مِنَ المَباحِثِ:

فالقَوْلُ الأوَّلُ: وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وقَتادَةَ: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ يا مُحَمَّدُ بِحِلِّ الغَنائِمِ لَكَ ولِأُمَّتِكَ لَمَسَّكُمُ العَذابُ، وهو مُشْكِلٌ؛ لِأنَّ تَحْلِيلَ الغَنائِمِ والفِداءَ هَلْ كانَ حاصِلًا في ذَلِكَ الوَقْتِ، أوْ ما كانَ حاصِلًا في ذَلِكَ الوَقْتِ ؟ فَإنْ كانَ التَّحْلِيلُ والإذْنُ حاصِلًا في ذَلِكَ الوَقْتِ امْتَنَعَ إنْزالُ العَذابِ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ ما كانَ مَأْذُونًا فِيهِ مِن قَبْلُ لَمْ يَحْصُلِ العِقابُ عَلى فِعْلِهِ، وإنْ قُلْنا: إنَّ الإذْنَ ما كانَ حاصِلًا في ذَلِكَ الوَقْتِ كانَ ذَلِكَ الفِعْلُ حَرامًا في ذَلِكَ الوَقْتِ أقْصى ما في البابِ أنَّهُ كانَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهُ سَيَحْكُمُ بِحِلِّهِ بَعْدَ ذَلِكَ إلّا أنَّ هَذا لا يَقْدَحُ في كَوْنِهِ حَرامًا في ذَلِكَ الوَقْتِ.

فَإنْ قالُوا: إنَّ كَوْنَهُ بِحَيْثُ سَيَصِيرُ حَلالًا بَعْدَ ذَلِكَ يُوجِبُ تَخْفِيفَ العِقابِ.

قُلْنا: فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ إنْزالُ العِقابِ بِسَبَبِهِ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِنَ التَّخْوِيفِ بِسَبَبِ ذَلِكَ العِقابِ.

القَوْلُ الثّانِي: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ أنِّي لا أُعَذِّبُ إلّا بَعْدَ النَّهْيِ لَعَذَّبْتُكم فِيما صَنَعْتُمْ، وأنَّهُ تَعالى ما نَهاهم عَنْ أخْذِ الفِداءِ، وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ؛ لِأنّا نَقُولُ: حاصِلُ هَذا القَوْلِ أنَّهُ ما وُجِدَ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ يُوجِبُ حُرْمَةَ ذَلِكَ الفِداءِ، فَهَلْ حَصَلَ دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ يَقْتَضِي حُرْمَتَهُ أمْ لا ؟ فَإنْ قُلْنا: حَصَلَ، فَيَكُونُ اللَّهُ تَعالى قَدْ بَيَّنَ تَحْرِيمَهُ بِواسِطَةِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّهُ تَعالى لَمْ يُبَيِّنْ تِلْكَ الحُرْمَةَ، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ لَيْسَ في العَقْلِ ولا في الشَّرْعِ ما يَقْتَضِي المَنعَ، فَحِينَئِذٍ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ المَنعُ حاصِلًا، وإلّا لَكانَ ذَلِكَ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ، وإذا لَمْ يَكُنِ المَنعُ حاصِلًا كانَ الإذْنُ حاصِلًا، وإذا كانَ الإذْنُ حاصِلًا، فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَرْتِيبُ العِقابِ عَلى فِعْلِهِ ؟

القَوْلُ الثّالِثُ: قالَ قَوْمٌ قَدْ سَبَقَ حُكْمُ اللَّهِ بِأنَّهُ لا يُعَذِّبُ أحَدًا مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، وهَذا أيْضًا مُشْكِلٌ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يُقالَ: إنَّهم ما مُنِعُوا عَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي والزِّنا والخَمْرِ وما هُدِّدُوا بِتَرْتِيبِ العِقابِ عَلى هَذِهِ القَبائِحِ، وذَلِكَ يُوجِبُ سُقُوطَ التَّكالِيفِ عَنْهم ولا يَقُولُهُ عاقِلٌ، وأيْضًا فَلَوْ صارَ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ آخَذَهُمُ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ المَوْضِعِ بِعَيْنِهِ في تِلْكَ الواقِعَةِ بِعَيْنِها، وكَيْفَ وجَّهَ عَلَيْهِمْ هَذا العِقابَ القَوِيَّ ؟

والقَوْلُ الرّابِعُ: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ في أنَّ مَن أتى ذَنْبًا بِجَهالَةٍ، فَإنَّهُ لا يُؤاخِذُهُ بِهِ لَمَسَّهُمُ العَذابُ، وهَذا مِن جِنْسِ ما سَبَقَ.

واعْلَمْ أنَّ النّاسَ قَدْ أكْثَرُوا فِيهِ، والمُعْتَمَدُ في هَذا البابِ أنْ نَقُولَ: أمّا عَلى قَوْلِنا: فَنَقُولُ: يَجُوزُ أنْ

صفحة ١٦٢
يَعْفُوَ اللَّهُ عَنِ الكَبائِرِ، فَقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ مَعْناهُ لَوْلا أنَّهُ تَعالى حَكَمَ في الأزَلِ بِالعَفْوِ عَنْ هَذِهِ الواقِعَةِ لَمَسَّهم عَذابٌ عَظِيمٌ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأنْعامِ: ٥٤] ومِن قَوْلِهِ: ”«سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» “ وأمّا عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ فَهم لا يُجَوِّزُونَ العَفْوَ عَنِ الكَبائِرِ، فَكانَ مَعْناهُ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ في أنَّ مَنِ احْتَرَزَ عَنِ الكَبائِرِ صارَتْ صَغائِرُهُ مَغْفُورَةً وإلّا لَمَسَّهم عَذابٌ عَظِيمٌ، وهَذا الحُكْمُ وإنْ كانَ ثابِتًا في حَقِّ جَمِيعِ المُسْلِمِينَ، إلّا أنَّ طاعاتِ أهْلِ بَدْرٍ كانَتْ عَظِيمَةً وهو قَبُولُهُمُ الإسْلامَ، وانْقِيادُهم لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وإقْدامُهم عَلى مُقاتَلَةِ الكُفّارِ مِن غَيْرِ سِلاحٍ وأُهْبَةٍ فَلا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ الثَّوابَ الَّذِي اسْتَحَقُّوهُ عَلى هَذِهِ الطّاعاتِ كانَ أزْيَدَ مِنَ العِقابِ الَّذِي اسْتَحَقُّوهُ عَلى هَذا الذَّنْبِ، فَلا جَرَمَ صارَ هَذا الذَّنْبُ مَغْفُورًا، ولَوْ قَدَّرْنا صُدُورَ هَذا الذَّنْبِ مِن سائِرِ المُسْلِمِينَ لَما صارَ مَغْفُورًا، فَبِسَبَبِ هَذا القَدْرِ مِنَ التَّفاوُتِ حَصَلَ لِأهْلِ بَدْرٍ هَذا الِاخْتِصاصُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ رُوِيَ أنَّهم أمْسَكُوا عَنِ الغَنائِمِ ولَمْ يَمُدُّوا أيْدِيَهم إلَيْها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وقِيلَ هو إباحَةُ الفِداءِ.

فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى الفاءِ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ .

قُلْنا التَّقْدِيرُ: قَدْ أبَحْتُ لَكُمُ الغَنائِمَ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ نُصِبَ عَلى الحالِ مِنَ المَغْنُومِ أوْ صِفَةٍ لِلْمَصْدَرِ، أيْ أكْلًا حَلالًا‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ والمَعْنى: واتَّقُوا اللَّهَ فَلا تُقْدِمُوا عَلى المَعاصِي بَعْدَ ذَلِكَ، واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لِما أقْدَمْتُمْ عَلَيْهِ في الماضِي مِنَ الزَّلَّةِ، رَحِيمٌ بِما أتَيْتُمْ مِنَ الجُرْمِ والمَعْصِيَةِ، فَقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ إشارَةٌ إلى المُسْتَقْبَلِ. وقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ إشارَةٌ إلى الحالَةِ الماضِيَةِ.

The same ayah, in another commentary

Al-Anfāl 8:69