All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Yūnus 10:2 Juzʾ 11 Page 208

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏

Have the people been amazed that We revealed [revelation] to a man from among them, [saying], "Warn mankind and give good tidings to those who believe that they will have a [firm] precedence of honor with their Lord"? [But] the disbelievers say, "Indeed, this is an obvious magician."

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ تَعَجَّبُوا مِن تَخْصِيصِ اللَّهِ تَعالى مُحَمَّدًا بِالرِّسالَةِ والوَحْيِ، فَأنْكَرَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ التَّعَجُّبَ. أمّا بَيانُ كَوْنِ الكُفّارِ تَعَجَّبُوا مِن هَذا التَّخْصِيصِ فَمِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [ ص: ٥ و٦ ] وإذا بَلَغُوا في الجَهالَةِ إلى أنْ تَعَجَّبُوا مِن كَوْنِ الإلَهِ تَعالى واحِدًا، لَمْ يَبْعُدْ أيْضًا أنْ يَتَعَجَّبُوا مِن تَخْصِيصِ اللَّهِ تَعالى مُحَمَّدًا بِالوَحْيِ والرِّسالَةِ.

والثّانِي: أنَّ أهْلَ مَكَّةَ كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ما وجَدَ رَسُولًا إلى خَلْقِهِ إلّا يَتِيمَ أبِي طالِبٍ.

والثّالِثُ: أنَّهم قالُوا: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الزخرف: ٣١] وبِالجُمْلَةِ فَهَذا التَّعَجُّبُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَتَعَجَّبُوا مِن أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا، كَما حَكى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم قالُوا: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الإسراء: ٩٤] .

والثّانِي: أنْ لا يَتَعَجَّبُوا مِن ذَلِكَ بَلْ يَتَعَجَّبُوا مِن تَخْصِيصِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالوَحْيِ والنُّبُوَّةُ مَعَ كَوْنِهِ فَقِيرًا يَتِيمًا، فَهَذا بَيانُ أنَّ الكُفّارَ تَعَجَّبُوا مِن ذَلِكَ. وأمّا بَيانُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْكَرَ عَلَيْهِمْ هَذا التَّعَجُّبَ فَهو قَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ فَإنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ لَفْظُهُ لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ، ومَعْناهُ الإنْكارُ لِأنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَجَبًا.

وإنَّما وجَبَ إنْكارُ هَذا التَّعَجُّبِ لِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى مالِكُ الخَلْقِ ومَلِكٌ لَهم، والمالِكُ والمَلِكُ هو الَّذِي لَهُ الأمْرُ والنَّهْيُ والإذْنُ والمَنعُ. ولا بُدَّ مِن إيصالِ تِلْكَ التَّكالِيفِ إلى أُولَئِكَ المُكَلَّفِينَ بِواسِطَةِ بَعْضِ العِبادِ. وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ إرْسالُ الرَّسُولِ أمْرًا غَيْرَ مُمْتَنِعٍ، بَلْ كانَ مُجَوَّزًا في العُقُولِ.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الخَلْقَ لِلِاشْتِغالِ بِالعُبُودِيَّةِ كَما قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الذاريات: ٥٦] وقالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الإنسان: ٢] وقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ﴿وذَكَرَ﴾

صفحة ٦
﴿اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى: ١٤، ١٥] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكْمَلَ عُقُولَهم ومَكَّنَهم مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، ثُمَّ عَلِمَ تَعالى أنَّ عِبادَهُ لا يَشْتَغِلُونَ بِما كُلِّفُوا بِهِ، إلّا إذا أرْسَلَ إلَيْهِمْ رَسُولًا ومُنَبِّهًا. فَعِنْدَ هَذا يَجِبُ وُجُوبَ الفَضْلِ والكَرَمِ والرَّحْمَةِ أنْ يُرْسِلَ إلَيْهِمْ ذَلِكَ الرَّسُولَ، وإذا كانَ ذَلِكَ واجِبًا فَكَيْفَ يُتَعَجَّبُ مِنهُ.
الثّالِثُ: أنَّ إرْسالَ الرُّسُلِ أمْرٌ ما أخْلى اللَّهُ تَعالى شَيْئًا مِن أزْمِنَةِ وُجُودِ المُكَلَّفِينَ مِنهُ، كَما قالَ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ [يوسف: ١٠٩] فَكَيْفَ يُتَعَجَّبُ مِنهُ مَعَ أنَّهُ قَدْ سَبَقَهُ النَّظِيرُ، ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأعراف: ٥٩] وسائِرُ قَصَصِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى إنَّما أرْسَلَ إلَيْهِمْ رَجُلًا عَرَفُوا نَسَبَهُ، وعَرَفُوا كَوْنَهُ أمِينًا بَعِيدًا عَنْ أنْواعِ التُّهَمِ والأكاذِيبِ، مُلازِمًا لِلصِّدْقِ والعَفافِ. ثُمَّ إنَّهُ كانَ أُمِّيًّا لَمْ يُخالِطْ أهْلَ الأدْيانِ، وما قَرَأ كِتابًا أصْلًا البَتَّةَ، ثُمَّ إنَّهُ مَعَ ذَلِكَ يَتْلُو عَلَيْهِمْ أقاصِيصَهم ويُخْبِرُهم عَنْ وقائِعِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ صادِقًا مُصَدَّقًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، ويُزِيلُ التَّعَجُّبَ، وهو مِن قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الجمعة: ٢] وقالَ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [العنكبوت: ٤٨] .

الخامِسُ: أنَّ مِثْلَ هَذا التَّعَجُّبِ كانَ مَوْجُودًا عِنْدَ بِعْثَةِ كُلِّ رَسُولٍ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥] ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ [الأعراف: ٧٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٣] .

السّادِسُ: أنَّ هَذا التَّعَجُّبَ إمّا أنْ يَكُونَ مِن إرْسالِ اللَّهِ تَعالى رَسُولًا مِنَ البَشَرِ، أوْ سَلَّمُوا أنَّهُ لا تَعَجُّبَ في ذَلِكَ، وإنَّما تَعَجَّبُوا مِن تَخْصِيصِ اللَّهِ تَعالى مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالوَحْيِ والرِّسالَةِ.

أمّا الأوَّلُ فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّ العَقْلَ شاهِدٌ بِأنَّ مَعَ حُصُولِ التَّكْلِيفِ لا بُدَّ مِن مُنَبِّهٍ ورَسُولٍ يُعَرِّفُهم تَمامَ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في أدْيانِهِمْ كالعِباداتِ وغَيْرِها.

وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الأوْلى أنْ يُبْعَثَ إلَيْهِمْ مَن كانَ مِن جِنْسِهِمْ لِيَكُونَ سُكُونُهم إلَيْهِ أكْمَلَ وإلْفُهم بِهِ أقْوى، كَما قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ [الأنعام: ٩] وقالَ: ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [الإسراء: ٩٥] .

وأمّا الثّانِي فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الخَيْرِ والتَّقْوى والأمانَةِ، وما كانُوا يَعِيبُونَهُ إلّا بِكَوْنِهِ يَتِيمًا فَقِيرًا، وهَذا في غايَةِ البُعْدِ؛ لِأنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ فَلا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الفَقْرُ سَبَبًا لِنُقْصانِ الحالِ عِنْدَهُ، ولا أنْ يَكُونَ الغِنى سَبَبًا لِكَمالِ الحالِ عِنْدَهُ. كَما قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ [سبأ: ٣٧] فَثَبَتَ أنَّ تَعَجُّبَ الكُفّارِ مِن تَخْصِيصِ اللَّهِ تَعالى مُحَمَّدًا بِالوَحْيِ والرِّسالَةِ كَلامٌ فاسِدٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الهَمْزَةُ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ لِإنْكارِ التَّعَجُّبِ ولِأجْلِ التَّعْجِيبِ مِن هَذا التَّعَجُّبِ و‏‏ ‏‏‏‏‏‏ اسْمُ كانَ، و‏‏‏‏ خَبَرُهُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: (عَجَبٌ) فَجَعَلَهُ اسْمًا وهو نَكِرَةٌ، و‏‏ ‏‏‏‏‏‏ خَبَرَهُ، وهو مَعْرِفَةٌ، كَقَوْلِهِ: يَكُونُ مِزاجُها عَسَلٌ وماءٌ. والأجْوَدُ أنْ تَكُونَ ”كانَ“ تامَّةً، و‏‏ ‏‏‏‏‏‏ بَدَلًا مِن ‏‏‏‏ .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ولَمْ يَقُلْ: أكانَ عِنْدَ النّاسِ عَجَبًا، والفَرْقُ أنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ مَعْناهُ أنَّهم جَعَلُوهُ لِأنْفُسِهِمْ أُعْجُوبَةً يَتَعَجَّبُونَ مِنها، ونَصَّبُوهُ وعَيَّنُوهُ لِتَوْجِيهِ الطِّيَرَةِ والِاسْتِهْزاءِ والتَّعَجُّبِ إلَيْهِ، ولَيْسَ في قَوْلِهِ: أكانَ عِنْدَ النّاسِ عَجَبًا، هَذا المَعْنى.

* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: (أنْ) مَعَ الفِعْلِ في قَوْلِنا: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ في تَقْدِيرِ المَصْدَرِ وهو اسْمُ كانَ، وخَبَرُهُ هو
صفحة ٧
قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ وإنَّما تَقَدَّمَ الخَبَرُ عَلى المُبْتَدَأِ هاهُنا؛ لِأنَّهم يُقَدِّمُونَ الأهَمَّ، والمَقْصُودُ بِالإنْكارِ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما هو تَعَجُّبُهم، وأمّا (أنْ) في قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ فَمُفَسِّرَةٌ؛ لِأنَّ الإيحاءَ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ، وأصْلُهُ: أنَّهُ أنْذَرَ النّاسَ، عَلى مَعْنى أنَّ الشَّأْنَ قَوْلُنا أنْذِرِ النّاسَ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ أوْحى إلى رَسُولِهِ، بَيَّنَ بَعْدَهُ تَفْصِيلَ ما أوْحى إلَيْهِ وهو الإنْذارُ والتَّبْشِيرُ. أمّا الإنْذارُ فَلِلْكُفّارِ والفُسّاقِ لِيَرْتَدِعُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ الإنْذارِ عَنْ فِعْلِ ما لا يَنْبَغِي، وأمّا التَّبْشِيرُ فَلِأهْلِ الطّاعَةِ لِتَقْوى رَغْبَتُهم فِيها. وإنَّما قَدَّمَ الإنْذارَ عَلى التَّبْشِيرِ لِأنَّ التَّخْلِيَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ، وإزالَةَ ما لا يَنْبَغِي مُقَدَّمٌ في الرُّتْبَةِ عَلى فِعْلِ ما يَنْبَغِي.

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏ فِيهِ أقْوالٌ لِأهْلِ اللُّغَةِ وأقْوالٌ لِلْمُفَسِّرِينَ. أمّا أقْوالُ أهْلِ اللُّغَةِ فَقَدْ نَقَلَ الواحِدِيُّ في ”البَسِيطِ“ مِنها وُجُوهًا. قالَ اللَّيْثُ وأبُو الهَيْثَمِ: القَدَمُ: السّابِقَةُ، والمَعْنى: أنَّهم قَدْ سَبَقَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ:

وأنْتَ امْرُؤٌ مِن أهْلِ بَيْتِ ذُؤابَةٍ لَهم قَدَمٌ مَعْرُوفَةٌ ومَفاخِرُ
وقالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى: القَدَمُ كُلُّ ما قَدَّمْتَ مِن خَيْرٍ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: القَدَمُ كِنايَةٌ عَنِ العَمَلِ الَّذِي يَتَقَدَّمُ فِيهِ، ولا يَقَعُ فِيهِ تَأْخِيرٌ ولا إبْطاءٌ.
واعْلَمْ أنَّ السَّبَبَ في إطْلاقِ لَفْظِ القَدَمِ عَلى هَذِهِ المَعانِي أنَّ السَّعْيَ والسَّبْقَ لا يَحْصُلُ إلّا بِالقَدَمِ، فَسُمِّيَ المُسَبَّبُ بِاسْمِ السَّبَبِ، كَما سُمِّيَتِ النِّعْمَةُ يَدًا؛ لِأنَّها تُعْطى بِاليَدِ.

فَإنْ قِيلَ: فَما الفائِدَةُ في إضافَةِ القَدَمِ إلى الصِّدْقِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ‏‏‏ ‏‏‏ ؟ .

قُلْنا: الفائِدَةُ التَّنْبِيهُ عَلى زِيادَةِ الفَضْلِ وأنَّهُ مِنَ السَّوابِقِ العَظِيمَةِ، وقالَ بَعْضُهم: المُرادُ مَقامُ صِدْقٍ. وأمّا المُفَسِّرُونَ فَلَهم أقْوالٌ: فَبَعْضُهم حَمَلَ ‏‏‏ ‏‏‏ عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وبَعْضُهم حَمَلَهُ عَلى الثَّوابِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى شَفاعَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، واخْتارَ ابْنُ الأنْبارِيِّ هَذا الثّانِيَ وأنْشَدَ:

صَلِّ لِذِي العَرْشِ واتَّخِذْ قَدَمًا ∗∗∗ يُنْجِيكَ يَوْمَ العِثارِ والزَّلَلِ
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: أنَّ الكافِرِينَ لَمّا جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَأنْذَرَهم وبَشَّرَهم وأتاهم مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى بِما هو اللّائِقُ بِحِكْمَتِهِ وفَضْلِهِ قالُوا مُتَعَجِّبِينَ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ أيْ: إنَّ هَذا الَّذِي يَدَّعِي أنَّهُ رَسُولٌ هو ساحِرٌ. والِابْتِداءُ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ عَلى تَقْدِيرِ: فَلَمّا أنْذَرَهم قالَ الكافِرُونَ: إنَّ هَذا لَساحِرٌ مُبِينٌ، قالَ القَفّالُ: وإضْمارُ هَذا غَيْرُ قَلِيلٍ في القُرْآنِ.
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ والمُرادُ مِنهُ مُحَمَّدٌ ﷺ، والباقُونَ (لَسِحْرٌ) والمُرادُ بِهِ القُرْآنُ.

واعْلَمْ أنَّ وصْفَ الكُفّارِ القُرْآنَ بِكَوْنِهِ سِحْرًا يَدُلُّ عَلى عِظَمِ مَحَلِّ القُرْآنِ عِنْدَهم وكَوْنِهِ مُعْجِزًا وأنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ فِيهِ المُعارَضَةُ، فاحْتاجُوا إلى هَذا الكَلامِ.

واعْلَمْ أنَّ إقْدامَهم عَلى وصْفِ القُرْآنِ بِكَوْنِهِ سِحْرًا، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا ذَكَرُوهُ في مَعْرِضِ الذَّمِّ،

صفحة ٨
ويُحْتَمَلُ أنَّهم ذَكَرُوهُ في مَعْرِضِ المَدْحِ، فَلِهَذا السَّبَبِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِيهِ. فَقالَ بَعْضُهم: أرادُوا بِهِ أنَّهُ كَلامٌ مُزَخْرَفٌ حَسَنُ الظّاهِرِ، ولَكِنَّهُ باطِلٌ في الحَقِيقَةِ، ولا حاصِلَ لَهُ، وقالَ آخَرُونَ: أرادُوا بِهِ أنَّهُ لِكَمالِ فَصاحَتِهِ وتَعَذُّرِ مِثْلِهِ، جارٍ مَجْرى السِّحْرِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ لَمّا كانَ في غايَةِ الفَسادِ لَمْ يُذْكَرْ جَوابُهُ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ في غايَةِ الفَسادِ؛ لِأنَّهُ ﷺ كانَ مِنهم، ونَشَأ بَيْنَهم، وما غابَ عَنْهم، وما خالَطَ أحَدًا سِواهم، وما كانَ مَكَّةُ بَلْدَةَ العُلَماءِ والأذْكِياءِ حَتّى يُقالَ: إنَّهُ تَعَلَّمَ السِّحْرَ أوْ تَعَلَّمَ العُلُومَ الكَثِيرَةَ مِنهم فَقَدَرَ عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ. وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ حَمْلُ القُرْآنِ عَلى السِّحْرِ كَلامًا في غايَةِ الفَسادِ، فَلِهَذا السَّبَبِ تُرِكَ جَوابُهُ.

The same ayah, in another commentary

Yūnus 10:2