All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Al-Qaṣaṣ 28:14 Juzʾ 20 Page 387

‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And when he attained his full strength and was [mentally] mature, We bestowed upon him judgement and knowledge. And thus do We reward the doers of good.

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏

اعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ قَوْلَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ وهو اسْتِكْمالُ القُوَّةِ

صفحة ١٩٩
واعْتِدالُ المِزاجِ والبِنْيَةِ.
والثّانِي: - وهو الأصَحُّ - أنَّهُما مَعْنَيانِ مُتَغايِرانِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا عَلى وُجُوهٍ:

أحَدُها: - وهو الأقْرَبُ - أنَّ الأشُدَّ عِبارَةٌ عَنْ كَمالِ القُوَّةِ الجُسْمانِيَّةِ البَدَنِيَّةِ، والِاسْتِواءُ عِبارَةٌ عَنْ كَمالِ القُوَّةِ العَقْلِيَّةِ.

وثانِيها: الأشُدُّ عِبارَةٌ عَنْ كَمالِ القُوَّةِ، والِاسْتِواءُ عِبارَةٌ عَنْ كَمالِ البِنْيَةِ والخِلْقَةِ.

وثالِثُها: الأشُدُّ عِبارَةٌ عَنِ البُلُوغِ، والِاسْتِواءُ عِبارَةٌ عَنْ كَمالِ الخِلْقَةِ.

ورابِعُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الأشُدُّ ما بَيْنَ الثَّمانِ عَشْرَةَ سَنَةً إلى الثَّلاثِينَ، ثُمَّ مِنَ الثَّلاثِينَ سَنَةً إلى الأرْبَعِينَ يَبْقى سَواءً مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ، ومِنَ الأرْبَعِينَ يَأْخُذُ في النُّقْصانِ، وهَذا الَّذِي قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما حَقٌّ؛ لِأنَّ الإنْسانَ يَكُونُ في أوَّلِ العُمْرِ في النُّمُوِّ والتَّزايُدِ، ثُمَّ يَبْقى مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ، ثُمَّ يَأْخُذُ في الِانْتِقاصِ، فَنِهايَةُ مُدَّةِ الِازْدِيادِ مَن أوَّلِ العُمْرِ إلى العِشْرِينَ، ومِنِ العِشْرِينَ إلى الثَّلاثِينَ يَكُونُ التَّزايُدُ قَلِيلًا، والقُوَّةُ قَوِيَّةً جِدًّا، ثُمَّ مِنَ الثَّلاثِينَ إلى الأرْبَعِينَ يَقِفُ، فَلا يَزْدادُ ولا يَنْتَقِصُ، ومِنَ الأرْبَعِينَ إلى السِّتِّينَ يَأْخُذُ في الِانْتِقاصِ الخَفِيِّ، ومِنَ السِّتِّينَ إلى آخِرِ العُمُرِ يَأْخُذُ في الِانْتِقاصِ البَيِّنِ الظّاهِرِ.

ويُرْوى أنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إلّا عَلى رَأْسِ أرْبَعِينَ سَنَةً، والحِكْمَةُ فِيهِ ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّ الإنْسانَ يَكُونُ إلى رَأْسِ الأرْبَعِينَ قُواهُ الجُسْمانِيَّةُ مِنَ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ والحِسِّ قَوِيَّةً مُسْتَكْمَلَةً، فَيَكُونُ الإنْسانُ مُنْجَذِبًا إلَيْها، فَإذا انْتَهى إلى الأرْبَعِينَ أخَذَتِ القُوى الجُسْمانِيَّةُ في الِانْتِقاصِ، والقُوَّةُ العَقْلِيَّةُ في الِازْدِيادِ فَهُناكَ يَكُونُ الرَّجُلُ أكْمَلَ ما يَكُونُ، فَلِهَذا السِّرِّ اخْتارَ اللَّهُ تَعالى هَذا السِّنَّ لِلْوَحْيِ.

المسألة الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في واحِدِ الأشُدِّ، قالَ الفَرّاءُ: الأشُدُّ واحِدُها شَدٌّ في القِياسِ، ولَمْ يُسْمَعْ لَها بِواحِدٍ. وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: واحِدُ الأشُدِّ شِدَّةٌ، كَما أنَّ واحِدَةَ الأنْعُمِ نِعْمَةٌ، والشِّدَّةُ القُوَّةُ والجَلادَةُ.

أمّا قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّها النُّبُوَّةُ وما يُقْرَنُ بِها مِنَ العُلُومِ والأخْلاقِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: لَيْسَ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ هَذِهِ النُّبُوَّةَ كانَتْ قَبْلَ قَتْلِ القِبْطِيِّ أوْ بَعْدَهُ؛ لِأنَّ الواوَ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ لا تُفِيدُ التَّرْتِيبَ.

الثّانِي: آتَيْناهُ الحِكْمَةَ والعِلْمَ، قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ (الأحْزابِ: ٣٤) وهَذا القَوْلُ أوْلى لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ النُّبُوَّةَ أعْلى الدَّرَجاتِ البَشَرِيَّةِ، فَلا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مَسْبُوقَةً بِالكَمالِ في العِلْمِ والسِّيرَةِ المُرْضِيَةِ الَّتِي هي أخْلاقُ الكُبَراءِ والحُكَماءِ.

وثانِيها: أنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما أعْطاهُ الحُكْمَ والعِلْمَ مُجازاةً عَلى إحْسانِهِ، والنُّبُوَّةُ لا تَكُونُ جَزاءً عَلى العَمَلِ.

وثالِثُها: أنَّ المُرادَ بِالحُكْمِ والعِلْمِ لَوْ كانَ هو النُّبُوَّةَ، لَوَجَبَ حُصُولُ النُّبُوَّةِ لِكُلِّ مَن كانَ مِنَ المُحْسِنِينَ، لِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ لِأنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏‏ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الحُكْمِ والعِلْمِ، ثُمَّ بَيَّنَ إنْعامَهُ عَلَيْهِ قَبْلَ قَتْلِ القِبْطِيِّ. وفِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: اخْتَلَفُوا في المَدِينَةِ، فالجُمْهُورُ عَلى أنَّها هي المَدِينَةُ الَّتِي كانَ يَسْكُنُها فِرْعَوْنُ، وهي قَرْيَةٌ عَلى رَأْسِ فَرْسَخَيْنِ مِن مِصْرَ، وقالَ الضَّحّاكُ: هي عَيْنُ شَمْسٍ.

المسألة الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في مَعْنى قَوْلِهِ: ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ عَلى أقْوالٍ:

فالقَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ واسْتَوى وآتاهُ اللَّهُ الحُكْمَ والعِلْمَ في دِينِهِ ودِينِ آبائِهِ، عَلِمَ أنَّ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ عَلى الباطِلِ، فَتَكَلَّمَ بِالحَقِّ وعابَ دِينَهم، واشْتَهَرَ ذَلِكَ مِنهُ حَتّى آلَ الأمْرُ إلى أنْ أخافُوهُ وخافَهم، وكانَ لَهُ مِن

صفحة ٢٠٠
بَنِي إسْرائِيلَ شِيعَةٌ يَقْتَدُونَ بِهِ ويَسْمَعُونَ مِنهُ، وبَلَغَ في الخَوْفِ بِحَيْثُ ما كانَ يَدْخُلُ مَدِينَةَ فِرْعَوْنَ إلّا خائِفًا، فَدَخَلَها يَوْمًا عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها، ثُمَّ الأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ دَخَلَها نِصْفَ النَّهارِ وقْتَ ما هم قائِلُونَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يُرِيدُ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ، والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ تَعالى أضافَ الغَفْلَةَ إلى أهْلِها، وإذا دَخَلَ المَرْءُ مُسْتَتِرًا لِأجْلِ خَوْفٍ، لا تُضافُ الغَفْلَةُ إلى القَوْمِ.
القَوْلُ الثّانِي: قالَ السُّدِّيُّ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ كَبِرَ كانَ يَرْكَبُ مَراكِبَ فِرْعَوْنَ، ويَلْبَسُ مِثْلَ ما يَلْبَسُ، ويُدْعى مُوسى ابْنُ فِرْعَوْنَ، فَرَكِبَ يَوْمًا في أثَرِهِ فَأدْرَكَهُ المَقِيلُ في مَوْضِعٍ، فَدَخَلَها نِصْفَ النَّهارِ، وقَدْ خَلَتِ الطُّرُقُ، فَهو قَوْلُهُ: ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ .

القَوْلُ الثّالِثُ: قالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَيْسَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ حُصُولُ الغَفْلَةِ في تِلْكَ السّاعَةِ، بَلِ المُرادُ الغَفْلَةُ مِن ذِكْرِ مُوسى وأمْرِهِ، فَإنَّ مُوسى حِينَ كانَ صَغِيرًا ضَرَبَ رَأْسَ فِرْعَوْنَ بِالعَصا ونَتَفَ لِحْيَتَهُ، فَأرادَ فِرْعَوْنُ قَتْلَهُ، فَجِيءَ بِجَمْرٍ، فَأخَذَهُ وطَرَحَهُ في فِيهِ، فَمِنهُ عُقْدَةُ لِسانِهِ، فَقالَ فِرْعَوْنُ: لا أقْتُلُهُ، ولَكِنْ أخْرِجُوهُ عَنِ الدّارِ والبَلَدِ، فَأُخْرِجَ ولَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِمْ حَتّى كَبِرَ، والقَوْمُ نَسُوا ذِكْرَهُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ولا مَطْمَعَ في تَرْجِيحِ بَعْضِ هَذِهِ الرِّواياتِ عَلى بَعْضٍ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلى شَيْءٍ مِنها.

The same ayah, in another commentary

Al-Qaṣaṣ 28:14