All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

Āl ʿImrān 3:16 Juzʾ 3 Page 52

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

Those who say, "Our Lord, indeed we have believed, so forgive us our sins and protect us from the punishment of the Fire,"

Read in the muṣḥaf
مفاتيح الغيب Al-Rāzī

قَوْلُهُ تَعالى ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في إعْرابِ مَوْضِعِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ خَفْضٌ صِفَةٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا، وتَقْدِيرُ الآيَةِ: لِلَّذِينَ اتَّقَوُا الَّذِينَ يَقُولُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْعِبادِ، والتَّقْدِيرُ: واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ وأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ الَّذِينَ لَهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ كَذا وكَذا.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى المَدْحِ.

والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلى التَّخْصِيصِ، والتَّقْدِيرُ: هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ كَذا وكَذا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ثُمَّ إنَّهم قالُوا بَعْدَ ذَلِكَ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم تَوَسَّلُوا بِمُجَرَّدِ الإيمانِ إلى طَلَبِ المَغْفِرَةِ واللَّهُ تَعالى حَكى ذَلِكَ عَنْهم في مَعْرِضِ المَدْحِ لَهم والثَّناءِ عَلَيْهِمْ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ العَبْدَ بِمُجَرَّدِ الإيمانِ يَسْتَوْجِبُ الرَّحْمَةَ والمَغْفِرَةَ مِنَ اللَّهِ

صفحة ١٧٥
تَعالى، فَإنْ قالُوا: الإيمانُ عِبارَةٌ عَنْ جَمِيعِ الطّاعاتِ؛ أبْطَلْنا ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِالدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] وأيْضًا فَمَن أطاعَ اللَّهَ تَعالى في جَمِيعِ الأُمُورِ، وتابَ عَنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ، كانَ إدْخالُهُ النّارَ قَبِيحًا مِنَ اللَّهِ عِنْدَهم، والقَبِيحُ هو الَّذِي يَلْزَمُ مَن فَعَلَهُ، إمّا الجَهْلُ، وإمّا الحاجَةُ فَهُما مُحالانِ، ومُسْتَلْزَمُ المُحالِ مُحالٌ، فَإدْخالُ اللَّهِ تَعالى إيّاهُمُ النّارَ مُحالٌ، وما كانَ مُحالَ الوُقُوعِ عَقْلًا كانَ الدُّعاءُ والتَّضَرُّعُ في أنْ لا يَفْعَلَهُ اللَّهُ عَبَثًا وقَبِيحًا، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [آل عمران: ١٩٣] .
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى اعْتَبَرَ جُمْلَةَ الطّاعاتِ في حُصُولِ المَغْفِرَةِ حَيْثُ أتْبَعَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [آل عمران: ١٧] .

قُلْنا: تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ يُؤَكِّدُ ما ذَكَرْناهُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ مُجَرَّدَ الإيمانِ وسِيلَةً إلى طَلَبِ المَغْفِرَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَها صِفاتِ المُطِيعِينَ وهي كَوْنُهم صابِرِينَ صادِقِينَ، ولَوْ كانَتْ هَذِهِ الصِّفاتُ شَرائِطَ لِحُصُولِ هَذِهِ المَغْفِرَةِ لَكانَ ذِكْرُها قَبْلَ طَلَبِ المَغْفِرَةِ أوْلى، فَلَمّا رَتَّبَ طَلَبَ المَغْفِرَةِ عَلى مُجَرَّدِ الإيمانِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ هَذِهِ الصِّفاتِ، عَلِمْنا أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ في حُصُولِ أصْلِ المَغْفِرَةِ، وإنَّما هي مُعْتَبَرَةٌ في حُصُولِ كَمالِ الدَّرَجاتِ.

‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

The patient, the true, the obedient, those who spend [in the way of Allah], and those who seek forgiveness before dawn.

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

قَوْلُهُ تَعالى ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ .

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: (الصّابِرِينَ) قِيلَ نَصْبٌ عَلى المَدْحِ بِتَقْدِيرِ: أعْنِي الصّابِرِينَ، وقِيلَ: الصّابِرِينَ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى البَدَلِ مِنَ الَّذِينَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هاهُنا صِفاتٍ خَمْسَةً:

الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُهم صابِرِينَ، والمُرادُ كَوْنُهم صابِرِينَ في أداءِ الواجِباتِ والمَندُوباتِ وفي تَرْكِ المَحْظُوراتِ، وكَوْنُهم صابِرِينَ في كُلِّ ما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ المِحَنِ والشَّدائِدِ، وذَلِكَ بِأنْ لا يَجْزَعُوا بَلْ يَكُونُوا راضِينَ في قُلُوبِهِمْ عَنِ اللَّهِ تَعالى، كَما قالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [البقرة: ١٥٦] قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ في قَوْلِهِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [السجدة: ٢٤] إنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهم إنَّما اسْتَحَقُّوا تِلْكَ الدَّرَجاتِ العالِيَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِسَبَبِ الصَّبْرِ، ويُرْوى أنَّهُ وقَفَ رَجُلٌ عَلى الشِّبْلِيِّ، فَقالَ: أيُّ صَبْرٍ أشَدُّ عَلى الصّابِرِينَ ؟ فَقالَ: الصَّبْرُ في اللَّهِ تَعالى، فَقالَ لا، فَقالَ: الصَّبْرُ لِلَّهِ تَعالى، فَقالَ لا، فَقالَ: الصَّبْرُ مَعَ اللَّهِ تَعالى، قالَ لا، قالَ فَأيْشِ ؟ قالَ: الصَّبْرُ عَنِ اللَّهِ تَعالى، فَصَرَخَ الشِّبْلِيُّ صَرْخَةً كادَتْ رُوحُهُ تَتْلَفُ.

صفحة ١٧٦
وقَدْ كَثُرَ مَدْحُ اللَّهِ تَعالى لِلصّابِرِينَ، فَقالَ: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [البقرة: ١٧٧] .
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: كَوْنُهم صادِقِينَ، اعْلَمْ أنَّ لَفْظَ الصِّدْقِ قَدْ يَجْرِي عَلى القَوْلِ والفِعْلِ والنِّيَّةِ، فالصِّدْقُ في القَوْلِ مَشْهُورٌ، وهو مُجانَبَةُ الكَذِبِ، والصِّدْقُ في الفِعْلِ الإتْيانُ بِهِ وتَرْكُ الِانْصِرافِ عَنْهُ قَبْلَ تَمامِهِ، يُقالُ: صَدَقَ فُلانٌ في القِتالِ وصَدَقَ في الجُمْلَةِ، ويُقالُ في ضِدِّهِ: كَذَبَ في القِتالِ، وكَذَبَ في الجُمْلَةِ، والصِّدْقُ في النِّيَّةِ إمْضاءُ العَزْمِ والإقامَةُ عَلَيْهِ حَتّى يَبْلُغَ الفِعْلَ.

الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: كَوْنُهم قانِتِينَ، وقَدْ فَسَّرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] وبِالجُمْلَةِ فَهو عِبارَةٌ عَنِ الدَّوامِ عَلى العِبادَةِ والمُواظَبَةِ عَلَيْها.

الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: كَوْنُهم مُنْفِقِينَ ويَدْخُلُ فِيهِ إنْفاقُ المَرْءِ عَلى نَفْسِهِ وأهْلِهِ وأقارِبِهِ وصِلَةِ رَحِمِهِ وفي الزَّكاةِ والجِهادِ وسائِرِ وُجُوهِ البِرِّ.

الصِّفَةُ الخامِسَةُ: كَوْنُهم مُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ، والسَّحَرُ الوَقْتُ الَّذِي قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، وتَسَحَّرَ إذا أكَلَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، واعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِنهُ مَن يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ثُمَّ يُتْبِعُهُ بِالِاسْتِغْفارِ والدُّعاءِ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَشْتَغِلُ بِالدُّعاءِ والِاسْتِغْفارِ إلّا أنْ يَكُونَ قَدْ صَلّى قَبْلَ ذَلِكَ فَقَوْلُهُ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا قَدْ صَلَّوْا بِاللَّيْلِ. واعْلَمْ أنَّ الِاسْتِغْفارَ بِالسَّحَرِ لَهُ مَزِيدُ أثَرٍ في قُوَّةِ الإيمانِ وفي كَمالِ العُبُودِيَّةِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ في وقْتِ السَّحَرِ يَطْلُعُ نُورُ الصُّبْحِ بَعْدَ أنْ كانَتِ الظُّلْمَةُ شامِلَةً لِلْكُلِّ، وبِسَبَبِ طُلُوعِ نُورِ الصُّبْحِ كَأنَّ الأمْواتَ يَصِيرُونَ أحْياءً، فَهُناكَ وقْتُ الجُودِ العامِّ والفَيْضِ التّامِّ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ طُلُوعِ صُبْحِ العالِمِ الكَبِيرِ يَطْلُعُ صُبْحُ العالَمِ الصَّغِيرِ، وهو ظُهُورُ نُورُ جَلالِ اللَّهِ تَعالى في القَلْبِ.

والثّانِي: أنَّ وقْتَ السَّحَرِ أطْيَبُ أوْقاتِ النَّوْمِ، فَإذا أعْرَضَ العَبْدُ عَنْ تِلْكَ اللَّذَّةِ، وأقْبَلَ عَلى العُبُودِيَّةِ، كانَتِ الطّاعَةُ أكْمَلَ. والثّالِثُ: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ يُرِيدُ المُصَلِّينَ صَلاةَ الصُّبْحِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أكْمَلُ مِن قَوْلِهِ: الَّذِينَ يَصْبِرُونَ ويَصْدُقُونَ، لِأنَّ قَوْلَهُ ‏‏‏‏‏‏‏ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا المَعْنى عادَتُهم وخُلُقُهم، وأنَّهم لا يَنْفَكُّونَ عَنْها.

* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ لِلَّهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ أنْواعًا مِنَ التَّكْلِيفِ، والصّابِرُ هو مَن يَصْبِرُ عَلى أداءِ جَمِيعِ أنْواعِها، ثُمَّ إنَّ العَبْدَ قَدْ يَلْتَزِمُ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ أنْواعًا أُخَرَ مِنَ الطّاعاتِ، وإمّا بِسَبَبِ الشُّرُوعِ فِيهِ، وكَمالُ هَذِهِ المَرْتَبَةِ أنَّهُ إذا التَزَمَ طاعَةً أنْ يُصَدِّقَ نَفْسَهُ في التِزامِهِ، وذَلِكَ بِأنْ يَأْتِيَ بِذَلِكَ لِلْمُلْتَزِمِ مِن غَيْرِ خَلَلٍ البَتَّةَ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ المَرْتَبَةُ مُتَأخِّرَةً عَنِ الأُولى، لا جَرَمَ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الصّابِرِينَ أوَّلًا ثُمَّ قالَ: (الصّادِقِينَ) ثانِيًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَدَبَ إلى المُواظَبَةِ عَلى هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنَ الطّاعَةِ، فَقالَ: (والقانِتِينَ) فَهَذِهِ الألْفاظُ الثَّلاثَةُ لِلتَّرْغِيبِ في المُواظَبَةِ عَلى جَمِيعِ أنْواعِ الطّاعاتِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ ذَكَرَ الطّاعاتِ المُعَيَّنَةَ، وكانَ أعْظَمَ الطّاعاتِ قَدْرًا أمْرانِ:
أحَدُهُما: الخِدْمَةُ بِالمالِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ» “ فَذَكَرَهُ هُنا بِقَوْلِهِ (والمُنْفِقِينَ)

والثّانِيَةُ: الخِدْمَةُ بِالنَّفْسِ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ ”«التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ» “ فَذَكَرَهُ هُنا بِقَوْلِهِ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ .

صفحة ١٧٧
فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قَدَّمَ هاهُنا ذِكْرَ المُنْفِقِينَ عَلى ذِكْرِ المُسْتَغْفِرِينَ، وأخَّرَ في قَوْلِهِ ”«التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ» “ .
قُلْنا: لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ في شَرْحِ عُرُوجِ العَبْدِ مِنَ الأدْنى إلى الأشْرَفِ، فَلا جَرَمَ وقَعَ الخَتْمُ بِذِكْرِ المُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ، وقَوْلِهِ ”«التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ» “ في شَرْحِ نُزُولِ العَبْدِ مِنَ الأشْرَفِ إلى الأدْنى، فَلا جَرَمَ كانَ التَّرْتِيبُ بِالعَكْسِ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: هَذِهِ الخَمْسَةُ إشارَةٌ إلى تَعْدِيدِ الصِّفاتِ لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ، فَكانَ الواجِبُ حَذْفَ واوِ العَطْفِ عَنْها كَما في قَوْلِهِ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [الحشر: ٢٤] إلّا أنَّهُ ذَكَرَ هاهُنا واوَ العَطْفِ وأظُنُّ - والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ - أنَّ كُلَّ مَن كانَ مَعَهُ واحِدَةٌ مِن هَذِهِ الخِصالِ دَخَلَ تَحْتَ المَدْحِ العَظِيمِ واسْتَوْجَبَ هَذا الثَّوابَ الجَزِيلَ واللَّهُ أعْلَمُ.

‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

Allah witnesses that there is no deity except Him, and [so do] the angels and those of knowledge - [that He is] maintaining [creation] in justice. There is no deity except Him, the Exalted in Might, the Wise.

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

قَوْلُهُ تَعالى ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا مَدَحَ المُؤْمِنِينَ وأثْنى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أرْدَفَهُ بِأنْ بَيَّنَ أنَّ دَلائِلَ الإيمانِ ظاهِرَةٌ جَلِيَّةٌ، فَقالَ: ‏‏‏ ‏‏ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ كُلَّ ما يَتَوَقَّفُ العِلْمُ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى العِلْمِ بِهِ، فَإنَّهُ لا يُمْكِنُ إثْباتُهُ بِالدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ، أمّا ما يَكُونُ كَذَلِكَ فَإنَّهُ يَجُوزُ إثْباتُهُ بِالدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ، وفي حَقِّ المَلائِكَةِ، وفي حَقِّ أُولِي العِلْمِ، لَكِنَّ العِلْمَ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لا يَتَوَقَّفُ عَلى العِلْمِ بِكَوْنِ اللَّهِ تَعالى واحِدًا فَلا جَرَمَ يَجُوزُ إثْباتُ كَوْنِ اللَّهِ تَعالى واحِدًا بِمُجَرَّدِ الدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ القُرْآنِيَّةِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: ذَكَرُوا في قَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ قَوْلَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ الشَّهادَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومِنَ المَلائِكَةِ، ومِن أُولِي العِلْمِ بِمَعْنًى واحِدٍ.

الثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ.

أمّا القَوْلُ الأوَّلُ فَيُمْكِنُ تَقْرِيرُهُ مِن وجْهَيْنِ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنْ تَجْعَلَ الشَّهادَةَ عِبارَةً عَنِ الإخْبارِ المَقْرُونِ بِالعِلْمِ، فَهَذا المَعْنى مَفْهُومٌ واحِدٌ وهو حاصِلٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، وفي حَقِّ المَلائِكَةِ، وفي حَقِّ أُولِي العِلْمِ، أمّا مِنَ اللَّهِ تَعالى فَقَدْ أخْبَرَ في القُرْآنِ عَنْ كَوْنِهِ واحِدًا لا إلَهَ مَعَهُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ التَّمَسُّكَ بِالدَّلالَةِ السَّمْعِيَّةِ في هَذِهِ المَسْألَةِ جائِزٌ، وأمّا مِنَ المَلائِكَةِ وأُولِي العِلْمِ فَكُلُّهم أخْبَرُوا أيْضًا أنَّ اللَّهَ تَعالى واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ، فَثَبَتَ عَلى هَذا التَّقْرِيرِ أنَّ المَفْهُومَ مِنَ الشَّهادَةِ مَعْنًى واحِدٌ في حَقِّ اللَّهِ، وفي حَقِّ المَلائِكَةِ، وفي حَقِّ أُولِي العِلْمِ.

صفحة ١٧٨
الوَجْهُ الثّانِي: أنْ نَجْعَلَ الشَّهادَةَ عِبارَةً عَنِ الإظْهارِ والبَيانِ، ثُمَّ نَقُولُ: إنَّهُ تَعالى أظْهَرَ ذَلِكَ وبَيَّنَهُ بِأنْ خَلَقَ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، أمّا المَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ فَقَدْ أظْهَرُوا ذَلِكَ، وبَيَّنُوهُ بِتَقْرِيرِ الدَّلائِلِ والبَراهِينِ، أمّا المَلائِكَةُ فَقَدْ بَيَّنُوا ذَلِكَ لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والرُّسُلُ لِلْعُلَماءِ، والعُلَماءُ لِعامَّةِ الخَلْقِ، فالتَّفاوُتُ إنَّما وقَعَ في الشَّيْءِ الَّذِي بِهِ حَصَلَ الإظْهارُ والبَيانُ، فالمَفْهُومُ الإظْهارُ والبَيانُ فَهو مَفْهُومٌ واحِدٌ في حَقِّ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وفي حَقِّ أُولِي العِلْمِ، فَظَهَرَ أنَّ المَفْهُومَ مِنَ الشَّهادَةِ واحِدٌ عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ كَأنَّهُ يَقُولُ لِلرَّسُولِ ﷺ: إنَّ وحْدانِيَّةَ اللَّهِ تَعالى أمْرٌ قَدْ ثَبَتَ بِشَهادَةِ اللَّهِ تَعالى، وشَهادَةِ جَمِيعِ المُعْتَبَرِينَ مِن خَلْقِهِ، ومِثْلُ هَذا الدِّينِ المَتِينِ والمَنهَجِ القَوِيمِ، لا يَضْعُفُ بِخِلافِ بَعْضِ الجُهّالِ مِنَ النَّصارى وعَبَدَةِ الأوْثانِ، فاثْبُتْ أنْتَ وقَوْمُكَ يا مُحَمَّدُ عَلى ذَلِكَ فَإنَّهُ هو الإسْلامُ والدِّينُ عِنْدَ اللَّهِ هو الإسْلامُ.
القَوْلُ الثّانِي: قَوْلُ مَن يَقُولُ: شَهادَةُ اللَّهِ تَعالى عَلى تَوْحِيدِهِ، عِبارَةٌ عَنْ أنَّهُ خَلَقَ الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى تَوْحِيدِهِ، وشَهادَةُ المَلائِكَةِ وأُولِي العِلْمِ عِبارَةٌ عَنْ إقْرارِهِمْ بِذَلِكَ، ولَمّا كانَ كُلُّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ يُسَمّى شَهادَةً، لَمْ يَبْعُدْ أنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الكُلِّ في اللَّفْظِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأحزاب: ٥٦] ومَعْلُومٌ أنَّ الصَّلاةَ مِنَ اللَّهِ غَيْرُ الصَّلاةِ مِنَ المَلائِكَةِ، ومِنَ المَلائِكَةِ غَيْرُ الصَّلاةِ مِنَ النّاسِ، مَعَ أنَّهُ قَدْ جَمَعَهم في اللَّفْظِ.

فَإنْ قِيلَ: المُدَّعِي لِلْوَحْدانِيَّةِ هو اللَّهُ، فَكَيْفَ يَكُونُ المُدَّعِي شاهِدًا ؟

الجَوابُ: مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: وهو أنَّ الشّاهِدَ الحَقِيقِيَّ لَيْسَ إلّا اللَّهَ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي خَلَقَ الأشْياءَ وجَعَلَها دَلائِلَ عَلى تَوْحِيدِهِ، ولَوْلا تِلْكَ الدَّلائِلُ لَما صَحَّتِ الشَّهادَةُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ نَصْبُ تِلْكَ الدَّلائِلِ هو الَّذِي وفَّقَ العُلَماءَ لِمَعْرِفَةِ تِلْكَ الدَّلائِلِ، ولَوْلا تِلْكَ الدَّلائِلُ الَّتِي نَصَبَها اللَّهُ تَعالى وهَدى إلَيْها لَعَجَزُوا عَنِ التَّوَصُّلِ بِها إلى مَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ الشّاهِدُ عَلى الوَحْدانِيَّةِ لَيْسَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ، ولِهَذا قالَ: ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [الأنعام: ١٩] .

الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّهُ هو المَوْجُودُ أزَلًا وأبَدًا، وكُلُّ ما سِواهُ فَقَدْ كانَ في الأزَلِ عَدَمًا صِرْفًا، ونَفْيًا مَحْضًا، والعَدَمُ يُشْبِهُ الغائِبَ، والمَوْجُودُ يُشْبِهُ الحاضِرَ، فَكُلُّ ما سِواهُ فَقَدْ كانَ غائِبًا، وبِشَهادَةِ الحَقِّ صارَ شاهِدًا، فَكانَ الحَقُّ شاهِدًا عَلى الكُلِّ، فَلِهَذا قالَ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ .

الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ هَذا وإنْ كانَ في صُورَةِ الشَّهادَةِ، إلّا أنَّهُ في مَعْنى الإقْرارِ، لِأنَّهُ لَمّا أخْبَرَ أنَّهُ لا إلَهَ سِواهُ، كانَ الكُلُّ عَبِيدًا لَهُ، والمَوْلى الكَرِيمُ لا يَلِيقُ بِهِ أنْ لا يُخِلَّ بِمَصالِحِ العَبِيدِ، فَكانَ هَذا الكَلامُ جارِيًا مَجْرى الإقْرارِ بِأنَّهُ يَجِبُ وُجُوبَ الكَرِيمِ عَلَيْهِ أنْ يُصْلِحَ جِهاتِ جَمِيعِ الخَلْقِ.

الوَجْهُ الرّابِعُ في الجَوابِ: قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ”شَهِدَ اللَّهُ إنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو“ بِكَسْرِ ”إنَّهُ“ ثُمَّ قَرَأ ”أنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ“ بِفَتْحِ ”أنَّ“ فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: شَهِدَ اللَّهُ أنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ ويَكُونُ قَوْلُهُ ”إنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو“ اعْتِراضًا في الكَلامِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الجَوابَ لا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، لِأنَّ هَذِهِ القِراءَةَ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ عِنْدَ العُلَماءِ، وبِتَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ مَقْبُولَةً لَكِنَّ القِراءَةَ الأُولى مُتَّفَقٌ عَلَيْها، فالإشْكالُ الوارِدُ عَلَيْها لا يَنْدَفِعُ بِسَبَبِ القِراءَةِ الأُخْرى.

صفحة ١٧٩
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِن ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ في هَذِهِ الآيَةِ الَّذِينَ عَرَفُوا وحْدانِيَّتَهُ بِالدَّلائِلِ القاطِعَةِ لِأنَّ الشَّهادَةَ إنَّما تَكُونُ مَقْبُولَةً، إذا كانَ الإخْبارُ مَقْرُونًا بِالعِلْمِ، ولِذَلِكَ قالَ ﷺ: ”«إذا عَلِمْتَ مِثْلَ الشَّمْسِ فاشْهَدْ» “ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الدَّرَجَةَ العالِيَةَ والمَرْتَبَةَ الشَّرِيفَةَ لَيْسَتْ إلّا لِعُلَماءِ الأُصُولِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ مُنْتَصِبٌ، وفِيهِ وُجُوهٌ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: نَصْبٌ عَلى الحالِ، ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: التَّقْدِيرُ: شَهِدَ اللَّهُ قائِمًا بِالقِسْطِ. وثانِيها: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن هو تَقْدِيرُهُ: لا إلَهَ إلّا هو قائِمًا بِالقِسْطِ، ويُسَمّى هَذا حالًا مُؤَكِّدَةً كَقَوْلِكَ: أتانا عَبْدُ اللَّهِ شُجاعًا، وكَقَوْلِكَ: لا رَجُلَ إلّا عَبْدَ اللَّهِ شُجاعًا.

الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ صِفَةَ المَنفِيِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا إلَهَ قائِمًا بِالقِسْطِ إلّا هو، وهَذا غَيْرُ بَعِيدٍ لِأنَّهم يَفْصِلُونَ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ.

والوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى المَدْحِ.

فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ مِن حَقِّ المَدْحِ أنْ يَكُونَ مَعْرِفَةً، كَقَوْلِكَ، الحَمْدُ لِلَّهِ الحَمِيدِ.

قُلْنا: وقَدْ جاءَ نَكِرَةً أيْضًا، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:

ويَأْوِي إلى نِسْوَةٍ عُطَّلٍ وشُعْثًا مَراضِعَ مِثْلَ السَّعالِي
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ حالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ والتَّقْدِيرُ: وأُولُو العِلْمِ حالٌ كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم قائِمًا بِالقِسْطِ في أداءِ هَذِهِ الشَّهادَةِ.

والثّانِي: وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ حالٌ مِن ‏‏‏ ‏‏ .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مَعْنى كَوْنِهِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ قائِمًا بِالعَدْلِ، كَما يُقالُ: فُلانٌ قائِمٌ بِالتَّدْبِيرِ، أيْ يُجْرِيهِ عَلى الِاسْتِقامَةِ.

واعْلَمْ أنَّ هَذا العَدْلَ مِنهُ ما هو مُتَّصِلٌ بِبابِ الدُّنْيا، ومِنهُ ما هو مُتَّصِلٌ بِبابِ الدِّينِ، أمّا المُتَّصِلُ بِالدِّينِ فانْظُرْ أوَّلًا في كَيْفِيَّةِ خِلْقَةِ أعْضاءِ الإنْسانِ، حَتّى تَعْرِفَ عَدْلَ اللَّهِ تَعالى فِيها، ثُمَّ انْظُرْ إلى اخْتِلافِ أحْوالِ الخَلْقِ في الحُسْنِ والقُبْحِ، والغِنى والفَقْرِ والصِّحَّةِ والسَّقَمِ، وطُولِ العُمُرِ وقِصَرِهِ واللَّذَّةِ والآلامِ، واقْطَعْ بِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ عَدْلٌ مِنَ اللَّهِ وحِكْمَةٌ وصَوابٌ، ثُمَّ انْظُرْ في كَيْفِيَّةِ خَلْقِهِ العَناصِرَ وأجْرامَ الأفْلاكِ، وتَقْدِيرِ كُلِّ واحِدٍ مِنها بِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ وخاصِّيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، واقْطَعْ بِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ حِكْمَةٌ وصَوابٌ، أمّا ما يَتَّصِلُ بِأمْرِ الدِّينِ، فانْظُرْ إلى اخْتِلافِ الخَلْقِ في العِلْمِ والجَهْلِ، والفَطانَةِ والبَلادَةِ، والهِدايَةِ والغَوايَةِ، واقْطَعْ بِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ عَدْلٌ وقِسْطٌ. ولَقَدْ خاضَ صاحِبُ الكَشّافِ هاهُنا في التَّعَصُّبِ لِلِاعْتِزالِ وزَعَمَ أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ الإسْلامَ هو العَدْلُ والتَّوْحِيدُ، وكانَ ذَلِكَ المِسْكِينُ بَعِيدًا عَنْ مَعْرِفَةِ هَذِهِ الأشْياءِ إلّا أنَّهُ فُضُولِيٌّ كَثِيرُ الخَوْضِ فِيما لا يَعْرِفُ، وزَعَمَ أنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ مَن أجازَ الرُّؤْيَةَ، أوْ ذَهَبَ إلى الجَبْرِ لَمْ يَكُنْ عَلى دِينِ اللَّهِ الَّذِي هو الإسْلامُ، والعَجَبُ أنَّ أكابِرَ المُعْتَزِلَةِ وعُظَماءَهم أفْنَوْا أعْمارَهم في طَلَبِ الدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ لَوْ كانَ مَرْئِيًّا لَكانَ جِسْمًا، وما وجَدُوا فِيهِ سِوى الرُّجُوعِ إلى الشّاهِدِ مِن غَيْرِ جامِعٍ عَقْلِيٍّ قاطِعٍ، فَهَذا المِسْكِينُ الَّذِي ما شَمَّ رائِحَةَ العِلْمِ مِن أيْنَ وجَدَ ذَلِكَ !

صفحة ١٨٠
وأمّا حَدِيثُ الجَبْرِ فالخَوْضُ فِيهِ مِن ذَلِكَ المِسْكِينِ خَوْضٌ فِيما لا يَعْنِيهِ، لِأنَّهُ لَمّا اعْتَرَفَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ، واعْتَرَفَ بِأنَّ العَبْدَ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَقْلِبَ عِلْمَ اللَّهِ جَهْلًا، فَقَدِ اعْتَرَفَ بِهَذا الجَبْرِ، فَمِن أيْنَ هو والخَوْضُ في أمْثالِ هَذِهِ المَباحِثِ ! .
ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ والفائِدَةُ في إعادَتِهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ: شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو، وإذا شَهِدَ بِذَلِكَ فَقَدْ صَحَّ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو، ونَظِيرُهُ قَوْلُ مَن يَقُولُ: الدَّلِيلُ دَلَّ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى، ومَتى كانَ كَذَلِكَ صَحَّ القَوْلُ بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ أنَّ اللَّهَ شَهِدَ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو وشَهِدَتِ المَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ بِذَلِكَ صارَ التَّقْدِيرُ، كَأنَّهُ قالَ: يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ فَقُولُوا أنْتُمْ عَلى وفْقِ شَهادَةِ اللَّهِ وشَهادَةِ المَلائِكَةِ وأُولِي العِلْمِ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ فَكانَ الغَرَضُ مِنَ الإعادَةِ الأمْرَ بِذِكْرِ هَذِهِ الكَلِمَةِ عَلى وفْقِ تِلْكَ الشَّهاداتِ. الثّالِثُ: فائِدَةُ هَذا التَّكْرِيرِ الإعْلامُ بِأنَّ المُسْلِمَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ أبَدًا في تَكْرِيرِ هَذِهِ الكَلِمَةِ فَإنَّ أشْرَفَ كَلِمَةٍ يَذْكُرُها الإنْسانُ هي هَذِهِ الكَلِمَةُ، فَإذا كانَ في أكْثَرِ الأوْقاتِ مُشْتَغِلًا بِذِكْرِها وبِتَكْرِيرِها كانَ مُشْتَغِلًا بِأعْظَمِ أنْواعِ العِباداتِ، فَكانَ الغَرَضُ مِنَ التَّكْرِيرِ في هَذِهِ الآيَةِ حَثُّ العِبادِ عَلى تَكْرِيرِها. الرّابِعُ: ذَكَرَ قَوْلَهُ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ أوَّلًا: لِيُعْلِمَ أنَّهُ لا تَحِقُّ العِبادَةُ إلّا لِلَّهِ تَعالى، وذَكَرَها ثانِيًا: لِيُعْلِمَ أنَّهُ القائِمُ بِالقِسْطِ لا يَجُورُ ولا يَظْلِمُ.

أمّا قَوْلُهُ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فالعَزِيزُ إشارَةٌ إلى كَمالِ القُدْرَةِ، والحَكِيمُ إشارَةٌ إلى كَمالِ العِلْمِ، وهُما الصِّفَتانِ اللَّتانِ يَمْتَنِعُ حُصُولُ الإلَهِيَّةِ إلّا مَعَهُما؛ لِأنَّ كَوْنَهُ قائِمًا بِالقِسْطِ لا يَتِمُّ إلّا إذا كانَ عالِمًا بِمَقادِيرِ الحاجاتِ، وكانَ قادِرًا عَلى تَحْصِيلِ المُهِمّاتِ، وقَدَّمَ العَزِيزَ عَلى الحَكِيمِ في الذِّكْرِ، لِأنَّ العِلْمَ بِكَوْنِهِ تَعالى قادِرًا مُتَقَدِّمٌ عَلى العِلْمِ بِكَوْنِهِ عالِمًا في طَرِيقِ المَعْرِفَةِ الِاسْتِدْلالِيَّةِ، فَلَمّا كانَ مُقَدَّمًا في المَعْرِفَةِ الِاسْتِدْلالِيَّةِ، وكانَ هَذا الخِطابُ مَعَ المُسْتَدِلِّينَ، لا جَرَمَ قَدَّمَ تَعالى ذِكْرَ العَزِيزِ عَلى الحَكِيمِ.

You read 3:16–18 Just this one The next passage

The same ayah, in another commentary

Āl ʿImrān 3:16