All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Al-Ghāshiyah 88:24 Juzʾ 30 Page 593

‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

Then Allah will punish him with the greatest punishment.

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ الدَّلائِلَ عَلى صِحَّةِ التَّوْحِيدِ والمَعادِ، قالَ لِرَسُولِهِ ﷺ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ وتَذْكِيرُ الرَّسُولِ إنَّما يَكُونُ بِذِكْرِ هَذِهِ الأدِلَّةِ وأمْثالِها والبَعْثِ عَلى النَّظَرِ فِيها والتَّحْذِيرِ مِن تَرْكِ تِلْكَ، وذَلِكَ بَعْثٌ مِنهُ تَعالى لِلرَّسُولِ عَلى التَّذْكِيرِ والصَّبْرِ عَلى كُلِّ عارِضٍ مَعَهُ، وبَيانِ أنَّهُ إنَّما بُعِثَ لِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ، فَلِهَذا قالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾

قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿بِمُسَيْطِرٍ﴾ بِمُسَلَّطٍ، كَقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [ق: ٤٥] وقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [يونس: ٩٩] وقِيلَ: هو في لُغَةِ تَمِيمٍ مَفْتُوحُ الطّاءِ عَلى أنَّ سَيْطَرَ مُتَعَدٍّ عِنْدَهم، والمَعْنى أنَّكَ ما أُمِرْتَ إلّا بِالتَّذْكِيرِ، فَإمّا أنْ تَكُونَ مُسَلَّطًا عَلَيْهِمْ حَتّى تَقْتُلَهم، أوْ تُكْرِهَهم عَلى الإيمانِ فَلا، قالُوا: ثُمَّ نَسَخَتْها آيَةُ القِتالِ، هَذا قَوْلُ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ، والكَلامُ في تَفْسِيرِ هَذا الحَرْفِ قَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] .

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏

فَفِيهِ مَسائِلُ.

المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ حَقِيقِيٌّ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ هَذا الِاسْتِثْناءُ اسْتِثْناءٌ عَنْ ماذا ؟

فِيهِ احْتِمالانِ:

الأوَّلُ: أنْ يُقالَ التَّقْدِيرُ: فَذَكِّرْ إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ.

والثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ عَنِ الضَّمِيرِ في ﴿عَلَيْهِمْ﴾ والتَّقْدِيرُ: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ إلّا مَن تَوَلّى. واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ حِينَئِذٍ مَأْمُورًا بِالقِتالِ وجَوابُهُ: لَعَلَّ المُرادَ أنَّكَ لا تَصِيرُ مُسَلَّطًا إلّا عَلى مَن تَوَلّى.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ عَمّا قَبْلَهُ، كَما تَقُولُ في الكَلامِ: قَعَدْنا نَتَذاكَرُ العِلْمَ، إلّا أنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ لا يَرْغَبُ، فَكَذا هَهُنا التَّقْدِيرُ لَسْتَ بِمَسْئُولٍ عَلَيْهِمْ، لَكِنَّ مَن تَوَلّى مِنهم فَإنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُهُ العَذابَ الأكْبَرَ الَّذِي هو عَذابُ جَهَنَّمَ، قالُوا وعَلامَةُ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا حُسْنُ دُخُولِ ”أنَّ“ في المُسْتَثْنى، وإذا كانَ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا لَمْ يَحْسُنْ ذَلِكَ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: عِنْدِي مِائَتانِ إلّا دِرْهُمًا، فَلا تَدْخُلُ عَلَيْهِ ”أنَّ“، وهَهُنا يَحْسُنُ ”أنَّ“، فَإنَّكَ تَقُولُ: إلّا أنَّ مَن تَوَلّى وكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: (ألا مَن تَوَلّى) عَلى التَّنْبِيهِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (فَإنَّهُ يُعَذِّبُهُ) .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما سَمّاهُ العَذابَ الأكْبَرَ لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ قَدْ بَلَغَ حَدَّ عَذابِ الكُفْرِ وهو الأكْبَرُ، لِأنَّ

صفحة ١٤٦
ما عَداهُ مِن عَذابِ الفِسْقِ دُونَهُ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [السجدة: ٢١] .
وثانِيها: هو العَذابُ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ في النّارِ.

وثالِثُها: أنَّهُ قَدْ يَكُونُ العَذابُ الأكْبَرُ حاصِلًا في الدُّنْيا، وذَلِكَ بِالقَتْلِ وسَبْيِ الذُّرِّيَّةِ وغَنِيمَةِ الأمْوالِ، القَوْلُ الأوَّلُ أوْلى وأقْرَبُ.

The same ayah, in another commentary

Al-Ghāshiyah 88:24