All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

Al-Ḥijr 15:20 Juzʾ 14 Page 263

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

And We have made for you therein means of living and [for] those for whom you are not providers.

Read in the muṣḥaf

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ فِيهِ مَسْألَتانِ:

المسألة الأُولى: ذَكَرْنا الكَلامَ في المَعايِشِ في سُورَةِ الأعْرافِ وقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ فِيهِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ لَكم، والتَّقْدِيرُ: وجَعَلْنا لَكم فِيها مُعايِشَ ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ والتَّقْدِيرُ: وجَعَلْنا لَكم مَعايِشَ ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَفِيهِ احْتِمالاتٌ ثَلاثَةٌ:

الِاحْتِمالُ الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ ”مَن“ مُخْتَصَّةٌ بِالعُقَلاءِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ العُقَلاءَ وهُمُ العِيالُ والمَمالِيكُ والخَدَمُ والعَبِيدُ، وتَقْرِيرُ الكَلامِ أنَّ النّاسَ يَظُنُّونَ في أكْثَرِ الأمْرِ أنَّهُمُ الَّذِينَ يَرْزُقُونَ العِيالَ والخَدَمَ والعَبِيدَ، وذَلِكَ خَطَأٌ فَإنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ يَرْزُقُ الخادِمَ والمَخْدُومَ، والمَمْلُوكَ والمالِكَ؛ فَإنَّهُ لَوْلا أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الأطْعِمَةَ والأشْرِبَةَ، وأعْطى القُوَّةَ الغاذِيَةَ والهاضِمَةَ، وإلّا لَمْ يَحْصُلْ لِأحَدٍ رِزْقٌ.

والِاحْتِمالُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ قالَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ الوَحْشُ والطَّيْرُ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ هَذا التَّأْوِيلُ مَعَ أنَّ صِيغَةَ مَن مُخْتَصَّةٌ بِمَن يَعْقِلُ ؟

قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ صِيغَةَ مَن قَدْ ورَدَتْ في غَيْرِ العُقَلاءِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ [النُّورِ: ٤٥] .

والثّانِي: أنَّهُ تَعالى أثْبَتَ لِجَمِيعِ الدَّوابِّ رِزْقًا عَلى اللَّهِ حَيْثُ قالَ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ [هُودٍ: ٦] فَكَأنَّها عِنْدَ الحاجَةِ تَطْلُبُ أرْزاقَها مِن خالِقِها فَصارَتْ شَبِيهَةً بِمَن يَعْقِلُ مِن هَذِهِ الجِهَةِ، فَلَمْ يَبْعُدْ ذِكْرُها بِصِيغَةِ مَن يَعْقِلُ، ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [النَّمْلِ: ١٨] فَذَكَرَها بِصِيغَةِ جَمْعِ العُقَلاءِ، وقالَ في الأصْنامِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ [الشُّعَراءِ: ٧٧] وقالَ: ‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأنْبِياءِ: ٣٣] فَكَذا هَهُنا لا يَبْعُدُ إطْلاقُ اللَّفْظَةِ المُخْتَصَّةِ بِالعُقَلاءِ عَلى الوَحْشِ والطَّيْرِ لِكَوْنِها شَبِيهَةً بِالعُقَلاءِ مِن هَذِهِ الجِهَةِ، وسَمِعْتُ في بَطْنِ الحِكاياتِ أنَّهُ قَلَّتِ المِياهُ في الأوْدِيَةِ والجِبالِ، واشْتَدَّ الحَرُّ في عامٍ مِنَ الأعْوامِ فَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ رَأى بَعْضَ الوَحْشِ رافِعًا رَأْسَهُ إلى السَّماءِ عِنْدَ اشْتِدادِ عَطَشِهِ قالَ: فَرَأيْتُ الغُيُومَ قَدْ أقْبَلَتْ وأمْطَرَتْ بِحَيْثُ امْتَلَأتِ الأوْدِيَةُ مِنها.

والِاحْتِمالُ الثّالِثُ: أنّا نَحْمِلُ قَوْلَهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ عَلى الإماءِ والعَبِيدِ، وعَلى الوَحْشِ والطَّيْرِ، وإنَّما أطْلَقَ عَلَيْها صِيغَةَ مَن تَغْلِيبًا لِجانِبِ العُقَلاءِ عَلى غَيْرِهِمْ.

المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ

صفحة ١٣٨
فِي لَكم، لِأنَّهُ لا يُعْطَفُ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ، لا يُقالُ: أخَذْتُ مِنكَ وزَيْدٍ إلّا بِإعادَةِ الخافِضِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [الأحْزابِ: ٧] .
واعْلَمْ أنَّ هَذا المَعْنى جائِزٌ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: ”تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامِ“ بِالخَفْضِ، وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ المسألة هُنالِكَ. واللَّهُ أعْلَمُ.

The same ayah, in another commentary

Al-Ḥijr 15:20