قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ ﴾ نَاصِرُهُمْ وَمُعِينُهُمْ، وَقِيلَ: مُحِبُّهُمْ، وَقِيلَ مُتَوَلِّي أُمُورَهُمْ لَا يَكِلُهُمْ إِلَى غَيْرِهِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: وَلِيُّ هِدَايَتِهِمْ ﴿ ﴾ أَيْ مِنَ الْكُفْرِ إِلَى الْإِيمَانِ قَالَ الْوَاقِدِيُّ: كُلُّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورِ فَالْمُرَادُ مِنْهُ الْكُفْرُ وَالْإِيمَانُ غَيْرُ الَّتِي فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، "وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ" فَالْمُرَادُ مِنْهُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، سُمِّيَ الْكُفْرُ ظُلْمَةً لِالْتِبَاسِ طَرِيقِهِ وَسُمِّيَ الْإِسْلَامُ نُورًا لِوُضُوحِ طَرِيقِهِ ﴿ ﴾ قَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ وَحُيَيَّ بْنَ أَخْطَبَ وَسَائِرَ رُءُوسِ الضَّلَالَةِ ﴿ ﴾ يَدْعُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ، وَالطَّاغُوتُ يَكُونُ مُذَكَّرًا وَمُؤَنَّثًا وَوَاحِدًا وَجَمْعًا، قَالَ تَعَالَى فِي الْمُذَكَّرِ وَالْوَاحِدِ: " ﴿ ﴾ (٦٠-النِّسَاءِ) وَقَالَ فِي الْمُؤَنَّثِ: ﴿ ﴾ (١٧-الزُّمَرِ) وَقَالَ فِي الْجَمْعِ: ﴿ ﴾ فَإِنْ قِيلَ: قَالَ: يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ وَهُمْ كُفَّارٌ لَمْ يَكُونُوا فِي نُورٍ قَطُّ؟ قِيلَ: هُمُ الْيَهُودُ كَانُوا مُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ لِمَا يَجِدُونَ فِي كُتُبِهِمْ مِنْ نَعْتِهِ، فَلَمَّا بُعِثَ كَفَرُوا بِهِ، وَقِيلَ: هُوَ عَلَى الْعُمُومِ فِي حَقِّ جَمِيعِ الْكُفَّارِ، قَالُوا: مَنْعُهُمْ إِيَّاهُمْ مِنَ الدُّخُولِ فِيهِ إِخْرَاجٌ كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ لِأَبِيهِ أَخْرَجْتَنِي مِنْ مَالِكَ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿ ﴾ (٣٧-يُوسُفَ) وَلَمْ يَكُنْ قَطُّ فِي مِلَّتِهِمْ ﴿ ﴾
﴿ ﴾
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ ﴾ مَعْنَاهُ هَلِ انْتَهَى إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ خَبَرُ الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ أَيْ خَاصَمَ وَجَادَلَ، وَهُوَ نُمْرُودُ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ وَضَعَ التَّاجَ عَلَى رَأْسِهِ، وَتَجَبَّرَ فِي الْأَرْضِ وَادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ؟ ﴿ ﴾ أَيْ لِأَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ فَطَغَى أَيْ كَانَتْ تِلْكَ الْمُحَاجَّةُ مِنْ بَطَرِ الْمَلِكِ وَطُغْيَانِهِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: مَلَكَ الْأَرْضَ أَرْبَعَةٌ، مُؤْمِنَانِ وَكَافِرَانِ فَأَمَّا الْمُؤْمِنَانِ فَسُلَيْمَانُ وَذُو الْقَرْنَيْنِ، وَأَمَّا الْكَافِرَانِ فَنُمْرُودُ وَبُخْتَنَصَّرُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي وَقْتِ هَذِهِ الْمُنَاظَرَةِ، قَالَ مُقَاتِلٌ: لَمَّا كَسَّرَ إِبْرَاهِيمُ الْأَصْنَامَ سَجَنَهُ نُمْرُودُ ثُمَّ أَخْرَجَهُ لِيَحْرِقَهُ بِالنَّارِ فَقَالَ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ الَّذِي تَدْعُونَا إِلَيْهِ؟ فَقَالَ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَقَالَ آخَرُونَ: كَانَ هَذَا بَعْدَ إِلْقَائِهِ فِي النَّارِ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ قَحَطُوا عَلَى عَهْدِ نُمْرُودَ وَكَانَ النَّاسُ يَمْتَارُونَ يجلبون الطعام. مِنْ عِنْدِهِ الطَّعَامَ، فَكَانَ إِذَا أَتَاهُ الرَّجُلُ فِي طَلَبِ الطَّعَامِ سَأَلَهُ مِنْ رَبُّكَ؟ فَإِنْ قَالَ أَنْتَ، بَاعَ مِنْهُ الطَّعَامَ، فَأَتَاهُ إِبْرَاهِيمُ فِيمَنْ أَتَاهُ فَقَالَ لَهُ نُمْرُودُ: مَنْ رَبُّكَ؟ قَالَ: رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَاشْتَغَلَ بِالْمُحَاجَّةِ وَلَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا فَرَجَعَ إِبْرَاهِيمُ فَمَرَّ عَلَى كَثِيبٍ مِنْ رَمْلٍ أَعْفَرَ فَأَخَذَ مِنْهُ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِ أَهْلِهِ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا أَتَى أَهْلَهُ وَوَضَعَ مَتَاعَهُ نَامَ، فَقَامَتِ امْرَأَتُهُ إِلَى مَتَاعِهِ فَفَتَحَتْهُ فَإِذَا هُوَ أَجْوَدُ طَعَامٍ مَا رَآهُ أَحَدٌ، فَأَخَذَتْهُ فَصَنَعَتْ لَهُ مِنْهُ فَقَرَّبَتْهُ إِلَيْهِ فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ هَذَا؟ قَالَتْ مِنَ الطَّعَامِ الَّذِي جِئْتَ بِهِ فَعَرَفَ أَنَّ اللَّهَ رَزَقَهُ، فَحَمِدَ اللَّهَ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ ﴾ [وَهَذَا جَوَابُ سُؤَالٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ تَقْدِيرُهُ قَالَ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ ﴿ ﴾ ساقط من (ب) . ] قَرَأَ حَمْزَةُ ﴿ ﴾ بِإِسْكَانِ الْيَاءِ وَكَذَلِكَ ﴿حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾ (٣٣-الْأَعْرَافِ) وَ﴿ ﴾ (١٤٦-الْأَعْرَافِ) وَ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ﴾ (٣١-إِبْرَاهِيمَ) وَ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ (٣٠-مَرْيَمَ) وَ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ (٨٣-الْأَنْبِيَاءِ) وَ﴿عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (١٠٥-الْأَنْبِيَاءِ) وَ﴿عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (١٣-سَبَأٍ) وَ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ﴾ (٤١-ص) وَ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ﴾ (٣٨-الزُّمَرِ) وَ﴿إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ﴾ (٢٨-الْمُلْكِ) أَسْكَنَ الْيَاءَ فِيهِنَّ حَمْزَةُ، وَوَافَقَ ابْنُ عَامِرٍ وَالْكِسَائِيُّ فِي "لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا" وَابْنُ عَامِرٍ "آيَاتِيَ الَّذِينَ" وَفَتَحَهَا الْآخَرُونَ، ﴿﴾ نُمْرُودُ ﴿ ﴾
قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ﴿﴾ بِإِثْبَاتِ الْأَلِفِ وَالْمَدِّ فِي الْوَصْلِ إِذَا تَلَتْهَا أَلِفٌ مَفْتُوحَةٌ أَوْ مَضْمُومَةٌ وَالْبَاقُونَ بِحَذْفِ الْأَلِفِ، وَوَقَفُوا جَمِيعًا بِالْأَلِفِ، قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: دَعَا نُمْرُودُ بِرَجُلَيْنِ فَقَتَلَ أَحَدَهُمَا وَاسْتَحْيَا الْآخَرَ فَجَعَلَ تَرْكَ الْقَتْلِ إِحْيَاءً لَهُ، فَانْتَقَلَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى حُجَّةٍ أُخْرَى، لَا عَجْزًا، فَإِنَّ حُجَّتَهُ كَانَتْ لَازِمَةً لِأَنَّهُ أَرَادَ بِالْإِحْيَاءِ إِحْيَاءَ الْمَيِّتِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَقُولَ: فَأَحْيِ مَنْ أَمَتَّ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَانْتَقَلَ إِلَى حُجَّةٍ أُخْرَى أَوْضَحَ مِنَ الْأُولَى.
﴿ ﴾ أَيْ تَحَيَّرَ وَدَهِشَ وَانْقَطَعَتْ حُجَّتُهُ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ بُهِتَ وَكَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يُعَارِضَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُ لَهُ: سَلْ أَنْتَ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ قِيلَ: إِنَّمَا لَمْ يَقُلْهُ لِأَنَّهُ خَافَ أَنْ لَوْ سَأَلَ ذَلِكَ دَعَا إِبْرَاهِيمُ رَبَّهُ فَكَانَ زِيَادَةً فِي فَضِيحَتِهِ وَانْقِطَاعِهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ اللَّهَ صَرَفَهُ عَنْ تِلْكَ الْمُعَارَضَةِ إِظْهَارًا لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِ أَوْ مُعْجِزَةً لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ﴿ ﴾