All commentaries

نظم الدرر

Al-Biqāʿī

برهان الدين البقاعي (ت ٨٨٥ هـ)

Reads the Qur'an as one connected whole — why this verse follows that, and this surah that.

Al-Baqarah 2:258 Juzʾ 3 Page 43

‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Have you not considered the one who argued with Abraham about his Lord [merely] because Allah had given him kingship? When Abraham said, "My Lord is the one who gives life and causes death," he said, "I give life and cause death." Abraham said, "Indeed, Allah brings up the sun from the east, so bring it up from the west." So the disbeliever was overwhelmed [by astonishment], and Allah does not guide the wrongdoing people.

Read in the muṣḥaf

ولَمّا ذَكَرَ ما لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ الإحاطَةِ والعَظَمَةِ وأتْبَعَهُ أمْرَ الإيمانِ وتَوَلِّيهِ حِزْبَهُ وأمْرَ الكُفْرانِ وخِذْلانَهُ أهْلَهُ أخَذَ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ بِقِصَّةِ المُحاجِّ لِلْخَلِيلِ والمارِّ عَلى القَرْيَةِ مُذَكِّرًا بِقِصَّةِ الَّذِينَ قالَ لَهم مُوتُوا ثُمَّ أحْياهم في سِياقِ التَّعْجِيبِ مِن تِلْكَ الجُرْأةِ، قالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَ ما أظْهَرَهُ الحَقُّ في آيَةِ عَظَمَتِهِ وما اتَّصَلَ بِها في خاصَّةِ عِبادِهِ اخْتَصَّ هَذا الخِطابَ بِالنَّبِيِّ ﷺ لِعُلُوِّ مَفْهُومِ مَغْزاهُ عَمَّنْ دُونَهُ، انْتَهى. فَقالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ أيْ تَعْلَمْ بِما نُخْبِرُكَ (p-٤٨)بِهِ عِلْمًا هو عِنْدَكَ كالمُشاهَدَةِ لِما لَكَ مِن كَمالِ البَصِيرَةِ وبِما أوْدَعْناهُ فِيكَ مِنَ المَعانِي المُنِيرَةِ. ولَمّا كانَ هَذا المُحاجُّ بَعِيدًا مِنَ الصَّوابِ كَثِيفَ الحِجابِ أشارَ إلى بُعْدِهِ بِحَرْفِ الغايَةِ فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيِ الَّذِي هو أبُو العَرَبِ وهم أحَقُّ [النّاسِ] بِالِاقْتِداءِ بِهِ ‏ ‏‏‏‏ الضَّمِيرُ يَصِحُّ أنْ يَعُودَ عَلى كُلٍّ مِنهُما أيْ فِيما يَخْتَصُّ بِهِ خالِقُهُ المُرَبِّي لَهُ المُحْسِنُ إلَيْهِ بَعْدَ وُضُوحِ هَذِهِ الأدِلَّةِ وقِيامِ هَذِهِ البَراهِينِ إشارَةً إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أوْضَحَ عَلى لِسانِ كُلِّ نَبِيٍّ أمْرَهُ وبَيَّنَ عَظَمَتَهُ وقَدْرَهُ مَعَ أنَّهُ رَكَزَ ذَلِكَ في جَمِيعِ الفِطَرِ وقادَها إلى بُحُورِ جَلالِهِ بِأدْنى نَظَرٍ فَكَأنَّ نُمْرُودَ المُحاجَّ لِلْخَلِيلِ مِمَّنْ أخْرَجَتْهُ الشَّياطِينُ مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ، (p-٤٩)ولَمّا كانَ ذَلِكَ أمْرًا باهِرًا مُعْجِبًا بَيَّنَ أنَّ عِلَّتَهُ الكِبْرُ الَّذِي أشْقى إبْلِيسَ فَقالَ: ‏‏ أيْ لِأجْلِ أنْ ‏‏‏‏‏ ‏‏ أيِ المَلِكُ الأعْلى بِفَيْضِ فَضْلِهِ ‏‏‏‏‏ الفانِيَ في الدُّنْيا الدَّنِيئَةِ، فَجَعَلَ مَوْضِعَ ما يَجِبُ عَلَيْهِ مِن شُكْرٍ مِن مِلْكِهِ ذَلِكَ مُحاجَّتَهُ فِيهِ وكِبْرَهُ زَعَمَ عَلَيْهِ، وعَرَّفَهُ إشارَةً إلى كَمالِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى الآدَمِيِّينَ بِالحُكْمِ عَلى جَمِيعِ الأرْضِ. قالَ الحَرالِّيُّ: وفي إشْعارِهِ أنَّ المُلْكَ فِتْنَةٌ وبَلاءٌ عَلى مَن أُوتِيَهُ. انْتَهى. فَتَكَبَّرَ بِما خَوَّلَهُ اللَّهُ فِيهِ عَلى عِبادِ اللَّهِ وهم يُطِيعُونَهُ لِما مَكَّنَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الأسْبابِ إلى أنْ رَسَخَتْ قَدَمُهُ في الكِبْرِ المُخْتَصِّ بِالمَلِكِ الأعْظَمِ مالِكِ المُلْكِ ومُبِيدِ المُلُوكِ فَظَنَّ جَهْلًا أنَّهُ أهْلٌ لَهُ.

ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِمُحاجَّتِهِ بَيَّنَ ما هي تَقْرِيرًا لِآيَةِ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ٢٤٣] دَلالَةً عَلى البَعْثِ لِيَوْمٍ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ ولا شَفاعَةٌ فَقالَ: ‏‏ أيْ حاجَّهُ حِينَ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ أيِ الَّذِي أحْسَنَ إلَيَّ بِخَلْقِي وإدامَةِ الهِدايَةِ [لِي] (p-٥٠)‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ وحْدَهُ، وهَذِهِ العِبارَةُ تَدُلُّ عَلى تَقَدُّمِ كَلامٍ في هَذا وادِّعاءِ أحَدٍ لِمُشارَكَةٍ في هَذِهِ الصِّفَةِ.

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا أمْرٌ ظاهِرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فَماذا الَّذِي يُحاجُّ المُحاجُّ فِيهِ؟ أُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ أيْ ذَلِكَ المُحاجُّ بِجُرْأةٍ وعَدَمِ تَأمُّلٍ لِما ألِفَهُ مِن ذُلِّ النّاسِ لَهُ وطَواعِيَتِهِمْ لِجَبَرُوتِهِ ‏‏‏ أيْ أيْضًا ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ بِأنْ أمُنَّ عَلى مَنِ اسْتَحَقَّ القَتْلَ وأقْتُلَ مَن لا يَسْتَحِقُّ القَتْلَ.

فَلَمّا رَأى إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ قَدِ اجْتَرَأ عَلى عَظِيمٍ وأنَّ مُحاجَّتَهُ في نَفْسِ الإحْياءِ رُبَّما خَفِيَتْ أوْ طالَتْ رَأى أنْ يُعَجِّلَ إبْهاتَهُ مَعَ بَيانِ حَقارَتِهِ بِما هو أجْلى مِن ذَلِكَ، وفِيهِ أنَّهُ دُونَ ما ادَّعاهُ بِمَراتِبَ لِأنَّ الإحْياءَ إفاضَةُ الرُّوحِ عَلى صُورَةٍ بَعْدَ إيجادِها مِنَ العَدَمِ بِأنْ (p-٥١)‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَ مِن حُسْنِ الِاحْتِجاجِ تَرْكُ المِراءِ بِمُتابَعَةِ الحُجَّةِ المُلْبِسَةِ كَما قالَ تَعالى ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الكهف: ٢٢] نَقَلَ المُحاجَّ مِنَ الحُجَّةِ الواقِعَةِ في الأنْفُسِ إلى الحُجَّةِ الواقِعَةِ في الآفاقِ بِأعْظَمِ كَواكِبِها الشَّمْسِ ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] فَفي ظاهِرِ الِاحْتِجاجِ انْتِقالٌ وفي [طَيِّهِ تَقْرِيرُ الأوَّلِ لِأنَّ الرُّوحَ شَمْسُ البَدَنِ فَكَأنَّهُ ضَرْبُ مَثَلٍ مِن حَيْثُ أنَّ الإحْياءَ إنَّما هو أنْ يُؤْتى بِشَمْسِ الرُّوحِ مِن حَيْثُ غَرَبَتْ فَكانَ في ظاهِرٍ واسْتِقْبالٍ حُجَّةً قاطِعَةً] باطِنُهُ تَتْمِيمٌ لِلْحُجَّةِ الأُولى قالَ تَعالى: ‏‏‏ بِالفاءِ الرّابِطَةِ بَيْنَ الكَلامَيْنِ إشْعارًا لِتَتِمَّةِ الحُجَّةِ الأُولى بِالحُجَّةِ الثّانِيَةِ. انْتَهى. أيْ تَسَبَّبَ عَنْ دَعْواكَ هَذِهِ أوْ أقُولُ لَكَ: إنَّ ‏‏ بِما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ والجَلالِ بِاسْتِجْماعِ صِفاتِ الكَمالِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ وهو الَّذِي أوْجَدَها ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ في كُلِّ يَوْمٍ مِن قَبْلِ أنْ تُوجَدَ أنْتَ بِدُهُورٍ ‏‏‏ ‏‏‏ أنْتَ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ولَوْ يَوْمًا واحِدًا.

(p-٥٢)قالَ الحَرالِّيُّ: إظْهارًا لِمَرْجِعِ العالَمِ بِكُلِّيَّتِهِ إلى واحِدٍ، وأنَّ قَيُّومَ الإنْسانِ في الإحْياءِ والإماتَةِ هو قَيُّومُ الآفاقِ في طُلُوعِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها، وفي لَحْنِهِ إشْعارٌ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى لا بُدَّ وأنْ يَأْتِيَ بِالشَّمْسِ مِنَ المَغْرِبِ لِيَكُونَ في ذَلِكَ إظْهارُ تَصْرِيفِهِ لَها حَيْثُ شاءَ حَتّى يُطْلِعَها مِن حَيْثُ غَرَبَتْ كَما يُطْلِعُ الرُّوحَ مِن حَيْثُ قُبِضَتْ لِيَكُونَ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها آيَةَ مُقارَبَةِ قِيامِ السّاعَةِ وطُلُوعِ الأرْواحِ مِن أبْدانِها. انْتَهى.

‏‏‏‏ قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ البَهْتِ وهو بَقاءُ الشَّيْءِ عَلى حالِهِ وصُورَتِهِ لا يَتَغَيَّرُ عَنْها لِأمْرٍ يَبْهَرُهُ وقْعُهُ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُ بُهِتَ ‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ حَصَلَ لَهُ الكُفْرُ بِتِلْكَ الدَّعْوى الَّتِي لَزِمَهُ بِها إنْكارُهُ لِاخْتِصاصِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالقُدْرَةِ عَلى ذَلِكَ وادِّعاؤُهُ لِنَفْسِهِ الشَّرِكَةَ، فَبَيَّنَ لَهُ الخَلِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ [بِهَذا المِثالِ] أنَّهُ عاجِزٌ عَنْ تَحْوِيلِ صُورَةٍ صَوَّرَها اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ووَضَعَها في جِهَةٍ [إلى] غَيْرِ تِلْكَ الجِهَةِ فَكَيْفَ لَهُ بِأنْ يُوجِدَ صُورَةً مِنَ العَدَمِ فَكَيْفَ ثُمَّ كَيْفَ بِإفاضَةِ الرُّوحِ عَلَيْها فَكَيْفَ بِالرُّوحِ الحَسّاسَةِ فَكَيْفَ بِالرُّوحِ النّاطِقَةِ! وسَيَأْتِي لِهَذا الشَّأْنِ في سُورَةِ الشُّعَراءِ مَزِيدُ بَيانٍ، فَيالِلَّهِ ما أعْلى مَقاماتِ الأنْبِياءِ! وما أصْفى بَصائِرَهُمْ! وما أسْمى دَرَجاتِهِمْ وأزْكى عَناصِرَهُمْ! عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ مِنِّي أعْظَمُ الصَّلاةِ والسَّلامِ وأعْلى (p-٥٣)التَّحِيَّةِ والإكْرامِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: فَعَرَّفَهُ أيْ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ بِوَصْفِهِ مِن حَيْثُ دَخَلَ عَلَيْهِ البَهْتُ مِنهُ. انْتَهى. أيْ لِأنَّهُ سَتَرَ ما يَعْلَمُهُ مِن عَجْزِ نَفْسِهِ وقُدْرَةِ خالِقِهِ، فَكَشَفَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِلِسانِ خَلِيلِهِ ﷺ السِّتْرَ الَّذِي أرْخاهُ كَشْفًا واضِحًا وهَتَكَهُ بِعَظِيمِ البَيانِ هَتْكًا فاضِحًا.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: لِأنَّهُ ظَلَمَ في ادِّعائِهِ ذَلِكَ وفي الوَجْهِ الَّذِي ادَّعى ذَلِكَ بِسَبَبِهِ مِن قَتْلِ البَرِيءِ وتَرْكِ المُجْتَرِئِ، قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ‏‏‏ أيِ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيِ الَّذِينَ أعْطاهم قُوَّةَ المُقاوَمَةِ لِلْأُمُورِ ‏‏‏‏‏‏ عامَّةً لِوَضْعِهِمُ الأشْياءَ بِإرادَتِهِ وتَقْدِيرِهِ في غَيْرِ مَواضِعِها، لِأنَّهُ أظْلَمَ قُلُوبَهم فَجَعَلَها أحْلَكَ مِنَ اللَّيْلِ الحالِكِ فَلَمْ يُبْقِ لَهم [ذَلِكَ] وجْهًا ثابِتًا يَسْتَمْسِكُونَ بِهِ، فَأيْنَ مِنهُمُ الهِدايَةُ وقَدْ صارُوا بِمَراحِلَ عَنْ مَواطِنِ أهْلِ العِنايَةِ! وقَصْرُ فِعْلِ الهِدايَةِ لِإفادَةِ العُمُومِ، قالَ الإمامُ: فاخْتَصَرَ اللَّفْظَ إفادَةً لِزِيادَةِ المَعْنى وهو مِنَ اللَّطائِفِ القُرْآنِيَّةِ.

The same ayah, in another commentary

Al-Baqarah 2:258