All commentaries

المحرر الوجيز

Ibn ʿAṭiyyah

ابن عطية الأندلسي (ت ٥٤٢ هـ)

Weighs the readings and the grammar, and says which he holds strongest and why.

Āl ʿImrān 3:81 Juzʾ 3 Page 60

‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And [recall, O People of the Scripture], when Allah took the covenant of the prophets, [saying], "Whatever I give you of the Scripture and wisdom and then there comes to you a messenger confirming what is with you, you [must] believe in him and support him." [Allah] said, "Have you acknowledged and taken upon that My commitment?" They said, "We have acknowledged it." He said, "Then bear witness, and I am with you among the witnesses."

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعالى:

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [آل عمران: ٧٩] ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏.

المَعْنى: ولَكِنْ يَقُولُ: "كُونُوا رَبّانِيِّينَ" وهو جَمْعُ رَبّانِيٍّ.

واخْتَلَفَ النُحاةُ في هَذِهِ النِسْبَةِ، فَقالَ قَوْمٌ: هو مَنسُوبٌ إلى الرَبِّ مِن حَيْثُ هو عالِمُ عِلْمِهِ، العامِلُ بِطاعَتِهِ، المُعَلِّمُ لِلنّاسِ ما أمَرَ بِهِ؛ وزِيدَتِ الألِفُ والنُونُ مُبالَغَةً كَما قالُوا: لِحْيانِيٌّ وشَعْرانِيٌّ في النِسْبَةِ إلى اللِحْيَةِ والشَعْرِ. وقالَ قَوْمٌ: الرَبّانِيُّ مَنسُوبٌ إلى الرُبّانِ وهو مُعَلِّمُ الناسِ وعالِمُهُمُ السائِسُ لِأمْرِهِمْ، مَأْخُوذٌ مِن رَبَّ يَرُبُّ إذا أصْلَحَ ورَبّى، وزِيدَتْ فِيهِ هَذِهِ النُونُ كَما زِيدَتْ في غَضْبانَ وعَطْشانَ، ثُمَّ نُسِبَ إلَيْهِ رَبّانِيٌّ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في صِفَةِ مَن يَسْتَحِقُّ أنْ يُقالَ لَهُ: رَبّانِيٌّ، فَقالَ أبُو رَزِينٍ (p-٢٦٩)الرَبّانِيُّ: الحَكِيمُ العالِمُ، وقالَ مُجاهِدٌ: الرَبّانِيُّ: الفَقِيهُ، وقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: الرَبّانِيُّ: العالِمُ الحَلِيمُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الحَكِيمُ الفَقِيهُ، وقالَ الضَحّاكُ: هو الفَقِيهُ العالِمُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرَبّانِيُّ: والِي الأمْرِ، يَرُبُّ الناسَ أيْ يُصْلِحُهُمْ، فالرَبّانِيُّونَ: الوُلاةُ والأحْبارُ والعُلَماءُ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: الرَبّانِيُّ: فَوْقَ الحَبْرِ لِأنَّ الحَبْرَ هو العالِمُ، والرَبّانِيُّ هو الَّذِي جَمَعَ إلى العِلْمِ والفِقْهِ البَصَرَ بِالسِياسَةِ والتَدْبِيرَ والقِيامَ بِأُمُورِ الرَعِيَّةِ وما يُصْلِحُهم في دِينِهِمْ ودُنْياهُمْ، وفي البُخارِيِّ: الرَبّانِيُّ: الَّذِي يُرَبِّي الناسَ بِصِغارِ العِلْمِ قَبْلَ كِبارِهِ. فَجُمْلَةُ ما يُقالُ في الرَبّانِيِّ إنَّهُ العالِمُ بِالرَبِّ والشَرْعِ، المُصِيبُ في التَقْدِيرِ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ الَّتِي يُحاوِلُها في الناسِ.

وقَوْلُهُ: "بِما كُنْتُمْ" مَعْناهُ: بِسَبَبِ كَوْنِكم عالِمِينَ دارِسِينَ، فَـ ما مَصْدَرِيَّةٌ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، لِأنَّ العائِدَ الَّذِي كانَ يَلْزَمُ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ أنْ يَتَضَمَّنَهُ "كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ"، ولا يَصِحُّ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ لِأنَّ كانَ قَدِ اسْتَوْفَتْ خَبَرَها ظاهِرًا وهُوَ: "تُعَلِّمُونَ"، وكَذَلِكَ "تُعَلِّمُونَ" قَدِ اسْتَوْفى مَفْعُولَهُ وهو "الكِتابَ" ظاهِرًا، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، إذْ لا يُمْكِنُ عائِدٌ، و:"تُعَلِّمُونَ" بِمَعْنى تُعَرِّفُونَ، فَهي مُتَعَدِّيَةٌ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو: "تَعْلَمُونَ" بِسُكُونِ العَيْنِ، وتَخْفِيفِ اللامِ، وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "تُعَلِّمُونَ" مُثْقَلًا، بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ اللامِ، وهَذا عَلى تَعْدِيَةِ الفِعْلِ بِالتَضْعِيفِ، والمَفْعُولُ الثانِي عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: تُعَلِّمُونَ الناسَ الكِتابَ. والقِراءَتانِ مُتَقارِبَتا المَعْنى، وقَدْ رَجَّحْتُ قِراءَةَ التَخْفِيفِ بِتَخْفِيفِهِمْ "تَدْرُسُونَ"، وبِأنَّ العِلْمَ هو العِلَّةُ الَّتِي تُوجِبُ لِلْمُوَفَّقِ مِنَ الناسِ أنْ يَكُونَ رَبّانِيًّا، ولَيْسَ التَعْلِيمُ شَرْطًا في ذَلِكَ، ورَجَّحْتُ الأُخْرى بِأنَّ التَعْلِيمَ يَتَضَمَّنُ العِلْمَ، والعِلْمَ لا يَتَضَمَّنُ التَعْلِيمَ، فَتَجِيءُ قِراءَةُ التَثْقِيلِ أبْلَغَ في المَدْحِ. ومِن حَيْثُ العالِمُ بِحالِ مَن يَعْلَمُ، فالتَعْلِيمُ كَأنَّهُ في ضِمْنِ العِلْمِ. وقِراءَةُ التَخْفِيفِ عِنْدِي أرْجَحُ.

وقَرَأ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: "تَعَلَّمُونَ" بِفَتْحِ التاءِ والعَيْنِ وشَدِّ اللامِ المَفْتُوحَةِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَدْرُسُونَ" بِضَمِّ الراءِ، مِن دَرَسَ إذا أدْمَنَ قِراءَةَ الكِتابِ وكَرَّرَهُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "تَدْرِسُونَ" بِكَسْرِ الراءِ، وهَذا عَلى أنَّهُ يُقالُ في مُضارِعِ دَرَسَ، يَدْرُسُ ويَدْرِسُ ورُوِيَ عن أبِي حَيْوَةَ، أنَّهُ قَرَأ: "تُدَرِّسُونَ"، بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الراءِ وشَدِّها، (p-٢٧٠)بِمَعْنى: تُدَرِّسُونَ غَيْرَكم. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ: "وَلا يَأْمُرُكُمْ" بِرَفْعِ الراءِ، وكانَ أبُو عَمْرٍو يَخْتَلِسُ حَرَكَةَ الراءِ تَخْفِيفًا، وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ: "وَلا يَأْمُرَكُمْ" نَصْبًا، ولا خِلافَ في الراءِ مِن قَوْلِهِ: "أيَأْمُرُكُمْ" إلّا اخْتِلاسُ أبِي عَمْرٍو، فَمَن رَفَعَ قَوْلَهُ: "لا يَأْمُرُكُمْ"، فَهو عَلى القَطْعِ. قالَ سِيبَوَيْهِ: المَعْنى: ولا يَأْمُرُكُمُ اللهُ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُ: المَعْنى: ولا يَأْمُرُكم هَذا البَشَرُ الَّذِي أُوتِيَ هَذِهِ النِعَمَ، وهو مُحَمَّدٌ ﷺ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلَنْ يَأْمُرَكُمْ"، فَهَذِهِ قِراءَةٌ تَدُلُّ عَلى القَطْعِ. وأمّا قِراءَةُ مَن نَصَبَ الراءَ فَهي عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: "أنْ يُؤْتِيَهُ" والمَعْنى: ولا لَهُ أنْ يَأْمُرَكُمْ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ، وقالَ الطَبَرِيُّ: قَوْلُهُ "وَلا يَأْمُرَكُمْ" بِالنَصْبِ - مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: "ثُمَّ يَقُولَ"؛ وهَذا خَطَأٌ لا يَلْتَئِمُ بِهِ المَعْنى، والأرْبابُ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى الآلِهَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ" تَقْرِيرٌ عَلى هَذا المَعْنى الظاهِرِ فَسادُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏... الآيَةُ، المَعْنى: واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ إذْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أخْذُ هَذا المِيثاقِ حِينَ أخْرَجَ بَنِي آدَمَ مِن ظَهْرِ آدَمَ نَسَمًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الأخْذُ عَلى كُلِّ نَبِيٍّ في زَمَنِهِ ووَقْتِ بَعْثِهِ، ثُمَّ جَمَعَ اللَفْظَ في حِكايَةِ الحالِ في هَذِهِ الآيَةِ، والمَعْنى: أنَّ اللهَ تَعالى أخَذَ مِيثاقَ كُلِّ نَبِيٍّ بِأنَّهُ يَلْتَزِمُ هو ومَن آمَنَ بِهِ، الإيمانَ بِمَن أُوتِيَ بَعْدَهُ مِنَ الرُسُلِ الظاهِرَةِ بَراهِينُهُمْ، والنُصْرَةَ لَهُ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في العِبارَةِ عن مُقْتَضى ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ مُجاهِدٌ والرَبِيعُ: إنَّما أخَذَ مِيثاقَ أهْلِ الكِتابِ لا مِيثاقَ النَبِيِّينَ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وابْنِ مَسْعُودٍ: "وَإذْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ" قالَ مُجاهِدٌ: هَكَذا هو القُرْآنُ، وإثْباتُ "النَبِيِّينَ" خَطَأٌ مِنَ الكُتّابِ. وهَذا لَفْظٌ مَرْدُودٌ بِإجْماعِ الصَحابَةِ عَلى مُصْحَفِ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّما أخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَبِيِّينَ عَلى قَوْمِهِمْ، (p-٢٧١)فَهُوَ أخْذٌ لِمِيثاقِ الجَمِيعِ. وقالَ طاوُسُ: أخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَبِيِّينَ أنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما بَعَثَ اللهُ نَبِيًّا - آدَمَ فَمَن بَعْدَهُ - إلّا أُخِذَ عَلَيْهِ العَهْدُ في مُحَمَّدٍ؛ لَئِنْ بُعِثَ وهو حَيٌّ لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَيَنْصُرَنَّهُ، وأمَرَهُ بِأخْذِهِ عَلى قَوْمِهِ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ، وقالَهُ السُدِّيُّ، ورُوِيَ عن طاوُسَ أنَّهُ قالَ: صَدْرُ الآيَةِ أخْذُ المِيثاقِ عَلى النَبِيِّينَ وقَوْلُهُ: "ثُمَّ جاءَكُمْ" مُخاطَبَةٌ لِأهْلِ الكِتابِ بِأخْذِ المِيثاقِ عَلَيْهِمْ - حَكاهُ الطَبَرِيُّ، وهو قَوْلٌ يُفْسِدُهُ إعْرابُ الآيَةِ. وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها تَرْجِعُ إلى ما قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ عَبّاسٍ، لِأنَّ الأخْذَ عَلى الأنْبِياءِ أخْذٌ عَلى الأُمَمِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ وغَيْرُهُ سِوى السَبْعَةِ: "لِما" بِكَسْرِ اللامِ، وهي لامُ الجَرِّ، والتَقْدِيرُ: لِأجْلِ ما آتَيْناكُمْ، إذْ أنْتُمُ القادَةُ والرُؤُوسُ، ومَن كانَ بِهَذِهِ الحالِ فَهو الَّذِي يُؤْخَذُ مِيثاقُهُ. و"ما" في هَذِهِ القِراءَةِ بِمَعْنى الَّذِي المَوْصُولَةُ، والعائِدُ إلَيْها مِنَ الصِلَةِ تَقْدِيرُهُ: آتَيْناكُمُوهُ، و"مِن" لِبَيانِ الجِنْسِ، وقَوْلُهُ: "ثُمَّ جاءَكُمْ"... الآيَةُ، جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى الصِلَةِ، ولا بُدَّ في هَذِهِ الجُمْلَةِ مِن ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى المَوْصُولِ، فَتَقْدِيرُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ: رَسُولٌ بِهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ، وحُذِفَ تَخْفِيفًا كَما حُذِفَ الَّذِي في الصِلَةِ بِعَيْنِها لِطُولِ الكَلامِ، كَما قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [الفرقان: ٤١] ؛ والحَذْفُ مِنَ الصِلاتِ كَثِيرٌ جَمِيلٌ، وأمّا أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ فَقالَ قَوْلُهُ تَعالى: "لِما مَعَكُمْ". هو العائِدُ عِنْدَهُ عَلى المَوْصُولِ، إذْ هو في المَعْنى بِمَنزِلَةِ الضَمِيرِ الَّذِي قَدَّرَ سِيبَوَيْهِ، وكَذَلِكَ قالَ الأخْفَشُ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [يوسف: ٩٠] لِأنَّ المَعْنى: لا يَضِيعُ أجْرُهُمْ، إذِ المُحْسِنُونَ هم مَن يَتَّقِي ويَصْبِرُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ [الكهف: ٣٠] وكَذَلِكَ ما ضارَعَ هَذِهِ الآياتِ. وسِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ لا يَرى أنْ يَضَعَ المُظْهَرَ مَوْقِعَ المُضْمَرِ، كَما يَراهُ أبُو الحَسَنِ. واللامُ فِي: "لَتُؤْمِنُنَّ" هي اللامُ المُتَعَلِّقَةُ لِلْقَسَمِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ أخْذُ المِيثاقِ، وفَصَلَ بَيْنَ القَسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ، وذَلِكَ جائِزٌ.

(p-٢٧٢)وَقَرَأ سائِرُ السَبْعَةِ: "لَما" بِفَتْحِ اللامِ، وذَلِكَ يَتَخَرَّجُ عَلى وجْهَيْنِ، أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، واللامُ لامٌ بِالِابْتِداءِ، وهي مُتَلَقِّيَةٌ لِما أُجْرِيَ مَجْرى القَسَمِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ وخَبَرُ الِابْتِداءِ قَوْلُهُ: "لَتُؤْمِنُنَّ" و"لَتُؤْمِنُنَّ" مُتَعَلِّقٌ بِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى: واللهِ لَتُؤْمِنُنَّ؛ هَكَذا قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، وفِيهِ مِن جِهَةِ المَعْنى نَظَرٌ إذا تَأمَّلْتَ عَلى أيِّ شَيْءٍ وقَعَ التَحْلِيفُ، لَكِنَّهُ مُتَوَجِّهٌ بِأنَّ الحَلِفَ يَقَعُ مَرَّتَيْنِ تَأْكِيدًا، فَتَأمَّلْ. والعائِدُ الَّذِي في الصِلَةِ، والعائِدُ الَّذِي في الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ عَلى الصِلَةِ هُنا في هَذِهِ القِراءَةِ هُما عَلى حَدِّ ما ذَكَرْناهُما في قِراءَةِ حَمْزَةَ، أمّا أنَّ هَذا التَأْوِيلَ يَقْتَضِي عائِدًا مِنَ الخَبَرِ الَّذِي هو "لَتُؤْمِنُنَّ" فَهو قَوْلُهُ تَعالى: "بِهِ" فالهاءُ مِن "بِهِ" عائِدَةٌ عَلى "ما" ولا يَجُوزُ أنْ تَعُودَ عَلى "رَسُولٌ" فَيَبْقى المَوْصُولُ حِينَئِذٍ غَيْرَ عائِدٍ عَلَيْهِ مِن خَبَرِهِ ذِكْرٌ. والوَجْهُ الثانِي الَّذِي تَتَخَرَّجُ عَلَيْهِ قِراءَةُ القُرّاءِ "لَما" بِفَتْحِ اللامِ، هو أنْ تَكُونَ "ما" لِلْجَزاءِ شَرْطًا، فَتَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَها وهو مَجْزُومٌ، و"جاءَكُمْ" مَعْطُوفٌ في مَوْضِعِ جَزْمٍ، واللامُ الداخِلَةُ عَلى "ما" لَيْسَتِ المُتَلَقِّيَةَ لِلْقَسَمِ، ولَكِنَّها المُوَطِّئَةُ المُؤْذِنَةُ بِمَجِيءِ لامِ القَسَمِ، فَهي بِمَنزِلَةِ اللامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ [الأحزاب: ٦٠] لِأنَّها مُؤْذِنَةٌ بِمَجِيءِ المُتَلَقِّيَةِ لِلْقَسَمِ في قَوْلِهِ: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦٠]، وكَذَلِكَ هَذِهِ مُؤْذِنَةٌ بِمَجِيءِ المُتَلَقِّيَةِ لِلْقَسَمِ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏، وهَذِهِ اللامُ الداخِلَةُ عَلى "إنَّ" لا يَعْتَمِدُ القَسَمُ عَلَيْها، فَلِذَلِكَ جازَ حَذْفُها تارَةً وإثْباتُها تارَةً، كَما قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ [المائدة: ٧٣]. قالَ الزَجّاجُ: لِأنَّ قَوْلَكَ، واللهِ لَئِنْ جِئْتَنِي لَأُكْرِمَنَّكَ، إنَّما هو حَلِفٌ عَلى فِعْلِكَ، لا أنَّ الشَرْطَ مُعَلَّقٌ بِهِ، فَلِذَلِكَ دَخَلَتِ اللامُ عَلى الشَرْطِ، وما في هَذا الوَجْهِ مِن كَوْنِها جَزاءً لا تَحْتاجُ إلى عائِدٍ لِأنَّها مَفْعُولَةٌ والمَفْعُولُ لا يَحْتاجُ إلى ذِكْرِ عائِدٍ. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ عائِدٌ عَلى "رَسُولٌ"، وكَذَلِكَ هو عَلى قِراءَةِ مَن كَسَرَ اللامَ، وأمّا الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَلَتَنْصُرُنَّهُ" فَلا يَحْتَمِلُ بِوَجْهٍ إلّا العَوْدَ عَلى "رَسُولٌ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ في الإغْفالِ: وجَزاءُ الشَرْطِ (p-٢٧٣)مَحْذُوفٌ بِدَلالَةِ قَوْلِهِ: "لَتُؤْمِنُنَّ" عَلَيْهِ. قالَ سِيبَوَيْهِ: سَألْتُهُ -يَعْنِي الخَلِيلَ- عن قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ فَقالَ: ما هُنا بِمَنزِلَةِ الَّذِي ودَخَلَتْها اللامُ كَما دَخَلَتْ عَلى "إنَّ" حِينَ قُلْتَ: لَئِنْ فَعَلْتَ لَأفْعَلَنَّ، ثُمَّ اسْتَمَرَّ يُفَسِّرُ وجْهَ الجَزاءِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: أرادَ الخَلِيلُ بِقَوْلِهِ: هي بِمَنزِلَةِ الَّذِي، أنَّها اسْمٌ كَما أنَّ الَّذِي اسْمٌ، ولَمْ يُرِدْ أنَّها مَوْصُولَةٌ كالَّذِي، وإنَّما فَرَّ مِن أنْ تَكُونَ "ما" حَرْفًا كَما جاءَتْ حَرْفًا في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [هود: ١١١] وفي قَوْلِهِ: ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الزخرف: ٣٥]. واللهُ المُسْتَعانُ.

وحَكى المَهْدَوِيُّ ومَكِّيٌّ عن سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ: أنَّ خَبَرَ الِابْتِداءِ فِيمَن جَعَلَ ما ابْتِداءً عَلى قِراءَةِ مَن فَتَحَ اللامَ هو في قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ولا أعْرِفُ مِن أيْنَ حَكَياهُ، لِأنَّهُ مُفْسِدٌ لِمَعْنى الآيَةِ، لا يَلِيقُ بِسِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ؛ وإنَّما الخَبَرُ في قَوْلِهِ: "لَتُؤْمِنُنَّ" كَما قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ ومَن جَرى مَجْراهُ كالزَجّاجِ وغَيْرِهِ.

وقَرَأ الحَسَنُ: "لَمّا آتَيْناكُمْ" بِفَتْحِ اللامِ وشَدِّ المِيمِ، قالَ أبُو إسْحاقَ: أيْ لَمّا آتاكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ أخَذَ المِيثاقَ، وتَكُونُ اللامُ تَؤُولُ إلى الجَزاءِ، كَما تَقُولُ لَمّا جِئْتَنِي أكْرَمْتُكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويَظْهَرُ أنَّ "لَمّا" هَذِهِ هي الظَرْفِيَّةُ، أيْ لَمّا كُنْتُمْ بِهَذِهِ الحالِ رُؤَساءَ الناسِ وأماثِلَهُمْ، أخَذَ عَلَيْكُمُ المِيثاقَ، إذْ عَلى القادَةِ يُؤْخَذُ، فَيَجِيءُ هَذا المَعْنى كالمَعْنى في قِراءَةِ حَمْزَةَ.

وذَهَبَ ابْنُ جِنِّيٍّ في "لَمّا" في هَذِهِ الآيَةِ إلى أنَّ أصْلَها "لِمَن ما"، وزِيدَتْ "مِن" في الواجِبِ عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، ثُمَّ أُدْغِمَتْ، كَما يَجِبُ في مِثْلِ هَذا، فَجاءَ "لَمِّما"، فَثَقُلَ اجْتِماعُ ثَلاثِ مِيماتٍ فَحُذِفَتِ المِيمُ الأُولى فَبَقِيَ "لَمّا". وتَتَفَسَّرُ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى (p-٢٧٤)هَذا التَوْجِيهِ المُحَلِّقِ تَفَسُّرَ "لَما" بِفَتْحِ المِيمِ مُخَفَّفَةً، وقَدْ تَقَدَّمَ. وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "آتَيْناكُمْ" بِالنُونِ، وقَرَأ الباقُونَ: "آتَيْتُكُمْ" بِالتاءِ، و"رَسُولٌ" في هَذِهِ الآيَةِ اسْمُ جِنْسٍ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "مُصَدِّقًا" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ.

The same ayah, in another commentary

Āl ʿImrān 3:81