All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom, classical in method. Strong on rhetoric.

Al-Qiyāmah 75:24 Juzʾ 29 Page 578

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

And [some] faces, that Day, will be contorted,

Read in the muṣḥaf
التحرير والتنوير Ibn ʿĀshūr

( ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [القيامة: ٢٢] ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏

المُرادُ بِـ (يَوْمَئِذٍ) يَوْمُ القِيامَةِ الَّذِي تَكَرَّرَ ذِكْرُهُ بِمِثْلِ هَذا ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ (‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [القيامة: ١٠]) وأُعِيدَ مَرَّتَيْنِ.

والجُمْلَةُ المُقَدَّرَةُ المُضافُ إلَيْها (إذْ)، والمُعَوَّضُ عَنْها التَّنْوِينُ تَقْدِيرُها: يَوْمَ إذْ بَرَقَ البَصَرُ.

وقَدْ حَصَلَ مِن هَذا تَخَلُّصٌ إلى إجْمالِ حالِ النّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ بَيْنَ أهْلِ سَعادَةٍ وأهْلِ شَقاوَةٍ.

فالوُجُوهُ النّاضِرَةُ وُجُوهُ أهْلِ السَّعادَةِ والوُجُوهُ الباسِرَةُ وُجُوهُ أهْلِ الشَّقاءِ، وذَلِكَ بَيِّنٌ مِن كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ.

وقَدْ عَلِمَ النّاسُ المَعْنِيَّ بِالفَرِيقَيْنِ مِمّا سَبَقَ نُزُولُهُ مِنَ القُرْآنِ كَقَوْلِهِ في سُورَةِ عَبَسَ (﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ تَرْهَقُها قَتَرَةٌ أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ [عبس: ٤٠]) فَعُلِمَ أنَّ أصْلَ أسْبابِ السَّعادَةِ الإيمانُ بِاللَّهِ وحْدَهُ وتَصْدِيقُ رَسُولِهِ ﷺ والإيمانُ بِما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، وأنَّ أصْلَ أسْبابِ الشَّقاءِ الإشْراكُ بِاللَّهِ وتَكْذِيبُ الرَّسُولِ ﷺ ونَبْذُ ما جاءَ بِهِ. وقَدْ تَضَمَّنَ صَدْرُ هَذِهِ السُّورَةِ ما يُنْبِئُ بِذَلِكَ كَقَوْلِهِ (﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ [القيامة: ٣]) وقَوْلِهِ (‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [القيامة: ٥]) .

وتَنْكِيرُ (وُجُوهٌ) لِلتَّنْوِيعِ والتَّقْسِيمِ كَقَوْلِهِ تَعالى (‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ [الشورى: ٧]) وقَوْلِ الشّاعِرِ وهو مِن أبْياتِ كِتابِ الآدابِ ولَمْ يَعْزُهُ ولا عَزاهُ صاحِبُ العُبابِ في شَرْحِهِ:

فَيَوْمٌ عَلَيْنا ويَوْمٌ لَنَـا ويَوْمٌ نُساءُ ويَوْمٌ نُسَرْ
وقَوْلِ أبِي الطَّيِّبِ:
صفحة ٣٥٣

فَيَوْمًا بِخَيْلٍ تَطْرُدُ الرُّومَ عَنْهُـمُ ∗∗∗ ويَوْمٌ بِجُودٍ تَطْرُدُ الفَقْرَ والجَدْبا
فالوُجُوهُ النّاضِرَةُ المَوْصُوفَةُ بِالنَّضْرَةِ - بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الضّادِ - وهي حُسْنُ الوَجْهِ مِن أثَرِ النِّعْمَةِ والفَرَحِ، وفِعْلُهُ كَنَصَرَ وكَرُمَ وفَرِحَ، ولِذَلِكَ يُقالُ: ناضِرٌ ونَضِيرٌ ونَضِرٌ، وكُنِّيَ بِنَضْرَةِ الوُجُوهِ عَنْ فَرَحِ أصْحابِها ونَعِيمِهِمْ قالَ تَعالى في أهْلِ السَّعادَةِ (‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [المطففين: ٢٤]) لِأنَّ ما يَحْصُلُ في النَّفْسِ مِنَ الِانْفِعالاتِ يَظْهَرُ أثَرُهُ.
وأخْبَرَ عَنْها خَبَرًا ثانِيًا بِقَوْلِهِ (‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏) وظاهِرُ لَفْظِ (ناظِرَةٌ) أنَّهُ مِن نَظَرَ بِمَعْنى: عايَنَ بِبَصَرِهِ إعْلانًا بِتَشْرِيفِ تِلْكَ الوُجُوهِ أنَّها تَنْظُرُ إلى جانِبِ اللَّهِ تَعالى نَظَرًا خاصًّا لا يُشارِكُها فِيهِ مَن يَكُونُ دُونَ رُتَبِهِمْ، فَهَذا مَعْنى الآيَةِ بِإجْمالِهِ ثابِتٌ بِظاهِرِ القُرْآنِ وقَدْ أيَّدَتْها الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ .

فَقَدْ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وأبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ أُناسًا قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرى رَبَّنا يَوْمَ القِيامَةِ ؟ قالَ: هَلْ تُضارُّونَ في رُؤْيَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ إذا كانَتْ صَحْوًا ؟ قُلْنا: لا، قالَ: فَإنَّكم لا تُضارُّونَ في رُؤْيَةِ رَبِّكم يَوْمَئِذٍ إلّا كَما تُضارُّونَ في رُؤْيَتِهِما» .

وفِي رِوايَةٍ ”«فَإنَّكم تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ» “ وساقَ الحَدِيثَ في الشَّفاعَةِ.

ورَوى البُخارِيُّ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «كُنّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيءِ ﷺ إذْ نَظَرَ إلى القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ قالَ: إنَّكم سَتَرَوْنَ رَبَّكم كَما تَرَوْنَ هَذا القَمَرَ لا تُضامُونَ في رُؤْيَتِهِ ورُبَّما قالَ ”سَتَرَوْنَ رَبَّكم عِيانًا“» .

ورَوى مُسْلِمٌ عَنْ صُهَيْبِ بْنِ سِنانٍ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ قالَ «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: تُرِيدُونَ شَيْئًا أزِيدُكم ؟ فَيَقُولُونَ: ألَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنا ألَمْ تُدْخِلْنا الجَنَّةَ وتُنْجِنا مِنَ النّارِ، قالَ: فَيَكْشِفُ الحِجابَ فَما يُعْطَوْنَ شَيْئًا أحَبَّ إلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلى رَبِّهِمْ» .

فَدَلالَةُ الآيَةِ عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ بِأبْصارِهِمْ رُؤْيَةً مُتَعَلِّقَةً بِذاتِ اللَّهِ عَلى الإجْمالِ دَلالَةٌ ضِمْنِيَّةٌ لِاحْتِمالِها تَأْوِيلاتٍ تَأوَّلَها المُعْتَزِلَةُ بِأنَّ المَقْصُودَ رُؤْيَةُ جَلالِهِ وبَهْجَةُ قُدُسِهِ الَّتِي لا تُخَوَّلُ رُؤْيَتُها لِغَيْرِ أهْلِ السَّعادَةِ.

صفحة ٣٥٤
ويُلْحَقُ هَذا بِمُتَشابِهِ الصِّفاتِ وإنْ كانَ مُقْتَضاهُ لَيْسَ إثْباتَ صِفَةٍ، ولَكِنَّهُ يُؤَوَّلُ إلى الصِّفَةِ ويَسْتَلْزِمُها لِأنَّهُ آيِلٌ إلى اقْتِضاءِ جِهَةٍ لِلذّاتِ، ومِقْدارٍ يُحاطُ بِجَمِيعِهِ أوْ بِبَعْضِهِ، إذا كانَتِ الرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةً فَلا جَرَمَ أنْ يُعَدَّ الوَعْدُ بِرُؤْيَةِ أهْلِ الجَنَّةِ رَبَّهم تَعالى مِن قَبِيلِ المُتَشابِهِ.
ولِعُلَماءِ الإسْلامِ في ذَلِكَ أفْهامٌ مُخْتَلِفَةٌ، فَأمّا صَدْرُ الأُمَّةِ وسُلَفُها فَإنَّهم جَرَوْا عَلى طَرِيقَتِهِمُ الَّتِي تَخَلَّقُوا بِها في سِيرَةِ النَّبِيءِ ﷺ مِنَ الإيمانِ بِما ورَدَ مِن هَذا القَبِيلِ عَلى إجْمالِهِ، وصَرْفِ أنْظارِهِمْ عَنِ التَّعَمُّقِ في تَشْخِيصِ حَقِيقَتِهِ وإدْراجِهِ تَحْتَ أحَدِ أقْسامِ الحُكْمِ العَقْلِيِّ، فَقَدْ سَمِعُوا هَذا ونَظائِرَهُ كُلَّها أوْ بَعْضَها أوْ قَلِيلًا مِنها، فِيما شَغَلُوا أنْفُسَهم بِهِ ولا طَلَبُوا تَفْصِيلَهُ، ولَكِنَّهُمُ انْصَرَفُوا إلى ما هو أحَقُّ بِالعِنايَةِ وهو التَّهَمُّمُ بِإقامَةِ الشَّرِيعَةِ وبَثِّها وتَقْرِيرِ سُلْطانِها، مَعَ الجَزْمِ بِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنِ اللَّوازِمِ العارِضَةِ لِظَواهِرَ لِتِلْكَ الصِّفاتِ، جاعِلِينَ إمامَهُمُ المَرْجُوعَ إلَيْهِ في كُلِّ هَذا قَوْلَهُ تَعالى (﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١])، أوْ ما يُقارِبُ هَذا مِن دَلائِلِ التَّنْزِيهِ الخاصَّةِ بِالتَّنْزِيهِ عَنْ بَعْضِ ما ورَدَ الوَصْفُ بِهِ مِثْلَ قَوْلِهِ (﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]) بِالنِّسْبَةِ إلى مَقامِنا هَذا، مَعَ اتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّ عَدَمَ العِلْمِ بِتَفْصِيلِ ذَلِكَ لا يَقْدَحُ في عَقِيدَةِ الإيمانِ، فَلَمّا نَبَعَ في عُلَماءِ الإسْلامِ تَطَلَّبَ مَعْرِفَةَ حَقائِقِ الأشْياءِ وألْجَأهُمُ البَحْثُ العِلْمِيُّ إلى التَّعَمُّقِ في مَعانِي القُرْآنِ ودَقائِقِ عِباراتِهِ وخُصُوصِيّاتِ بَلاغَتِهِ، لَمْ يَرَوْا طَرِيقَةَ السَّلَفِ مُقْنِعَةً لِأفْهامِ أهْلِ العِلْمِ مِنَ الخَلَفِ لِأنَّ طَرِيقَتَهم في العِلْمِ طَرِيقَةُ تَمْحِيصٍ وهي اللّائِقَةُ بِعَصْرِهِمْ، وقارِنُ ذَلِكَ ما حَدَثَ في فِرَقِ الأُمَّةِ الإسْلامِيَّةِ مِنَ النِحَلِ الِاعْتِقادِيَّةِ، وإلْقاءِ شُبَهِ المَلاحِدَةِ مِنَ المُنْتَمِينَ إلى الإسْلامِ وغَيْرِهِمْ وحَدا بِهِمْ ذَلِكَ إلى الغَوْصِ والتَّعَمُّقِ لِإقامَةِ المَعارِفِ عَلى أعْمِدَةٍ لا تَقْبَلُ التَّزَلْزُلَ، ولِدَفْعِ شُبَهِ المُتَشَكِّكِينَ ورَدِّ مَطاعِنِ المُلْحِدِينَ، فَسَلَكُوا مَسالِكَ الجَمْعِ بَيْنَ المُتَعارِضاتِ مِن أقْوالٍ ومَعانٍ وإقْرارِ كُلِّ حَقِيقَةٍ في نِصابِها، وذَلِكَ بِالتَّأْوِيلِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المُقْتَضِي ويُعَضِّدُهُ الدَّلِيلُ.

فَسَلَكَتْ جَماعاتٌ مَسالِكَ التَّأْوِيلِ الإجْمالِيِّ بِأنْ يَعْتَقِدُوا تِلْكَ المُتَشابِهاتِ عَلى إجْمالِها ويُوقِنُوا بِالتَّنْزِيهِ عَنْ ظَواهِرِها ولَكِنَّهم لا يَفْصِلُونَ صَرْفَها عَنْ ظَواهِرِها بَلْ يُجْمِلُونَ التَّأْوِيلَ وهَذِهِ الطّائِفَةُ تُدْعى السَّلَفِيَّةَ لِقُرْبِ طَرِيقَتِها مِن طَرِيقَةِ السَّلَفِ في المُتَشابِهاتِ، وهَذِهِ الجَماعاتُ مُتَفاوِتَةٌ في مِقْدارِ تَأْصِيلِ أُصُولِها تَفاوُتًا جَعَلَها فِرَقًا فَمِنهُمُ الحَنابِلَةُ، والظّاهِرِيَّةُ، الخَوارِجُ الأقْدَمُونَ غَيْرَ الَّذِينَ التَزَمُوا طَرِيقَةَ المُعْتَزِلَةِ.

صفحة ٣٥٥
ومِنهم أهْلُ السُّنَّةِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ الأشْعَرِيِّ مِثْلَ المالِكِيَّةِ وأهْلِ الحَدِيثِ الَّذِينَ تَمَسَّكُوا بِظَواهِرِ ما جاءَتْ بِهِ الأخْبارُ الصِّحاحُ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ مَعَ التَّقْيِيدِ بِأنَّها مُؤَوَّلَةٌ عَنْ ظَواهِرِها بِوَجْهِ الإجْمالِ. وقَدْ غَلا قَوْمٌ مِنَ الآخِذِينَ بِالظّاهِرِ مِثْلَ الكَرامِيَّةِ والمُشَبِّهَةِ فَأُلْحِقُوا بِالصِّنْفِ الأوَّلِ.
ومِنهم فِرَقُ النُّظّارِينَ في التَّوْفِيقِ بَيْنَ قَواعِدِ العُلُومِ العَقْلِيَّةِ وبَيْنَ ما جاءَتْ بِهِ أقْوالُ الكِتابِ والسُّنَّةِ وهَؤُلاءِ هُمُ المُعْتَزِلَةُ، والأشاعِرَةُ، والماتُرِيدِيَّةُ.

فَأقْوالُهم في رُؤْيَةِ أهْلِ الجَنَّةِ رَبَّهم ناسِجَةٌ عَلى هَذا المِنوالِ:

فالسَّلَفُ أثْبَتُوها دُونَ بَحْثٍ والمُعْتَزِلَةُ نَفَوْها وتَأوَّلُوا الأدِلَّةَ بِنَحْوِ المَجازِ والِاشْتِراكِ، وتَقْدِيرٍ مَحْذُوفٍ لِمُعارَضَتِها الأُصُولَ القَطْعِيَّةَ عِنْدَهم فَرَجَّحُوا ما رَأوْهُ قَطْعِيًّا وألْغَوْها.

والأشاعِرَةُ أثْبَتُوها ورامُوا الِاسْتِدْلالَ لَها بِأدِلَّةٍ تُفِيدُ القَطْعَ وتُبْطِلُ قَوْلَ المُعْتَزِلَةِ ولَكِنَّهم لَمْ يَبْلُغُوا مِن ذَلِكَ المَبْلَغَ المَطْلُوبَ.

وما جاءَ بِهِ كُلُّ فَرِيقٍ مِن حُجاجٍ لَمْ يَكُنْ سالِمًا مِنِ اتِّجاهِ نُقُوضٍ ومُنُوعٍ ومُعارَضاتٍ، وكَذَلِكَ ما أثارَهُ كُلُّ فَرِيقٍ عَلى مُخالِفِيهِ مِن مُعارَضاتٍ لَمْ يَكُنْ خالِصًا مِنِ اتِّجاهِ مُنُوعٍ مُجَرَّدَةٍ أوْ مَعَ المُسْتَنَداتِ، فَطالَ الأخْذُ والرَّدُّ. ولَمْ يَحْصُلْ طائِلٌ ولا انْتَهى إلى حَدٍّ.

ويَحْسُنُ أنْ نُفَوِّضَ كَيْفِيَّتَها إلى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى كَغَيْرِها مِنَ المُتَشابِهِ الرّاجِعِ إلى شُئُونِ الخالِقِ تَعالى.

وهَذا مَعْنى قَوْلِ سَلَفِنا أنَّها رُؤْيَةٌ بِلا كَيْفٍ وهي كَلِمَةُ حَقٍّ جامِعَةٌ، وإنِ اشْمَأزَّ مِنها المُعْتَزِلَةُ.

هَذا ما يَتَعَلَّقُ بِدَلالَةِ الآيَةِ عَلى رُؤْيَةِ أهْلِ الجَنَّةِ رَبَّهم وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِأصْلِ جَوازِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى فَقَدْ مَضى القَوْلُ فِيها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿قالَ لَنْ تَرانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]) في سُورَةِ الأعْرافِ.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ مِن قَوْلِهِ (إلى رَبِّها) عَلى عامِلِهِ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا العَطاءِ العَجِيبِ ولَيْسَ لِلِاخْتِصاصِ لِأنَّهم لَيَرَوُنَّ بَهِجاتٍ كَثِيرَةً في الجَنَّةِ.

صفحة ٣٥٦
وبَيْنَ (ناضِرَةٌ) و(ناظِرَةٌ) جِناسٌ مُحَرَّفٌ قَرِيبٌ مِنَ التّامِّ.
وسَوَّغَ الِابْتِداءَ بِالنَّكِرَةِ في قَوْلِهِ (‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [القيامة: ٢٢]) أنَّها أُرِيدَ بِها التَّفْصِيلَ والتَّقْسِيمَ لِمُقابَلَتِهِ بُقُولِهِ (‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏)، عَلى حَدِّ قَوْلِ الشّاعِرِ:

فَيَوْمٌ عَلَيْنا ويَوْمٌ لَنَـا ∗∗∗ ويَوْمٌ نُساءُ ويَوْمٌ نُسَر
وأمّا الوُجُوهُ الباسِرَةُ فَنَوْعٌ ثانٍ مِن وُجُوهِ النّاسِ يَوْمَئِذٍ هي وُجُوهُ أهْلِ الشَّقاءِ. وأُعِيدَ لَفْظُ (يَوْمَئِذٍ) تَأْكِيدًا لِلِاهْتِمامِ بِالتَّذْكِيرِ بِذَلِكَ اليَوْمِ.
و(باسِرَةٌ): كالِحَةٌ مِن تَيَقُّنِ العَذابِ، وتَقَدَّمِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ثُمَّ عَبَسَ وبَسَرَ﴾ [المدثر: ٢٢]) في سُورَةِ المُدَّثِّرِ.

فَجُمْلَةُ (‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏) اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِبَيانِ سَبَبِ بُسُورِها.

وفاقِرَةٌ: داهِيَةٌ عَظِيمَةٌ، وهو نائِبُ فاعِلٍ (يُفْعَلَ بِها) ولَمْ يَقْتَرِنِ الفِعْلُ بِعَلامَةِ التَّأْنِيثِ لِأنَّ مَرْفُوعَهُ لَيْسَ مُؤَنَّثًا حَقِيقِيًّا، مَعَ وُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَ الفِعْلِ ومَرْفُوعِهِ، وكِلا الأمْرَيْنِ يُسَوِّغُ تَرْكَ عَلامَةِ التَّأْنِيثِ. وإفْرادٌ (فاقِرَةٌ) إفْرادُ الجِنْسِ، أيْ نَوْعًا عَظِيمًا مِنَ الدّاهِيَةِ.

والمَعْنى: أنَّهم أيْقَنُوا بِأنْ سَيُلاقُوا دَواهِيَ لا يُكْتَنَهُ كُنْهُها.

‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

Expecting that there will be done to them [something] backbreaking.

التحرير والتنويرIbn ʿĀshūr

( ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [القيامة: ٢٢] ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏

المُرادُ بِـ (يَوْمَئِذٍ) يَوْمُ القِيامَةِ الَّذِي تَكَرَّرَ ذِكْرُهُ بِمِثْلِ هَذا ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ (‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [القيامة: ١٠]) وأُعِيدَ مَرَّتَيْنِ.

والجُمْلَةُ المُقَدَّرَةُ المُضافُ إلَيْها (إذْ)، والمُعَوَّضُ عَنْها التَّنْوِينُ تَقْدِيرُها: يَوْمَ إذْ بَرَقَ البَصَرُ.

وقَدْ حَصَلَ مِن هَذا تَخَلُّصٌ إلى إجْمالِ حالِ النّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ بَيْنَ أهْلِ سَعادَةٍ وأهْلِ شَقاوَةٍ.

فالوُجُوهُ النّاضِرَةُ وُجُوهُ أهْلِ السَّعادَةِ والوُجُوهُ الباسِرَةُ وُجُوهُ أهْلِ الشَّقاءِ، وذَلِكَ بَيِّنٌ مِن كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ.

وقَدْ عَلِمَ النّاسُ المَعْنِيَّ بِالفَرِيقَيْنِ مِمّا سَبَقَ نُزُولُهُ مِنَ القُرْآنِ كَقَوْلِهِ في سُورَةِ عَبَسَ (﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ تَرْهَقُها قَتَرَةٌ أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ [عبس: ٤٠]) فَعُلِمَ أنَّ أصْلَ أسْبابِ السَّعادَةِ الإيمانُ بِاللَّهِ وحْدَهُ وتَصْدِيقُ رَسُولِهِ ﷺ والإيمانُ بِما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، وأنَّ أصْلَ أسْبابِ الشَّقاءِ الإشْراكُ بِاللَّهِ وتَكْذِيبُ الرَّسُولِ ﷺ ونَبْذُ ما جاءَ بِهِ. وقَدْ تَضَمَّنَ صَدْرُ هَذِهِ السُّورَةِ ما يُنْبِئُ بِذَلِكَ كَقَوْلِهِ (﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ [القيامة: ٣]) وقَوْلِهِ (‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [القيامة: ٥]) .

وتَنْكِيرُ (وُجُوهٌ) لِلتَّنْوِيعِ والتَّقْسِيمِ كَقَوْلِهِ تَعالى (‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ [الشورى: ٧]) وقَوْلِ الشّاعِرِ وهو مِن أبْياتِ كِتابِ الآدابِ ولَمْ يَعْزُهُ ولا عَزاهُ صاحِبُ العُبابِ في شَرْحِهِ:

فَيَوْمٌ عَلَيْنا ويَوْمٌ لَنَـا ويَوْمٌ نُساءُ ويَوْمٌ نُسَرْ
وقَوْلِ أبِي الطَّيِّبِ:
صفحة ٣٥٣

فَيَوْمًا بِخَيْلٍ تَطْرُدُ الرُّومَ عَنْهُـمُ ∗∗∗ ويَوْمٌ بِجُودٍ تَطْرُدُ الفَقْرَ والجَدْبا
فالوُجُوهُ النّاضِرَةُ المَوْصُوفَةُ بِالنَّضْرَةِ - بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الضّادِ - وهي حُسْنُ الوَجْهِ مِن أثَرِ النِّعْمَةِ والفَرَحِ، وفِعْلُهُ كَنَصَرَ وكَرُمَ وفَرِحَ، ولِذَلِكَ يُقالُ: ناضِرٌ ونَضِيرٌ ونَضِرٌ، وكُنِّيَ بِنَضْرَةِ الوُجُوهِ عَنْ فَرَحِ أصْحابِها ونَعِيمِهِمْ قالَ تَعالى في أهْلِ السَّعادَةِ (‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [المطففين: ٢٤]) لِأنَّ ما يَحْصُلُ في النَّفْسِ مِنَ الِانْفِعالاتِ يَظْهَرُ أثَرُهُ.
وأخْبَرَ عَنْها خَبَرًا ثانِيًا بِقَوْلِهِ (‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏) وظاهِرُ لَفْظِ (ناظِرَةٌ) أنَّهُ مِن نَظَرَ بِمَعْنى: عايَنَ بِبَصَرِهِ إعْلانًا بِتَشْرِيفِ تِلْكَ الوُجُوهِ أنَّها تَنْظُرُ إلى جانِبِ اللَّهِ تَعالى نَظَرًا خاصًّا لا يُشارِكُها فِيهِ مَن يَكُونُ دُونَ رُتَبِهِمْ، فَهَذا مَعْنى الآيَةِ بِإجْمالِهِ ثابِتٌ بِظاهِرِ القُرْآنِ وقَدْ أيَّدَتْها الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ .

فَقَدْ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وأبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ أُناسًا قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرى رَبَّنا يَوْمَ القِيامَةِ ؟ قالَ: هَلْ تُضارُّونَ في رُؤْيَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ إذا كانَتْ صَحْوًا ؟ قُلْنا: لا، قالَ: فَإنَّكم لا تُضارُّونَ في رُؤْيَةِ رَبِّكم يَوْمَئِذٍ إلّا كَما تُضارُّونَ في رُؤْيَتِهِما» .

وفِي رِوايَةٍ ”«فَإنَّكم تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ» “ وساقَ الحَدِيثَ في الشَّفاعَةِ.

ورَوى البُخارِيُّ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «كُنّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيءِ ﷺ إذْ نَظَرَ إلى القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ قالَ: إنَّكم سَتَرَوْنَ رَبَّكم كَما تَرَوْنَ هَذا القَمَرَ لا تُضامُونَ في رُؤْيَتِهِ ورُبَّما قالَ ”سَتَرَوْنَ رَبَّكم عِيانًا“» .

ورَوى مُسْلِمٌ عَنْ صُهَيْبِ بْنِ سِنانٍ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ قالَ «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: تُرِيدُونَ شَيْئًا أزِيدُكم ؟ فَيَقُولُونَ: ألَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنا ألَمْ تُدْخِلْنا الجَنَّةَ وتُنْجِنا مِنَ النّارِ، قالَ: فَيَكْشِفُ الحِجابَ فَما يُعْطَوْنَ شَيْئًا أحَبَّ إلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلى رَبِّهِمْ» .

فَدَلالَةُ الآيَةِ عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ بِأبْصارِهِمْ رُؤْيَةً مُتَعَلِّقَةً بِذاتِ اللَّهِ عَلى الإجْمالِ دَلالَةٌ ضِمْنِيَّةٌ لِاحْتِمالِها تَأْوِيلاتٍ تَأوَّلَها المُعْتَزِلَةُ بِأنَّ المَقْصُودَ رُؤْيَةُ جَلالِهِ وبَهْجَةُ قُدُسِهِ الَّتِي لا تُخَوَّلُ رُؤْيَتُها لِغَيْرِ أهْلِ السَّعادَةِ.

صفحة ٣٥٤
ويُلْحَقُ هَذا بِمُتَشابِهِ الصِّفاتِ وإنْ كانَ مُقْتَضاهُ لَيْسَ إثْباتَ صِفَةٍ، ولَكِنَّهُ يُؤَوَّلُ إلى الصِّفَةِ ويَسْتَلْزِمُها لِأنَّهُ آيِلٌ إلى اقْتِضاءِ جِهَةٍ لِلذّاتِ، ومِقْدارٍ يُحاطُ بِجَمِيعِهِ أوْ بِبَعْضِهِ، إذا كانَتِ الرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةً فَلا جَرَمَ أنْ يُعَدَّ الوَعْدُ بِرُؤْيَةِ أهْلِ الجَنَّةِ رَبَّهم تَعالى مِن قَبِيلِ المُتَشابِهِ.
ولِعُلَماءِ الإسْلامِ في ذَلِكَ أفْهامٌ مُخْتَلِفَةٌ، فَأمّا صَدْرُ الأُمَّةِ وسُلَفُها فَإنَّهم جَرَوْا عَلى طَرِيقَتِهِمُ الَّتِي تَخَلَّقُوا بِها في سِيرَةِ النَّبِيءِ ﷺ مِنَ الإيمانِ بِما ورَدَ مِن هَذا القَبِيلِ عَلى إجْمالِهِ، وصَرْفِ أنْظارِهِمْ عَنِ التَّعَمُّقِ في تَشْخِيصِ حَقِيقَتِهِ وإدْراجِهِ تَحْتَ أحَدِ أقْسامِ الحُكْمِ العَقْلِيِّ، فَقَدْ سَمِعُوا هَذا ونَظائِرَهُ كُلَّها أوْ بَعْضَها أوْ قَلِيلًا مِنها، فِيما شَغَلُوا أنْفُسَهم بِهِ ولا طَلَبُوا تَفْصِيلَهُ، ولَكِنَّهُمُ انْصَرَفُوا إلى ما هو أحَقُّ بِالعِنايَةِ وهو التَّهَمُّمُ بِإقامَةِ الشَّرِيعَةِ وبَثِّها وتَقْرِيرِ سُلْطانِها، مَعَ الجَزْمِ بِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنِ اللَّوازِمِ العارِضَةِ لِظَواهِرَ لِتِلْكَ الصِّفاتِ، جاعِلِينَ إمامَهُمُ المَرْجُوعَ إلَيْهِ في كُلِّ هَذا قَوْلَهُ تَعالى (﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١])، أوْ ما يُقارِبُ هَذا مِن دَلائِلِ التَّنْزِيهِ الخاصَّةِ بِالتَّنْزِيهِ عَنْ بَعْضِ ما ورَدَ الوَصْفُ بِهِ مِثْلَ قَوْلِهِ (﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]) بِالنِّسْبَةِ إلى مَقامِنا هَذا، مَعَ اتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّ عَدَمَ العِلْمِ بِتَفْصِيلِ ذَلِكَ لا يَقْدَحُ في عَقِيدَةِ الإيمانِ، فَلَمّا نَبَعَ في عُلَماءِ الإسْلامِ تَطَلَّبَ مَعْرِفَةَ حَقائِقِ الأشْياءِ وألْجَأهُمُ البَحْثُ العِلْمِيُّ إلى التَّعَمُّقِ في مَعانِي القُرْآنِ ودَقائِقِ عِباراتِهِ وخُصُوصِيّاتِ بَلاغَتِهِ، لَمْ يَرَوْا طَرِيقَةَ السَّلَفِ مُقْنِعَةً لِأفْهامِ أهْلِ العِلْمِ مِنَ الخَلَفِ لِأنَّ طَرِيقَتَهم في العِلْمِ طَرِيقَةُ تَمْحِيصٍ وهي اللّائِقَةُ بِعَصْرِهِمْ، وقارِنُ ذَلِكَ ما حَدَثَ في فِرَقِ الأُمَّةِ الإسْلامِيَّةِ مِنَ النِحَلِ الِاعْتِقادِيَّةِ، وإلْقاءِ شُبَهِ المَلاحِدَةِ مِنَ المُنْتَمِينَ إلى الإسْلامِ وغَيْرِهِمْ وحَدا بِهِمْ ذَلِكَ إلى الغَوْصِ والتَّعَمُّقِ لِإقامَةِ المَعارِفِ عَلى أعْمِدَةٍ لا تَقْبَلُ التَّزَلْزُلَ، ولِدَفْعِ شُبَهِ المُتَشَكِّكِينَ ورَدِّ مَطاعِنِ المُلْحِدِينَ، فَسَلَكُوا مَسالِكَ الجَمْعِ بَيْنَ المُتَعارِضاتِ مِن أقْوالٍ ومَعانٍ وإقْرارِ كُلِّ حَقِيقَةٍ في نِصابِها، وذَلِكَ بِالتَّأْوِيلِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المُقْتَضِي ويُعَضِّدُهُ الدَّلِيلُ.

فَسَلَكَتْ جَماعاتٌ مَسالِكَ التَّأْوِيلِ الإجْمالِيِّ بِأنْ يَعْتَقِدُوا تِلْكَ المُتَشابِهاتِ عَلى إجْمالِها ويُوقِنُوا بِالتَّنْزِيهِ عَنْ ظَواهِرِها ولَكِنَّهم لا يَفْصِلُونَ صَرْفَها عَنْ ظَواهِرِها بَلْ يُجْمِلُونَ التَّأْوِيلَ وهَذِهِ الطّائِفَةُ تُدْعى السَّلَفِيَّةَ لِقُرْبِ طَرِيقَتِها مِن طَرِيقَةِ السَّلَفِ في المُتَشابِهاتِ، وهَذِهِ الجَماعاتُ مُتَفاوِتَةٌ في مِقْدارِ تَأْصِيلِ أُصُولِها تَفاوُتًا جَعَلَها فِرَقًا فَمِنهُمُ الحَنابِلَةُ، والظّاهِرِيَّةُ، الخَوارِجُ الأقْدَمُونَ غَيْرَ الَّذِينَ التَزَمُوا طَرِيقَةَ المُعْتَزِلَةِ.

صفحة ٣٥٥
ومِنهم أهْلُ السُّنَّةِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ الأشْعَرِيِّ مِثْلَ المالِكِيَّةِ وأهْلِ الحَدِيثِ الَّذِينَ تَمَسَّكُوا بِظَواهِرِ ما جاءَتْ بِهِ الأخْبارُ الصِّحاحُ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ مَعَ التَّقْيِيدِ بِأنَّها مُؤَوَّلَةٌ عَنْ ظَواهِرِها بِوَجْهِ الإجْمالِ. وقَدْ غَلا قَوْمٌ مِنَ الآخِذِينَ بِالظّاهِرِ مِثْلَ الكَرامِيَّةِ والمُشَبِّهَةِ فَأُلْحِقُوا بِالصِّنْفِ الأوَّلِ.
ومِنهم فِرَقُ النُّظّارِينَ في التَّوْفِيقِ بَيْنَ قَواعِدِ العُلُومِ العَقْلِيَّةِ وبَيْنَ ما جاءَتْ بِهِ أقْوالُ الكِتابِ والسُّنَّةِ وهَؤُلاءِ هُمُ المُعْتَزِلَةُ، والأشاعِرَةُ، والماتُرِيدِيَّةُ.

فَأقْوالُهم في رُؤْيَةِ أهْلِ الجَنَّةِ رَبَّهم ناسِجَةٌ عَلى هَذا المِنوالِ:

فالسَّلَفُ أثْبَتُوها دُونَ بَحْثٍ والمُعْتَزِلَةُ نَفَوْها وتَأوَّلُوا الأدِلَّةَ بِنَحْوِ المَجازِ والِاشْتِراكِ، وتَقْدِيرٍ مَحْذُوفٍ لِمُعارَضَتِها الأُصُولَ القَطْعِيَّةَ عِنْدَهم فَرَجَّحُوا ما رَأوْهُ قَطْعِيًّا وألْغَوْها.

والأشاعِرَةُ أثْبَتُوها ورامُوا الِاسْتِدْلالَ لَها بِأدِلَّةٍ تُفِيدُ القَطْعَ وتُبْطِلُ قَوْلَ المُعْتَزِلَةِ ولَكِنَّهم لَمْ يَبْلُغُوا مِن ذَلِكَ المَبْلَغَ المَطْلُوبَ.

وما جاءَ بِهِ كُلُّ فَرِيقٍ مِن حُجاجٍ لَمْ يَكُنْ سالِمًا مِنِ اتِّجاهِ نُقُوضٍ ومُنُوعٍ ومُعارَضاتٍ، وكَذَلِكَ ما أثارَهُ كُلُّ فَرِيقٍ عَلى مُخالِفِيهِ مِن مُعارَضاتٍ لَمْ يَكُنْ خالِصًا مِنِ اتِّجاهِ مُنُوعٍ مُجَرَّدَةٍ أوْ مَعَ المُسْتَنَداتِ، فَطالَ الأخْذُ والرَّدُّ. ولَمْ يَحْصُلْ طائِلٌ ولا انْتَهى إلى حَدٍّ.

ويَحْسُنُ أنْ نُفَوِّضَ كَيْفِيَّتَها إلى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى كَغَيْرِها مِنَ المُتَشابِهِ الرّاجِعِ إلى شُئُونِ الخالِقِ تَعالى.

وهَذا مَعْنى قَوْلِ سَلَفِنا أنَّها رُؤْيَةٌ بِلا كَيْفٍ وهي كَلِمَةُ حَقٍّ جامِعَةٌ، وإنِ اشْمَأزَّ مِنها المُعْتَزِلَةُ.

هَذا ما يَتَعَلَّقُ بِدَلالَةِ الآيَةِ عَلى رُؤْيَةِ أهْلِ الجَنَّةِ رَبَّهم وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِأصْلِ جَوازِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى فَقَدْ مَضى القَوْلُ فِيها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿قالَ لَنْ تَرانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]) في سُورَةِ الأعْرافِ.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ مِن قَوْلِهِ (إلى رَبِّها) عَلى عامِلِهِ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا العَطاءِ العَجِيبِ ولَيْسَ لِلِاخْتِصاصِ لِأنَّهم لَيَرَوُنَّ بَهِجاتٍ كَثِيرَةً في الجَنَّةِ.

صفحة ٣٥٦
وبَيْنَ (ناضِرَةٌ) و(ناظِرَةٌ) جِناسٌ مُحَرَّفٌ قَرِيبٌ مِنَ التّامِّ.
وسَوَّغَ الِابْتِداءَ بِالنَّكِرَةِ في قَوْلِهِ (‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [القيامة: ٢٢]) أنَّها أُرِيدَ بِها التَّفْصِيلَ والتَّقْسِيمَ لِمُقابَلَتِهِ بُقُولِهِ (‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏)، عَلى حَدِّ قَوْلِ الشّاعِرِ:

فَيَوْمٌ عَلَيْنا ويَوْمٌ لَنَـا ∗∗∗ ويَوْمٌ نُساءُ ويَوْمٌ نُسَر
وأمّا الوُجُوهُ الباسِرَةُ فَنَوْعٌ ثانٍ مِن وُجُوهِ النّاسِ يَوْمَئِذٍ هي وُجُوهُ أهْلِ الشَّقاءِ. وأُعِيدَ لَفْظُ (يَوْمَئِذٍ) تَأْكِيدًا لِلِاهْتِمامِ بِالتَّذْكِيرِ بِذَلِكَ اليَوْمِ.
و(باسِرَةٌ): كالِحَةٌ مِن تَيَقُّنِ العَذابِ، وتَقَدَّمِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ثُمَّ عَبَسَ وبَسَرَ﴾ [المدثر: ٢٢]) في سُورَةِ المُدَّثِّرِ.

فَجُمْلَةُ (‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏) اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِبَيانِ سَبَبِ بُسُورِها.

وفاقِرَةٌ: داهِيَةٌ عَظِيمَةٌ، وهو نائِبُ فاعِلٍ (يُفْعَلَ بِها) ولَمْ يَقْتَرِنِ الفِعْلُ بِعَلامَةِ التَّأْنِيثِ لِأنَّ مَرْفُوعَهُ لَيْسَ مُؤَنَّثًا حَقِيقِيًّا، مَعَ وُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَ الفِعْلِ ومَرْفُوعِهِ، وكِلا الأمْرَيْنِ يُسَوِّغُ تَرْكَ عَلامَةِ التَّأْنِيثِ. وإفْرادٌ (فاقِرَةٌ) إفْرادُ الجِنْسِ، أيْ نَوْعًا عَظِيمًا مِنَ الدّاهِيَةِ.

والمَعْنى: أنَّهم أيْقَنُوا بِأنْ سَيُلاقُوا دَواهِيَ لا يُكْتَنَهُ كُنْهُها.

‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

No! When the soul has reached the collar bones

التحرير والتنويرIbn ʿĀshūr

‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏

رَدْعٌ ثانٍ عَلى قَوْلِ الإنْسانِ (‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [القيامة: ٦])، مُؤَكِّدٌ لِلرَّدْعِ الَّذِي قَبْلَهُ في قَوْلِهِ (‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [القيامة: ٢٠]) . ومَعْناهُ زَجْرٌ عَنْ إحالَةِ البَعْثِ فَإنَّهُ واقِعٌ غَيْرُ بَعِيدٍ فَكُلُّ أحَدٍ يُشاهِدُهُ حِينَ الِاحْتِضارِ لِلْمَوْتِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ (‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏)، أُتْبِعَ تَوْصِيفُ أشْراطِ القِيامَةِ المُباشِرَةِ لِحُلُولِهِ بِتَوْصِيفِ أشْراطِ حُلُولِ التَّهَيُّؤِ الأوَّلِ لِلِقائِهِ مِن مُفارَقَةِ الحَياةِ الأُولى.

صفحة ٣٥٧
وعَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ يَقُولُونَ: القِيامَةُ القِيامَةُ، وإنَّما قِيامَةُ أحَدِهِمْ مَوْتُهُ، وعَنْ عَلْقَمَةَ أنَّهُ حَضَرَ جِنازَةً فَلَمّا دُفِنَ قالَ: (أمّا هَذا فَقَدْ قامَتْ قِيامَتُهُ)، فَحالَةُ الِاحْتِضارِ هي آخِرُ أحْوالِ الحَياةِ الدُّنْيا يَعْقُبُها مَصِيرُ الرُّوحِ إلى تَصَرُّفِ اللَّهِ تَعالى مُباشَرَةً.
وهُوَ رَدْعٌ عَنْ إيثارِ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: ارْتَدِعُوا وتَنَبَّهُوا عَلى ما بَيْنَ أيْدِيكم مِنَ المَوْتِ الَّذِي عِنْدَهُ تَنْقَطِعُ العاجِلَةُ وتَنْتَقِلُونَ إلى الآجِلَةِ، فَيَكُونُ رَدْعًا عَلى مَحَبَّةِ العاجِلَةِ وتَرْكِ العِنايَةِ في الآخِرَةِ، فَلَيْسَ مُؤَكِّدًا لِلرَّدْعِ الَّذِي في قَوْلِهِ (‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [القيامة: ٢٠]) بَلْ هو رَدْعٌ عَلى ما تَضَمَّنَهُ ذَلِكَ الرَّدْعُ مِن إيثارِ العاجِلَةِ عَلى الآخِرَةِ.

و(‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏) مُتَعَلِّقٌ بِالكَوْنِ الَّذِي يُقَدَرُ في الخَبَرِ وهو قَوْلُهُ (إلى رَبِّكَ) . والمَعْنى: المَساقُ يَكُونُ إلى رَبِّكَ إذا بَلَغَتِ التَّراقِي.

وجُمْلَةُ (‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏) بَيانٌ لِلرَّدْعِ وتَقْرِيبٌ لِإبْطالِ الِاسْتِبْعادِ المَحْكِيِّ عَنْ مُنْكِرِي البَعْثِ بِقَوْلِهِ (‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [القيامة: ٦]) .

و(إذا) ظَرْفٌ مُضَمَّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ، وهو مُنْتَصِبٌ بِجَوابِهِ أعْنِي قَوْلَهُ (‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏) .

وتَقْدِيمُ (إلى رَبِّكَ) عَلى مُتَعَلِّقِهِ وهو (المَساقُ) لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِأنَّهُ مَناطُ الإنْكارِ مِنهم.

وضَمِيرُ (بَلَغَتْ) راجِعٌ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ في الكَلامِ ولَكِنَّهُ مَعْلُومٌ مِن فِعْلِ (بَلَغَتْ) ومِن ذِكْرِ (التَّراقِيَ) فَإنَّ فِعْلَ (‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏) يَدُلُّ أنَّها رُوحُ الإنْسانِ. والتَّقْدِيرُ: إذا بَلَغَتِ الرُّوحُ أوِ النَّفْسُ. وهَذا التَّقْدِيرُ يَدُلُّ عَلَيْهِ الفِعْلُ الَّذِي أُسْنِدَ إلى الضَّمِيرِ بِحَسَبِ عُرْفِ أهْلِ اللِّسانِ، ومَثَلُهُ قَوْلُ حاتِمٍ الطّائِيِّ:

أماوِيَّ ما يُغْنِي الثَّراءُ عَنِ الفَـتَـى إذا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وضاقَ بِها الصَّدْرُ
أيْ إذا حَشْرَجَتِ النَّفْسُ. ومِن هَذا البابِ قَوْلُ العَرَبِ ”أرْسَلَتْ“ يُرِيدُونَ: أرْسَلَتِ السَّماءُ المَطَرَ، ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الواقِعُ.

صفحة ٣٥٨
والأنْفاسُ: جَمْعُ نَفَسٍ بِفَتْحِ الفاءِ، وهو أنْسَبُ بِالحَقائِقِ.
والتَّراقِي: جَمْعُ تَرْقُوَةٍ - بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ وسُكُونِ الرّاءِ وضَمِّ القافِ وفَتْحِ الواوِ مُخَفَّفَةٍ وهاءِ تَأْنِيثٍ - وهي ثُغْرَةُ النَّحْرِ، ولِكُلِّ إنْسانٍ تَرْقُوَتانِ عَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ.

فالجَمْعُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في التَّثْنِيَةِ لِقَصْدِ تَخْفِيفِ اللَّفْظِ وقَدْ أُمِنَ اللَّبْسُ، لِأنَّ في تَثْنِيَةِ تَرْقُوَةٍ شَيْئًا مِنَ الثِّقَلِ لا يُناسِبُ أفْصَحَ كَلامٍ، وهَذا مِثْلُ ما جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التحريم: ٤]) في سُورَةِ التَّحْرِيمِ.

ومَعْنى (‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏): أنَّ الرُّوحَ بَلَغَتِ الحَنْجَرَةَ حَيْثُ تَخْرُجُ الأنْفاسُ الأخِيرَةُ فَلا يُسْمَعُ صَوْتُها إلّا في جِهَةِ التَّرْقُوَةِ وهي آخِرُ حالاتِ الِاحْتِضارِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى (‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الواقعة: ٨٣]) الآيَةَ.

واللّامُ في (التَّراقِيَ) مِثْلُ اللّامِ في (المَساقُ) فَيُقالُ: هي عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ بَلَغَتْ رُوحُهُ تَراقِيَهُ، أيِ الإنْسانِ.

ومَعْنى (‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏) وقالَ قائِلٌ: مَن يَرْقِي هَذا رُقْياتٍ لِشِفائِهِ ؟ أيْ سَألَ أهْلُ المَرِيضِ عَنْ وِجْدانِ أحَدٍ يَرْقِي، وذَلِكَ عِنْدَ تَوَقُّعِ اشْتِدادِ المَرَضِ بِهِ. والبَحْثُ عَنْ عارِفٍ بِرُقْيَةِ المَرِيضِ عادَةٌ عَرَبِيَّةٌ ورَدَ ذِكْرُها في حَدِيثِ السَّرِيَّةِ الَّذِينَ أتَوْا عَلى حَيٍّ مِن أحْياءِ العَرَبِ إذْ لُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الحَيِّ فَعَرَضَ لَهم رَجُلٌ مِن أهْلِ الحَيِّ، فَقالَ: هَلْ فِيكم مِن راقٍ ؟ إنَّ في الماءِ رَجُلًا لَدِيغًا أوْ سَلِيمًا. رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ في الرُقْيا بِفاتِحَةِ الكِتابِ.

والرُقْيا بِالقَصْرِ، ويُقالُ بَهاءِ تَأْنِيثٍ: هي كَلامٌ خاصٌّ مُعْتَقَدٌ نَفْعُهُ يَقُولُهُ قائِلٌ عِنْدَ المَرِيضِ واضِعًا يَدَهُ في وقْتِ القِراءَةِ عَلى مَوْضِعِ الوَجَعِ مِنَ المَرِيضِ أوْ عَلى رَأْسِ المَرِيضِ، أوْ يَكْتُبُهُ الكاتِبُ في خِرْقَةٍ، أوْ ورَقَةٍ وتُعَلَّقُ عَلى المَرِيضِ، وكانَتْ مِن خَصائِصِ التَّطَبُّبَ يَزْعُمُونَ أنَّها تَشْفِي مِن صَرَعِ الجُنُونِ ومِن ضُرِّ السُّمُومِ ومِنَ الحُمّى.

ويَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِها ناسٌ يَزْعُمُونَ أنَّهم يَتَلَقَّوْنَها مِن عارِفِينَ فَلِذَلِكَ سَمَّوُا الرّاقِيَ ونَحْوَهُ عَرّافًا، قالَ رُؤْبَةُ بْنُ العَجّاجِ:

بَذَلْتُ لِعَرّافِ اليَمامَةِ حُكْمَـهُ ∗∗∗ وعَرّافِ نَجْدٍ إنْ هُما شَفَيانِي

فَما تَرَكا مِن عُوذَةٍ يَعْرِفانِهَـا ∗∗∗ ولا رُقْيَةٍ بِـهَـا رَقَـيانِـيِ

صفحة ٣٥٩
وقالَ النّابِغَةُ يَذْكُرُ حالَةَ مَن لَدَغَتْهُ أفْعى:

تَناذَرَها الرّاقُونَ مِن سُوءِ سَمْعِها ∗∗∗ تُطْلِقُهُ طَوْرًا وطَوْرًا تُراجِـعُ
وكانَ الرّاقِي يَنْفُثُ عَلى المَرْقِيِّ ويَتْفُلُ، وأشارَ إلَيْهِ الحَرِيرِيُّ في المَقامَةِ التّاسِعَةِ والثَلاثِينَ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ إنَّهُ طَمَسَ المَكْتُوبَ عَلى غَفْلَةٍ، وتَفَلَ عَلَيْهِ مِائَةَ تَفْلَةٍ.
وأصْلُ الرُّقْيَةِ: ما ورِثَهُ العَرَبُ مِن طَلَبِ البَرَكَةِ بِأهْلِ الصَّلاحِ والدُّعاءِ إلى اللَّهِ، فَأصْلُها وارِدٌ مِنَ الأدْيانِ السَّماوِيَّةِ، ثُمَّ طَرَأ عَلَيْها سُوءُ الوَضْعِ عِنْدَ أهْلِ الضَّلالَةِ فَألْحَقُوها بِالسِّحْرِ أوْ بِالطِّبِّ، ولِذَلِكَ يَخْلِطُونَها مِن أقْوالٍ رُبَّما كانَتْ غَيْرَ مَفْهُومَةٍ، ومِن أشْياءَ كَأحْجارٍ أوْ أجْزاءَ مِن عَظْمِ الحَيَوانِ أوْ شَعَرِهِ، فاخْتَلَطَ أمْرُها في الأُمَمِ الجاهِلَةِ، وقَدْ جاءَ في الإسْلامِ الِاسْتِشْفاءُ بِالقُرْآنِ والدَّعَواتِ المَأْثُورَةِ المُتَقَبَلَّةِ مِن أرْبابِها وذَلِكَ مِن قَبِيلِ الدُّعاءِ.

والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في (ظَنَّ) عائِدٌ إلى الإنْسانِ في قَوْلِهِ (‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [القيامة: ٥]) أيِ الإنْسانُ الفاجِرُ.

والظَّنُّ: العِلْمُ المُقارِبُ لِلْيَقِينِ، وضَمِيرُ (أنَّهُ) ضَمِيرُ شَأْنٍ، أيْ وأيْقَنَ أنَّهُ، أيِ الأمْرُ العَظِيمُ الفِراقُ، أيْ فِراقُ الحَياةِ.

وقَوْلُهُ (‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏) إنْ حُمِلَ عَلى ظاهِرِهِ، فالمَعْنى التِفافُ ساقَيِ المُحْتَضِرِ بَعْدَ مَوْتِهِ إذْ تُلَفُّ الأكْفانُ عَلى ساقَيْهِ ويُقْرَنُ بَيْنَهُما في ثَوْبِ الكَفَنِ فَكُلُّ ساقٍ مِنهُما مُلْتَفَّةٌ صُحْبَةَ السّاقِ الأُخْرى، فالتَّعْرِيفُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، وهَذا نِهايَةُ وصْفِ الحالَةِ الَّتِي تَهَيَّأ بِها لِمَصِيرِهِ إلى القَبْرِ الَّذِي هو أوَّلُ مَراحِلِ الآخِرَةِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَمْثِيلًا فَإنَّ العَرَبَ يَسْتَعْمِلُونَ السّاقَ مَثَلًا في الشِّدَّةِ وجِدِّ الأمْرِ تَمْثِيلًا بِساقِ السّاعِي أوِ النّاهِضِ لِعَمَلٍ عَظِيمٍ، يَقُولُونَ: قامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقٍ.

وأنْشَدَ ابْنُ عَبّاسٍ قَوْلَ الرّاجِزِ:

صَبْرًا عَنَـاقُ إنَّـهُ لَـشِـرْبَـاقْ

قَدْ سَنَّ لِي قَوْمُكَ ضَرْبَ الأعْناقِ ∗∗∗ وقامَتِ الحَرْبُ بِنا عَلى ساقْ

صفحة ٣٦٠
وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى (‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [القلم: ٤٢]) في سُورَةِ القَلَمِ.
فَمَعْنى (‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏) طَرَأتْ مُصِيبَةٌ عَلى مُصِيبَةٍ.

والخِطابُ في قَوْلِهِ (إلى رَبِّكَ) التِفاتٌ عَنْ طَرِيقِ خِطابِ الجَماعَةِ في قَوْلِهِ (‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [القيامة: ٢٠]) لِأنَّهُ لَمّا كانَ خِطابًا لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ حَسُنَ التَّفَنُّنُ فِيهِ.

والتَّعْرِيفُ في (المَساقُ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ الَّذِي يَعُمُّ النّاسَ كُلَّهم بِما فِيهِمِ الإنْسانُ الكافِرُ المَرْدُودُ عَلَيْهِ. ولَكَ أنْ تُعَبِّرَ عَنِ اللّامِ بِأنَّها عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ مَساقُ الإنْسانِ الَّذِي يَسْألُ: أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ.

والمَساقُ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ لِـ (ساقَ)، وهو تَسْيِيرُ ماشٍ أمامَ مُسَيِّرِهِ إلى حَيْثُ يُرِيدُ مُسَيِّرُهُ، وضِدُّهُ القَوْدُ، وهو هُنا مَجازٌ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الإحْضارِ والإيصالِ إلى حَيْثُ يَلْقى جَزاءَ رَبِّهِ.

وسُلِكُ في الجُمَلِ الَّتِي بَعْدَ (إذا) مَسْلَكُ الإطْنابِ لِتَهْوِيلِ حالَةِ الِاحْتِضارِ عَلى الكافِرِ وفي ذَلِكَ إيماءٌ إلى أنَّ الكافِرَ يَتَراءى لَهُ مَصِيرُهُ في حالَةِ احْتِضارِهِ، وقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ في الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ «قالَ مَن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ أحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ ومَن كَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقاءَهُ قالَتْ عائِشَةُ أوْ بَعْضُ أزْواجِهِ: إنّا نَكْرَهُ المَوْتَ. قالَ: لَيْسَ ذاكَ ولَكِنَّ المُؤْمِنَ إذا حَضَرَهُ المَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوانِ اللَّهِ وكَرامَتِهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ أحَبَّ إلَيْهِ مِمّا أمامَهُ فَأحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ وأحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ، وإنَّ الكافِرَ إذا حُضِرَ بُشِّرَ بِعَذابِ اللَّهِ وعُقُوبَتِهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ أكْرَهُ إلَيْهِ مِمّا أمامَهُ فَكَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ وكَرِهَ اللَّهُ لِقاءَهُ» .

‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏

And it is said, "Who will cure [him]?"

التحرير والتنويرIbn ʿĀshūr

Loading…

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And the dying one is certain that it is the [time of] separation

التحرير والتنويرIbn ʿĀshūr

Loading…

You read 75:24–28 Just this one The next passage

The same ayah, in another commentary

Al-Qiyāmah 75:24