All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

Aṣ-Ṣāffāt 37:163 Juzʾ 23 Page 452

‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

Except he who is to [enter and] burn in the Hellfire.

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ . وفِيهِ مَسائِلُ:

صفحة ١٤٦
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أقاصِيصَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عادَ إلى شَرْحِ مَذاهِبِ المُشْرِكِينَ وبَيانِ قُبْحِها وسَخافَتِها، ومِن جُمْلَةِ أقْوالِهِمُ الباطِلَةِ أنَّهم أثْبَتُوا الأوْلادَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ثُمَّ زَعَمُوا أنَّها مِن جِنْسِ الإناثِ لا مِن جِنْسِ الذُّكُورِ فَقالَ: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وهَذا مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الصّافّاتِ: ١١] وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِاسْتِفْتاءِ قُرَيْشٍ عَنْ وجْهِ إنْكارِ البَعْثِ أوَّلًا، ثُمَّ ساقَ الكَلامَ مَوْصُولًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ إلى أنْ أمَرَهُ بِأنْ يَسْتَفْتِيَهم في أنَّهم لِمَ أثْبَتُوا لِلَّهِ سُبْحانَهُ البَناتِ ولِأنْفُسِهِمُ البَنِينَ، ونَقَلَ الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ أنَّهم قالُوا: إنَّ قُرَيْشًا وأجْناسَ العَرَبِ جُهَيْنَةَ وبَنِي سَلَمَةَ وخُزاعَةَ وبَنِي مَلِيحٍ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَشْتَمِلُ عَلى أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: إثْباتُ البَناتِ لِلَّهِ وذَلِكَ باطِلٌ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَسْتَنْكِفُونَ مِنَ البِنْتِ، والشَّيْءُ الَّذِي يَسْتَنْكِفُ المَخْلُوقُ مِنهُ كَيْفَ يُمْكِنُ إثْباتُهُ لِلْخالِقِ.

والثّانِي: إثْباتُ أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ، وهَذا أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ طَرِيقَ العِلْمِ إمّا الحِسُّ وإمّا الخَبَرُ وإمّا النَّظَرُ، أمّا الحِسُّ: فَمَفْقُودٌ هَهُنا لِأنَّهم ما شَهِدُوا كَيْفِيَّةَ تَخْلِيقِ اللَّهِ المَلائِكَةَ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وأمّا الخَبَرُ: فَمَفْقُودٌ أيْضًا؛ لِأنَّ الخَبَرَ إنَّما يُفِيدُ العِلْمَ إذا عُلِمَ كَوْنُهُ صِدْقًا قَطْعًا، وهَؤُلاءِ الَّذِينَ يُخْبِرُونَ عَنْ هَذا الحُكْمِ كَذّابُونَ أفّاكُونَ، لَمْ يَدُلَّ عَلى صِدْقِهِمْ لا دَلالَةٌ ولا أمارَةٌ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وأمّا النَّظَرُ: فَمَفْقُودٌ وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ دَلِيلَ العَقْلِ يَقْتَضِي فَسادَ هَذا المَذْهَبِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أكْمَلُ المَوْجُوداتِ، والأكْمَلُ لا يَلِيقُ بِهِ اصْطِفاءُ الأخَسِّ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ يَعْنِي إسْنادُ الأفْضَلِ إلى الأفْضَلِ أقْرَبُ عِنْدَ العَقْلِ مِن إسْنادِ الأخَسِّ إلى الأفْضَلِ، فَإنْ كانَ حُكْمُ العَقْلِ مُعْتَبَرًا في هَذا البابِ كانَ قَوْلُكم باطِلًا.

والوَجْهُ الثّانِي: أنْ نَتْرُكَ الِاسْتِدْلالَ عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ، بَلْ نُطالِبُهم بِإثْباتِ الدَّلِيلِ الدّالِّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ، فَإذا لَمْ يَجِدُوا ذَلِكَ الدَّلِيلَ فَضِدُّهُ يُظْهِرُ أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ القَوْلَ الَّذِي ذَهَبُوا إلَيْهِ لَمْ يَدُلَّ عَلى صِحَّتِهِ، لا الحِسُّ ولا الخَبَرُ ولا النَّظَرُ، فَكانَ المَصِيرُ إلَيْهِ باطِلًا قَطْعًا، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا طالَبَهم بِما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ التَّقْلِيدَ باطِلٌ، وأنَّ الدِّينَ لا يَصِحُّ إلّا بِالدَّلِيلِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ قِراءَةُ العامَّةِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وقَطْعِها مِن ﴿أاصْطَفى﴾ ثُمَّ بِحَذْفِ ألِفِ الوَصْلِ وهو اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [الزُّخْرُفِ: ١٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الطُّورِ: ٣٩] وقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [النَّجْمِ: ٢١] وكَما أنَّ هَذِهِ المَواضِعَ كُلَّها اسْتِفْهامٌ فَكَذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَرَأ نافِعٌ في بَعْضِ الرِّواياتِ: ”لَكاذِبُونَ اصْطَفى“ مَوْصُولَةً بِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ، وإذا ابْتَدَأ كَسَرَ الهَمْزَةَ عَلى وجْهِ الخَبَرِ، والتَّقْدِيرُ اصْطَفى البَناتِ في زَعْمِهِمْ كَقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الدُّخانِ: ٤٩] في زَعْمِهِ واعْتِقادِهِ.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالجَنَّةِ عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ: أثْبَتُوا نَسَبًا بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ المَلائِكَةِ حِينَ زَعَمُوا أنَّهم بَناتُ اللَّهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فالجِنَّةُ هُمُ المَلائِكَةُ، سُمُّوا جِنًّا لِاجْتِنابِهِمْ عَنِ الأبْصارِ أوْ لِأنَّهم خُزّانُ الجَنَّةِ، وأقُولُ هَذا القَوْلُ عِنْدِي مُشْكِلٌ، لِأنَّهُ تَعالى

صفحة ١٤٧
أبْطَلَ قَوْلَهُمُ المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ والعَطْفُ يَقْتَضِي كَوْنَ المَعْطُوفِ مُغايِرًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ غَيْرَ ما تَقَدَّمَ.
الثّانِي: قالَ: مُجاهِدٌ قالَتْ كُفّارُ قُرَيْشٍ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، فَقالَ لَهم أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: فَمَن أُمَّهاتُهم ؟ قالُوا: سَرَواتُ الجِنِّ، وهَذا أيْضًا عِنْدِي بَعِيدٌ لِأنَّ المُصاهَرَةَ لا تُسَمّى نَسَبًا.

والثّالِثُ: رَوَيْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ [الأنْعامِ: ١٠٠] أنَّ قَوْمًا مِنَ الزَّنادِقَةِ يَقُولُونَ: اللَّهُ وإبْلِيسُ أخَوانِ فاللَّهُ: الخَيِّرُ الكَرِيمُ، وإبْلِيسُ: هو الأخُ الشِّرِّيرُ الخَسِيسُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ المُرادُ مِنهُ هَذا المَذْهَبُ، وعِنْدِي أنَّ هَذا القَوْلَ أقْرَبُ الأقاوِيلِ. وهو مَذْهَبُ المَجُوسِ القائِلِينَ بِيَزْدانَ وإهْرَمَنَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ أيْ: قَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّ الَّذِينَ قالُوا هَذا القَوْلَ مُحْضَرُونَ النّارَ ويُعَذَّبُونَ، وقِيلَ المُرادُ: ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّهم سَيَحْضُرُونَ في العَذابِ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى قائِلِ هَذا القَوْلِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي: عائِدٌ إلى الجِنَّةِ أنْفُسِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَزَّهَ نَفْسَهُ عَمّا قالُوا مِنَ الكَذِبِ فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وفي هَذا الِاسْتِثْناءِ وُجُوهٌ:

قِيلَ: اسْتِثْناءٌ مِنَ المُحْضَرِينَ، يَعْنِي: أنَّهم ناجُونَ، وقِيلَ هو اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِنَ المُحْضَرِينَ، ومَعْناهُ ولَكِنَّ المُخْلِصِينَ بُرَآءُ مِن أنْ يَصِفُوهُ بِذَلِكَ، والمُخْلِصُ بِكَسْرِ اللّامِ مَن أخْلَصَ العِبادَةَ والِاعْتِقادَ لِلَّهِ، وبِفَتْحِها مَن أخْلَصَهُ اللَّهُ بِلُطْفِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

The same ayah, in another commentary

Aṣ-Ṣāffāt 37:163