All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

ʿAbasa 80:8 Juzʾ 30 Page 585

‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏

But as for he who came to you striving [for knowledge]

Read in the muṣḥaf

ثُمَّ قالَ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ أنْ يُسْرِعَ في طَلَبِ الخَيْرِ، كَقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ [الجُمُعَةِ: ٩] .

وقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: يَخْشى اللَّهَ ويَخافُهُ في أنْ لا يَهْتَمَّ بِأداءِ تَكالِيفِهِ، أوْ يَخْشى

صفحة ٥٣
الكُفّارَ وأذاهم في إتْيانِكَ، أوْ يَخْشى الكَبْوَةَ فَإنَّهُ كانَ أعْمى، وما كانَ لَهُ قائِدٌ. [ ثُمَّ قالَ ]: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ أيْ تَتَشاغَلُ مِن لَهي عَنِ الشَّيْءِ والتَهى وتَلَهّى، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: تَتَلَهّى، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (تُلْهى) أيْ يُلْهِيكَ شَأْنُ الصَّنادِيدِ، فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ . . . ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ كانَ فِيهِ اخْتِصاصًا، قُلْنا نَعَمْ، ومَعْناهُ إنْكارُ التَّصَدِّي والتَّلَهِّي عَنْهُ، أيْ مِثْلُكَ خُصُوصًا لا يَنْبَغِي أنْ يَتَصَدّى لِلْغَنِيِّ، ويَتَلَهّى عَنِ الفَقِيرِ.
ثُمَّ قالَ: (كَلّا) وهو رَدْعٌ عَنِ المُعاتَبِ عَلَيْهِ وعَنْ مُعاوَدَةِ مِثْلِهِ. قالَ الحَسَنُ: لَمّا تَلا جِبْرِيلُ عَلى النَّبِيِّ -ﷺ- هَذِهِ الآياتِ عادَ وجْهُهُ كَأنَّما أُسِفَّ الرَّمادَ فِيهِ يَنْتَظِرُ ماذا يَحْكُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمّا قالَ: (كَلّا) سُرِّيَ مِنهُ، أيْ لا تَفْعَلْ مِثْلَ ذَلِكَ، وقَدْ بَيَّنّا نَحْنُ أنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلى تَرْكِ الأوْلى.

* * *
ثُمَّ قالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وفِيهِ سُؤالانِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: (إنَّها) ضَمِيرُ المُؤَنَّثِ، وقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ضَمِيرُ المُذَكَّرِ، والضَّمِيرانِ عائِدانِ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، فَكَيْفَ القَوْلُ فِيهِ؟ . الجَوابُ: وفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: (إنَّها) ضَمِيرُ المُؤَنَّثِ، قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي آياتِ القُرْآنِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي هَذِهِ السُّورَةَ وهو قَوْلُ الأخْفَشِ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ عائِدٌ إلى التَّذْكِرَةِ أيْضًا، لِأنَّ التَّذْكِرَةَ في مَعْنى الذِّكْرِ والوَعْظِ.

الثّانِي: قالَ صاحِبُ النَّظْمِ: إنَّها تَذْكِرَةٌ يَعْنِي بِها القُرْآنَ، والقُرْآنُ مُذَكَّرٌ، إلّا أنَّهُ لَمّا جَعَلَ القُرْآنَ تَذْكِرَةً أخْرَجَهُ عَلى لَفْظِ التَّذْكِرَةِ، ولَوْ ذَكَرَهُ لَجازَ كَما قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿كَلّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ المُرادُ بِهِ القُرْآنُ قَوْلُهُ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ .

السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ اتِّصالُ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها؟ الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا التَّأْدِيبُ الَّذِي أوْحَيْتُهُ إلَيْكَ وعَرَّفْتُهُ لَكَ في إجْلالِ الفُقَراءِ وعَدَمِ الِالتِفاتِ إلى أهْلِ الدُّنْيا أُثْبِتَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ الَّذِي قَدْ وُكِّلَ بِحِفْظِهِ أكابِرُ المَلائِكَةِ.

الثّانِي: كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا القُرْآنُ قَدْ بَلَغَ في العَظَمَةِ إلى هَذا الحَدِّ العَظِيمِ، فَأيُّ حاجَةٍ بِهِ إلى أنْ يَقْبَلَهُ هَؤُلاءِ الكُفّارُ، فَسَواءٌ قَبِلُوهُ أوْ لَمْ يَقْبَلُوهُ فَلا تَلْتَفِتْ إلَيْهِمْ ولا تَشْغَلْ قَلْبَكَ بِهِمْ، وإيّاكَ وأنْ تُعْرِضَ عَمَّنْ آمَنَ بِهِ تَطْيِيبًا لِقَلْبِ أرْبابِ الدُّنْيا.

The same ayah, in another commentary

ʿAbasa 80:8