All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

Aṣ-Ṣāffāt 37:16 Juzʾ 23 Page 446

‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏

When we have died and become dust and bones, are we indeed to be resurrected?

Read in the muṣḥaf
مفاتيح الغيب Al-Rāzī

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: تَقْرِيرُ الكَلامِ أنْ يُقالَ إنَّ هَؤُلاءِ المُنْكِرِينَ أقَرُّوا بِأنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى تَكْوِينِ أشْياءَ أصْعَبَ مِن إعادَةِ الحَياةِ إلى هَذِهِ الأجْسادِ، وقَدْ تَقَرَّرَ في صَرائِحِ العُقُولِ أنَّ القادِرَ عَلى الأشَقِّ الأشَدِّ يَكُونُ قادِرًا عَلى الأسْهَلِ الأيْسَرِ، ثُمَّ مَعَ قِيامِ هَذِهِ الحُجَّةِ البَدِيهِيَّةِ بَقِيَ هَؤُلاءِ الأقْوامُ مُصِرِّينَ عَلى إنْكارِ البَعْثِ والقِيامَةِ وهَذا في مَوْضِعِ التَّعَجُّبِ الشَّدِيدِ فَإنَّ مَعَ ظُهُورِ هَذِهِ الحُجَّةِ الجَلِيَّةِ الظّاهِرَةِ كَيْفَ يُعْقَلُ بَقاءُ القَوْمِ عَلى الإصْرارِ فِيهِ، فَأنْتَ يا مُحَمَّدُ تَتَعَجَّبُ مِن إصْرارِهِمْ عَلى الإنْكارِ وهم في طَرَفِ الإنْكارِ وصَلُوا إلى حَيْثُ يَسْخَرُونَ مِنكَ في قَوْلِكَ بِإثْباتِ الحَشْرِ والنَّشْرِ والبَعْثِ والقِيامَةِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”عَجِبْتُ“ بِضَمِّ التّاءِ والباقُونَ بِفَتْحِها قالَ الواحِدِيُّ: والضَّمُّ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وإبْراهِيمَ ويَحْيى بْنِ ثابِتٍ والأعْمَشِ وقِراءَةُ أهْلِ الكُوفَةِ واخْتِيارُ أبِي عُبَيْدَةَ، أمّا الَّذِينَ قَرَءُوا بِالفَتْحِ فَقَدِ احْتَجُّوا بِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ القِراءَةَ بِالضَّمِّ تَدُلُّ عَلى إسْنادِ العَجَبِ إلى اللَّهِ تَعالى وذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنَّ التَّعَجُّبَ حالَةٌ تَحْصُلُ عِنْدَ الجَهْلِ بِصِفَةِ الشَّيْءِ ومَعْلُومٌ أنَّ الجَهْلَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ.

والثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى أضافَ التَّعَجُّبَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ في آيَةٍ أُخْرى في هَذِهِ المَسْألَةِ فَقالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [الرعد: ٥] .

والثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ والظّاهِرُ أنَّهم سَخِرُوا لِأجْلِ

صفحة ١١١
ذَلِكَ التَّعَجُّبِ فَلَمّا سَخِرُوا مِنهُ وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّعَجُّبُ صادِرًا مِنهُ، وأمّا الَّذِينَ قَرَءُوا بِضَمِّ التّاءِ، فَقَدْ أجابُوا عَنِ الحُجَّةِ الأُولى مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ القِراءَةَ بِالضَّمِّ لا نُسَلِّمُ أنَّها تَدُلُّ عَلى إسْنادِ التَّعَجُّبِ إلى اللَّهِ تَعالى، وبَيانُهُ أنَّهُ يَكُونُ التَّقْدِيرُ قُلْ يا مُحَمَّدُ (بَلْ عَجِبْتُ ويَسْخَرُونَ) ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨] مَعْناهُ أنَّ هَؤُلاءِ ما تَقُولُونَ فِيهِ أنْتُمْ هَذا النَّحْوَ مِنَ الكَلامِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ [البقرة: ١٧٥] .

الثّانِي: سَلَّمْنا أنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي إضافَةَ التَّعَجُّبِ إلى اللَّهِ تَعالى فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّ ذَلِكَ مُحالٌ ؟ ويُرْوى أنَّ شُرَيْحًا كانَ يَخْتارُ القِراءَةَ بِالنَّصْبِ ويَقُولُ: العَجَبُ لا يَلِيقُ إلّا بِمَن لا يَعْلَمُ، قالَ الأعْمَشُ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِإبْراهِيمَ فَقالَ: إنَّ شُرَيْحًا يَعْجَبُ بِعِلْمِهِ، وكانَ عَبْدُ اللَّهِ أعْلَمَ، وكانَ يَقْرَأُ بِالضَّمِّ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنْ نَقُولَ: دَلَّ القُرْآنُ والخَبَرُ عَلى جَوازِ إضافَةِ العَجَبِ إلى اللَّهِ تَعالى، أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الرعد: ٥] والمَعْنى: وإنْ تَعْجَبْ يا مُحَمَّدُ مِن قَوْلِهِمْ فَهو أيْضًا عَجَبٌ عِنْدِي، وأُجِيبَ عَنْهُ أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهم عِنْدَكم، وأمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ ﷺ: «عَجِبَ رَبُّكم مِن إلِّكم وقُنُوطِكم، وعَجِبَ رَبُّكم مِن شابٍّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ» . وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: العَجَبُ مِنَ اللَّهِ تَعالى خِلافُ العَجَبِ مِنَ الآدَمِيِّينَ كَما قالَ: ﴿ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠] وقالَ: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] وقالَ تَعالى: ﴿وهُوَ خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] والمَكْرُ والخِداعُ والسُّخْرِيَةُ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِخِلافِ هَذِهِ الأحْوالِ مِنَ العِبادِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القانُونَ في هَذا البابِ أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ مَحْمُولَةٌ عَلى نِهاياتِ الأعْراضِ لا عَلى بِداياتِ الأعْراضِ.

وكَذَلِكَ هَهُنا مَن تَعَجَّبَ مِن شَيْءٍ فَإنَّهُ يَسْتَعْظِمُهُ فالتَّعَجُّبُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ تَعالى يَسْتَعْظِمُ تِلْكَ الحالَةَ، إنْ كانَتْ قَبِيحَةً فَيَتَرَتَّبُ العِقابُ العَظِيمُ عَلَيْهِ، وإنْ كانَتْ حَسَنَةً فَيَتَرَتَّبُ الثَّوابُ العَظِيمُ عَلَيْهِ، فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ المُناظَرَةِ، والأقْرَبُ أنْ يُقالَ القِراءَةُ بِالضَّمِّ إنَ ثَبَتَ بِالتَّواتُرِ وجَبَ المَصِيرُ إلَيْها ويَكُونُ التَّأْوِيلُ ما ذَكَرْناهُ وإنْ لَمْ تَثْبُتْ هَذِهِ القِراءَةُ بِالتَّواتُرِ، كانَتِ القِراءَةُ بِفَتْحِ التّاءِ أوْلى واللَّهُ أعْلَمُ.

‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And our forefathers [as well]?"

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَرَّرَ الدَّلِيلَ القاطِعَ في إثْباتِ إمْكانِ البَعْثِ والقِيامَةِ حَكى عَنِ المُنْكِرِينَ أشْياءَ:

أوَّلُها: النَّبِيُّ ﷺ يَتَعَجَّبُ مِن إصْرارِهِمْ عَلى الإنْكارِ وهم يَسْخَرُونَ مِنهُ في إصْرارِهِ عَلى الإثْباتِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ﷺ مَعَ أُولَئِكَ الأقْوامِ كانُوا في غايَةِ التَّباعُدِ وفي طَرَفَيِ النَّقِيضِ.

وثانِيها قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ .

وثالِثُها: قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ويَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الثّانِي والثّالِثِ غَيْرَ الأوَّلِ؛ لِأنَّ العَطْفَ يُوجِبُ التَّغايُرَ ولِأنَّ التَّكْرِيرَ خِلافُ الأصْلِ، والَّذِي عِنْدِي في هَذا البابِ أنْ يُقالَ: القَوْمُ كانُوا يَسْتَبْعِدُونَ الحَشْرَ والقِيامَةَ، ويَقُولُونَ: مَن ماتَ وصارَ تُرابًا وتَفَرَّقَتْ أجْزاؤُهُ في العالَمِ كَيْفَ يُعْقَلُ عَوْدُهُ بِعَيْنِهِ ؟ وبَلَغُوا في هَذا الِاسْتِبْعادِ إلى حَيْثُ كانُوا يَسْخَرُونَ مِمَّنْ يَذْهَبُ إلى هَذا المَذْهَبِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا طَرِيقَ إلى إزالَةِ هَذا

صفحة ١١٢
الِاسْتِبْعادِ عَنْهم إلّا مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَذْكُرَ لَهُمُ الدَّلِيلَ الدّالَّ عَلى صِحَّةِ الحَشْرِ والنَّشْرِ مِثْلَ أنْ يُقالَ لَهم: هَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ أشَدُّ وأصْعَبُ مِن إعادَةِ إنْسانٍ بَعْدَ مَوْتِهِ ؟ وهَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ القادِرَ عَلى الأصْعَبِ الأشَقِّ، يَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الأسْهَلِ الأيْسَرِ ؟ فَهَذا الدَّلِيلُ وإنْ كانَ جَلِيًّا قَوِيًّا إلّا أنَّ أُولَئِكَ المُنْكِرِينَ إذا عُرِضَ عَلى عُقُولِهِمْ هَذِهِ المُقَدِّماتُ لا يَفْهَمُونَها ولا يَقِفُونَ عَلَيْها، وإذا ذُكِّرُوا لَمْ يَذْكُرُوها لِشِدَّةِ بَلادَتِهِمْ وجَهْلِهِمْ، فَلا جَرَمَ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِهَذا النَّوْعِ مِنَ البَيانِ.

الطَّرِيقُ الثّانِي: أنْ يُثْبِتَ الرَّسُولُ ﷺ جِهَةَ رِسالَتِهِ بِالمُعْجِزاتِ ثُمَّ يَقُولُ: لَمّا ثَبَتَ بِالمُعْجِزِ كَوْنِي رَسُولًا صادِقًا مِن عِنْدِ اللَّهِ فَأنا أُخْبِرُكم بِأنَّ البَعْثَ والقِيامَةَ حَقٌّ، ثُمَّ إنَّ أُولَئِكَ المُنْكِرِينَ لا يَنْتَفِعُونَ بِهَذا الطَّرِيقِ أيْضًا؛ لِأنَّهم إذا رَأوْا مُعْجِزَةً قاهِرَةً وآيَةً باهِرَةً حَمَلُوها عَلى كَوْنِها سِحْرًا وسَخِرُوا بِها واسْتَهْزَءُوا مِنها وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ فَظَهَرَ بِالبَيانِ الَّذِي ذَكَرْناهُ أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ الثَّلاثَةَ مُنَبِّهَةٌ عَلى هَذِهِ الفَوائِدِ الجَلِيَّةِ.

واعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ النّاسِ لَمْ يَقِفُوا عَلى هَذِهِ الدَّقائِقِ، فَقالُوا: إنَّهُ تَعالى قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ .

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ غَيْرَ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويَسْخَرُونَ﴾ فَقالَ هَذا القائِلُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويَسْخَرُونَ﴾ إقْدامُهم عَلى السُّخْرِيَةِ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ طَلَبَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مِن صاحَبِهِ أنْ يُقْدِمَ عَلى السُّخْرِيَةِ، وهَذا التَّكْلِيفُ إنَّما لَزِمَهم لِعَدَمِ وُقُوفِهِمْ عَلى الفَوائِدِ الَّتِي ذَكَرْناها واللَّهُ أعْلَمُ.
والرّابِعُ: مِنَ الأُمُورِ الَّتِي حَكاها اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ يَعْنِي أنَّهم إذا رَأوْا آيَةً ومُعْجِزَةً سَخِرُوا مِنها، والسَّبَبُ في تِلْكَ السُّخْرِيَةِ اعْتِقادُهم أنَّها مِن بابِ السِّحْرِ. وقَوْلُهُ: ﴿مُبِينٌ﴾ مَعْناهُ أنَّ كَوْنَهُ سِحْرًا أمْرٌ بَيِّنٌ لا شُبْهَةَ لِأحَدٍ فِيهِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ السَّبَبَ الَّذِي يَحْمِلُهم عَلى الِاسْتِهْزاءِ بِالقَوْلِ بِالبَعْثِ وعَلى عَدَمِ الِالتِفاتِ إلى الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ وعَلى الِاسْتِهْزاءِ بِجَمِيعِ المُعْجِزاتِ هو قَوْلُهم: إنَّ الَّذِي ماتَ وتَفَرَّقَتْ أجْزاؤُهُ في جُمْلَةِ العالَمِ فَما فِيهِ مِنَ الأرْضِيَّةِ اخْتَلَطَ بِتُرابِ الأرْضِ، وما فِيهِ مِنَ المائِيَّةِ والهَوائِيَّةِ اخْتَلَطَ بِبُخاراتِ العالَمِ، فَهَذا الإنْسانُ كَيْفَ يُعْقَلُ عَوْدُهُ بِعَيْنِهِ حَيًّا فاهِمًا ؟ فَهَذا الكَلامُ هو الَّذِي يَحْمِلُهم عَلى تِلْكَ الأحْوالِ الثَّلاثَةِ المُتَقَدِّمَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم هَذِهِ الشُّبْهَةَ قالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ، وإنَّما اكْتَفى تَعالى بِهَذا القَدْرِ مِنَ الجَوابِ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِالبُرْهانِ اليَقِينِيِّ القَطْعِيِّ أنَّهُ أمْرٌ مُمْكِنٌ، وإذا ثَبَتَ الجَوازُ القَطْعِيُّ فَلا سَبِيلَ إلى القَطْعِ بِالوُقُوعِ إلّا بِإخْبارِ المُخْبِرِ الصّادِقِ، فَلَمّا قامَتِ المُعْجِزاتُ عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ كانَ واجِبَ الصِّدْقِ فَكانَ مُجَرَّدُ قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏ دَلِيلًا قاطِعًا عَلى الوُقُوعِ.

ومَن تَأمَّلَ في هَذِهِ الآياتِ عَلِمَ أنَّها ورَدَتْ عَلى أحْسَنِ وُجُوهِ التَّرْتِيبِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ بَيَّنَ الإمْكانَ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ وبَيَّنَ وُقُوعَ ذَلِكَ المُمْكِنِ بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الزِّيادَةَ عَلى هَذا البَيانِ كالأمْرِ المُمْتَنِعِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿أوَآباؤُنا﴾ فالمَعْنى أوَ تُبْعَثُ آباؤُنا وهَذِهِ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ دَخَلَتْ عَلى حَرْفِ العَطْفِ وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ هَهُنا، وفي سُورَةِ الواقِعَةِ ساكِنَةَ الواوِ وذَكَرْنا الكَلامَ في هَذا في سُورَةِ الأعْرافِ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى﴾ [الأعراف: ٩٨] .

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ فَنَقُولُ قَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: ”نَعِمْ“ بِكَسْرِ العَيْنِ.

صفحة ١١٣
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ صاغِرُونَ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: الدُّخُورُ أشَدُّ الصَّغارِ، وذَكَرْنا تَفْسِيرَ هَذِهِ اللَّفْظَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨] .

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Say, "Yes, and you will be [rendered] contemptible."

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَرَّرَ الدَّلِيلَ القاطِعَ في إثْباتِ إمْكانِ البَعْثِ والقِيامَةِ حَكى عَنِ المُنْكِرِينَ أشْياءَ:

أوَّلُها: النَّبِيُّ ﷺ يَتَعَجَّبُ مِن إصْرارِهِمْ عَلى الإنْكارِ وهم يَسْخَرُونَ مِنهُ في إصْرارِهِ عَلى الإثْباتِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ﷺ مَعَ أُولَئِكَ الأقْوامِ كانُوا في غايَةِ التَّباعُدِ وفي طَرَفَيِ النَّقِيضِ.

وثانِيها قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ .

وثالِثُها: قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ويَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الثّانِي والثّالِثِ غَيْرَ الأوَّلِ؛ لِأنَّ العَطْفَ يُوجِبُ التَّغايُرَ ولِأنَّ التَّكْرِيرَ خِلافُ الأصْلِ، والَّذِي عِنْدِي في هَذا البابِ أنْ يُقالَ: القَوْمُ كانُوا يَسْتَبْعِدُونَ الحَشْرَ والقِيامَةَ، ويَقُولُونَ: مَن ماتَ وصارَ تُرابًا وتَفَرَّقَتْ أجْزاؤُهُ في العالَمِ كَيْفَ يُعْقَلُ عَوْدُهُ بِعَيْنِهِ ؟ وبَلَغُوا في هَذا الِاسْتِبْعادِ إلى حَيْثُ كانُوا يَسْخَرُونَ مِمَّنْ يَذْهَبُ إلى هَذا المَذْهَبِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا طَرِيقَ إلى إزالَةِ هَذا

صفحة ١١٢
الِاسْتِبْعادِ عَنْهم إلّا مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَذْكُرَ لَهُمُ الدَّلِيلَ الدّالَّ عَلى صِحَّةِ الحَشْرِ والنَّشْرِ مِثْلَ أنْ يُقالَ لَهم: هَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ أشَدُّ وأصْعَبُ مِن إعادَةِ إنْسانٍ بَعْدَ مَوْتِهِ ؟ وهَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ القادِرَ عَلى الأصْعَبِ الأشَقِّ، يَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الأسْهَلِ الأيْسَرِ ؟ فَهَذا الدَّلِيلُ وإنْ كانَ جَلِيًّا قَوِيًّا إلّا أنَّ أُولَئِكَ المُنْكِرِينَ إذا عُرِضَ عَلى عُقُولِهِمْ هَذِهِ المُقَدِّماتُ لا يَفْهَمُونَها ولا يَقِفُونَ عَلَيْها، وإذا ذُكِّرُوا لَمْ يَذْكُرُوها لِشِدَّةِ بَلادَتِهِمْ وجَهْلِهِمْ، فَلا جَرَمَ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِهَذا النَّوْعِ مِنَ البَيانِ.

الطَّرِيقُ الثّانِي: أنْ يُثْبِتَ الرَّسُولُ ﷺ جِهَةَ رِسالَتِهِ بِالمُعْجِزاتِ ثُمَّ يَقُولُ: لَمّا ثَبَتَ بِالمُعْجِزِ كَوْنِي رَسُولًا صادِقًا مِن عِنْدِ اللَّهِ فَأنا أُخْبِرُكم بِأنَّ البَعْثَ والقِيامَةَ حَقٌّ، ثُمَّ إنَّ أُولَئِكَ المُنْكِرِينَ لا يَنْتَفِعُونَ بِهَذا الطَّرِيقِ أيْضًا؛ لِأنَّهم إذا رَأوْا مُعْجِزَةً قاهِرَةً وآيَةً باهِرَةً حَمَلُوها عَلى كَوْنِها سِحْرًا وسَخِرُوا بِها واسْتَهْزَءُوا مِنها وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ فَظَهَرَ بِالبَيانِ الَّذِي ذَكَرْناهُ أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ الثَّلاثَةَ مُنَبِّهَةٌ عَلى هَذِهِ الفَوائِدِ الجَلِيَّةِ.

واعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ النّاسِ لَمْ يَقِفُوا عَلى هَذِهِ الدَّقائِقِ، فَقالُوا: إنَّهُ تَعالى قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ .

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ غَيْرَ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويَسْخَرُونَ﴾ فَقالَ هَذا القائِلُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويَسْخَرُونَ﴾ إقْدامُهم عَلى السُّخْرِيَةِ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ طَلَبَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مِن صاحَبِهِ أنْ يُقْدِمَ عَلى السُّخْرِيَةِ، وهَذا التَّكْلِيفُ إنَّما لَزِمَهم لِعَدَمِ وُقُوفِهِمْ عَلى الفَوائِدِ الَّتِي ذَكَرْناها واللَّهُ أعْلَمُ.
والرّابِعُ: مِنَ الأُمُورِ الَّتِي حَكاها اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ يَعْنِي أنَّهم إذا رَأوْا آيَةً ومُعْجِزَةً سَخِرُوا مِنها، والسَّبَبُ في تِلْكَ السُّخْرِيَةِ اعْتِقادُهم أنَّها مِن بابِ السِّحْرِ. وقَوْلُهُ: ﴿مُبِينٌ﴾ مَعْناهُ أنَّ كَوْنَهُ سِحْرًا أمْرٌ بَيِّنٌ لا شُبْهَةَ لِأحَدٍ فِيهِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ السَّبَبَ الَّذِي يَحْمِلُهم عَلى الِاسْتِهْزاءِ بِالقَوْلِ بِالبَعْثِ وعَلى عَدَمِ الِالتِفاتِ إلى الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ وعَلى الِاسْتِهْزاءِ بِجَمِيعِ المُعْجِزاتِ هو قَوْلُهم: إنَّ الَّذِي ماتَ وتَفَرَّقَتْ أجْزاؤُهُ في جُمْلَةِ العالَمِ فَما فِيهِ مِنَ الأرْضِيَّةِ اخْتَلَطَ بِتُرابِ الأرْضِ، وما فِيهِ مِنَ المائِيَّةِ والهَوائِيَّةِ اخْتَلَطَ بِبُخاراتِ العالَمِ، فَهَذا الإنْسانُ كَيْفَ يُعْقَلُ عَوْدُهُ بِعَيْنِهِ حَيًّا فاهِمًا ؟ فَهَذا الكَلامُ هو الَّذِي يَحْمِلُهم عَلى تِلْكَ الأحْوالِ الثَّلاثَةِ المُتَقَدِّمَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم هَذِهِ الشُّبْهَةَ قالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ، وإنَّما اكْتَفى تَعالى بِهَذا القَدْرِ مِنَ الجَوابِ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِالبُرْهانِ اليَقِينِيِّ القَطْعِيِّ أنَّهُ أمْرٌ مُمْكِنٌ، وإذا ثَبَتَ الجَوازُ القَطْعِيُّ فَلا سَبِيلَ إلى القَطْعِ بِالوُقُوعِ إلّا بِإخْبارِ المُخْبِرِ الصّادِقِ، فَلَمّا قامَتِ المُعْجِزاتُ عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ كانَ واجِبَ الصِّدْقِ فَكانَ مُجَرَّدُ قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏ دَلِيلًا قاطِعًا عَلى الوُقُوعِ.

ومَن تَأمَّلَ في هَذِهِ الآياتِ عَلِمَ أنَّها ورَدَتْ عَلى أحْسَنِ وُجُوهِ التَّرْتِيبِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ بَيَّنَ الإمْكانَ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ وبَيَّنَ وُقُوعَ ذَلِكَ المُمْكِنِ بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الزِّيادَةَ عَلى هَذا البَيانِ كالأمْرِ المُمْتَنِعِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿أوَآباؤُنا﴾ فالمَعْنى أوَ تُبْعَثُ آباؤُنا وهَذِهِ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ دَخَلَتْ عَلى حَرْفِ العَطْفِ وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ هَهُنا، وفي سُورَةِ الواقِعَةِ ساكِنَةَ الواوِ وذَكَرْنا الكَلامَ في هَذا في سُورَةِ الأعْرافِ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى﴾ [الأعراف: ٩٨] .

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ فَنَقُولُ قَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: ”نَعِمْ“ بِكَسْرِ العَيْنِ.

صفحة ١١٣
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ صاغِرُونَ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: الدُّخُورُ أشَدُّ الصَّغارِ، وذَكَرْنا تَفْسِيرَ هَذِهِ اللَّفْظَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨] .

‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

It will be only one shout, and at once they will be observing.

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

Loading…

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

They will say, "O woe to us! This is the Day of Recompense."

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

Loading…

You read 37:16–20 Just this one The next passage

The same ayah, in another commentary

Aṣ-Ṣāffāt 37:16