All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Al-Furqān 25:76 Juzʾ 19 Page 366

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Abiding eternally therein. Good is the settlement and residence.

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ .

أمّا المَنافِعُ فَهي قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ والمُرادُ أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرُفاتِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [سَبَأٍ: ٣٧]، وقالَ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ [الزُّمَرِ: ٢٠]، والغُرْفَةُ في اللُّغَةِ العُلِّيَّةُ، وكُلُّ بِناءٍ عالٍ فَهو غُرْفَةٌ، والمُرادُ بِهِ الدَّرَجاتُ العالِيَةُ. وقالَ المُفَسِّرُونَ: الغُرْفَةُ اسْمُ الجَنَّةِ، فالمَعْنى: يُجْزَوْنَ الجَنَّةَ، وهي جَنّاتٌ كَثِيرَةٌ. وقَرَأ بَعْضُهم: ”أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ في الغُرْفَةِ“ . وقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فِيهِ بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: احْتَجَّ بِالآيَةِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الجَنَّةَ بِالِاسْتِحْقاقِ، فَقالَ: الباءُ في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، ولَوْ كانَ حُصُولُها بِالوَعْدِ لَما صَدَقَ ذَلِكَ.

البَحْثُ الثّانِي: ذَكَرَ الصَّبْرَ ولَمْ يَذْكُرِ المَصْبُورَ عَنْهُ، لِيَعُمَّ كُلَّ نَوْعٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ صَبْرُهم عَلى مَشاقِّ التَّفَكُّرِ والِاسْتِدْلالِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، وعَلى مَشاقِّ الطّاعاتِ، وعَلى مَشاقِّ تَرْكِ الشَّهَواتِ، وعَلى مَشاقِّ أذى المُشْرِكِينَ، وعَلى مَشاقِّ الجِهادِ والفَقْرِ ورِياضَةِ النَّفْسِ، فَلا وجْهَ لِقَوْلِ مَن يَقُولُ: المُرادُ الصَّبْرُ عَلى الفَقْرِ خاصَّةً؛ لِأنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ إذا حَصَلَتْ مَعَ الغِنى اسْتَحَقَّ مَن يَخْتَصُّ بِها الجَنَّةَ كَما يَسْتَحِقُّهُ بِالفَقْرِ.

* * *
( ٣٠ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ .
وثانِيهِما التَّعْظِيمُ: وهو قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ قُرِئَ: ”يُلَقَّوْنَ“؛ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ [ الإنْسانِ: ١١] و”يَلْقَوْنَ“ كَقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الفُرْقانِ: ٦٨]، والتَّحِيَّةُ: الدُّعاءُ بِالتَّعْمِيرِ، والسَّلامُ: الدُّعاءُ بِالسَّلامَةِ، فَيَرْجِعُ حاصِلُ التَّحِيَّةِ إلى كَوْنِ نَعِيمِ الجَنَّةِ باقِيًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ، ويَرْجِعُ السَّلامُ إلى كَوْنِ ذَلِكَ النَّعِيمِ خالِصًا عَنْ شَوائِبِ الضَّرَرِ، ثُمَّ هَذِهِ التَّحِيَّةُ والسَّلامُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [يس: ٥٨] ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنَ المَلائِكَةِ؛ لِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٣، ٢٤] ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِن بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ.

أمّا قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فالمُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا وعَدَ بِالمَنافِعِ أوَّلًا وبِالتَّعْظِيمِ ثانِيًا، بَيَّنَ أنَّ مِن صِفَتِهِما الدَّوامَ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏، ومَن صِفَتِهِما الخُلُوصُ أيْضًا، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏، وهَذا في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: ما أسْوَأ ذَلِكَ وما أحْسَنَ هَذا.

أمّا قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فاعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا شَرَحَ صِفاتِ المُتَّقِينَ، وشَرَحَ حالَ ثَوابِهِمْ أمَرَ رَسُولَهُ أنْ يَقُولَ: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَدَلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنْ عِبادَتِهِمْ، وأنَّهُ تَعالى إنَّما كَلَّفَهم لِيَنْتَفِعُوا بِطاعَتِهِمْ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: قالَ الخَلِيلُ: ما أعْبَأُ بِفُلانٍ؛ أيْ: ما أصْنَعُ بِهِ، كَأنَّهُ يَسْتَقِلُّهُ ويَسْتَحْقِرُهُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ما

صفحة ١٠٢
أعْبَأُ بِهِ؛ أيْ: وُجُودُهُ وعَدَمُهُ عِنْدِي سَواءٌ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ أيْ: لا وزْنَ لَكم عِنْدَ رَبِّكم، والعِبْءُ في اللُّغَةِ: الثِّقَلُ، وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: ما يُبالِي بِكم رَبِّي.
المسألة الثّانِيَةُ: في ”ما“ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّها مُتَضَمِّنَةٌ لِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ، وهي في مَحَلِّ النَّصْبِ، وهي عِبارَةٌ عَنِ المَصْدَرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وأيُّ عِبْءٍ يَعْبَأُ بِكم لَوْلا دُعاؤُكم.

والثّانِي: أنْ تَكُونَ ما نافِيَةً.

المسألة الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: لَوْلا دُعاؤُهُ إيّاكم إلى الدِّينِ، والطّاعَةُ والدُّعاءُ عَلى هَذا مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ.

وثانِيهِما: أنَّ الدُّعاءَ مُضافٌ إلى الفاعِلِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:

أحَدُها: لَوْلا دُعاؤُكم: لَوْلا إيمانُكم.

وثانِيها: لَوْلا عِبادَتُكم.

وثالِثُها: لَوْلا دُعاؤُكم إيّاهُ في الشَّدائِدِ؛ كَقَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ [العَنْكَبُوتِ: ٦٥] .

ورابِعُها: دُعاؤُكم يَعْنِي لَوْلا شُكْرُكم لَهُ عَلى إحْسانِهِ؛ لِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [النِّساءِ: ١٤٧] .

وخامِسُها: ما خَلَقْتُكم وبِي إلَيْكم حاجَةٌ إلّا أنْ تَسْألُونِي فَأُعْطِيَكم وتَسْتَغْفِرُونِي فَأغْفِرَ لَكم.

أمّا قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فالمَعْنى أنِّي إذا أعْلَمْتُكم أنَّ حُكْمِي أنِّي لا أعْتَدُّ بِعِبادِي إلّا لِعِبادَتِهِمْ فَقَدْ خالَفْتُمْ بِتَكْذِيبِكم حُكْمِي، فَسَوْفَ يَلْزَمُكم أثَرُ تَكْذِيبِكم، وهو عِقابُ الآخِرَةِ، ونَظِيرُهُ أنْ يَقُولَ المَلِكُ لِمَنِ اسْتَعْصى عَلَيْهِ: إنَّ مِن عادَتِي أنْ أُحْسِنَ إلى مَن يُطِيعُنِي، وقَدْ عَصَيْتَ فَسَوْفَ تَرى ما أُحِلُّ بِكَ بِسَبَبِ عِصْيانِكَ. فَإنْ قِيلَ: إلى مَن يَتَوَجَّهُ هَذا الخِطابُ ؟ قُلْنا: إلى النّاسِ عَلى الإطْلاقِ، ومِنهم مُؤْمِنُونَ عابِدُونَ ومُكَذِّبُونَ عاصُونَ، فَخُوطِبُوا بِما وُجِدَ في جِنْسِهِمْ مِنَ العِبادَةِ والتَّكْذِيبِ. وقُرِئَ: ”فَقَدْ كَذَّبَ الكافِرُونَ فَسَوْفَ يَكُونُ العَذابُ لِزامًا“، وقُرِئَ: ”لَزامًا“ بِالفَتْحِ بِمَعْنى اللُّزُومِ، كالثَّباتِ والثُّبُوتِ، والوجه أنَّ تَرْكَ اسْمِ كانَ غَيْرَ مَنطُوقٍ بِهِ بَعْدَما عُلِمَ أنَّهُ مِمّا تَوَعَّدَ بِهِ لِأجْلِ الإبْهامِ ويَتَناوَلُ ما لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ. ثُمَّ قِيلَ: هَذا العَذابُ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: كانَ يَوْمَ بَدْرٍ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.

The same ayah, in another commentary

Al-Furqān 25:76