All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

Al-Aʿlā 87:9 Juzʾ 30 Page 591

‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

So remind, if the reminder should benefit;

Read in the muṣḥaf

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏

فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا تَكَفَّلَ بِتَيْسِيرِ جَمِيعِ مَصالِحِ الدُّنْيا والآخِرَةِ أمَرَ بِدَعْوَةِ الخَلْقِ إلى الحَقِّ، لِأنَّ كَمالَ حالِ الإنْسانِ في أنْ يَتَخَلَّقَ بِأخْلاقِ اللَّهِ سُبْحانَهُ تامًّا وفَوْقَ التَّمامِ، فَلَمّا صارَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تامًّا بِمُقْتَضى قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أمَرَهُ بِأنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ فَوْقَ التَّمامِ بِمُقْتَضى قَوْلِهِ: (فَذَكِّرْ) لِأنَّ التَّذْكِيرَ يَقْتَضِي تَكْمِيلَ النّاقِصِينَ وهِدايَةَ الجاهِلِينَ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ فَيّاضًا لِلْكَمالِ، فَكانَ تامًّا وفَوْقَ التَّمامِ، وهَهُنا سُؤالاتٌ:

صفحة ١٣١

السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَبْعُوثًا إلى الكُلِّ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُذَكِّرَهم سَواءٌ نَفَعَتْهُمُ الذِّكْرى أوْ لَمْ تَنْفَعْهم، فَما المُرادُ مِن تَعْلِيقِهِ عَلى الشَّرْطِ في قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ؟ الجَوابُ: أنَّ المُعَلَّقَ بِـ ”إنْ“ عَلى الشَّيْءِ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ عَدَمًا عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ آياتٌ مِنها هَذِهِ الآيَةُ ومِنها قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [النور: ٣٣] ومِنها قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ١٧٢] ومِنها قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [النساء: ١٠١] فَإنَّ القَصْرَ جائِزٌ وإنْ لَمْ يُوجَدِ الخَوْفُ، ومِنها قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [البقرة: ٢٨٣] والرَّهْنُ جائِزٌ مَعَ الكِتابَةِ، ومِنها قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ [البقرة: ٢٣٠] والمُراجَعَةُ جائِزَةٌ بِدُونِ هَذا الظَّنِّ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ ذَكَرُوا لِذِكْرِ هَذا الشَّرْطِ فَوائِدَ:

إحْداها: أنَّ مَن باشَرَ فِعْلًا لِغَرَضٍ فَلا شَكَّ أنَّ الصُّورَةَ الَّتِي عُلِمَ فِيها إفْضاءُ تِلْكَ الوَسِيلَةِ إلى ذَلِكَ الغَرَضِ كانَ إلى ذَلِكَ الفِعْلِ أوْجَبَ مِنَ الصُّورَةِ الَّتِي عُلِمَ فِيها عَدَمُ ذَلِكَ الإفْضاءِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ .

وثانِيها: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أشْرَفَ الحالَتَيْنِ، ونَبَّهَ عَلى الأُخْرى كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ والتَّقْدِيرُ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أوْ لَمْ تَنْفَعْ.

وثالِثُها: أنَّ المُرادَ مِنهُ البَعْثُ عَلى الِانْتِفاعِ بِالذِّكْرى، كَما يَقُولُ المَرْءُ لِغَيْرِهِ إذا بَيَّنَ لَهُ الحَقَّ: قَدْ أوْضَحْتُ لَكَ إنْ كُنْتَ تَعْقِلُ فَيَكُونُ مُرادُهُ البَعْثَ عَلى القَبُولِ والِانْتِفاعِ بِهِ.

ورابِعُها: أنَّ هَذا يَجْرِي مَجْرى تَنْبِيهِ الرَّسُولِ ﷺ أنَّهُ لا تَنْفَعُهُمُ الذِّكْرى كَما يُقالُ لِلرَّجُلِ: ادْعُ فُلانًا إنْ أجابَكَ، والمَعْنى: وما أراهُ يُجِيبُكَ.

وخامِسُها: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ دَعاهم إلى اللَّهِ كَثِيرًا، وكُلَّما كانَتْ دَعْوَتُهُ أكْثَرَ كانَ عُتُوُّهم أكْثَرَ، وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَتَحَرَّقُ حَسْرَةً عَلى ذَلِكَ فَقِيلَ لَهُ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [ق: ٤٥] إذِ التَّذْكِيرُ العامُّ واجِبٌ في أوَّلِ الأمْرِ فَأمّا التَّكْرِيرُ فَلَعَلَّهُ إنَّما يَجِبُ عِنْدَ رَجاءِ حُصُولِ المَقْصُودِ فَلِهَذا المَعْنى قَيَّدَهُ بِهَذا الشَّرْطِ.

السُّؤالُ الثّانِي: التَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ إنَّما يَحْسُنُ في حَقِّ مَن يَكُونُ جاهِلًا بِالعَواقِبِ، أمّا عَلّامُ الغُيُوبِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ ؟ الجَوابُ: رُوِيَ في الكُتُبِ أنَّهُ تَعالى كانَ يَقُولُ لِمُوسى: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ [طه: ٤٤] وأنا أشْهَدُ أنَّهُ لا يَتَذَكَّرُ ولا يَخْشى. فَأمْرُ الدَّعْوَةِ والبَعْثَةِ شَيْءٌ وعِلْمُهُ تَعالى بِالمُغَيَّباتِ وعَواقِبِ الأُمُورِ غَيْرُهُ ولا يُمْكِنُ بِناءُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ.

السُّؤالُ الثّالِثُ: التَّذْكِيرُ المَأْمُورُ بِهِ هَلْ مَضْبُوطٌ مِثْلُ أنْ يُذَكِّرَهم عَشَراتِ المَرّاتِ، أوْ غَيْرُ مَضْبُوطٍ، وحِينَئِذٍ كَيْفَ يَكُونُ الخُرُوجُ عَنْ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ ؟ والجَوابُ: أنَّ الضّابِطَ فِيهِ هو العُرْفُ. واللَّهُ أعْلَمُ.

The same ayah, in another commentary

Al-Aʿlā 87:9