All commentaries

المحرر الوجيز

Ibn ʿAṭiyyah

ابن عطية الأندلسي (ت ٥٤٢ هـ)

Weighs the readings and the grammar, and says which he holds.

Al-Baqarah 2:128 Juzʾ 1 Page 20

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Our Lord, and make us Muslims [in submission] to You and from our descendants a Muslim nation [in submission] to You. And show us our rites and accept our repentance. Indeed, You are the Accepting of repentance, the Merciful.

Read in the muṣḥaf

قوله عزّ وجلّ:

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏

المَعْنى: واذْكُرْ "إذْ"، و"القَواعِدُ": جَمْعُ قاعِدَةٍ وهي الأساسُ، وقالَ الفَرّاءُ: هي الجُدُرُ، وفي هَذا تَجَوُّزٌ، والقَواعِدُ مِنَ النِساءِ جَمْعُ قاعِدٍ، وهي الَّتِي قَعَدَتْ عَنِ الوَلَدِ، وحُذِفَتْ تاءُ التَأْنِيثِ لِأنَّهُ لا دُخُولَ لِلْمُذَكَّرِ فِيهِ، هَذا قَوْلُ بَعْضِ النُحاةِ، وقَدْ شَذَّ حَذْفُها مَعَ اشْتِراكِ المُذَكِّرِ بِقَوْلِهِمْ: ناقَةٌ ضامِرٌ، ومَذْهَبُ الخَلِيلِ أنَّهُ مَتى حُذِفَتْ تاءُ التَأْنِيثِ زالَ الجَرْيُ عَلى الفِعْلِ وكانَ ذَلِكَ عَلى النَسَبِ.

و"البَيْتِ" هُنا الكَعْبَةُ بِإجْماعٍ، واخْتَلَفَ بَعْضُ رُواةِ القِصَصِ، فَقِيلَ: إنَّ آدَمَ أمَرَ بِبِنائِهِ فَبَناهُ، ثُمَّ دُثِرَ ودُرِسَ حَتّى دَلَّ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ فَرَفَعَ قَواعِدَهُ، وقِيلَ: إنَّ آدَمَ هَبَطَ بِهِ مِنَ الجَنَّةِ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا اسْتَوْحَشَ في الأرْضِ حِينَ نَقُصَ طُولُهُ وفَقَدَ أصْواتَ المَلائِكَةِ أُهْبِطَ إلَيْهِ وهو كالدُرَّةِ، وقِيلَ: كالياقُوتَةِ، وقِيلَ: إنَّ البَيْتَ كانَ رَبْوَةً حَمْراءَ، وقِيلَ: بَيْضاءَ ومِن تَحْتِهِ دُحِيَتِ الأرْضُ، وإنَّ إبْراهِيمَ ابْتَدَأ بِناءَهُ بِأمْرِ اللهِ ورَفَعَ قَواعِدَهُ.

والَّذِي يَصِحُّ مِن هَذا كُلِّهِ أنَّ اللهَ أمَرَ إبْراهِيمَ بِرَفْعِ قَواعِدِ البَيْتِ، وجائِزٌ قِدَمُهُ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ ابْتِداءً، ولا يُرَجَّحُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ إلّا بِسَنَدٍ يَقْطَعُ العُذْرَ.

(p-٣٥٠)وَقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: رَفَعَها إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ مَعًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رَفَعَها إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ يُناوِلُهُ الحِجارَةَ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: رَفَعَها إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ طِفْلٌ صَغِيرٌ، ولا يَصِحُّ هَذا عن عَلِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِأنَّ الآيَةَ والآثارَ تَرُدُّهُ.

و"إسْماعِيلُ" عُطِفَ عَلى " إبْراهِيمُ "، وقِيلَ: هو مَقْطُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ فِيما بَعْدُ. قالَ الماوَرْدِيُّ: "إسْماعِيلُ" أصْلُهُ اسْمَعْ يا ءايِلُ، وهَذا ضَعِيفٌ. وتَقْدِيرُ الكَلامِ: يَقُولانِ: "رَبَّنا تَقَبَّلْ"، وهي في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ كَذَلِكَ بِثُبُوتِ "يَقُولانِ"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: التَقْدِيرُ: وإسْماعِيلُ يَقُولُ: رَبَّنا وحُذِفَ لِدَلالَةِ الظاهِرِ عَلَيْهِ، وكُلُّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ إسْماعِيلَ لَمْ يَكُنْ طِفْلًا في ذَلِكَ الوَقْتِ.

وخُصًّا هاتَيْنِ الصِفَتَيْنِ لِتَناسُبِهِما مَعَ حالِهِما، أيْ السَمِيعُ لِدُعائِنا والعَلِيمُ بِنِيّاتِنا، وقَوْلُهُما: "اجْعَلْنا": بِمَعْنى صَيِّرْنا، تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، و"مُسْلِمَيْنِ" هو المَفْعُولُ الثانِي، وكَذَلِكَ كانا، فَإنَّما أرادا التَثْبِيتَ والدَوامَ. والإسْلامُ في هَذا المَوْضِعِ الإيمانُ والأعْمالُ جَمِيعًا. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَوْفُ: "مُسْلِمِينَ" عَلى الجَمْعِ، و"مِن" في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏، لِلتَّبْعِيضِ، وخَصَّ مِنَ الذُرِّيَّةِ بَعْضًا؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى قَدْ كانَ أعْلَمَهُ أنَّ مِنهم ظالِمِينَ. والأُمَّةُ الجَماعَةُ، وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ العَرَبَ خاصَّةً، هو ضَعِيفٌ، لِأنَّ دَعْوَتَهُ ظَهَرَتْ في العَرَبِ وفِيمَن آمَنَ مِن غَيْرِهِمْ.

وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أرِنا" بِكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "أرِنا" بِإسْكانِ الراءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بَيْنَ الإسْكانِ والكَسْرِ اخْتِلاسًا، والأصْلُ أرْئِينا، حُذِفَتِ الياءُ لِلْجَزْمِ، ونُقِلَتْ حَرَكَةُ الهَمْزَةِ إلى الراءِ، وحُذِفَتْ تَخْفِيفًا، واسْتَثْقَلَ بَعْدُ مَن سَكَّنَ الراءَ (p-٣٥١)الكَسْرَةَ كَما اسْتُثْقِلَتْ في "فَخِذٍ"، وهُنا مِنَ الإجْحافِ ما لَيْسَ في "فَخْذٍ". وقالَتْ طائِفَةٌ: "أرِنا" مِن رُؤْيَةِ البَصَرِ. وقالَتْ طائِفَةٌ: مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، وهو الأصَحُّ، ويَلْزَمُ قائِلُهُ أنْ يَتَعَدّى الفِعْلُ مِنهُ إلى ثَلاثَةِ مَفاعِيلَ، ويَنْفَصِلُ عنهُ بِأنَّهُ يُوجَدُ مَعَدًّى بِالهَمْزَةِ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ كَغَيْرِ المُعَدّى، قالَ حَطائِطُ بْنُ يَعْفُرَ أخُو الأُسُودِ بْنِ يَعْفُرَ:

؎ أرِينِي جَوادًا ماتَ هَزْلًا لِأنَّنِي أرى ما تَرَيْنَ أو بَخِيلًا مُخَلَّدًا

وقالَ قَتادَةُ: المَناسِكُ مَعالِمُ الحَجِّ. ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: لَمّا فَرَغَ إبْراهِيمُ مِن بِناءِ البَيْتِ ودَعا بِهَذِهِ الدَعْوَةِ بَعَثَ اللهُ إلَيْهِ جِبْرِيلَ فَحَجَّ بِهِ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المَناسِكُ المَذابِحُ أيْ مَواضِعُ الذَبْحِ، وقالَ فَرِيقٌ مِنَ العُلَماءِ: المَناسِكُ العِباداتُ كُلُّها ومِنهُ الناسِكُ أيِ العابِدُ. وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَأرِهِمْ مَناسِكَهُمْ" كَأنَّهُ يُرِيدُ الذُرِّيَّةَ.

(p-٣٥٢)والتَوْبَةُ الرُجُوعُ، وعَرَّفَهُ شَرْعًا مِنَ الشَرِّ إلى الخَيْرِ، وتَوْبَةُ اللهِ عَلى العَبْدِ رُجُوعُهُ بِهِ وهِدايَتُهُ لَهُ. واخْتُلِفَ في مَعْنى طَلَبِهِمُ التَوْبَةَ وهم أنْبِياءُ مَعْصُومُونَ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: طَلَبا التَثْبِيتَ والدَوامَ، وقِيلَ: أرادا مِن بَعْدِهِما مِنَ الذُرِّيَّةِ، كَما تَقُولُ: بَرَّنِي فُلانٌ وأكْرَمَنِي وأنْتَ تُرِيدُ في ولَدِكَ وذُرِّيَّتِكَ، وقِيلَ: -وَهُوَ الأحْسَنُ عِنْدِي- إنَّهُما لَمّا عَرَفا المَناسِكَ وبَنَيا البَيْتَ وأطاعا، أرادا أنْ يَسُنّا لِلنّاسِ أنَّ ذَلِكَ المَوْقِفَ وتِلْكَ المَواضِعَ مَكانُ التَنَصُّلِ مِنَ الذُنُوبِ وطَلَبُ التَوْبَةِ.

وقالَ الطَبَرِيُّ: إنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ مِن خَلْقِ اللهِ تَعالى إلّا وبَيْنَهُ وبَيْنَ اللهِ تَعالى مَعانٍ يَجِبُ أنْ تَكُونَ أحْسَنَ مِمّا هي. وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى عِصْمَةِ الأنْبِياءِ في مَعْنى التَبْلِيغِ، ومِنَ الكَبائِرِ، ومِنَ الصَغائِرِ الَّتِي فِيها رَذِيلَةٌ. واخْتُلِفَ في غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الصَغائِرِ، والَّذِي أقُولُ بِهِ: أنَّهم مَعْصُومُونَ مِنَ الجَمِيعِ، وأنَّ قَوْلَ النَبِيِّ ﷺ: «إنِّي لَأتُوبَ إلى اللهِ في اليَوْمِ وأسْتَغْفِرُهُ سَبْعِينَ مَرَّةً»، إنَّما هو رُجُوعُهُ مِن حالَةٍ إلى أرْفَعَ مِنها لِتَزِيدَ عُلُومُهُ واطِّلاعُهُ عَلى أمْرِ اللهِ، فَهو يَتَرَتَّبُ مِنَ المَنزِلَةِ الأُولى إلى الأُخْرى، والتَوْبَةُ هُنا لُغَوِيَّةٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ الآيَةُ، هَذا هو الَّذِي أرادَ النَبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: «أنا دَعْوَةُ أبِي إبْراهِيمَ، وبُشْرى عِيسى». ومَعْنى "مِنهُمْ": أنْ يُعَرِّفُوهُ ويَتَحَقَّقُوا فَضْلَهُ، ويُشْفِقَ عَلَيْهِمْ ويَحْرِصَ، و"يَتْلُوَ" في مَوْضِعِ نَصْبِ نَعْتٍ لِرَسُولٍ أيْ تالِيًا عَلَيْهِمْ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، والآياتُ: آياتُ القُرْآنِ، و"الكِتابُ": القُرْآنُ، ونَسَبَ (p-٣٥٣)التَعْلِيمَ إلى النَبِيِّ ﷺ مِن حَيْثُ هو يُعْطِي الأُمُورَ الَّتِي يَنْظُرُ فِيها ويَعْلَمُ طُرُقَ النَظَرِ بِما يُلْقِيهِ اللهُ إلَيْهِ ويُوحِيهِ. وقالَ قَتادَةُ: "الحِكْمَةُ": السُنَّةُ وبَيانُ النَبِيِّ ﷺ الشَرائِعَ. ورَوى ابْنُ وهْبٍ عن مالِكٍ، أنَّ الحِكْمَةَ الفِقْهُ في الدِينِ والفَهْمُ الَّذِي هو سَجِيَّةٌ ونُورٌ مِنَ اللهِ تَعالى، و"يُزَكِّيهِمْ" مَعْناهُ: يُطَهِّرُهم ويُنَمِّيهِمْ بِالخَيْرِ، ومَعْنى الزَكاةِ لا يُخْرِجُ عَنِ التَطْهِيرِ أوِ التَنْمِيَةِ، و"العَزِيزُ" الَّذِي يَغْلِبُ ويَتِمُّ مُرادُهُ ولا يَرُدُّ، و"الحَكِيمُ" المُصِيبُ مَواقِعَ الفِعْلِ المُحْكَمِ لَها.

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

Our Lord, and send among them a messenger from themselves who will recite to them Your verses and teach them the Book and wisdom and purify them. Indeed, You are the Exalted in Might, the Wise."

قوله عزّ وجلّ:

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏

المَعْنى: واذْكُرْ "إذْ"، و"القَواعِدُ": جَمْعُ قاعِدَةٍ وهي الأساسُ، وقالَ الفَرّاءُ: هي الجُدُرُ، وفي هَذا تَجَوُّزٌ، والقَواعِدُ مِنَ النِساءِ جَمْعُ قاعِدٍ، وهي الَّتِي قَعَدَتْ عَنِ الوَلَدِ، وحُذِفَتْ تاءُ التَأْنِيثِ لِأنَّهُ لا دُخُولَ لِلْمُذَكَّرِ فِيهِ، هَذا قَوْلُ بَعْضِ النُحاةِ، وقَدْ شَذَّ حَذْفُها مَعَ اشْتِراكِ المُذَكِّرِ بِقَوْلِهِمْ: ناقَةٌ ضامِرٌ، ومَذْهَبُ الخَلِيلِ أنَّهُ مَتى حُذِفَتْ تاءُ التَأْنِيثِ زالَ الجَرْيُ عَلى الفِعْلِ وكانَ ذَلِكَ عَلى النَسَبِ.

و"البَيْتِ" هُنا الكَعْبَةُ بِإجْماعٍ، واخْتَلَفَ بَعْضُ رُواةِ القِصَصِ، فَقِيلَ: إنَّ آدَمَ أمَرَ بِبِنائِهِ فَبَناهُ، ثُمَّ دُثِرَ ودُرِسَ حَتّى دَلَّ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ فَرَفَعَ قَواعِدَهُ، وقِيلَ: إنَّ آدَمَ هَبَطَ بِهِ مِنَ الجَنَّةِ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا اسْتَوْحَشَ في الأرْضِ حِينَ نَقُصَ طُولُهُ وفَقَدَ أصْواتَ المَلائِكَةِ أُهْبِطَ إلَيْهِ وهو كالدُرَّةِ، وقِيلَ: كالياقُوتَةِ، وقِيلَ: إنَّ البَيْتَ كانَ رَبْوَةً حَمْراءَ، وقِيلَ: بَيْضاءَ ومِن تَحْتِهِ دُحِيَتِ الأرْضُ، وإنَّ إبْراهِيمَ ابْتَدَأ بِناءَهُ بِأمْرِ اللهِ ورَفَعَ قَواعِدَهُ.

والَّذِي يَصِحُّ مِن هَذا كُلِّهِ أنَّ اللهَ أمَرَ إبْراهِيمَ بِرَفْعِ قَواعِدِ البَيْتِ، وجائِزٌ قِدَمُهُ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ ابْتِداءً، ولا يُرَجَّحُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ إلّا بِسَنَدٍ يَقْطَعُ العُذْرَ.

(p-٣٥٠)وَقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: رَفَعَها إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ مَعًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رَفَعَها إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ يُناوِلُهُ الحِجارَةَ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: رَفَعَها إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ طِفْلٌ صَغِيرٌ، ولا يَصِحُّ هَذا عن عَلِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِأنَّ الآيَةَ والآثارَ تَرُدُّهُ.

و"إسْماعِيلُ" عُطِفَ عَلى " إبْراهِيمُ "، وقِيلَ: هو مَقْطُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ فِيما بَعْدُ. قالَ الماوَرْدِيُّ: "إسْماعِيلُ" أصْلُهُ اسْمَعْ يا ءايِلُ، وهَذا ضَعِيفٌ. وتَقْدِيرُ الكَلامِ: يَقُولانِ: "رَبَّنا تَقَبَّلْ"، وهي في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ كَذَلِكَ بِثُبُوتِ "يَقُولانِ"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: التَقْدِيرُ: وإسْماعِيلُ يَقُولُ: رَبَّنا وحُذِفَ لِدَلالَةِ الظاهِرِ عَلَيْهِ، وكُلُّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ إسْماعِيلَ لَمْ يَكُنْ طِفْلًا في ذَلِكَ الوَقْتِ.

وخُصًّا هاتَيْنِ الصِفَتَيْنِ لِتَناسُبِهِما مَعَ حالِهِما، أيْ السَمِيعُ لِدُعائِنا والعَلِيمُ بِنِيّاتِنا، وقَوْلُهُما: "اجْعَلْنا": بِمَعْنى صَيِّرْنا، تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، و"مُسْلِمَيْنِ" هو المَفْعُولُ الثانِي، وكَذَلِكَ كانا، فَإنَّما أرادا التَثْبِيتَ والدَوامَ. والإسْلامُ في هَذا المَوْضِعِ الإيمانُ والأعْمالُ جَمِيعًا. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَوْفُ: "مُسْلِمِينَ" عَلى الجَمْعِ، و"مِن" في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏، لِلتَّبْعِيضِ، وخَصَّ مِنَ الذُرِّيَّةِ بَعْضًا؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى قَدْ كانَ أعْلَمَهُ أنَّ مِنهم ظالِمِينَ. والأُمَّةُ الجَماعَةُ، وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ العَرَبَ خاصَّةً، هو ضَعِيفٌ، لِأنَّ دَعْوَتَهُ ظَهَرَتْ في العَرَبِ وفِيمَن آمَنَ مِن غَيْرِهِمْ.

وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أرِنا" بِكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "أرِنا" بِإسْكانِ الراءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بَيْنَ الإسْكانِ والكَسْرِ اخْتِلاسًا، والأصْلُ أرْئِينا، حُذِفَتِ الياءُ لِلْجَزْمِ، ونُقِلَتْ حَرَكَةُ الهَمْزَةِ إلى الراءِ، وحُذِفَتْ تَخْفِيفًا، واسْتَثْقَلَ بَعْدُ مَن سَكَّنَ الراءَ (p-٣٥١)الكَسْرَةَ كَما اسْتُثْقِلَتْ في "فَخِذٍ"، وهُنا مِنَ الإجْحافِ ما لَيْسَ في "فَخْذٍ". وقالَتْ طائِفَةٌ: "أرِنا" مِن رُؤْيَةِ البَصَرِ. وقالَتْ طائِفَةٌ: مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، وهو الأصَحُّ، ويَلْزَمُ قائِلُهُ أنْ يَتَعَدّى الفِعْلُ مِنهُ إلى ثَلاثَةِ مَفاعِيلَ، ويَنْفَصِلُ عنهُ بِأنَّهُ يُوجَدُ مَعَدًّى بِالهَمْزَةِ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ كَغَيْرِ المُعَدّى، قالَ حَطائِطُ بْنُ يَعْفُرَ أخُو الأُسُودِ بْنِ يَعْفُرَ:

؎ أرِينِي جَوادًا ماتَ هَزْلًا لِأنَّنِي أرى ما تَرَيْنَ أو بَخِيلًا مُخَلَّدًا

وقالَ قَتادَةُ: المَناسِكُ مَعالِمُ الحَجِّ. ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: لَمّا فَرَغَ إبْراهِيمُ مِن بِناءِ البَيْتِ ودَعا بِهَذِهِ الدَعْوَةِ بَعَثَ اللهُ إلَيْهِ جِبْرِيلَ فَحَجَّ بِهِ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المَناسِكُ المَذابِحُ أيْ مَواضِعُ الذَبْحِ، وقالَ فَرِيقٌ مِنَ العُلَماءِ: المَناسِكُ العِباداتُ كُلُّها ومِنهُ الناسِكُ أيِ العابِدُ. وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَأرِهِمْ مَناسِكَهُمْ" كَأنَّهُ يُرِيدُ الذُرِّيَّةَ.

(p-٣٥٢)والتَوْبَةُ الرُجُوعُ، وعَرَّفَهُ شَرْعًا مِنَ الشَرِّ إلى الخَيْرِ، وتَوْبَةُ اللهِ عَلى العَبْدِ رُجُوعُهُ بِهِ وهِدايَتُهُ لَهُ. واخْتُلِفَ في مَعْنى طَلَبِهِمُ التَوْبَةَ وهم أنْبِياءُ مَعْصُومُونَ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: طَلَبا التَثْبِيتَ والدَوامَ، وقِيلَ: أرادا مِن بَعْدِهِما مِنَ الذُرِّيَّةِ، كَما تَقُولُ: بَرَّنِي فُلانٌ وأكْرَمَنِي وأنْتَ تُرِيدُ في ولَدِكَ وذُرِّيَّتِكَ، وقِيلَ: -وَهُوَ الأحْسَنُ عِنْدِي- إنَّهُما لَمّا عَرَفا المَناسِكَ وبَنَيا البَيْتَ وأطاعا، أرادا أنْ يَسُنّا لِلنّاسِ أنَّ ذَلِكَ المَوْقِفَ وتِلْكَ المَواضِعَ مَكانُ التَنَصُّلِ مِنَ الذُنُوبِ وطَلَبُ التَوْبَةِ.

وقالَ الطَبَرِيُّ: إنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ مِن خَلْقِ اللهِ تَعالى إلّا وبَيْنَهُ وبَيْنَ اللهِ تَعالى مَعانٍ يَجِبُ أنْ تَكُونَ أحْسَنَ مِمّا هي. وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى عِصْمَةِ الأنْبِياءِ في مَعْنى التَبْلِيغِ، ومِنَ الكَبائِرِ، ومِنَ الصَغائِرِ الَّتِي فِيها رَذِيلَةٌ. واخْتُلِفَ في غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الصَغائِرِ، والَّذِي أقُولُ بِهِ: أنَّهم مَعْصُومُونَ مِنَ الجَمِيعِ، وأنَّ قَوْلَ النَبِيِّ ﷺ: «إنِّي لَأتُوبَ إلى اللهِ في اليَوْمِ وأسْتَغْفِرُهُ سَبْعِينَ مَرَّةً»، إنَّما هو رُجُوعُهُ مِن حالَةٍ إلى أرْفَعَ مِنها لِتَزِيدَ عُلُومُهُ واطِّلاعُهُ عَلى أمْرِ اللهِ، فَهو يَتَرَتَّبُ مِنَ المَنزِلَةِ الأُولى إلى الأُخْرى، والتَوْبَةُ هُنا لُغَوِيَّةٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ الآيَةُ، هَذا هو الَّذِي أرادَ النَبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: «أنا دَعْوَةُ أبِي إبْراهِيمَ، وبُشْرى عِيسى». ومَعْنى "مِنهُمْ": أنْ يُعَرِّفُوهُ ويَتَحَقَّقُوا فَضْلَهُ، ويُشْفِقَ عَلَيْهِمْ ويَحْرِصَ، و"يَتْلُوَ" في مَوْضِعِ نَصْبِ نَعْتٍ لِرَسُولٍ أيْ تالِيًا عَلَيْهِمْ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، والآياتُ: آياتُ القُرْآنِ، و"الكِتابُ": القُرْآنُ، ونَسَبَ (p-٣٥٣)التَعْلِيمَ إلى النَبِيِّ ﷺ مِن حَيْثُ هو يُعْطِي الأُمُورَ الَّتِي يَنْظُرُ فِيها ويَعْلَمُ طُرُقَ النَظَرِ بِما يُلْقِيهِ اللهُ إلَيْهِ ويُوحِيهِ. وقالَ قَتادَةُ: "الحِكْمَةُ": السُنَّةُ وبَيانُ النَبِيِّ ﷺ الشَرائِعَ. ورَوى ابْنُ وهْبٍ عن مالِكٍ، أنَّ الحِكْمَةَ الفِقْهُ في الدِينِ والفَهْمُ الَّذِي هو سَجِيَّةٌ ونُورٌ مِنَ اللهِ تَعالى، و"يُزَكِّيهِمْ" مَعْناهُ: يُطَهِّرُهم ويُنَمِّيهِمْ بِالخَيْرِ، ومَعْنى الزَكاةِ لا يُخْرِجُ عَنِ التَطْهِيرِ أوِ التَنْمِيَةِ، و"العَزِيزُ" الَّذِي يَغْلِبُ ويَتِمُّ مُرادُهُ ولا يَرُدُّ، و"الحَكِيمُ" المُصِيبُ مَواقِعَ الفِعْلِ المُحْكَمِ لَها.

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And who would be averse to the religion of Abraham except one who makes a fool of himself. And We had chosen him in this world, and indeed he, in the Hereafter, will be among the righteous.

قوله عزّ وجلّ:

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ﴿وَوَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إنَّ اللهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾

"مَنِ" اسْتِفْهامٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، و"يَرْغَبُ" خَبَرُهُ، والمَعْنى يَزْهَدُ فِيها ويَرْبَأُ بِنَفْسِهِ عنها، والمِلَّةُ: الشَرِيعَةُ والطَرِيقَةُ، و"سَفِهَ" مِنَ السَفَهِ الَّذِي مَعْناهُ الرِقَّةُ والخِفَّةُ. واخْتُلِفَ في نَصْبِ "نَفْسَهُ" فَقالَ الزَجّاجُ: "سَفِهَ" بِمَعْنى جَهِلَ، وعَدّاهُ بِالمَعْنى، وقالَ غَيْرُهُ: "سَفِهَ" بِمَعْنى أُهْلِكَ. وحَكى ثَعْلَبٌ، والمُبَرِّدُ: أنْ "سَفِهَ" بِكَسْرِ الفاءِ يَتَعَدّى كَسَفَهٍ بِفَتْحِ الفاءِ وشَدِّها، وحُكِيَ عن أبِي الخَطّابِ أنَّها لُغَةٌ. وقالَ الفَرّاءُ: نَصْبُها عَلى التَمْيِيزِ.

(p-٣٥٤)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لِأنَّ السَفَهَ يَتَعَلَّقُ بِالنَفْسِ والرَأْيِ والخُلُقِ، فَكَأنَّهُ مَيَّزَها بَيْنَ هَذِهِ، ورَأْيِي أنَّ هَذا التَعْرِيفَ لَيْسَ بِمَحْضٍ لِأنَّ الضَمِيرَ فِيهِ الإبْهامُ الَّذِي في "مَن"، فَكَأنَّ الكَلامَ: إلّا مَن سَفِهَ نَفْسًا. وقالَ البَصْرِيُّونَ: لا يَجُوزُ التَمْيِيزُ مَعَ هَذا التَعْرِيفِ، وإنَّما النَصْبُ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ "فِي"، فَلَمّا انْحَذَفَ حَرْفُ الجَرِّ قَوِيَ الفِعْلُ، وهَذا يَجْرِي عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ فِيما حَكاهُ مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبَ فَلانٌ الظَهْرَ والبَطْنَ أيْ في الظَهْرِ والبَطْنِ.

وحَكى مَكِّيٌّ أنَّ التَقْدِيرَ "إلّا مَن سَفِهَ قَوْله نَفْسَهُ"، عَلى أنَّ نَفْسَهُ تَأْكِيدٌ، حُذِفَ المُؤَكَّدُ وأُقِيمَ التَوْكِيدُ مَقامَهُ قِياسًا عَلى النَعْتِ والمَنعُوتِ، وهَذا قَوْلٌ مُتَحامِلٌ. واصْطَفى: افْتَعَلَ مِنَ الصَفْوَةِ، مَعْناهُ: تَخَيَّرَ الأصْفى، وأُبْدِلَتِ التاءُ طاءً لِتَناسُبِها مَعَ الصادِ في الإطْباقِ. ومَعْنى هَذا الِاصْطِفاءِ أنَّهُ نَبَّأهُ واتَّخَذَهُ خَلِيلًا، و‏ ‏‏‏‏‏ مُتَعَلِّقٌ باسِمِ فاعِلٍ مُقَدَّرٍ مِنَ الصَلاحِ، ولا يَصْلُحُ تَعَلُّقُهُ بِـ "الصالِحِينَ" لِأنَّ الصِلَةَ لا تَتَقَدَّمُ المَوْصُولَ، هَذا عَلى أنْ تَكُونَ الألِفُ واللامُ بِمَعْنى الَّذِي، وقالَ بَعْضُهُمُ: الألِفُ واللامُ هُنا لِلتَّعْرِيفِ، ويَسْتَقِيمُ الكَلامُ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُ في عَمَلِ الآخِرَةِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏، العامِلُ في ( إذِ اصْطَفَيْناهُ )، وكانَ هَذا القَوْلُ مِنَ اللهِ حِينَ ابْتَلاهُ بِالكَوْكَبِ والقَمَرِ والشَمْسِ. والإسْلامُ هُنا عَلى أتَمِّ وُجُوهِهِ.

(p-٣٥٥)وَقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: "وَأوصى". وقَرَأ الباقُونَ ووَصّى، والمَعْنى واحِدٌ، إلّا أنَّ وصّى يَقْتَضِي التَكْثِيرَ، والضَمِيرُ في "بِها" عائِدٌ عَلى كَلِمَتِهِ الَّتِي هِيَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏، وقِيلَ: عَلى المِلَّةِ المُتَقَدِّمَةِ، والأوَّلُ أصْوَبُ لِأنَّهُ أقْرَبُ مَذْكُورٍ. وقَرَأ عَمْرُو بْنُ فائِدٍ الأسْوارِيُّ: ويَعْقُوبَ بِالنَصْبِ عَلى أنَّ يَعْقُوبَ داخِلٌ فِيمَن أوصى. واخْتُلِفَ في إعْرابِ رَفْعِهِ، فَقالَ قَوْمٌ مِنَ النُحاةِ: التَقْدِيرُ، ويَعْقُوبُ أوصى بَنِيهِ أيْضًا، فَهو عَطْفٌ عَلى " إبْراهِيمُ ". وقالَ بَعْضُهُمْ: هو مَقْطُوعٌ مُنْفَرِدٌ بِقَوْلِهِ: "يا بَنِيَّ" فَتَقْدِيرُ الكَلامِ "وَيَعْقُوبَ قالَ: يا بَنِيَّ". واصْطَفى هُنا مَعْناهُ تَخَيَّرَ صَفْوَةَ الأدْيانِ، والألِفُ واللامُ في "الدِينَ" لِلْعَهْدِ لِأنَّهم قَدْ كانُوا عَرَفُوهُ. وكُسِرَتْ "إنَّ بَعْدَ وصّى"؛ لِأنَّها بِمَعْنى القَوْلِ، ولِذَلِكَ سَقَطَتْ "أنِ" الَّتِي تَقْتَضِيها "أوصى" في قَوْلِهِ: "أنْ يا بَنِيَّ". وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ والضَحّاكُ: "أنْ يا بَنِيَّ" بِثُبُوتٍ أنْ.

وقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إيجازٌ بَلِيغٌ، وذَلِكَ أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ أمْرُهم بِالإسْلامِ والدَوامِ عَلَيْهِ فَأتى ذَلِكَ بِلَفْظٍ مُوجَزٍ يَقْتَضِي المَقْصُودَ ويَتَضَمَّنُ وعْظًا وتَذْكِيرًا (p-٣٥٦)بِالمَوْتِ، وذَلِكَ أنَّ المَرْءَ يَتَحَقَّقُ أنَّهُ يَمُوتُ ولا يَدْرِي مَتى، فَإذا أمَرَ بِأمْرٍ لا يَأْتِيهِ المَوْتُ إلّا وهو عَلَيْهِ فَقَدْ تُوَجِّهَ مِن وقْتِ الأمْرِ دائِبًا لازِمًا. وحَكى سِيبَوَيْهِ -فِيما يُشْبِهُ هَذا المَعْنى- قَوْلَهُمْ: لا أُرِيَنَّكَ هاهُنا، ولَيْسَ إلى المَأْمُورِ أنْ يَحْجُبَ إدْراكَ الأمْرِ عنهُ، فَإنَّما المَقْصُودُ: اذْهَبْ وزِلْ عن هاهُنا، فَجاءَ بِالمَقْصُودِ بِلَفْظٍ يَزِيدُ مَعْنى الغَضَبِ والكَراهِيَةِ. ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ.

‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

When his Lord said to him, "Submit", he said "I have submitted [in Islam] to the Lord of the worlds."

قوله عزّ وجلّ:

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ﴿وَوَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إنَّ اللهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾

"مَنِ" اسْتِفْهامٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، و"يَرْغَبُ" خَبَرُهُ، والمَعْنى يَزْهَدُ فِيها ويَرْبَأُ بِنَفْسِهِ عنها، والمِلَّةُ: الشَرِيعَةُ والطَرِيقَةُ، و"سَفِهَ" مِنَ السَفَهِ الَّذِي مَعْناهُ الرِقَّةُ والخِفَّةُ. واخْتُلِفَ في نَصْبِ "نَفْسَهُ" فَقالَ الزَجّاجُ: "سَفِهَ" بِمَعْنى جَهِلَ، وعَدّاهُ بِالمَعْنى، وقالَ غَيْرُهُ: "سَفِهَ" بِمَعْنى أُهْلِكَ. وحَكى ثَعْلَبٌ، والمُبَرِّدُ: أنْ "سَفِهَ" بِكَسْرِ الفاءِ يَتَعَدّى كَسَفَهٍ بِفَتْحِ الفاءِ وشَدِّها، وحُكِيَ عن أبِي الخَطّابِ أنَّها لُغَةٌ. وقالَ الفَرّاءُ: نَصْبُها عَلى التَمْيِيزِ.

(p-٣٥٤)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لِأنَّ السَفَهَ يَتَعَلَّقُ بِالنَفْسِ والرَأْيِ والخُلُقِ، فَكَأنَّهُ مَيَّزَها بَيْنَ هَذِهِ، ورَأْيِي أنَّ هَذا التَعْرِيفَ لَيْسَ بِمَحْضٍ لِأنَّ الضَمِيرَ فِيهِ الإبْهامُ الَّذِي في "مَن"، فَكَأنَّ الكَلامَ: إلّا مَن سَفِهَ نَفْسًا. وقالَ البَصْرِيُّونَ: لا يَجُوزُ التَمْيِيزُ مَعَ هَذا التَعْرِيفِ، وإنَّما النَصْبُ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ "فِي"، فَلَمّا انْحَذَفَ حَرْفُ الجَرِّ قَوِيَ الفِعْلُ، وهَذا يَجْرِي عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ فِيما حَكاهُ مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبَ فَلانٌ الظَهْرَ والبَطْنَ أيْ في الظَهْرِ والبَطْنِ.

وحَكى مَكِّيٌّ أنَّ التَقْدِيرَ "إلّا مَن سَفِهَ قَوْله نَفْسَهُ"، عَلى أنَّ نَفْسَهُ تَأْكِيدٌ، حُذِفَ المُؤَكَّدُ وأُقِيمَ التَوْكِيدُ مَقامَهُ قِياسًا عَلى النَعْتِ والمَنعُوتِ، وهَذا قَوْلٌ مُتَحامِلٌ. واصْطَفى: افْتَعَلَ مِنَ الصَفْوَةِ، مَعْناهُ: تَخَيَّرَ الأصْفى، وأُبْدِلَتِ التاءُ طاءً لِتَناسُبِها مَعَ الصادِ في الإطْباقِ. ومَعْنى هَذا الِاصْطِفاءِ أنَّهُ نَبَّأهُ واتَّخَذَهُ خَلِيلًا، و‏ ‏‏‏‏‏ مُتَعَلِّقٌ باسِمِ فاعِلٍ مُقَدَّرٍ مِنَ الصَلاحِ، ولا يَصْلُحُ تَعَلُّقُهُ بِـ "الصالِحِينَ" لِأنَّ الصِلَةَ لا تَتَقَدَّمُ المَوْصُولَ، هَذا عَلى أنْ تَكُونَ الألِفُ واللامُ بِمَعْنى الَّذِي، وقالَ بَعْضُهُمُ: الألِفُ واللامُ هُنا لِلتَّعْرِيفِ، ويَسْتَقِيمُ الكَلامُ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُ في عَمَلِ الآخِرَةِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏، العامِلُ في ( إذِ اصْطَفَيْناهُ )، وكانَ هَذا القَوْلُ مِنَ اللهِ حِينَ ابْتَلاهُ بِالكَوْكَبِ والقَمَرِ والشَمْسِ. والإسْلامُ هُنا عَلى أتَمِّ وُجُوهِهِ.

(p-٣٥٥)وَقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: "وَأوصى". وقَرَأ الباقُونَ ووَصّى، والمَعْنى واحِدٌ، إلّا أنَّ وصّى يَقْتَضِي التَكْثِيرَ، والضَمِيرُ في "بِها" عائِدٌ عَلى كَلِمَتِهِ الَّتِي هِيَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏، وقِيلَ: عَلى المِلَّةِ المُتَقَدِّمَةِ، والأوَّلُ أصْوَبُ لِأنَّهُ أقْرَبُ مَذْكُورٍ. وقَرَأ عَمْرُو بْنُ فائِدٍ الأسْوارِيُّ: ويَعْقُوبَ بِالنَصْبِ عَلى أنَّ يَعْقُوبَ داخِلٌ فِيمَن أوصى. واخْتُلِفَ في إعْرابِ رَفْعِهِ، فَقالَ قَوْمٌ مِنَ النُحاةِ: التَقْدِيرُ، ويَعْقُوبُ أوصى بَنِيهِ أيْضًا، فَهو عَطْفٌ عَلى " إبْراهِيمُ ". وقالَ بَعْضُهُمْ: هو مَقْطُوعٌ مُنْفَرِدٌ بِقَوْلِهِ: "يا بَنِيَّ" فَتَقْدِيرُ الكَلامِ "وَيَعْقُوبَ قالَ: يا بَنِيَّ". واصْطَفى هُنا مَعْناهُ تَخَيَّرَ صَفْوَةَ الأدْيانِ، والألِفُ واللامُ في "الدِينَ" لِلْعَهْدِ لِأنَّهم قَدْ كانُوا عَرَفُوهُ. وكُسِرَتْ "إنَّ بَعْدَ وصّى"؛ لِأنَّها بِمَعْنى القَوْلِ، ولِذَلِكَ سَقَطَتْ "أنِ" الَّتِي تَقْتَضِيها "أوصى" في قَوْلِهِ: "أنْ يا بَنِيَّ". وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ والضَحّاكُ: "أنْ يا بَنِيَّ" بِثُبُوتٍ أنْ.

وقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إيجازٌ بَلِيغٌ، وذَلِكَ أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ أمْرُهم بِالإسْلامِ والدَوامِ عَلَيْهِ فَأتى ذَلِكَ بِلَفْظٍ مُوجَزٍ يَقْتَضِي المَقْصُودَ ويَتَضَمَّنُ وعْظًا وتَذْكِيرًا (p-٣٥٦)بِالمَوْتِ، وذَلِكَ أنَّ المَرْءَ يَتَحَقَّقُ أنَّهُ يَمُوتُ ولا يَدْرِي مَتى، فَإذا أمَرَ بِأمْرٍ لا يَأْتِيهِ المَوْتُ إلّا وهو عَلَيْهِ فَقَدْ تُوَجِّهَ مِن وقْتِ الأمْرِ دائِبًا لازِمًا. وحَكى سِيبَوَيْهِ -فِيما يُشْبِهُ هَذا المَعْنى- قَوْلَهُمْ: لا أُرِيَنَّكَ هاهُنا، ولَيْسَ إلى المَأْمُورِ أنْ يَحْجُبَ إدْراكَ الأمْرِ عنهُ، فَإنَّما المَقْصُودُ: اذْهَبْ وزِلْ عن هاهُنا، فَجاءَ بِالمَقْصُودِ بِلَفْظٍ يَزِيدُ مَعْنى الغَضَبِ والكَراهِيَةِ. ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ.

‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And Abraham instructed his sons [to do the same] and [so did] Jacob, [saying], "O my sons, indeed Allah has chosen for you this religion, so do not die except while you are Muslims."

قوله عزّ وجلّ:

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ﴿وَوَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إنَّ اللهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾

"مَنِ" اسْتِفْهامٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، و"يَرْغَبُ" خَبَرُهُ، والمَعْنى يَزْهَدُ فِيها ويَرْبَأُ بِنَفْسِهِ عنها، والمِلَّةُ: الشَرِيعَةُ والطَرِيقَةُ، و"سَفِهَ" مِنَ السَفَهِ الَّذِي مَعْناهُ الرِقَّةُ والخِفَّةُ. واخْتُلِفَ في نَصْبِ "نَفْسَهُ" فَقالَ الزَجّاجُ: "سَفِهَ" بِمَعْنى جَهِلَ، وعَدّاهُ بِالمَعْنى، وقالَ غَيْرُهُ: "سَفِهَ" بِمَعْنى أُهْلِكَ. وحَكى ثَعْلَبٌ، والمُبَرِّدُ: أنْ "سَفِهَ" بِكَسْرِ الفاءِ يَتَعَدّى كَسَفَهٍ بِفَتْحِ الفاءِ وشَدِّها، وحُكِيَ عن أبِي الخَطّابِ أنَّها لُغَةٌ. وقالَ الفَرّاءُ: نَصْبُها عَلى التَمْيِيزِ.

(p-٣٥٤)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لِأنَّ السَفَهَ يَتَعَلَّقُ بِالنَفْسِ والرَأْيِ والخُلُقِ، فَكَأنَّهُ مَيَّزَها بَيْنَ هَذِهِ، ورَأْيِي أنَّ هَذا التَعْرِيفَ لَيْسَ بِمَحْضٍ لِأنَّ الضَمِيرَ فِيهِ الإبْهامُ الَّذِي في "مَن"، فَكَأنَّ الكَلامَ: إلّا مَن سَفِهَ نَفْسًا. وقالَ البَصْرِيُّونَ: لا يَجُوزُ التَمْيِيزُ مَعَ هَذا التَعْرِيفِ، وإنَّما النَصْبُ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ "فِي"، فَلَمّا انْحَذَفَ حَرْفُ الجَرِّ قَوِيَ الفِعْلُ، وهَذا يَجْرِي عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ فِيما حَكاهُ مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبَ فَلانٌ الظَهْرَ والبَطْنَ أيْ في الظَهْرِ والبَطْنِ.

وحَكى مَكِّيٌّ أنَّ التَقْدِيرَ "إلّا مَن سَفِهَ قَوْله نَفْسَهُ"، عَلى أنَّ نَفْسَهُ تَأْكِيدٌ، حُذِفَ المُؤَكَّدُ وأُقِيمَ التَوْكِيدُ مَقامَهُ قِياسًا عَلى النَعْتِ والمَنعُوتِ، وهَذا قَوْلٌ مُتَحامِلٌ. واصْطَفى: افْتَعَلَ مِنَ الصَفْوَةِ، مَعْناهُ: تَخَيَّرَ الأصْفى، وأُبْدِلَتِ التاءُ طاءً لِتَناسُبِها مَعَ الصادِ في الإطْباقِ. ومَعْنى هَذا الِاصْطِفاءِ أنَّهُ نَبَّأهُ واتَّخَذَهُ خَلِيلًا، و‏ ‏‏‏‏‏ مُتَعَلِّقٌ باسِمِ فاعِلٍ مُقَدَّرٍ مِنَ الصَلاحِ، ولا يَصْلُحُ تَعَلُّقُهُ بِـ "الصالِحِينَ" لِأنَّ الصِلَةَ لا تَتَقَدَّمُ المَوْصُولَ، هَذا عَلى أنْ تَكُونَ الألِفُ واللامُ بِمَعْنى الَّذِي، وقالَ بَعْضُهُمُ: الألِفُ واللامُ هُنا لِلتَّعْرِيفِ، ويَسْتَقِيمُ الكَلامُ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُ في عَمَلِ الآخِرَةِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏، العامِلُ في ( إذِ اصْطَفَيْناهُ )، وكانَ هَذا القَوْلُ مِنَ اللهِ حِينَ ابْتَلاهُ بِالكَوْكَبِ والقَمَرِ والشَمْسِ. والإسْلامُ هُنا عَلى أتَمِّ وُجُوهِهِ.

(p-٣٥٥)وَقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: "وَأوصى". وقَرَأ الباقُونَ ووَصّى، والمَعْنى واحِدٌ، إلّا أنَّ وصّى يَقْتَضِي التَكْثِيرَ، والضَمِيرُ في "بِها" عائِدٌ عَلى كَلِمَتِهِ الَّتِي هِيَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏، وقِيلَ: عَلى المِلَّةِ المُتَقَدِّمَةِ، والأوَّلُ أصْوَبُ لِأنَّهُ أقْرَبُ مَذْكُورٍ. وقَرَأ عَمْرُو بْنُ فائِدٍ الأسْوارِيُّ: ويَعْقُوبَ بِالنَصْبِ عَلى أنَّ يَعْقُوبَ داخِلٌ فِيمَن أوصى. واخْتُلِفَ في إعْرابِ رَفْعِهِ، فَقالَ قَوْمٌ مِنَ النُحاةِ: التَقْدِيرُ، ويَعْقُوبُ أوصى بَنِيهِ أيْضًا، فَهو عَطْفٌ عَلى " إبْراهِيمُ ". وقالَ بَعْضُهُمْ: هو مَقْطُوعٌ مُنْفَرِدٌ بِقَوْلِهِ: "يا بَنِيَّ" فَتَقْدِيرُ الكَلامِ "وَيَعْقُوبَ قالَ: يا بَنِيَّ". واصْطَفى هُنا مَعْناهُ تَخَيَّرَ صَفْوَةَ الأدْيانِ، والألِفُ واللامُ في "الدِينَ" لِلْعَهْدِ لِأنَّهم قَدْ كانُوا عَرَفُوهُ. وكُسِرَتْ "إنَّ بَعْدَ وصّى"؛ لِأنَّها بِمَعْنى القَوْلِ، ولِذَلِكَ سَقَطَتْ "أنِ" الَّتِي تَقْتَضِيها "أوصى" في قَوْلِهِ: "أنْ يا بَنِيَّ". وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ والضَحّاكُ: "أنْ يا بَنِيَّ" بِثُبُوتٍ أنْ.

وقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إيجازٌ بَلِيغٌ، وذَلِكَ أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ أمْرُهم بِالإسْلامِ والدَوامِ عَلَيْهِ فَأتى ذَلِكَ بِلَفْظٍ مُوجَزٍ يَقْتَضِي المَقْصُودَ ويَتَضَمَّنُ وعْظًا وتَذْكِيرًا (p-٣٥٦)بِالمَوْتِ، وذَلِكَ أنَّ المَرْءَ يَتَحَقَّقُ أنَّهُ يَمُوتُ ولا يَدْرِي مَتى، فَإذا أمَرَ بِأمْرٍ لا يَأْتِيهِ المَوْتُ إلّا وهو عَلَيْهِ فَقَدْ تُوَجِّهَ مِن وقْتِ الأمْرِ دائِبًا لازِمًا. وحَكى سِيبَوَيْهِ -فِيما يُشْبِهُ هَذا المَعْنى- قَوْلَهُمْ: لا أُرِيَنَّكَ هاهُنا، ولَيْسَ إلى المَأْمُورِ أنْ يَحْجُبَ إدْراكَ الأمْرِ عنهُ، فَإنَّما المَقْصُودُ: اذْهَبْ وزِلْ عن هاهُنا، فَجاءَ بِالمَقْصُودِ بِلَفْظٍ يَزِيدُ مَعْنى الغَضَبِ والكَراهِيَةِ. ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ.

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Or were you witnesses when death approached Jacob, when he said to his sons, "What will you worship after me?" They said, "We will worship your God and the God of your fathers, Abraham and Ishmael and Isaac - one God. And we are Muslims [in submission] to Him."

قوله عزّ وجلّ:

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏

هَذا الخِطابُ لِلْيَهُودِ والنَصارى الَّذِينَ انْتَحَلُوا الأنْبِياءَ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِمْ، ونَسَبُوهم إلى اليَهُودِيَّةِ والنَصْرانِيَّةِ، فَرَدَّ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ وكَذَّبَهُمْ، وأعْلَمَهم أنَّهم كانُوا عَلى الحَنِيفِيَّةِ والإسْلامِ، وقالَ لَهم -عَلى جِهَةِ التَقْرِيعِ والتَوْبِيخِ-: أشْهَدْتُمْ يَعْقُوبَ وعَلِمْتُمْ بِما أوصى فَتَدَّعُونَ عن عِلْمٍ؟ أيْ: لَمْ تَشْهَدُوا، بَلْ أنْتُمْ تَفْتَرُونَ. و"أمْ" تَكُونُ بِمَعْنى ألِفٍ (p-٣٥٧)الِاسْتِفْهامِ في صَدْرِ الكَلامِ، لُغَةٌ يَمانِيَةٌ. وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّ "أمْ" يُسْتَفْهَمُ بِها في وسَطِ كَلامٍ قَدْ تَقَدَّمَ صَدْرُهُ، وهَذا مِنهُ، ومِنهُ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ [يونس: ٣٨] وقالَ قَوْمٌ: "أمْ" بِمَعْنى بَلْ والتَقْدِيرُ: بَلْ شَهِدَ أسْلافُكم يَعْقُوبَ، وعَلِمْتُمْ مِنهم ما أوصى بِهِ ولَكِنَّكم كَفَرْتُمْ جَحْدًا، ونَسَبْتُمُوهم إلى غَيْرِ الحَنِيفِيَّةِ عِنادًا.

والأظْهَرُ أنَّها الَّتِي بِمَعْنى بَلْ وألِفِ الِاسْتِفْهامِ مَعًا. و"شُهَداءَ": جَمْعُ شاهِدٍ أيْ حاضِرٍ. ومَعْنى الآيَةِ: حَضَرَ يَعْقُوبُ مُقَدِّماتِ المَوْتِ، وإلّا فَلَوْ حَضَرَ المَوْتُ لَما أمْكَنَ أنْ يَقُولَ شَيْئًا. وقَدَّمَ "يَعْقُوبَ" عَلى جِهَةِ تَقْدِيمِ الأهَمِّ، والعامِلُ في "إذْ" "شُهَداءَ". و"إذْ قالَ" بَدَلٌ مِن "إذِ" الأُولى، وعَبَّرَ عَنِ المَعْبُودِ بِـ "ما" تَجْرِبَةً لَهُمْ، ولَمْ يَقُلْ: "مِن" لِئَلّا يَطْرُقَ لَهُمُ الِاهْتِداءَ، وإنَّما أرادَ أنْ يَخْتَبِرَهُمْ، وأيْضًا فالمَعْبُوداتُ المُتَعارَفَةُ مِن دُونِ اللهِ تَعالى جَماداتٌ كالأوثانِ والنارِ والشَمْسِ والحِجارَةِ، فاسْتَفْهَمَهم عَمّا يَعْبُدُونَ مِن هَذِهِ، و"مِن بَعْدِي" أيْ مِن بَعْدِ مَوْتِي. وحُكِيَ أنَّ يَعْقُوبَ حِينَ خُيِّرَ كَما يُخَيَّرُ الأنْبِياءُ اخْتارَ المَوْتَ وقالَ: أمْهِلُونِي حَتّى أُوصِيَ بَنِيَّ وأهْلِي، فَجَمَعَهم وقالَ لَهم هَذا فاهْتَدَوْا، و‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ الآيَةُ، فَأرَوْهُ ثُبُوتَهم عَلى الدِينِ ومَعْرِفَتَهم بِاللهِ تَعالى. ودَخَلَ إسْماعِيلُ في الآباءِ لِأنَّهُ عَمَّ، وقَدْ «قالَ النَبِيُّ ﷺ في العَبّاسِ: "رُدُّوا عَلِيَّ أُبَيَّ، إنِّي (p-٣٥٨)أخافَ أنْ تَفْعَلَ بِهِ قُرَيْشٌ ما فَعَلَتْ ثَقِيفُ بِعُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، وقالَ عنهُ في مَوْطِنٍ آخَرَ: هَذا بَقِيَّةُ آبائِي» ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَلامُ: «أنا ابْنُ الذَبِيحَيْنِ»، عَلى القَوْلِ الشَهِيرِ في أنَّ إسْحاقَ هو الذَبِيحُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ يَعْمُرَ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو رَجاءٍ: "وَإلَهُ أبِيكَ" واخْتَلَفَ بَعْدُ فَقِيلَ: هو اسْمٌ مُفْرَدٌ أرادُوا بِهِ إبْراهِيمَ وحْدَهُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو جَمْعُ سَلامَةٍ، وحَكى سِيبَوَيْهِ: أبٌ وأبَوْنَ وأبَيْنَ، قالَ الشاعِرُ:

؎ فَلَمّا تَبَيَّنَّ أصْواتَنا بَكَيْنَ وفَدَّيْنَنا بِالأبْيَنا

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُقالُ: قَدِمَ إسْماعِيلُ لِأنَّهُ أسَنُّ مِن إسْحاقَ، و"إلَهُ" بَدَلٌ مِن "إلَهَكَ"، وكَرَّرَهُ لِفائِدَةِ الصِفَةِ بِالوَحْدانِيَّةِ.

وقِيلَ: "إلهًا" حالٌ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ؛ لِأنَّ الغَرَضَ إثْباتُ حالِ الوَحْدانِيَّةِ، ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، أيْ كَذَلِكَ كُنّا نَحْنُ ونَكُونُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، والعامِلُ "نَعْبُدُ"، والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أمْدَحُ.

(p-٣٥٩)وَقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏، في مَوْضِعِ رَفْعِ نَعْتٍ لِأُمَّةٍ، ومَعْناهُ: ماتَتْ وصارَتْ إلى الخَلاءِ مِنَ الأرْضِ، ويَعْنِي بِالأُمَّةِ الأنْبِياءُ المَذْكُورُونَ، والمُخاطَبُ في هَذِهِ الآيَةِ اليَهُودُ والنَصارى، أيْ أنْتُمْ أيُّها الناحِلُوهُمُ اليَهُودِيَّةَ والنَصْرانِيَّةَ، ذَلِكَ لا يَنْفَعُكُمْ، لِأنَّ كُلَّ نَفْسٍ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، فَخَيْرُهم لا يَنْفَعُكم إنْ كَسَبْتُمْ شَرًّا. وفي هَذِهِ الآيَةِ رَدٌّ عَلى الجَبْرِيَّةِ القائِلِينَ: لا اكْتِسابَ لِلْعَبْدِ، ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَتَنْحَلُوهم دِينًا.

وقَوْلُهُمْ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏، نَظِيرَ قَوْلِهِمْ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [البقرة: ١١١].

ونُصِبَ "مِلَّةَ" بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: بَلْ نَتَّبِعُ مِلَّةَ، وقِيلَ: نُصِبَتْ عَلى الإغْراءِ، وقَرَأ الأعْرَجُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "بَلْ مِلَّةُ" بِالرَفْعِ، والتَقْدِيرُ: بَلِ الهُدى مِلَّةٌ، و"حَنِيفًا" حالٌ، وقِيلَ: نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ لِأنَّ الحالَ تَعَلَّقَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ. والحَنَفُ: المَيْلُ، ومِنهُ الأحْنَفُ لِمَن مالَتْ إحْدى قَدَمَيْهِ إلى الأُخْرى. والحَنِيفُ في الدِينِ: الَّذِي مالَ عَنِ الأدْيانِ المَكْرُوهَةِ إلى الحَقِّ، وقالَ قَوْمٌ: الحَنَفُ: الِاسْتِقامَةُ، وسُمِّيَ المُعْوَجُّ القَدَمَيْنِ أحْنَفُ تَفاؤُلًا كَما قِيلَ: سَلِيمٌ ومَفازَةٌ. ويَجِيءُ الحَنِيفُ في الدِينِ المُسْتَقِيمِ عَلى جَمِيعِ طاعاتِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَدْ خَصَّصَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، فَقالَ قَوْمٌ: الحَنِيفُ الحاجُّ، وقالَ آخَرُونَ: المُخْتَتِنُ، وهَذِهِ أجْزاءُ الحَنَفِ. ونَفى عنهُ الإشْراكَ فانْتَفَتْ (p-٣٦٠)عِبادَةُ الأوثانِ واليَهُودِيَّةُ لِقَوْلِهِمْ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ، والنَصْرانِيَّةُ لِقَوْلِهِمُ: المَسِيحُ ابْنُ اللهِ.

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

That was a nation which has passed on. It will have [the consequence of] what it earned, and you will have what you have earned. And you will not be asked about what they used to do.

قوله عزّ وجلّ:

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏

هَذا الخِطابُ لِلْيَهُودِ والنَصارى الَّذِينَ انْتَحَلُوا الأنْبِياءَ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِمْ، ونَسَبُوهم إلى اليَهُودِيَّةِ والنَصْرانِيَّةِ، فَرَدَّ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ وكَذَّبَهُمْ، وأعْلَمَهم أنَّهم كانُوا عَلى الحَنِيفِيَّةِ والإسْلامِ، وقالَ لَهم -عَلى جِهَةِ التَقْرِيعِ والتَوْبِيخِ-: أشْهَدْتُمْ يَعْقُوبَ وعَلِمْتُمْ بِما أوصى فَتَدَّعُونَ عن عِلْمٍ؟ أيْ: لَمْ تَشْهَدُوا، بَلْ أنْتُمْ تَفْتَرُونَ. و"أمْ" تَكُونُ بِمَعْنى ألِفٍ (p-٣٥٧)الِاسْتِفْهامِ في صَدْرِ الكَلامِ، لُغَةٌ يَمانِيَةٌ. وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّ "أمْ" يُسْتَفْهَمُ بِها في وسَطِ كَلامٍ قَدْ تَقَدَّمَ صَدْرُهُ، وهَذا مِنهُ، ومِنهُ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ [يونس: ٣٨] وقالَ قَوْمٌ: "أمْ" بِمَعْنى بَلْ والتَقْدِيرُ: بَلْ شَهِدَ أسْلافُكم يَعْقُوبَ، وعَلِمْتُمْ مِنهم ما أوصى بِهِ ولَكِنَّكم كَفَرْتُمْ جَحْدًا، ونَسَبْتُمُوهم إلى غَيْرِ الحَنِيفِيَّةِ عِنادًا.

والأظْهَرُ أنَّها الَّتِي بِمَعْنى بَلْ وألِفِ الِاسْتِفْهامِ مَعًا. و"شُهَداءَ": جَمْعُ شاهِدٍ أيْ حاضِرٍ. ومَعْنى الآيَةِ: حَضَرَ يَعْقُوبُ مُقَدِّماتِ المَوْتِ، وإلّا فَلَوْ حَضَرَ المَوْتُ لَما أمْكَنَ أنْ يَقُولَ شَيْئًا. وقَدَّمَ "يَعْقُوبَ" عَلى جِهَةِ تَقْدِيمِ الأهَمِّ، والعامِلُ في "إذْ" "شُهَداءَ". و"إذْ قالَ" بَدَلٌ مِن "إذِ" الأُولى، وعَبَّرَ عَنِ المَعْبُودِ بِـ "ما" تَجْرِبَةً لَهُمْ، ولَمْ يَقُلْ: "مِن" لِئَلّا يَطْرُقَ لَهُمُ الِاهْتِداءَ، وإنَّما أرادَ أنْ يَخْتَبِرَهُمْ، وأيْضًا فالمَعْبُوداتُ المُتَعارَفَةُ مِن دُونِ اللهِ تَعالى جَماداتٌ كالأوثانِ والنارِ والشَمْسِ والحِجارَةِ، فاسْتَفْهَمَهم عَمّا يَعْبُدُونَ مِن هَذِهِ، و"مِن بَعْدِي" أيْ مِن بَعْدِ مَوْتِي. وحُكِيَ أنَّ يَعْقُوبَ حِينَ خُيِّرَ كَما يُخَيَّرُ الأنْبِياءُ اخْتارَ المَوْتَ وقالَ: أمْهِلُونِي حَتّى أُوصِيَ بَنِيَّ وأهْلِي، فَجَمَعَهم وقالَ لَهم هَذا فاهْتَدَوْا، و‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ الآيَةُ، فَأرَوْهُ ثُبُوتَهم عَلى الدِينِ ومَعْرِفَتَهم بِاللهِ تَعالى. ودَخَلَ إسْماعِيلُ في الآباءِ لِأنَّهُ عَمَّ، وقَدْ «قالَ النَبِيُّ ﷺ في العَبّاسِ: "رُدُّوا عَلِيَّ أُبَيَّ، إنِّي (p-٣٥٨)أخافَ أنْ تَفْعَلَ بِهِ قُرَيْشٌ ما فَعَلَتْ ثَقِيفُ بِعُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، وقالَ عنهُ في مَوْطِنٍ آخَرَ: هَذا بَقِيَّةُ آبائِي» ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَلامُ: «أنا ابْنُ الذَبِيحَيْنِ»، عَلى القَوْلِ الشَهِيرِ في أنَّ إسْحاقَ هو الذَبِيحُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ يَعْمُرَ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو رَجاءٍ: "وَإلَهُ أبِيكَ" واخْتَلَفَ بَعْدُ فَقِيلَ: هو اسْمٌ مُفْرَدٌ أرادُوا بِهِ إبْراهِيمَ وحْدَهُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو جَمْعُ سَلامَةٍ، وحَكى سِيبَوَيْهِ: أبٌ وأبَوْنَ وأبَيْنَ، قالَ الشاعِرُ:

؎ فَلَمّا تَبَيَّنَّ أصْواتَنا بَكَيْنَ وفَدَّيْنَنا بِالأبْيَنا

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُقالُ: قَدِمَ إسْماعِيلُ لِأنَّهُ أسَنُّ مِن إسْحاقَ، و"إلَهُ" بَدَلٌ مِن "إلَهَكَ"، وكَرَّرَهُ لِفائِدَةِ الصِفَةِ بِالوَحْدانِيَّةِ.

وقِيلَ: "إلهًا" حالٌ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ؛ لِأنَّ الغَرَضَ إثْباتُ حالِ الوَحْدانِيَّةِ، ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، أيْ كَذَلِكَ كُنّا نَحْنُ ونَكُونُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، والعامِلُ "نَعْبُدُ"، والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أمْدَحُ.

(p-٣٥٩)وَقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏، في مَوْضِعِ رَفْعِ نَعْتٍ لِأُمَّةٍ، ومَعْناهُ: ماتَتْ وصارَتْ إلى الخَلاءِ مِنَ الأرْضِ، ويَعْنِي بِالأُمَّةِ الأنْبِياءُ المَذْكُورُونَ، والمُخاطَبُ في هَذِهِ الآيَةِ اليَهُودُ والنَصارى، أيْ أنْتُمْ أيُّها الناحِلُوهُمُ اليَهُودِيَّةَ والنَصْرانِيَّةَ، ذَلِكَ لا يَنْفَعُكُمْ، لِأنَّ كُلَّ نَفْسٍ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، فَخَيْرُهم لا يَنْفَعُكم إنْ كَسَبْتُمْ شَرًّا. وفي هَذِهِ الآيَةِ رَدٌّ عَلى الجَبْرِيَّةِ القائِلِينَ: لا اكْتِسابَ لِلْعَبْدِ، ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَتَنْحَلُوهم دِينًا.

وقَوْلُهُمْ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏، نَظِيرَ قَوْلِهِمْ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [البقرة: ١١١].

ونُصِبَ "مِلَّةَ" بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: بَلْ نَتَّبِعُ مِلَّةَ، وقِيلَ: نُصِبَتْ عَلى الإغْراءِ، وقَرَأ الأعْرَجُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "بَلْ مِلَّةُ" بِالرَفْعِ، والتَقْدِيرُ: بَلِ الهُدى مِلَّةٌ، و"حَنِيفًا" حالٌ، وقِيلَ: نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ لِأنَّ الحالَ تَعَلَّقَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ. والحَنَفُ: المَيْلُ، ومِنهُ الأحْنَفُ لِمَن مالَتْ إحْدى قَدَمَيْهِ إلى الأُخْرى. والحَنِيفُ في الدِينِ: الَّذِي مالَ عَنِ الأدْيانِ المَكْرُوهَةِ إلى الحَقِّ، وقالَ قَوْمٌ: الحَنَفُ: الِاسْتِقامَةُ، وسُمِّيَ المُعْوَجُّ القَدَمَيْنِ أحْنَفُ تَفاؤُلًا كَما قِيلَ: سَلِيمٌ ومَفازَةٌ. ويَجِيءُ الحَنِيفُ في الدِينِ المُسْتَقِيمِ عَلى جَمِيعِ طاعاتِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَدْ خَصَّصَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، فَقالَ قَوْمٌ: الحَنِيفُ الحاجُّ، وقالَ آخَرُونَ: المُخْتَتِنُ، وهَذِهِ أجْزاءُ الحَنَفِ. ونَفى عنهُ الإشْراكَ فانْتَفَتْ (p-٣٦٠)عِبادَةُ الأوثانِ واليَهُودِيَّةُ لِقَوْلِهِمْ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ، والنَصْرانِيَّةُ لِقَوْلِهِمُ: المَسِيحُ ابْنُ اللهِ.

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

They say, "Be Jews or Christians [so] you will be guided." Say, "Rather, [we follow] the religion of Abraham, inclining toward truth, and he was not of the polytheists."

قوله عزّ وجلّ:

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏

هَذا الخِطابُ لِلْيَهُودِ والنَصارى الَّذِينَ انْتَحَلُوا الأنْبِياءَ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِمْ، ونَسَبُوهم إلى اليَهُودِيَّةِ والنَصْرانِيَّةِ، فَرَدَّ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ وكَذَّبَهُمْ، وأعْلَمَهم أنَّهم كانُوا عَلى الحَنِيفِيَّةِ والإسْلامِ، وقالَ لَهم -عَلى جِهَةِ التَقْرِيعِ والتَوْبِيخِ-: أشْهَدْتُمْ يَعْقُوبَ وعَلِمْتُمْ بِما أوصى فَتَدَّعُونَ عن عِلْمٍ؟ أيْ: لَمْ تَشْهَدُوا، بَلْ أنْتُمْ تَفْتَرُونَ. و"أمْ" تَكُونُ بِمَعْنى ألِفٍ (p-٣٥٧)الِاسْتِفْهامِ في صَدْرِ الكَلامِ، لُغَةٌ يَمانِيَةٌ. وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّ "أمْ" يُسْتَفْهَمُ بِها في وسَطِ كَلامٍ قَدْ تَقَدَّمَ صَدْرُهُ، وهَذا مِنهُ، ومِنهُ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ [يونس: ٣٨] وقالَ قَوْمٌ: "أمْ" بِمَعْنى بَلْ والتَقْدِيرُ: بَلْ شَهِدَ أسْلافُكم يَعْقُوبَ، وعَلِمْتُمْ مِنهم ما أوصى بِهِ ولَكِنَّكم كَفَرْتُمْ جَحْدًا، ونَسَبْتُمُوهم إلى غَيْرِ الحَنِيفِيَّةِ عِنادًا.

والأظْهَرُ أنَّها الَّتِي بِمَعْنى بَلْ وألِفِ الِاسْتِفْهامِ مَعًا. و"شُهَداءَ": جَمْعُ شاهِدٍ أيْ حاضِرٍ. ومَعْنى الآيَةِ: حَضَرَ يَعْقُوبُ مُقَدِّماتِ المَوْتِ، وإلّا فَلَوْ حَضَرَ المَوْتُ لَما أمْكَنَ أنْ يَقُولَ شَيْئًا. وقَدَّمَ "يَعْقُوبَ" عَلى جِهَةِ تَقْدِيمِ الأهَمِّ، والعامِلُ في "إذْ" "شُهَداءَ". و"إذْ قالَ" بَدَلٌ مِن "إذِ" الأُولى، وعَبَّرَ عَنِ المَعْبُودِ بِـ "ما" تَجْرِبَةً لَهُمْ، ولَمْ يَقُلْ: "مِن" لِئَلّا يَطْرُقَ لَهُمُ الِاهْتِداءَ، وإنَّما أرادَ أنْ يَخْتَبِرَهُمْ، وأيْضًا فالمَعْبُوداتُ المُتَعارَفَةُ مِن دُونِ اللهِ تَعالى جَماداتٌ كالأوثانِ والنارِ والشَمْسِ والحِجارَةِ، فاسْتَفْهَمَهم عَمّا يَعْبُدُونَ مِن هَذِهِ، و"مِن بَعْدِي" أيْ مِن بَعْدِ مَوْتِي. وحُكِيَ أنَّ يَعْقُوبَ حِينَ خُيِّرَ كَما يُخَيَّرُ الأنْبِياءُ اخْتارَ المَوْتَ وقالَ: أمْهِلُونِي حَتّى أُوصِيَ بَنِيَّ وأهْلِي، فَجَمَعَهم وقالَ لَهم هَذا فاهْتَدَوْا، و‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ الآيَةُ، فَأرَوْهُ ثُبُوتَهم عَلى الدِينِ ومَعْرِفَتَهم بِاللهِ تَعالى. ودَخَلَ إسْماعِيلُ في الآباءِ لِأنَّهُ عَمَّ، وقَدْ «قالَ النَبِيُّ ﷺ في العَبّاسِ: "رُدُّوا عَلِيَّ أُبَيَّ، إنِّي (p-٣٥٨)أخافَ أنْ تَفْعَلَ بِهِ قُرَيْشٌ ما فَعَلَتْ ثَقِيفُ بِعُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، وقالَ عنهُ في مَوْطِنٍ آخَرَ: هَذا بَقِيَّةُ آبائِي» ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَلامُ: «أنا ابْنُ الذَبِيحَيْنِ»، عَلى القَوْلِ الشَهِيرِ في أنَّ إسْحاقَ هو الذَبِيحُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ يَعْمُرَ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو رَجاءٍ: "وَإلَهُ أبِيكَ" واخْتَلَفَ بَعْدُ فَقِيلَ: هو اسْمٌ مُفْرَدٌ أرادُوا بِهِ إبْراهِيمَ وحْدَهُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو جَمْعُ سَلامَةٍ، وحَكى سِيبَوَيْهِ: أبٌ وأبَوْنَ وأبَيْنَ، قالَ الشاعِرُ:

؎ فَلَمّا تَبَيَّنَّ أصْواتَنا بَكَيْنَ وفَدَّيْنَنا بِالأبْيَنا

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُقالُ: قَدِمَ إسْماعِيلُ لِأنَّهُ أسَنُّ مِن إسْحاقَ، و"إلَهُ" بَدَلٌ مِن "إلَهَكَ"، وكَرَّرَهُ لِفائِدَةِ الصِفَةِ بِالوَحْدانِيَّةِ.

وقِيلَ: "إلهًا" حالٌ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ؛ لِأنَّ الغَرَضَ إثْباتُ حالِ الوَحْدانِيَّةِ، ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، أيْ كَذَلِكَ كُنّا نَحْنُ ونَكُونُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، والعامِلُ "نَعْبُدُ"، والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أمْدَحُ.

(p-٣٥٩)وَقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏، في مَوْضِعِ رَفْعِ نَعْتٍ لِأُمَّةٍ، ومَعْناهُ: ماتَتْ وصارَتْ إلى الخَلاءِ مِنَ الأرْضِ، ويَعْنِي بِالأُمَّةِ الأنْبِياءُ المَذْكُورُونَ، والمُخاطَبُ في هَذِهِ الآيَةِ اليَهُودُ والنَصارى، أيْ أنْتُمْ أيُّها الناحِلُوهُمُ اليَهُودِيَّةَ والنَصْرانِيَّةَ، ذَلِكَ لا يَنْفَعُكُمْ، لِأنَّ كُلَّ نَفْسٍ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، فَخَيْرُهم لا يَنْفَعُكم إنْ كَسَبْتُمْ شَرًّا. وفي هَذِهِ الآيَةِ رَدٌّ عَلى الجَبْرِيَّةِ القائِلِينَ: لا اكْتِسابَ لِلْعَبْدِ، ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَتَنْحَلُوهم دِينًا.

وقَوْلُهُمْ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏، نَظِيرَ قَوْلِهِمْ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [البقرة: ١١١].

ونُصِبَ "مِلَّةَ" بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: بَلْ نَتَّبِعُ مِلَّةَ، وقِيلَ: نُصِبَتْ عَلى الإغْراءِ، وقَرَأ الأعْرَجُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "بَلْ مِلَّةُ" بِالرَفْعِ، والتَقْدِيرُ: بَلِ الهُدى مِلَّةٌ، و"حَنِيفًا" حالٌ، وقِيلَ: نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ لِأنَّ الحالَ تَعَلَّقَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ. والحَنَفُ: المَيْلُ، ومِنهُ الأحْنَفُ لِمَن مالَتْ إحْدى قَدَمَيْهِ إلى الأُخْرى. والحَنِيفُ في الدِينِ: الَّذِي مالَ عَنِ الأدْيانِ المَكْرُوهَةِ إلى الحَقِّ، وقالَ قَوْمٌ: الحَنَفُ: الِاسْتِقامَةُ، وسُمِّيَ المُعْوَجُّ القَدَمَيْنِ أحْنَفُ تَفاؤُلًا كَما قِيلَ: سَلِيمٌ ومَفازَةٌ. ويَجِيءُ الحَنِيفُ في الدِينِ المُسْتَقِيمِ عَلى جَمِيعِ طاعاتِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَدْ خَصَّصَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، فَقالَ قَوْمٌ: الحَنِيفُ الحاجُّ، وقالَ آخَرُونَ: المُخْتَتِنُ، وهَذِهِ أجْزاءُ الحَنَفِ. ونَفى عنهُ الإشْراكَ فانْتَفَتْ (p-٣٦٠)عِبادَةُ الأوثانِ واليَهُودِيَّةُ لِقَوْلِهِمْ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ، والنَصْرانِيَّةُ لِقَوْلِهِمُ: المَسِيحُ ابْنُ اللهِ.

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Say, [O believers], "We have believed in Allah and what has been revealed to us and what has been revealed to Abraham and Ishmael and Isaac and Jacob and the Descendants and what was given to Moses and Jesus and what was given to the prophets from their Lord. We make no distinction between any of them, and we are Muslims [in submission] to Him."

قوله عزّ وجلّ:

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏

هَذا الخِطابُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، عَلَّمَهُمُ اللهُ الإيمانَ.

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ يَعْنِي بِهِ القُرْآنَ، وصَحَّتْ إضافَةُ الإنْزالِ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ هُمُ المَأْمُورُونَ والمَنهِيُّونَ فِيهِ.

و( إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ ) يَجْمَعانِ "بَراهِيمَ وسَماعِيلَ"، هَذا هو اخْتِيارُ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلِ. وقالَ قَوْمٌ: "بَراهِمُ وسَماعِلُ"، وقالَ الكُوفِيُّونَ: "بَراهِمَةُ وسَماعِلَةُ"، وقالَ المُبَرِّدُ: "أبارِهُ وأسامِعُ"، وأجازَ ثَعْلَبٌ "بَرّاهُ"، كَما يُقالُ في التَصْغِيرِ "بِرَيِّهِ". و"الأسْباطِ" هم وُلَدُ يَعْقُوبَ، وهُمْ: رُوبِيلُ، وشَمْعُونُ، ولاوِي، ويَهُوذا، ورَبالُونُ، ويَشْحُرُ، ودَنِيَّةُ بِنْتُهُ، وأُمُّهم لِيّا، ثُمَّ خَلَّفَ عَلى أُخْتِها راحِيلُ فَوَلَدَتْ لَهُ يُوسُفَ، وبِنْيامِينُ، ووُلِدَ لَهُ مِن سَرِيَّتَيْنِ، ذانُ، وتَفْتالِي، وجادُ، وأشْرُو. والسِبْطُ في بَنِي إسْرائِيلَ بِمَنزِلَةِ القَبِيلَةِ في ولَدِ إسْماعِيلَ، فَسُمُّوا الأسْباطَ لِأنَّهُ كانَ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهم سِبْطٌ.

(p-٣٦١)‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ هو التَوْراةُ وآياتُهُ، و( ما أُوتِيَ عِيسى ) هو الإنْجِيلُ وآياتُهُ، فالمَعْنى: إنّا نُؤْمِنُ بِجَمِيعِ الأنْبِياءِ لِأنَّ جَمِيعَهم جاءَ بِالإيمانِ بِاللهِ، فَدِينُ اللهِ واحِدٌ، وإنِ اخْتَلَفَتْ أحْكامُ الشَرائِعِ، و‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: لا نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ كَما تَفْعَلُونَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: بَيْنَ أحَدٍ مِنهم وبَيْنَ نَظِيرِهِ، فاخْتُصِرَ لِفَهْمِ السامِعِ، والضَمِيرُ في "لَهُ" عائِدٌ عَلى اسْمِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ الآيَةُ. خِطابٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ وأُمَّتُهُ، والمَعْنى: إنْ صَدَّقُوا تَصْدِيقًا مِثْلَ تَصْدِيقِكُمْ، فالمُماثَلَةُ وقَعَتْ بَيْنَ الإيمانَيْنِ، هَذا قَوْلُ بَعْضِ المُتَأوِّلِينَ.

وقِيلَ: الباءُ زائِدَةٌ مُؤَكَّدَةٌ، والتَقْدِيرُ آمَنُوا مِثْلُ، والضَمِيرُ في "بِهِ" عائِدٌ كالضَمِيرِ في "لَهُ"، فَكَأنَّ الكَلامَ: فَإنْ آمَنُوا بِاللهِ مِثْلَ ما آمَنتُمْ بِهِ. ويَظْهَرُ عَوْدُ الضَمِيرِ عَلى "ما". وقِيلَ: "مِثْلِ" زائِدَةٌ كَما هي في قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذا مِن مَجازِ الكَلامِ، تَقُولُ: هَذا أمْرٌ لا يَفْعَلُهُ مِثْلُكَ، أيْ لا تَفْعَلُهُ أنْتَ، فالمَعْنى: فَإنْ آمَنُوا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ، هَذا قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَدْ حَكاهُ عنهُ الطَبَرِيُّ قِراءَةً، ثُمَّ أُسْنِدَ إلَيْهِ أنَّهُ قالَ: "لا تَقُولُوا فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ، فَإنَّهُ لا مَثَلَ لِلَّهِ تَعالى، ولَكِنْ قُولُوا: فَإنْ آمَنُوا بِالَّذِي آمَنتُمْ أو بِما آمَنتُمْ بِهِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عَلى جِهَةِ التَفْسِيرِ، أيْ هَكَذا فَلْيَتَأوَّلْ، (p-٣٦٢)وَحَكاهُما أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ قِراءَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فاللهُ أعْلَمُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ أعْرَضُوا، يَعْنِي بِهِ اليَهُودَ والنَصارى، والشِقاقُ: المُشاقَّةُ والمُحادَّةُ والمُخالَفَةُ، أيْ في شِقاقٍ لَكَ هم في شِقٍّ وأنْتَ في شِقٍّ، وقِيلَ: الشِقاقُ مَعْناهُ شَقَّ كُلُّ واحِدٍ وصَلَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ صاحِبِهِ، ثُمَّ وعَدَهُ تَعالى أنَّهُ سَيَكْفِيهِ إيّاهُمْ، ويُغَلِّبُهُ عَلَيْهِمْ، فَكانَ ذَلِكَ في قَتْلِ بَنِي قَيْنُقاعَ وبَنِي قُرَيْظَةَ وإجْلاءِ النَضِيرِ، وهَذا الوَعْدُ وانْتِجازُهُ مِن أعْلامِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ. و"السَمِيعُ" لِقَوْلِ كُلِّ قائِلٍ، "العَلِيمُ" بِما يَجِبُ أنْ يَنْفُذَ في عِبادِهِ. و‏‏‏‏ ‏‏ شَرِيعَتُهُ وسُنَّتُهُ وفِطْرَتُهُ، وذَلِكَ أنَّ النَصارى لَهم ماءٌ يَصْبُغُونَ فِيهِ أولادَهُمْ، فَهَذا يَنْظُرُ إلى ذَلِكَ، وقِيلَ: سُمِّيَ الدِينُ "صِبْغَةً" اسْتِعارَةٌ مِن حَيْثُ تَظْهَرُ أعْمالُهُ وسَمْتُهُ عَلى المُتَدَيِّنِ كَما يَظْهَرُ الصَبْغُ في الثَوْبِ وغَيْرِهِ.

ونَصْبُ الصِبْغَةِ عَلى الإغْراءِ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِن "مِلَّةَ"، وقِيلَ: نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ لِأنَّ ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ هو في مَعْنى يَلْبَسُونَ أو يَتَجَلَّلُونَ صِبْغَةَ اللهِ، وقِيلَ: التَقْدِيرُ ونَحْنُ لَهُ: مُسْلِمُونَ صِبْغَةُ اللهِ، فَهي مُتَّصِلَةٌ بِالآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: "مَن قَرَأ بِرَفْعِ "مِلَّةَ" قَرَأ بِرَفْعِ "صِبْغَةَ" ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وقَدْ ذَكَرْتُها عَنِ الأعْرَجِ وابْنِ أبِي عَبْلَةَ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ.

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

So if they believe in the same as you believe in, then they have been [rightly] guided; but if they turn away, they are only in dissension, and Allah will be sufficient for you against them. And He is the Hearing, the Knowing.

قوله عزّ وجلّ:

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏

هَذا الخِطابُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، عَلَّمَهُمُ اللهُ الإيمانَ.

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ يَعْنِي بِهِ القُرْآنَ، وصَحَّتْ إضافَةُ الإنْزالِ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ هُمُ المَأْمُورُونَ والمَنهِيُّونَ فِيهِ.

و( إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ ) يَجْمَعانِ "بَراهِيمَ وسَماعِيلَ"، هَذا هو اخْتِيارُ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلِ. وقالَ قَوْمٌ: "بَراهِمُ وسَماعِلُ"، وقالَ الكُوفِيُّونَ: "بَراهِمَةُ وسَماعِلَةُ"، وقالَ المُبَرِّدُ: "أبارِهُ وأسامِعُ"، وأجازَ ثَعْلَبٌ "بَرّاهُ"، كَما يُقالُ في التَصْغِيرِ "بِرَيِّهِ". و"الأسْباطِ" هم وُلَدُ يَعْقُوبَ، وهُمْ: رُوبِيلُ، وشَمْعُونُ، ولاوِي، ويَهُوذا، ورَبالُونُ، ويَشْحُرُ، ودَنِيَّةُ بِنْتُهُ، وأُمُّهم لِيّا، ثُمَّ خَلَّفَ عَلى أُخْتِها راحِيلُ فَوَلَدَتْ لَهُ يُوسُفَ، وبِنْيامِينُ، ووُلِدَ لَهُ مِن سَرِيَّتَيْنِ، ذانُ، وتَفْتالِي، وجادُ، وأشْرُو. والسِبْطُ في بَنِي إسْرائِيلَ بِمَنزِلَةِ القَبِيلَةِ في ولَدِ إسْماعِيلَ، فَسُمُّوا الأسْباطَ لِأنَّهُ كانَ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهم سِبْطٌ.

(p-٣٦١)‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ هو التَوْراةُ وآياتُهُ، و( ما أُوتِيَ عِيسى ) هو الإنْجِيلُ وآياتُهُ، فالمَعْنى: إنّا نُؤْمِنُ بِجَمِيعِ الأنْبِياءِ لِأنَّ جَمِيعَهم جاءَ بِالإيمانِ بِاللهِ، فَدِينُ اللهِ واحِدٌ، وإنِ اخْتَلَفَتْ أحْكامُ الشَرائِعِ، و‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: لا نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ كَما تَفْعَلُونَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: بَيْنَ أحَدٍ مِنهم وبَيْنَ نَظِيرِهِ، فاخْتُصِرَ لِفَهْمِ السامِعِ، والضَمِيرُ في "لَهُ" عائِدٌ عَلى اسْمِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ الآيَةُ. خِطابٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ وأُمَّتُهُ، والمَعْنى: إنْ صَدَّقُوا تَصْدِيقًا مِثْلَ تَصْدِيقِكُمْ، فالمُماثَلَةُ وقَعَتْ بَيْنَ الإيمانَيْنِ، هَذا قَوْلُ بَعْضِ المُتَأوِّلِينَ.

وقِيلَ: الباءُ زائِدَةٌ مُؤَكَّدَةٌ، والتَقْدِيرُ آمَنُوا مِثْلُ، والضَمِيرُ في "بِهِ" عائِدٌ كالضَمِيرِ في "لَهُ"، فَكَأنَّ الكَلامَ: فَإنْ آمَنُوا بِاللهِ مِثْلَ ما آمَنتُمْ بِهِ. ويَظْهَرُ عَوْدُ الضَمِيرِ عَلى "ما". وقِيلَ: "مِثْلِ" زائِدَةٌ كَما هي في قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذا مِن مَجازِ الكَلامِ، تَقُولُ: هَذا أمْرٌ لا يَفْعَلُهُ مِثْلُكَ، أيْ لا تَفْعَلُهُ أنْتَ، فالمَعْنى: فَإنْ آمَنُوا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ، هَذا قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَدْ حَكاهُ عنهُ الطَبَرِيُّ قِراءَةً، ثُمَّ أُسْنِدَ إلَيْهِ أنَّهُ قالَ: "لا تَقُولُوا فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ، فَإنَّهُ لا مَثَلَ لِلَّهِ تَعالى، ولَكِنْ قُولُوا: فَإنْ آمَنُوا بِالَّذِي آمَنتُمْ أو بِما آمَنتُمْ بِهِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عَلى جِهَةِ التَفْسِيرِ، أيْ هَكَذا فَلْيَتَأوَّلْ، (p-٣٦٢)وَحَكاهُما أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ قِراءَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فاللهُ أعْلَمُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ أعْرَضُوا، يَعْنِي بِهِ اليَهُودَ والنَصارى، والشِقاقُ: المُشاقَّةُ والمُحادَّةُ والمُخالَفَةُ، أيْ في شِقاقٍ لَكَ هم في شِقٍّ وأنْتَ في شِقٍّ، وقِيلَ: الشِقاقُ مَعْناهُ شَقَّ كُلُّ واحِدٍ وصَلَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ صاحِبِهِ، ثُمَّ وعَدَهُ تَعالى أنَّهُ سَيَكْفِيهِ إيّاهُمْ، ويُغَلِّبُهُ عَلَيْهِمْ، فَكانَ ذَلِكَ في قَتْلِ بَنِي قَيْنُقاعَ وبَنِي قُرَيْظَةَ وإجْلاءِ النَضِيرِ، وهَذا الوَعْدُ وانْتِجازُهُ مِن أعْلامِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ. و"السَمِيعُ" لِقَوْلِ كُلِّ قائِلٍ، "العَلِيمُ" بِما يَجِبُ أنْ يَنْفُذَ في عِبادِهِ. و‏‏‏‏ ‏‏ شَرِيعَتُهُ وسُنَّتُهُ وفِطْرَتُهُ، وذَلِكَ أنَّ النَصارى لَهم ماءٌ يَصْبُغُونَ فِيهِ أولادَهُمْ، فَهَذا يَنْظُرُ إلى ذَلِكَ، وقِيلَ: سُمِّيَ الدِينُ "صِبْغَةً" اسْتِعارَةٌ مِن حَيْثُ تَظْهَرُ أعْمالُهُ وسَمْتُهُ عَلى المُتَدَيِّنِ كَما يَظْهَرُ الصَبْغُ في الثَوْبِ وغَيْرِهِ.

ونَصْبُ الصِبْغَةِ عَلى الإغْراءِ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِن "مِلَّةَ"، وقِيلَ: نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ لِأنَّ ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ هو في مَعْنى يَلْبَسُونَ أو يَتَجَلَّلُونَ صِبْغَةَ اللهِ، وقِيلَ: التَقْدِيرُ ونَحْنُ لَهُ: مُسْلِمُونَ صِبْغَةُ اللهِ، فَهي مُتَّصِلَةٌ بِالآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: "مَن قَرَأ بِرَفْعِ "مِلَّةَ" قَرَأ بِرَفْعِ "صِبْغَةَ" ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وقَدْ ذَكَرْتُها عَنِ الأعْرَجِ وابْنِ أبِي عَبْلَةَ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ.

Reading a passage 3 ayat 5 ayat 10 ayat Just this one

The same ayah, in another commentary

Al-Baqarah 2:128