All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Ṭā-Hā 20:126 Juzʾ 16 Page 321

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏

[Allah] will say, "Thus did Our signs come to you, and you forgot them; and thus will you this Day be forgotten."

Read in the muṣḥaf

صفحة ١١٢

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ .

اعْلَمْ أنَّ عَلى أوَّلِ هَذِهِ الآيَةِ سُؤالًا وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اهْبِطا﴾، إمّا أنْ يَكُونَ خِطابًا مَعَ شَخْصَيْنِ أوْ أكْثَرَ فَإنْ كانَ خِطابًا لِشَخْصَيْنِ فَكَيْفَ قالَ بَعْدَهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ وهو خِطابُ الجَمْعِ وإنْ كانَ خِطابًا لِأكْثَرَ مِن شَخْصَيْنِ فَكَيْفَ قالَ: ﴿اهْبِطا﴾ ؟ وذَكَرُوا في جَوابِهِ وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: الخِطابُ لِآدَمَ ومَعَهُ ذُرِّيَّتُهُ ولِإبْلِيسَ ومَعَهُ ذُرِّيَّتُهُ فَلِكَوْنِهِما جِنْسَيْنِ صَحَّ قَوْلُهُ: ﴿اهْبِطا﴾ ولِأجْلِ اشْتِمالِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الجِنْسَيْنِ عَلى الكَثْرَةِ صَحَّ قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ . ثانِيها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: لَمّا كانَ آدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَّلامُ أصْلًا لِلْبَشَرِ والسَّبَبِ اللَّذَيْنِ مِنهُما تَفَرَّعُوا جُعِلا كَأنَّهُما البَشَرُ أنْفُسُهم فَخُوطِبا مُخاطَبَتَهم فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ عَلى لَفْظِ الجَماعَةِ. أمّا قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ فَقالَ القاضِي: يَكْفِي في تَوْفِيَةِ هَذا الظّاهِرِ حَقَّهُ أنْ يَكُونَ إبْلِيسُ والشَّياطِينُ أعْداءً لِلنّاسِ والنّاسُ أعْداءً لَهم، فَإذا انْضافَ إلى ذَلِكَ عَداوَةُ بَعْضِ الفَرِيقَيْنِ لِبَعْضٍ لَمْ يَمْتَنِعْ دُخُولُهُ في الكَلامِ، وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُرادَ الذُّرِّيَّةُ، وقَدِ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالهُدى، فَقالَ بَعْضُهم: الرُّسُلُ، وبَعْضُهم قالَ: الآخَرُ والأدِلَّةُ، وبَعْضُهم قالَ: القُرْآنُ، والتَّحْقِيقُ أنَّ الهُدى عِبارَةٌ عَنِ الدَّلالَةِ فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ذَلِكَ، وفي قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالهُدى الَّذِي ضَمِنَ اللَّهُ عَلى اتِّباعِهِ ذَلِكَ اتِّباعُ الأدِلَّةِ، واتِّباعُها لا يَتَكامَلُ إلّا بِأنْ يَسْتَدِلَّ بِها وبِأنْ يَعْمَلَ بِها، ومِن هَذا حالُهُ فَقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ تَعالى لَهُ أنْ لا يَضِلَّ ولا يَشْقى، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا يَضِلُّ في الدُّنْيا ولا يَشْقى في الآخِرَةِ. وثانِيها: لا يَضِلُّ ولا يَشْقى في الآخِرَةِ لِأنَّهُ تَعالى يَهْدِيهِ إلى الجَنَّةِ ويُمَكِّنُهُ فِيها. وثالِثُها: لا يَضِلُّ ولا يَشْقى في الدُّنْيا فَإنْ قِيلَ: المُتَّبِعُ لِهُدى اللَّهِ قَدْ يَلْحَقُهُ الشَّقاءُ في الدُّنْيا، قُلْنا: المُرادُ لا يَضِلُّ في الدِّينِ ولا يَشْقى بِسَبَبِ الدَّيْنِ فَإنْ حَصَلَ الشَّقاءُ بِسَبَبٍ آخَرَ فَلا بَأْسَ، ولَمّا وعَدَ اللَّهُ تَعالى مَن يَتَّبِعُ الهُدى أتْبَعَهُ بِالوَعِيدِ فِيمَن أعْرَضَ، فَقالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ والذِّكْرُ يَقَعُ عَلى القُرْآنِ وعَلى سائِرِ كُتُبِ اللَّهِ تَعالى عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِهِ الأدِلَّةُ، وقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ فالضَّنْكُ أصْلُهُ الضِّيقُ والشِّدَّةُ وهو مَصْدَرٌ ثُمَّ يُوصَفُ بِهِ فَيُقالُ: مَنزِلٌ ضَنْكٌ، وعَيْشٌ ضَنْكٌ، فَكَأنَّهُ قالَ: مَعِيشَةٌ ذاتُ ضَنْكٍ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الضِّيقَ المُتَوَعَّدَ بِهِ إمّا أنْ يَكُونَ في الدُّنْيا أوْ في القَبْرِ أوْ في الآخِرَةِ أوْ في الدِّينِ أوْ في كُلِّ ذَلِكَ أوْ أكْثَرِهِ. أمّا الأوَّلُ: فَقالَ بِهِ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ وذَلِكَ لِأنَّ المُسْلِمَ لِتَوَكُّلِهِ عَلى اللَّهِ يَعِيشُ في الدُّنْيا عَيْشًا طَيِّبًا كَما قالَ: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ [النَّحْلِ: ٩٧] والكافِرُ بِاللَّهِ يَكُونُ حَرِيصًا عَلى الدُّنْيا طالِبًا لِلزِّيادَةِ أبَدًا فَعِيشَتُهُ ضَنْكٌ

صفحة ١١٣
وحالَتُهُ مُظْلِمَةٌ، وأيْضًا فَمِنَ الكَفَرَةِ مَن ضَرَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ الذِّلَّةَ والمَسْكَنَةَ لِكُفْرِهِ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ [البَقَرَةِ: ٦١] وقالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [المائِدَةِ: ٦٦] وقالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأعْرافِ: ٩٦] وقالَ: ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ [نُوحٍ: ١٠ - ١٢] وقالَ: ﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ [الجِنِّ: ١٦] . وأمّا الثّانِي: وهو عَذابُ القَبْرِ، فَهَذا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ ورَفَعَهُ أبُو هُرَيْرَةَ إلى النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ”«إنَّ عَذابَ القَبْرِ لِلْكافِرِ قالَ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لَيُسَلَّطُ عَلَيْهِ في قَبْرِهِ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ تِنِّينًا» “ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: نَزَلَتِ الآيَةُ في الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ العُزّى المَخْزُومِيِّ، والمُرادُ ضَغْطَةُ القَبْرِ تَخْتَلِفُ فِيها أضْلاعُهُ. وأمّا الثّالِثُ: وهو الضِّيقُ في الآخِرَةِ في جَهَنَّمَ، فَإنَّ طَعامَهم فِيها الضَّرِيعُ والزَّقُّومُ، وشَرابَهُمُ الحَمِيمُ والغِسْلِينُ فَلا يَمُوتُونَ فِيها ولا يَحْيَوْنَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ والكَلْبِيِّ. وأمّا الرّابِعُ: وهو الضِّيقُ في أحْوالِ الدِّينِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المَعِيشَةُ الضَّنْكُ هي أنْ تُضَيَّقَ عَلَيْهِ أبْوابُ الخَيْرِ فَلا يَهْتَدِي لِشَيْءٍ مِنها، سُئِلَ الشِّبْلِيُّ عَنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إذا رَأيْتُمْ أهْلَ البَلاءِ فاسْألُوا اللَّهَ العافِيَةَ» “، فَقالَ: أهْلُ البَلاءِ هم أهْلُ الغَفَلاتِ عَنِ اللَّهِ تَعالى فَعُقُوبَتُهم أنْ يَرُدَّهُمُ اللَّهُ تَعالى إلى أنْفُسِهِمْ، وأيُّ مَعِيشَةٍ أضْيَقُ وأشَدُّ مِن أنْ يُرَدَّ الإنْسانُ إلى نَفْسِهِ، وعَنْ عَطاءٍ قالَ: المَعِيشَةُ الضَّنْكُ هي مَعِيشَةُ الكافِرِ لِأنَّهُ غَيْرُ مُوقِنٍ بِالثَّوابِ والعِقابِ. وأمّا الخامِسُ: وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ الضِّيقُ في كُلِّ ذَلِكَ أوْ أكْثَرِهِ، فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«عُقُوبَةُ المَعْصِيَةِ ثَلاثَةٌ: ضِيقُ المَعِيشَةِ، والعُسْرُ في الشِّدَّةِ، وأنْ لا يَتَوَصَّلَ إلى قُوَّتِهِ إلّا بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى» “ . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: هَذا مِثْلُ قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الإسْراءِ: ٩٧] وكَما فُسِّرَتِ الزُّرْقَةُ بِالعَمى، ثُمَّ قِيلَ: إنَّهُ يُحْشَرُ بَصِيرًا فَإذا سِيقَ إلى المَحْشَرِ عَمِيَ والكَلامُ فِيهِ وعَلَيْهِ قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿زُرْقًا﴾ . وثانِيها: قالَ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ: يَعْنِي أعْمى عَنِ الحُجَّةِ، وهي رِوايَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ القاضِي: هَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ لِأنَّ في القِيامَةِ لا بُدَّ أنْ يُعْلِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى بُطْلانَ ما كانُوا عَلَيْهِ حَتّى يَتَمَيَّزَ لَهُمُ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، ومَن هَذا حالُهُ لا يُوصَفُ بِذَلِكَ إلّا مَجازًا، والمُرادُ بِهِ أنَّهُ كانَ مِن قَبْلِ ذَلِكَ كَذَلِكَ ولا يَلِيقُ بِهَذا قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ولَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ في حالِ الدُّنْيا. أقُولُ ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا الِاعْتِراضَ أنَّهُ تَعالى عَلَّلَ ذَلِكَ العَمى بِما أنَّ المُكَلَّفَ نَسِيَ الدَّلائِلَ في الدُّنْيا فَلَوْ كانَ العَمى الحاصِلُ في الآخِرَةِ بَيْنَ ذَلِكَ النِّسْيانِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُكَلَّفِ بِسَبَبِ ذَلِكَ ضَرَرٌ، كَما أنَّهُ ما كانَ لَهُ في الدُّنْيا بِسَبَبِ ذَلِكَ ضَرَرٌ، واعْلَمْ أنَّ تَحْقِيقَ الجَوابِ عَنْ هَذا الِاعْتِراضِ مَأْخُوذٌ مِن أمْرٍ آخَرَ وهو أنَّ الأرْواحَ الجاهِلَةَ في الدُّنْيا المُفارَقِةَ عَنْ أبْدانِها عَلى جَهالَتِها تَبْقى عَلى تِلْكَ الجَهالَةِ في الآخِرَةِ وأنَّ تِلْكَ الجَهالَةَ تَصِيرُ هُناكَ سَبَبًا لِأعْظَمِ الآلامِ الرُّوحانِيَّةِ. وبَيْنَ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ وبَيْنَ طَرِيقَةِ القاضِي المَبْنِيَّةِ عَلى أُصُولِ الِاعْتِزالِ بَوْنٌ شَدِيدٌ. وثالِثُها: قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ مِن حَشْرِهِ أعْمى أنَّهُ لا يَهْتَدِي يَوْمَ القِيامَةِ إلى طَرِيقٍ يَنالُ مِنهُ خَيْرًا بَلْ يَبْقى واقِفًا مُتَحَيِّرًا كالأعْمى الَّذِي لا يَهْتَدِي إلى شَيْءٍ، أمّا قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ فَفي تَقْرِيرِ هَذا الجَوابِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى إنَّما أنْزَلَ بِهِ هَذا

صفحة ١١٤
العَمى جَزاءً عَلى تَرْكِهِ اتِّباعَ الهُدى والإعْراضِ عَنْهُ. والثّانِي: هو أنَّ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ إذا فارَقَتْ أبْدانَها جاهِلَةً ضالَّةً عَنِ الِاتِّصالِ بِالرُّوحانِيّاتِ بَقِيَتْ عَلى تِلْكَ الحالَةِ بَعْدَ المُفارَقَةِ وعَظُمَتِ الآلامُ الرُّوحانِيَّةُ، فَلِهَذا عَلَّلَ اللَّهُ تَعالى حُصُولَ العَمى في الآخِرَةِ بِالإعْراضِ عَنِ الدَّلائِلِ في الدُّنْيا، ومَن فَسَّرَ المَعِيشَةَ الضَّنْكَ بِالضِّيقِ في الدُّنْيا، قالَ: إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ مَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِهِ في الدُّنْيا فَلَهُ المَعِيشَةُ الضَّنْكُ في الدُّنْيا والعَمى في الآخِرَةِ، أمّا قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَبَعْضُهم قالَ: أشْرَكَ وكَفَرَ، وبَعْضُهم قالَ: أسْرَفَ في أنْ عَصى اللَّهَ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى المُرادَ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ لِأنَّ ذَلِكَ كالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ: أسْرَفَ وبَيَّنَ أنَّهُ يَجْزِي مَن هَذا حالُهُ بِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ المَعِيشَةِ الضَّنْكِ والعَمى وبَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ عَذابَ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى؛ أمّا الأشَدُّ فَلِعِظَمِهِ، وأمّا الأبْقى فَلِأنَّهُ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ.

The same ayah, in another commentary

Ṭā-Hā 20:126