قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تحلوا شَعَائِر الله﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الشعائر الْهَدَايَا المشعرة، وَهِي المعلمة بالإشعار، وَكَانُوا (ينخسون) شَيْئا فِي سَنَام الْبَعِير حَتَّى يتطلخ بِالدَّمِ، فَذَلِك إِشْعَار الْهدى، وَهُوَ سنة، وَقَالَ مُجَاهِد: أَرَادَ بالشعائر ﴿ ﴾ مشاعر الْحرم من الصَّفَا والمروة وَغَيرهمَا، وَالْمرَاد بِهِ النَّهْي عَن الْقَتْل فِي الْحرم.
﴿ ﴾ قَالَ عِكْرِمَة: أَرَادَ بِهِ: ذَا الْقعدَة، وَقَالَ غَيره: رَجَب، وَقيل: هُوَ عبارَة عَن جَمِيع الْأَشْهر الْحرم، وَقَوله: ﴿ ﴾ فالهدي: جمع الْهَدِيَّة، وَالْمرَاد بِهِ: إبل الْهَدْي، وَأما القلائد: هِيَ الْإِبِل المقلدة، وَكَانُوا يقلدون إبل الْهَدْي، وَقَالَ عَطاء: أَرَادَ بِهِ: أَصْحَاب القلائد، وَكَانَت عَادَة أهل الْحرم أَن يقلدوا أنفسهم، وإبلهم بِشَيْء من لحاء شجر الْحرم إِذا أَرَادوا الْخُرُوج؛ لكيلا يتَعَرَّض لَهُم؛ فَنهى الشَّرْع عَن التَّعَرُّض لهَذِهِ الْأَشْيَاء.
﴿ ﴾ أَي: وَلَا تتعرضوا للقاصدين إِلَى الْبَيْت الْحَرَام، وَسبب نزُول هَذَا: مَا رُوِيَ: " أَن الحطم بن ضبيعة جَاءَ فِي نفر إِلَى رَسُول الله بِالْمَدِينَةِ، فَعرض عَلَيْهِم الْإِسْلَام، فَلم يقبلُوا وتعللوا وَانْصَرفُوا؛ حَتَّى قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَام - فِيهِ: لقد أقبل بِوَجْه كَافِر وَأدبر بقفا غادر.
فَذهب وَاسْتَاقَ سرح الْمَدِينَة؛ فتبعوه فَلم يدركوه وَهُوَ يستاق الْإِبِل، ويرتجز وَيَقُول:
(قد لفها اللَّيْل بسواق حطم ... لَيْسَ براعي إبل وَلَا غنم)
(وَلَا بجزار على ظهر وَضم ... )
فَلَمَّا كَانَ بعد فتح مَكَّة، لقِيه الْمُسلمُونَ فِي الْمَوْسِم حَاجا، وَمَعَهُ إبل معشره وقلائد؛ فقصدوه، ولقيه النَّبِي فَأَشَارَ إِلَى أَصْحَابه، وَقَالَ: دونكم الرجل؛ ليأخذوه؛ فَنزلت الْآيَة " منعا للتعرض لَهُ ولشعائره وقلائده، قَالَ الشّعبِيّ: كَانَ هَذَا ﴿ ﴾ كَذَلِك، ثمَّ نسخ بقوله: (اقْتُلُوا الْمُشْركين) .
وَقَوله: ﴿ ﴾ قَالَ ابْن عمر: أَرَادَ بِهِ فضل التِّجَارَة، وَقيل: هُوَ الْأجر ﴿ ﴾ وَهَذَا أَمر إِبَاحَة؛ أَبَاحَ للْحَال الِاصْطِيَاد.
﴿ ﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: جرم أَي: كسب وَيُقَال: فلَان جارم أَهله، أَي: كاسب أَهله، و (أنْشد)
(وَلَقَد طعنت أَبَا عُيَيْنَة طعنة ... جرمت فَزَارَة بعْدهَا أَن يغضبوا)
أَي: كسبت، وَقَرَأَ الْأَعْمَش: ﴿ ﴾ بِضَم الْيَاء، وَهُوَ صَحِيح فِي الْعَرَبيَّة، يُقَال: جرم وأجرم، بِمَعْنى وَاحِد، وَقيل: مَعْنَاهُ: وَلَا يحملنكم شنآن قوم، أَي: عَدَاوَة قوم.
﴿ ﴾ أَي: لِأَن صدوكم، وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو: " إِن صدوكم " على الشَّرْط وَمعنى الْآيَة: لَا يحملنكم عَدَاوَة قوم صدوكم ﴿ ﴾ عَلَيْهِم.
(وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى) الْبر: الصدْق، وَقيل الْبر: الاجتناب عَن كل مَنْهِيّ. وَفِيه قَول آخر: أَن الْبر الْإِسْلَام، وَالتَّقوى: السّنة.
﴿ ﴾ الْإِثْم: الْكفْر، والعدوان: الْبِدْعَة، وَقيل: الْإِثْم الْكفْر، والعدوان: الظُّلم ﴿ ﴾ .