All commentaries

البحر المحيط

Abū Ḥayyān

أبو حيان الأندلسي (ت ٧٤٥ هـ)

The grammarian's commentary — every construction analysed, at length.

At-Taghābun 64:2 Juzʾ 28 Page 556

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

It is He who created you, and among you is the disbeliever, and among you is the believer. And Allah, of what you do, is Seeing.

Read in the muṣḥaf

(سُورَةُ التَّغابُنِ مَدَنِيَّةٌ وهي ثَمانِيَ عَشْرَةَ آيَةً)

(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)

‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [التغابن: ١١] ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [التغابن: ١٢] ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [التغابن: ١٣] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهم وإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التغابن: ١٤] ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [التغابن: ١٥] ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [التغابن: ١٦] ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [التغابن: ١٧] ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [التغابن: ١٨] . التَّغابُنُ: تَفاعُلٌ مِنَ الغَبَنِ ولَيْسَ مِنَ اثْنَيْنِ، بَلْ هو مِن واحِدٍ، كَتَواضُعٍ وتَحامُلٍ. والغَبَنُ: أخْذُ الشَّيْءِ بِدُونِ قِيمَتِهِ، أوْ بَيْعُهُ كَذَلِكَ. وقِيلَ: الغَبَنُ الإخْفاءُ (p-٢٧٦)ومِنهُ غَبَنُ البَيْعِ لِاسْتِخْفائِهِ، ويُقالُ: غَبَنْتُ الثَّوْبَ وخَبَنْتُهُ، إذا أخَذْتَ ما طالَ مِنهُ عَنْ مِقْدارِكَ، فَمَعْناهُ النَّقْصُ.

‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

هَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: مَكِّيَّةٌ إلّا آياتٍ مِن آخِرِها: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [التغابن: ١٤] إلَخْ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مَدَنِيَّةٌ ومَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ السُّورَةِ لِما قَبْلَها أنَّ ما قَبْلَها مُشْتَمِلٌ عَلى حالِ المُنافِقِينَ، وفي آخِرِها خِطابُ المُؤْمِنِينَ، فَأتْبَعَهُ بِما يُناسِبُهُ مِن قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ هَذا تَقْسِيمٌ في الإيمانِ والكُفْرِ بِالنَّظَرِ إلى الِاكْتِسابِ عِنْدَ جَماعَةٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ لِقَوْلِهِ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ» وقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الروم: ٣٠] . وقِيلَ: ذانِكَ في أصْلِ الخِلْقَةِ، بِدَلِيلِ ما في حَدِيثِ النُّطْفَةِ مِن قَوْلِ المَلَكِ: أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ ؟ والغُلامُ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كافِرًا. وما رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: «خَلَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ في البَطْنِ كافِرًا» . وحَكى يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا: في البَطْنِ مُؤْمِنًا. وعَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ (p-٢٧٧)بِاللَّهِ ( مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ، ومُؤْمِنٌ بِاللَّهِ وكافِرٌ بِالكَوْكَبِ. وقَدَّمَ الكافِرَ لِكَثْرَتِهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [سبإ: ١٣] ؟ وحِينَ ذَكَرَ الصّالِحِينَ قالَ: ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ [ص: ٢٤] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَمِنكم آتٍ بِالكُفْرِ وفاعِلٌ لَهُ، ومِنكم آتٍ بِالإيمانِ وفاعِلٌ لَهُ، كَقَوْلِهِ - تَعالى -: ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الحديد: ٢٦] والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى -: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: عالِمٌ بِكُفْرِكم وإيمانِكُمُ اللَّذَيْنِ هُما مِن قِبَلِكم، والمَعْنى: هو الَّذِي تَفَضَّلَ عَلَيْكم بِأصْلِ النِّعَمِ الَّذِي هو الخَلْقُ والإيجادُ عَنِ العَدَمِ، فَكانَ يَجِبُ أنْ تَنْظُرُوا النَّظَرَ الصَّحِيحَ، وتَكُونُوا بِأجْمَعِكم عِبادًا شاكِرِينَ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وقالَ أيْضًا: وقِيلَ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ بِالخَلْقِ، هُمُ الدَّهْرِيَّةُ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ بِهِ. وعَنِ الحَسَنِ: في الكَلامِ حَذْفٌ دَلَّ عَلَيْهِ تَقْدِيرُهُ: ومِنكم فاسِقٌ، وكَأنَّهُ مِن كَذِبِ المُعْتَزِلَةِ عَلى الحَسَنِ. وتَقَدَّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ في قَوْلِهِ: ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِيَدُلَّ بِتَقَدُّمِهِما عَلى مَعْنى اخْتِصاصِ المُلْكِ والحَمْدِ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وذَلِكَ لِأنَّ المُلْكَ عَلى الحَقِيقَةِ لَهُ؛ لِأنَّهُ مُبْدِئُ كُلِّ شَيْءٍ ومُبْدِعُهُ، والقائِمُ بِهِ المُهَيْمِنُ عَلَيْهِ وكَذَلِكَ الحَمْدُ؛ لِأنَّ أُصُولَ النِّعَمِ وفُرُوعَها مِنهُ. وأمّا مُلْكُ غَيْرِهِ فَتَسْلِيطٌ مِنهُ، وحَمْدُهُ اعْتِدادٌ بِأنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ جَرَتْ عَلى يَدِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: (صُوَرَكم) بِضَمِّ الصّادِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو رَزِينٍ: بِكَسْرِها، والقِياسُ الضَّمُّ، وهَذا تَعْدِيدٌ لِلنِّعْمَةِ في حُسْنِ الخِلْقَةِ؛ لِأنَّ أعْضاءَ بَنِي آدَمَ مُتَصَرِّفَةٌ بِجَمِيعِ ما تَتَصَرَّفُ فِيهِ أعْضاءُ الحَيَوانِ، وبِزِيادَةٍ كَثِيرَةٍ فُضِّلَ بِها. ثُمَّ هو مُفَضَّلٌ بِحُسْنِ الوَجْهِ وجَمالِ الجَوارِحِ، كَما قالَ - تَعالى -: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [التين: ٤] . وقِيلَ: النِّعْمَةُ هُنا إنَّما هي صُورَةُ الإنْسانِ مِن حَيْثُ هو إنْسانٌ مُدْرِكٌ عاقِلٌ، فَهَذا هو الَّذِي حُسِّنَ لَهُ حَتّى لَحِقَتْهُ كِمالاتٌ كَثِيرَةٌ، وتَكادُ العَرَبُ لا تَعْرِفُ الصُّورَةَ إلّا الشَّكْلَ، لا المَعْنى القائِمَ بِالصُّورَةِ. ونَبَّهَ - تَعالى - بِعِلْمِهِ بِما في السَّماواتِ والأرْضِ، ثُمَّ بِعِلْمِهِ بِما يُسِرُّ العِبادُ وما يُعْلِنُونَهُ، ثُمَّ بِعِلْمِهِ بِما أكَنَّتْهُ الصُّدُورُ عَلى أنَّهُ - تَعالى - لا يَغِيبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ، لا مِنَ الكُلِّيّاتِ ولا مِنَ الجُزْئِيّاتِ، فابْتَدَأ بِالعِلْمِ الشّامِلِ لِلْعالَمِ كُلِّهِ، ثُمَّ بِخاصِّ العِبادِ مِن سِرِّهِمْ وإعْلانِهِمْ، ثُمَّ ما خَصَّ مِنهُ، وهو ما تَنْطَوِي عَلَيْهِ صُدُورُهم مِن خَفِيِّ الأشْياءِ وكامِنِها، وهَذا كُلُّهُ في مَعْنى الوَعِيدِ، إذْ هو - تَعالى - المُجازِي عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ بِالثَّوابِ والعِقابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ بِتاءِ الخِطابِ. وعُبَيْدٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ: بِالياءِ.

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ الخِطابُ لِقُرَيْشٍ، ذُكِّرُوا بِما حَلَّ بِالكُفّارِ قَبْلَهم عادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ إبْراهِيمَ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ صَرَّحَ بِذِكْرِهِمْ في سُورَةِ بَراءَةَ وغَيْرِها، وقَدْ سَمِعَتْ قُرَيْشٌ أخْبارَهم.

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: مَكْرُوهِهِمْ وما يَسُوؤُهم مِنهُ. (ذَلِكَ) أيِ: الوَبالُ (بِأنَّهُ) أيْ: بِأنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ اسْتَبْعَدُوا أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ - تَعالى - مِنَ البَشَرِ رَسُولًا، كَما اسْتَبْعَدَتْ قُرَيْشٌ، فَقالُوا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِغْرابِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وذَلِكَ أنَّهم يَقُولُونَ: نَحْنُ مُتَساوُونَ في البَشَرِيَّةِ، فَأنّى يَكُونُ لِهَؤُلاءِ تَمْيِيزٌ عَلَيْنا بِحَيْثُ يَصِيرُونَ هُداةً لَنا ؟ وارْتَفَعَ (أبَشَرٌ) عِنْدَ الحَوْفِيِّ وابْنِ عَطِيَّةَ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ (يَهْدُونَنا) والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى الفاعِلِيَّةِ؛ لِأنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ تَطْلُبُ الفِعْلَ، فالمَسْألَةُ مِن بابِ الِاشْتِغالِ. (فَكَفَرُوا): العَطْفُ بِالفاءِ يَدُلُّ عَلى تَعَقُّبِ كُفْرِهِمْ مَجِيءِ الرُّسُلِ بِالبَيِّناتِ، أيْ: لَمْ يَنْظُرُوا في تِلْكَ البَيِّناتِ ولا تَأمَّلُوها، بَلْ عَقَّبُوا مَجِيئَها بِالكُفْرِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ، وغِناهُ - تَعالى - أزَلِيٌّ، فالمَعْنى: أنَّهُ ظَهَرَ تَعالى غِناهُ عَنْهم إذْ أهْلَكَهم. ولَيْسَتِ اسْتَفْعَلَ هُنا لِلطَّلَبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ وظَهَرَ اسْتِغْناءُ اللَّهِ حَيْثُ لَمْ يُلْجِئْهم إلى الإيمانِ، ولَمْ يَضْطَرَّهم إلَيْهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى ذَلِكَ. انْتَهى، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. والزَّعْمُ: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، ”والَّذِينَ كَفَرُوا“ أهْلُ مَكَّةَ، و”بَلى“ إثْباتٌ لِما بَعْدَ حَرْفِ النَّفْيِ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: لا يَصْرِفُهُ عَنْهُ صارِفٌ.

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وهُو مُحَمَّدٌ ﷺ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ هو (p-٢٧٨)القُرْآنُ، وانْتَصَبَ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ بِقَوْلِهِ: (لَتُنَبَّؤُنَّ) أوْ بِخَبِيرَ، بِما فِيهِ مِن مَعْنى الوَعِيدِ والجَزاءِ، أوْ بِـ (اذْكُرْ) مُضْمَرَةً، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. والأوَّلُ عَنِ النَّحّاسِ، والثّانِي عَنِ الحَوْفِيِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”يَجْمَعُكم“ بِالياءِ وضَمِّ العَيْنِ. ورُوِيَ عَنْهُ سُكُونُها وإشْمامُها الضَّمَّ. وسَلّامٌ ويَعْقُوبُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والشَّعْبِيُّ: بِالنُّونِ.

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ يُجْمَعُ فِيهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ يُبْعَثُ طامِعًا في الخَلاصِ ورَفْعِ المَنزِلَةِ.

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ مُسْتَعارٌ مِن تَغابَنَ القَوْمُ في التِّجارَةِ، وهو أنْ يَغِبْنَ بَعْضُهم بَعْضًا؛ لِأنَّ السُّعَداءَ نَزَلُوا مَنازِلَ الأشْقِياءِ لَوْ كانُوا سُعَداءَ، ونَزَلَ الأشْقِياءُ مَنازِلَ السُّعَداءِ لَوْ كانُوا أشْقِياءَ، وفي الحَدِيثِ: ”ما مِن عَبْدٍ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا أُرى مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ لَوْ أساءَ لِيَزْدادَ شُكْرًا، وما مِن عَبْدٍ يَدْخُلُ النّارَ إلّا أُرى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ لَوْ أحْسَنَ لِيَزْدادَ حَسْرَةً“ . وذَلِكَ مَعْنى يَوْمِ التَّغابُنِ. وعَنْ مُجاهِدٍ وغَيْرِهِ: إذا وقَعَ الجَزاءُ، غَبَنَ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ؛ لِأنَّهم يَجُوزُونَ الجَنَّةَ وتَحَصَّلَ الكُفّارُ في النّارِ. وقَرَأ الأعْرَجُ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ وطَلْحَةُ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والمُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ والحَسَنِ، بِخِلافٍ عَنْهُ: نَكْفُرُ ونَدْخُلُهُ، بِالنُّونِ فِيهِما. والأعْمَشُ وعِيسى والحَسَنُ وباقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ فِيهِما.

The same ayah, in another commentary

At-Taghābun 64:2