All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Āl ʿImrān 3:99 Juzʾ 4 Page 62

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Say, "O People of the Scripture, why do you avert from the way of Allah those who believe, seeking to make it [seem] deviant, while you are witnesses [to the truth]? And Allah is not unaware of what you do."

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏

اعْلَمْ أنَّ في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: وهو الأوْفَقُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْرَدَ الدَّلائِلَ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِمّا ورَدَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِنَ البِشارَةِ بِمَقْدِمِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَ ذَلِكَ شُبُهاتِ القَوْمِ.

فالشُّبْهَةُ الأُولى: ما يَتَعَلَّقُ بِإنْكارِ النَّسْخِ.

صفحة ١٣٧
وأجابَ عَنْها بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ [آل عمران: ٩٣] .
والشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: ما يَتَعَلَّقُ بِالكَعْبَةِ ووُجُوبِ اسْتِقْبالِها في الصَّلاةِ ووُجُوبِ حَجِّها.

وأجابَ عَنْها بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ إلى آخِرِها، فَعِنْدَ هَذا تَمَّتْ وظِيفَةُ الِاسْتِدْلالِ وكَمُلَ الجَوابُ عَنْ شُبُهاتِ أرْبابِ الضَّلالِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ خاطَبَهم بِالكَلامِ اللَّيِّنِ وقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ بَعْدَ ظُهُورِ البَيِّناتِ وزَوالِ الشُّبُهاتِ، وهَذا هو الغايَةُ القُصْوى في تَرْتِيبِ الكَلامِ وحُسْنِ نَظْمِهِ.

الوَجْهُ الثّانِي: وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ فَضائِلَ الكَعْبَةِ ووُجُوبَ الحَجِّ، والقَوْمُ كانُوا عالِمِينَ بِأنَّ هَذا هو الدِّينُ الحَقُّ والمِلَّةُ الصَّحِيحَةُ قالَ لَهم: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ بَعْدَ أنْ عَلِمْتُمْ كَوْنَها حَقَّةً صَحِيحَةً.

واعْلَمْ أنَّ المُبْطِلَ إمّا أنْ يَكُونَ ضالًّا فَقَطْ، وإمّا أنْ يَكُونَ مَعَ كَوْنِهِ ضالًّا يَكُونُ مُضِلًّا، والقَوْمُ كانُوا مَوْصُوفِينَ بِالأمْرَيْنِ جَمِيعًا فَبَدَأ تَعالى بِالإنْكارِ عَلَيْهِمْ في الصِّفَةِ الأُولى عَلى سَبِيلِ الرِّفْقِ واللُّطْفِ.

* * *
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ واخْتَلَفُوا فِيمَنِ المُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ، فَقالَ الحَسَنُ: هم عُلَماءُ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ عَلِمُوا صِحَّةَ نُبُوَّتِهِ، واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وقالَ بَعْضُهم: بَلِ المُرادُ كُلُّ أهْلِ الكِتابِ لِأنَّهم وإنْ لَمْ يَعْلَمُوا فالحُجَّةُ قائِمَةٌ عَلَيْهِمْ فَكَأنَّهم بِتَرْكِ الِاسْتِدْلالِ والعُدُولِ إلى التَّقْلِيدِ بِمَنزِلَةِ مَن عَلِمَ ثُمَّ أنْكَرَ.

فَإنْ قِيلَ: ولِمَ خُصَّ أهْلُ الكِتابِ بِالذِّكْرِ دُونَ سائِرِ الكُفّارِ ؟

قُلْنا: لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنّا بَيَّنّا أنَّهُ تَعالى أوْرَدَ الدَّلِيلَ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ثُمَّ أجابَ عَنْ شُبَهِهِمْ في ذَلِكَ، ثُمَّ لَمّا تَمَّ ذَلِكَ خاطَبَهم فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فَهَذا التَّرْتِيبُ الصَّحِيحُ. الثّانِي: أنَّ مَعْرِفَتَهم بِآياتِ اللَّهِ أقْوى لِتَقَدُّمِ اعْتِرافِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ وأصْلِ النُّبُوَّةِ، ولِمَعْرِفَتِهِمْ بِما في كُتُبِهِمْ مِنَ الشَّهادَةِ بِصِدْقِ الرَّسُولِ والبِشارَةِ بِنُبُوَّتِهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الكُفْرَ مِن قِبَلِهِمْ حَتّى يَصِحَّ هَذا التَّوْبِيخُ، وكَذَلِكَ لا يَصِحُّ تَوْبِيخُهم عَلى طَوْلِهِمْ وصِحَّتِهِمْ ومَرَضِهِمْ.

والجَوابُ عَنْهُ: المُعارَضَةُ بِالعِلْمِ والدّاعِي.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُرادُ (مِن آياتِ اللَّهِ) الآياتُ الَّتِي نَصَبَها اللَّهُ تَعالى عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والمُرادُ بِكُفْرِهِمْ بِها كُفْرُهم بِدَلالَتِها عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

* * *
ثُمَّ قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ الواوُ لِلْحالِ والمَعْنى: لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ الَّتِي دَلَّتْكم عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والحالُ أنَّ اللَّهَ شَهِيدٌ عَلى أعْمالِكم ومُجازِيكم عَلَيْها وهَذِهِ الحالُ تُوجِبُ أنْ لا تَجْتَرِءُوا عَلى الكُفْرِ بِآياتِهِ.

صفحة ١٣٨
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا أنْكَرَ عَلَيْهِمْ في ضَلالِهِمْ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ الإنْكارَ عَلَيْهِمْ في إضْلالِهِمْ لِضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ صَدَدْتُهُ أصُدُّهُ صَدًّا وأصْدَدْتُهُ إصْدادًا، وقَرَأ الحَسَنُ (تُصِدُّونَ) بِضَمِّ التّاءِ مِن أصَدَّهُ، قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ صَدُّهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِإلْقاءِ الشُّبَهِ والشُّكُوكِ في قُلُوبِ الضَّعَفَةِ مِنَ المُسْلِمِينَ وكانُوا يُنْكِرُونَ كَوْنَ صِفَتِهِ ﷺ في كِتابِهِمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ العِوَجُ بِكَسْرِ العَيْنِ المَيْلُ عَنْ الِاسْتِواءِ في كُلِّ ما لا يُرى، وهو الدِّينُ والقَوْلُ، فَأمّا الشَّيْءُ الَّذِي يُرى فَيُقالُ فِيهِ: عَوَجٌ بِفَتْحِ العَيْنِ كالحائِطِ والقَناةِ والشَّجَرَةِ، قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: البَغْيُ يُقْتَصَرُ لَهُ عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ إذا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ اللّامُ كَقَوْلِكَ: بَغَيْتُ المالَ والأجْرَ والثَّوابَ، وأُرِيدَ هاهُنا: تَبْغُونَ لَها عِوَجًا، ثُمَّ أُسْقِطَتِ اللّامُ كَما قالُوا: وهَبْتُكَ دِرْهَمًا أيْ وهَبْتُ لَكَ دِرْهَمًا، ومِثْلُهُ صِدْتُ لَكَ ظَبْيًا وأنْشَدَ:

فَتَوَلّى غُلامُهم ثُمَّ نادى أظَلِيمًا أصِيدُكم أمْ حِمارًا
أرادَ أصِيدُ لَكم والهاءُ في ‏‏‏‏‏‏‏ عائِدَةٌ إلى (السَّبِيلِ) لِأنَّ السَّبِيلَ يُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ و(العِوَجُ) يَعْنِي بِهِ الزَّيْغَ والتَّحْرِيفَ، أيْ تَلْتَمِسُونَ لِسَبِيلِهِ الزَّيْغَ والتَّحْرِيفَ بِالشُّبَهِ الَّتِي تُورِدُونَها عَلى الضَّعَفَةِ نَحْوَ قَوْلِهِمْ: النَّسْخُ يَدُلُّ عَلى البَداءِ، وقَوْلُهم: إنَّهُ ورَدَ في التَّوْراةِ أنَّ شَرِيعَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ باقِيَةٌ إلى الأبَدِ، وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ (عِوَجًا) في مَوْضِعِ الحالِ والمَعْنى: تَبْغُونَها ضالِّينَ وذَلِكَ أنَّهم كَأنَّهم كانُوا يَدَّعُونَ أنَّهم عَلى دِينِ اللَّهِ وسَبِيلِهِ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: إنَّكم تَبْغُونَ سَبِيلَ اللَّهِ ضالِّينَ وعَلى هَذا القَوْلِ لا يُحْتاجُ إلى إضْمارِ اللّامِ في تَبْغُونَها.
* * *
ثُمَّ قالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وفِيهِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يَعْنِي أنْتُمْ شُهَداءُ أنَّ في التَّوْراةِ أنَّ دِينَ اللَّهِ الَّذِي لا يُقْبَلُ غَيْرُهُ هو الإسْلامُ. الثّانِي: وأنْتُمْ شُهَداءُ عَلى ظُهُورِ المُعْجِزاتِ عَلى نُبُوَّتِهِ ﷺ . الثّالِثُ: وأنْتُمْ شُهَداءُ أنَّهُ لا يَجُوزُ الصَّدُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. الرّابِعُ: وأنْتُمْ شُهَداءُ بَيْنَ أهْلِ دِينِكم عُدُولٌ يَثِقُونَ بِأقْوالِكم ويُعَوِّلُونَ عَلى شَهادَتِكم في عِظامِ الأُمُورِ وهُمُ الأحْبارُ. والمَعْنى: أنَّ مَن كانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ الإصْرارُ عَلى الباطِلِ والكَذِبِ والضَّلالِ والإضْلالِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ والمُرادُ التَّهْدِيدُ، وهو كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِعَبْدِهِ، وقَدْ أنْكَرَ طَرِيقَهُ لا يَخْفى عَلَيَّ ما أنْتَ عَلَيْهِ ولَسْتُ غافِلًا عَنْ أمْرِكَ وإنَّما خَتَمَ الآيَةَ الأُولى بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ وهَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يُظْهِرُونَ الكُفْرَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وما كانُوا يُظْهِرُونَ إلْقاءَ الشُّبَهِ في قُلُوبِ المُسْلِمِينَ، بَلْ كانُوا يَحْتالُونَ في ذَلِكَ بِوُجُوهِ الحِيَلِ فَلا جَرَمَ قالَ فِيما أظْهَرُوهُ ‏‏‏ ‏‏‏‏ وفِيما أضْمَرُوهُ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وإنَّما كَرَّرَ في الآيَتَيْنِ قَوْلَهُ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ لِأنَّ المَقْصُودَ التَّوْبِيخُ عَلى ألْطَفِ الوُجُوهِ، وتَكْرِيرُ هَذا الخِطابِ اللَّطِيفِ أقْرَبُ إلى التَّلَطُّفِ في صَرْفِهِمْ عَنْ طَرِيقَتِهِمْ في الضَّلالِ والإضْلالِ وأدَلُّ عَلى النُّصْحِ لَهم في الدِّينِ والإشْفاقِ.

The same ayah, in another commentary

Āl ʿImrān 3:99