All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

Ṣād 38:72 Juzʾ 23 Page 457

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

So when I have proportioned him and breathed into him of My [created] soul, then fall down to him in prostration."

Read in the muṣḥaf

صفحة ١٩٨
قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ .
اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ المَنعُ مِنَ الحَسَدِ والكِبْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ إبْلِيسَ، إنَّما وقَعَ فِيما وقَعَ فِيهِ بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ، والكَفّارُ إنَّما نازَعُوا مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ، فاللَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ هَهُنا لِيَصِيرَ سَماعُها زاجِرًا لَهم عَنْ هاتَيْنِ الخَصْلَتَيْنِ المَذْمُومَتَيْنِ، والحاصِلُ أنَّهُ تَعالى رَغَّبَ المُكَلَّفِينَ في النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، ومَنَعَهم عَنِ الإصْرارِ والتَّقْلِيدِ وذَكَرَ في تَقْرِيرِهِ أُمُورًا أرْبَعَةً:

أوَّلُها: أنَّهُ نَبَأٌ عَظِيمٌ فَيَجِبُ الِاحْتِياطُ فِيهِ.

والثّانِي: أنَّ قِصَّةَ سُؤالِ المَلائِكَةِ عَنِ الحِكْمَةِ في تَخْلِيقِ البَشَرِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحِكْمَةَ الأصْلِيَّةَ في تَخْلِيقِ آدَمَ هو المَعْرِفَةُ والطّاعَةُ لا الجَهْلُ والتَّكَبُّرُ.

الثّالِثُ: أنَّ إبْلِيسَ إنَّما خاصَمَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأجْلِ الحَسَدِ والكِبْرِ فَيَجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ يَحْتَرِزَ عَنْهُما، فَهَذا هو وجْهُ النَّظْمِ في هَذِهِ الآياتِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُها في سُوَرٍ كَثِيرَةٍ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ إلّا ما لا بُدَّ مِنهُ وفِيها مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ سُؤالاتٌ:

الأوَّلُ: أنَّ هَذا النَّظْمَ إنَّما يَصِحُّ لَوْ أمْكَنَ خَلْقُ البَشَرِ لا مِنَ الطِّينِ، كَما إذا قِيلَ أنا مُتَّخِذٌ سُوارًا مِن ذَهَبٍ، فَهَذا إنَّما يَسْتَقِيمُ لَوْ أمْكَنَ اتِّخاذُهُ مِنَ الفِضَّةِ.

الثّانِي: ذَكَرَ هَهُنا أنَّهُ خَلَقَ البَشَرَ مِن طِينٍ، وفي سائِرِ الآياتِ ذَكَرَ أنَّهُ خَلَقَهُ مِن سائِرِ الأشْياءِ كَقَوْلِهِ تَعالى في آدَمَ إنَّهُ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ، وكَقَوْلِهِ: ﴿مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحِجْرِ: ٢٨] وكَقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [الأنْبِياءِ: ٣٧] .

الثّالِثُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ المَلائِكَةَ بِأنَّهُ خَلَقَ بَشَرًا مِن طِينٍ. لَمْ يَقُولُوا شَيْئًا، وفي الآيَةِ الأُخْرى وهي الَّتِي قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ بَيَّنَ أنَّهم أوْرَدُوا السُّؤالَ والجَوابَ فَبَيْنَهُما تَناقُضٌ، والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ أنَّ التَّقْدِيرَ كَأنَّهُ سُبْحانَهُ وصَفَ لَهم أوَّلًا أنَّ البَشَرَ شَخْصٌ جامِعٌ لِلْقُوَّةِ البَهِيمِيَّةِ والسَّبْعِيَّةِ والشَّيْطانِيَّةِ والمَلَكِيَّةِ، فَلَمّا قالَ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ فَكَأنَّهُ قالَ ذَلِكَ الشَّخْصُ المُسْتَجْمِعُ لِتِلْكَ الصِّفاتِ، إنَّما أخْلُقُهُ مِنَ الطِّينِ.

والجَوابُ عَنِ الثّانِي أنَّ المادَّةَ البَعِيدَةَ هو التُّرابُ، وأقْرَبُ مِنهُ الطِّينُ، وأقْرَبُ مِنهُ الحَمَأُ المَسْنُونُ، وأقْرَبُ مِنهُ الصَّلْصالُ فَثَبَتَ أنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَ الكُلِّ.

والجَوابُ عَنِ الثّالِثِ أنَّهُ في الآيَةِ المَذْكُورَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ بَيَّنَ لَهم أنَّهُ يَخْلُقُ في الأرْضِ خَلِيفَةً، وبِالآيَةِ المَذْكُورَةِ هَهُنا بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الخَلِيفَةَ بَشَرٌ مَخْلُوقٌ مِنَ الطِّينِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تَخْلِيقَ البَشَرِ لا يَتِمُّ إلّا بِأمْرَيْنِ التَّسْوِيَةُ أوَّلًا، ثُمَّ نَفْخُ الرُّوحِ ثانِيًا، وهَذا حَقٌّ لِأنَّ الإنْسانَ مُرَكَّبٌ مِن جَسَدٍ ونَفْسٍ.

صفحة ١٩٩
أمّا الجَسَدُ فَإنَّهُ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ المَنِيِّ، والمَنِيُّ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِن دَمِ الطَّمْثِ وهو إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ الأخْلاطِ الأرْبَعَةِ، وهي إنَّما تَتَوَلَّدُ مِنَ الأرْكانِ الأرْبَعَةِ، ولا بُدَّ في حُصُولِ هَذِهِ التَّسْوِيَةِ مِن رِعايَةِ مِقْدارٍ مَخْصُوصٍ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها، ومِن رِعايَةِ كَيْفِيَّةِ امْتِزاجاتِها وتَرْكِيباتِها، ومِن رِعايَةِ المُدَّةِ الَّتِي في مِثْلِها حَصَلَ ذَلِكَ المِزاجُ الَّذِي لِأجْلِهِ يَحْصُلُ الِاسْتِعْدادُ لِقَبُولِ النَّفْسِ النّاطِقَةِ.
وأمّا النَّفْسُ فَإلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ولَمّا أضافَ الرُّوحَ إلى نَفْسِهِ دَلَّ عَلى أنَّهُ جَوْهَرٌ شَرِيفٌ عُلْوِيٌّ قُدْسِيٌّ، وذَهَبَتِ الحُلُولِيَّةُ إلى أنَّ كَلِمَةَ ”مِن“ تَدُلُّ عَلى التَّبْعِيضِ، وهَذا يُوهِمُ أنَّ الرُّوحَ جُزْءٌ مِن أجْزاءِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا غايَةُ الفَسادِ، لِأنَّ كُلَّ ما لَهُ جُزْءٌ وكُلٌّ، فَهو مُرَكَّبٌ ومُمْكِنُ الوُجُودِ لِذاتِهِ ومُحْدَثٌ.

وأمّا كَيْفِيَّةُ نَفْخِ الرُّوحِ، فاعْلَمْ أنَّ الأقْرَبَ أنَّ جَوْهَرَ النَّفْسِ عِبارَةٌ عَنْ أجْسامٍ شَفّافَةٍ نُورانِيَّةٍ، عُلْوِيَّةِ العُنْصُرِ، قُدْسِيَّةِ الجَوْهَرِ، وهي تَسْرِي في البَدَنِ سَرَيانَ الضَّوْءِ في الهَواءِ، وسَرَيانَ النّارِ في الفَحْمِ، فَهَذا القَدْرُ مَعْلُومٌ. أمّا كَيْفِيَّةُ ذَلِكَ النَّفْخِ فَمِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الفاءُ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ كَما تَمَّ نَفْخُ الرَّوْحِ في الجَسَدِ تَوَّجَهُ أمْرُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالسُّجُودِ، وأمّا أنَّ المَأْمُورَ بِذَلِكَ السُّجُودِ مَلائِكَةُ الأرْضِ، أوْ دَخَلَ فِيهِ مَلائِكَةُ السَّماواتِ مِثْلُ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ، والرُّوحِ الأعْظَمِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [النَّبَأِ: ٣٨] فَفِيهِ مَباحِثٌ عَمِيقَةٌ. وقالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ: المَلائِكَةُ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالسُّجُودِ لِآدَمَ، هُمُ القُوى النَّباتِيَّةُ والحَيَوانِيَّةُ الحِسِّيَّةُ والحَرَكِيَّةُ، فَإنَّها في بَدَنِ الإنْسانِ خَوادِمُ النَّفْسِ النّاطِقَةِ، وإبْلِيسُ الَّذِي لَمْ يَسْجُدْ هو القُوَّةُ الوَهْمِيَّةُ الَّتِي هي المُنازِعَةُ لِجَوْهَرِ العَقْلِ، والكَلامُ فِيهِ طَوِيلٌ. وأمّا بَقِيَّةُ المَسائِلِ وهي: كَيْفِيَّةُ سُجُودِ المَلائِكَةِ لِآدَمَ، وأنَّ ذَلِكَ هَلْ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ أفْضَلَ مِنَ المَلائِكَةِ أمْ لا، وأنَّ إبْلِيسَ هَلْ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ أمْ لا، وأنَّهُ هَلْ كانَ كافِرًا أصْلِيًّا أمْ لا، فَكُلُّ ذَلِكَ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ وغَيْرِها.

The same ayah, in another commentary

Ṣād 38:72