All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Az-Zumar 39:67 Juzʾ 24 Page 465

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

They have not appraised Allah with true appraisal, while the earth entirely will be [within] His grip on the Day of Resurrection, and the heavens will be folded in His right hand. Exalted is He and high above what they associate with Him.

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ المُشْرِكِينَ أنَّهم أمَرُوا الرَّسُولَ بِعِبادَةِ الأصْنامِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أقامَ الدَّلائِلَ عَلى فَسادِ قَوْلِهِمْ وأمَرَ الرَّسُولَ بِأنْ يَعْبُدَ اللَّهَ ولا يَعْبُدَ شَيْئًا آخَرَ سِواهُ، بَيَّنَ أنَّهم لَوْ عَرَفُوا اللَّهَ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ لَما جَعَلُوا هَذِهِ الأشْياءَ الخَسِيسَةَ مُشارِكَةً لَهُ المَعْبُودِيَّةَ، فَقالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ بَعْضُ النّاسِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الخَلْقَ لا يَعْرِفُونَ حَقِيقَةَ اللَّهِ، قالُوا: لِأنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ يُفِيدُ هَذا المَعْنى، إلّا أنّا ذَكَرْنا أنَّ هَذا صِفَةُ حالِ الكُفّارِ فَلا يَلْزَمُ مِن وصْفِ الكُفّارِ بِأنَّهم ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وصْفُ المُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ، فَسَقَطَ هَذا الكَلامُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ ما عَظَّمُوهُ حَقَّ تَعْظِيمِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ مَذْكُورَةٌ في سُوَرٍ ثَلاثٍ، في سُورَةِ الأنْعامِ، وفي سُورَةِ الحَجِّ، وفي هَذِهِ السُّورَةِ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهم ما عَظَّمُوهُ تَعْظِيمًا لائِقًا بِهِ أرْدَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى كَمالِ عَظَمَتِهِ ونِهايَةِ جَلالَتِهِ، فَقالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ قالَ القَفّالُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ كَقَوْلِ القائِلِ: وما قَدَرْتَنِي حَقَّ قَدْرِي وأنا الَّذِي فَعَلْتُ كَذا وكَذا، أيْ لَمّا عَرَفْتَ أنَّ حالِي وصِفَتِي هَذا الَّذِي ذَكَرْتُ، فَوَجَبَ أنْ لا تَحُطَّنِي عَنْ قَدْرِي ومَنزِلَتِي، ونَظِيرُهُ قَوْلِهِ تَعالى:

صفحة ١٤
‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [البَقَرَةِ: ٢٨] أيْ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِمَن هَذا وصْفُهُ وحالُ مُلْكِهِ ؟ فَكَذا هاهُنا، والمَعْنى ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ إذْ زَعَمُوا أنَّ لَهُ شُرَكاءَ وأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى إحْياءِ المَوْتى مَعَ أنَّ الأرْضَ والسَّماواتِ في قَبْضَتِهِ وقُدْرَتِهِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ الغَرَضُ مِن هَذا الكَلامِ إذا أخَذْتَهُ كَما هو بِجُمْلَتِهِ ومَجْمُوعِهِ تَصْوِيرُ عَظَمَتِهِ والتَّوْقِيفُ عَلى كُنْهِ جَلالِهِ مِن غَيْرِ ذَهابٍ بِالقَبْضَةِ ولا بِاليَمِينِ إلى جِهَةِ حَقِيقَةٍ أوْ مَجازٍ، وكَذَلِكَ ما «رُوِيَ أنَّ يَهُودِيًّا جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا أبا القاسِمِ إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى إصْبَعٍ والأرْضِينَ عَلى إصْبَعٍ والجِبالَ عَلى إصْبَعٍ والشَّجَرَ عَلى إصْبَعٍ والثَّرى عَلى إصْبَعٍ وسائِرَ الخَلْقِ عَلى إصْبَعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ فَيَقُولُ: أنا المَلِكُ ! فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَعَجُّبًا مِمّا قالَ» .
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وإنَّما ضَحِكَ أفْصَحُ العَرَبِ لِأنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ مِنهُ إلّا ما يَفْهَمُهُ عُلَماءُ البَيانِ مِن غَيْرِ تَصَوُّرِ إمْساكٍ ولا إصْبَعٍ ولا هَزٍّ ولا شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، ولَكِنَّ فَهْمَهُ وقَعَ أوَّلَ كُلِّ شَيْءٍ وآخِرَهُ عَلى الزُّبْدَةِ والخُلاصَةِ الَّتِي هي الدِّلالَةُ عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ، وأنَّ الأفْعالَ العِظامَ الَّتِي تَتَحَيَّرُ فِيها الأوْهامُ ولا تَكْتَنِهُها الأذْهانُ هَيِّنَةٌ عَلَيْهِ، قالَ: ولا نَرى بابًا في عِلْمِ البَيانِ أدَقُّ ولا ألْطَفُ مِن هَذا البابِ، فَيُقالُ لَهُ: هَلْ تُسَلِّمُ أنَّ الأصْلَ في الكَلامِ حَمْلُهُ عَلى الحَقِيقَةِ، وأنَّهُ إنَّما يُعْدَلُ عَنِ الحَقِيقَةِ إلى المَجازِ عِنْدَ قِيامِ الدِّلالَةِ عَلى أنَّ حَمْلَهُ عَلى حَقِيقَتِهِ مُمْتَنِعٌ، فَحِينَئِذٍ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلى المَجازِ، فَإنْ أنْكَرَ هَذا الأصْلَ فَحِينَئِذٍ يَخْرُجُ القُرْآنُ بِالكُلِّيَّةِ عَنْ أنْ يَكُونَ حُجَّةً، فَإنَّ لِكُلِّ أحَدٍ أنْ يَقُولَ: المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ الفُلانِيَّةِ كَذا وكَذا، فَأنا أحْمِلُ الآيَةَ عَلى ذَلِكَ المَقْصُودِ، ولا ألْتَفِتُ إلى الظَّواهِرِ، مِثالُهُ مَن تَمَسَّكَ بِالآياتِ الوارِدَةِ في ثَوابِ أهْلِ الجَنَّةِ وعِقابِ أهْلِ النّارِ، قالَ: المَقْصُودُ بَيانُ سَعاداتِ المُطِيعِينَ وشَقاوَةِ المُذْنِبِينَ، وأنا أحْمِلُ هَذِهِ الآياتِ عَلى هَذا المَقْصُودِ ولا أُثْبِتُ الأكْلَ والشُّرْبَ ولا سائِرَ الأحْوالِ الجُسْمانِيَّةِ، ومَن تَمَسَّكَ بِالآياتِ الوارِدَةِ في إثْباتِ وُجُوبِ الصَّلاةِ فَقالَ: المَقْصُودُ مِنهُ إيجابُ تَنْوِيرِ القَلْبِ بِذِكْرِ اللَّهِ، فَأنا أكْتَفِي بِهَذا القَدْرِ ولا أُوجِبُ هَذِهِ الأعْمالَ المَخْصُوصَةَ، وإذا عَرَفْتَ الكَلامَ في هَذَيْنِ المِثالَيْنِ فَقِسْ عَلَيْهِ سائِرَ المَسائِلَ الأُصُولِيَّةِ والفُرُوعَيَّةِ، وحِينَئِذٍ يَخْرُجُ القُرْآنُ عَنْ أنْ يَكُونَ حُجَّةً في المَسائِلِ الأُصُولِيَّةِ والفُرُوعَيَّةِ، وذَلِكَ باطِلٌ قَطْعًا.

وأمّا إنْ سَلَّمَ أنَّ الأصْلَ في عِلْمِ القُرْآنِ أنْ يَعْتَقِدَ أنَّ الأصْلَ في الكَلامِ حَمْلُهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، فَإنْ قامَ دَلِيلٌ مُنْفَصِلٌ عَلى أنَّهُ يَتَعَذَّرُ حَمْلُهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، فَحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ صَرْفُهُ إلى مَجازِهِ، فَإنْ حَصَلَتْ هُناكَ مَجازاتٌ لَمْ يَتَعَيَّنْ صَرْفُهُ إلى مَجازٍ مُعَيَّنٍ إلّا إذا كانَ الدَّلِيلُ يُوجِبُ ذَلِكَ التَّعْيِينَ، فَنَقُولُ هاهُنا: لَفْظُ القَبْضَةِ ولَفْظُ اليَمِينِ حَقِيقَةٌ في الجارِحَةِ المَخْصُوصَةِ، ولا يُمْكِنُكَ أنَّ تَصْرِفَ ظاهِرَ الكَلامِ عَنْ هَذا المَعْنى إلّا إذا أقَمْتَ الدِّلالَةَ عَلى أنَّ حَمْلَ هَذِهِ الألْفاظِ عَلى ظَواهِرِها مُمْتَنِعٌ، فَحِينَئِذٍ يَجِبُ حَمْلُها عَلى المَجازاتِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ بِالدَّلِيلِ أنَّ المَعْنى الفُلانِيَّ يَصِحُّ جَعْلُهُ مَجازًا عَنْ تِلْكَ الحَقِيقَةِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ بِالدَّلِيلِ أنَّ هَذا المَجازَ أوْلى مِن غَيْرِهِ، وإذا ثَبَتَتْ هَذِهِ المُقَدِّماتُ وتَرْتِيبُها عَلى هَذا الوَجْهِ فَهَذا هو الطَّرِيقُ الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ تَعْوِيلُ أهْلِ التَّحْقِيقِ، فَأنْتَ ما أتَيْتَ في هَذا البابِ بِطَرِيقَةٍ جَدِيدَةٍ وكَلامٍ غَرِيبٍ، بَلْ هو عَيْنُ ما ذَكَرَهُ أهْلُ التَّحْقِيقِ، فَثَبَتَ أنَّ الفَرَحَ الَّذِي أظْهَرَهُ مِن أنَّهُ اهْتَدى إلى الطَّرِيقِ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْهُ غَيْرُهُ، طَرِيقٌ فاسِدٌ، دالٌّ عَلى قِلَّةِ وُقُوفِهِ عَلى المَعانِي.

ولْنَرْجِعْ إلى الطَّرِيقِ الحَقِيقِيِّ، فَنَقُولُ: لا شَكَّ أنَّ لَفْظَ القَبْضَةِ واليَمِينِ مُشْعِرٌ بِهَذِهِ الأعْضاءِ والجَوارِحِ، إلّا أنَّ الدَّلائِلَ العَقْلِيَّةَ قامَتْ عَلى امْتِناعِ ثُبُوتِ الأعْضاءِ والجَوارِحِ لِلَّهِ تَعالى، فَوَجَبَ حَمْلُ هَذِهِ الأعْضاءِ عَلى وُجُوهِ المَجازِ، فَنَقُولُ: إنَّهُ يُقالُ: فُلانٌ في قَبْضَةِ فُلانٍ: إذا كانَ تَحْتَ تَدْبِيرِهِ وتَسْخِيرِهِ. قالَ تَعالى: ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ [المَعارِجِ: ٣٠] والمُرادُ مِنهُ كَوْنُهُ مَمْلُوكًا لَهُ، ويُقالُ: هَذِهِ الدّارُ

صفحة ١٥
فِي يَدِ فُلانٍ، وفُلانٌ صاحِبُ اليَدِ، والمُرادُ مِنَ الكُلِّ القُدْرَةُ، والفُقَهاءِ يَقُولُونَ في الشُّرُوطِ: وقَبَضَ فُلانٌ كَذا وصارَ في قَبْضَتِهِ، ولا يُرِيدُونَ إلّا خُلُوصَ مُلْكِهِ، وإذا ثَبَتَ تَعَذُّرُ حَمْلِ هَذِهِ الألْفاظِ عَلى حَقائِقِها وجَبَ حَمْلُها عَلى مَجازاتِها؛ صَوْنًا لِهَذِهِ النُّصُوصِ عَنِ التَّعْطِيلِ، فَهَذا هو الكَلامُ الحَقِيقِيُّ في هَذا البابِ، ولَنا كِتابٌ مُفْرَدٌ في إثْباتِ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنِ الجِسْمِيَّةِ والمَكانِ، سَمَّيْناهُ بِتَأْسِيسِ التَّقْدِيسِ، مَن أرادَ الإطْنابَ في هَذا البابِ فَلْيَرْجِعْ إلَيْهِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في تَفْسِيرِ ألْفاظِ الآيَةِ، قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ المُرادُ مِنهُ الأرْضُونَ السَّبْعُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ فَإنَّ هَذا التَّأْكِيدَ لا يَحْسُنُ إدْخالُهُ إلّا عَلى الجَمْعِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ الطَّعامِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٩٣] وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [النُّورِ: ٣١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾ [ق: ١٠] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [العَصْرِ: ٢، ٣] فَإنَّ هَذِهِ الألْفاظَ المُلِحَّةَ بِاللَّفْظِ المُفْرَدِ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ الجَمْعُ، فَكَذا هاهُنا.

والثّانِي: أنَّهُ قالَ بَعْدَهُ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأرْضِ الأرْضُونَ.

الثّالِثُ: أنَّ المَوْضِعَ مَوْضِعُ تَعْظِيمٍ وتَفْخِيمٍ، فَهَذا مُقْتَضى المُبالَغَةِ، وأمّا القَبْضَةُ فَهي المَرَّةُ الواحِدَةُ مِنَ القَبْضِ، قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [طه: ٩٦] والقَبْضَةُ بِالضَّمِّ المِقْدارُ المَقْبُوضُ بِالكَفِّ، ويُقالُ أيْضًا: أعْطِنِي قَبْضَةً مِن كَذا، يُرِيدُ مَعْنى القَبْضَةِ تَسْمِيَةً بِالمَصْدَرِ، والمَعْنى والأرَضُونَ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ أيْ ذَواتُ قَبْضَتِهِ يَقْبِضُهُنَّ قَبْضَةً واحِدَةً مِن قَبَضاتِهِ، يَعْنِي أنَّ الأرَضِينَ مَعَ ما لَها مِنَ العَظَمَةِ والبَسْطَةِ لا يَبْلُغْنَ إلّا قَبْضَةً واحِدَةً مِن قَبَضاتِهِ، أمّا إذا أُرِيدَ مَعْنى القَبْضَةِ فَظاهِرٌ؛ لِأنَّ المَعْنى أنَّ الأرْضِينَ بِجُمْلَتِها مِقْدارُ ما يَقْبِضُهُ بِكَفٍّ واحِدَةٍ، فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ قِراءَةِ مَن قَرَأ (قَبْضَتَهُ) بِالنَّصْبِ ؟ قُلْنا: جَعَلَ القَبْضَةَ ظَرْفًا. وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ مِنَ الطَّيِّ الَّذِي هو ضِدُّ النَّشْرِ كَما قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأنْبِياءِ: ١٠٤] وعادَةُ طاوِي السِّجِلِّ أنْ يَطْوِيَهُ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: وقِيلَ: قَبْضَتُهُ مُلْكُهُ، ويَمِينُهُ قُدْرَتُهُ، وقِيلَ: مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ؛ أيْ مَفْنِيّاتٍ بِقَسَمِهِ؛ لِأنَّهُ أقْسَمَ أنْ يَقْبِضَها.

ولَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الوُجُوهَ عادَ إلى القَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّها وُجُوهٌ رَكِيكَةٌ، وأنَّ حَمْلَ هَذا الكَلامِ عَلى مَحْضِ التَّمْثِيلِ أوْلى، وبالَغَ في تَقْرِيرِ هَذا الكَلامِ فَأطْنَبَ، وأقُولُ: إنَّ حالَ هَذا الرَّجُلِ في إقْدامِهِ عَلى تَحْسِينِ طَرِيقَتِهِ وتَقْبِيحِ طَرِيقَةِ القُدَماءِ عَجِيبٌ جِدًّا، فَإنَّهُ إنْ كانَ مَذْهَبُهُ أنَّهُ يَجُوزُ تَرْكُ ظاهِرِ اللَّفْظِ والمَصِيرُ إلى المَجازِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، فَهَذا طَعْنٌ في القُرْآنِ وإخْراجٌ لَهُ عَنْ أنْ يَكُونَ حُجَّةً في شَيْءٍ، وإنْ كانَ مَذْهَبُهُ أنَّ الأصْلَ في الكَلامِ الحَقِيقَةُ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ العُدُولُ عَنْهُ إلّا لِدَلِيلٍ مُنْفَكٍّ، فَهَذِهِ هي الطَّرِيقَةُ الَّتِي أطْبَقَ عَلَيْها جُمْهُورُ المُتَقَدِّمِينَ، فَأيْنَ الكَلامُ الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ عَلِمَهُ؟ وأيْنَ العِلْمُ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْهُ غَيْرُهُ؟ مَعَ أنَّهُ وقَعَ في التَّأْوِيلاتِ العُسْرِ والكَلِماتِ الرَّكِيكَةِ، فَإنْ قالُوا: المُرادُ أنَّهُ لَمّا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن لَفْظِ القَبْضَةِ واليَمِينِ هَذِهِ الأعْضاءَ، وجَبَ عَلَيْنا أنْ نَكْتَفِيَ بِهَذا القَدْرِ ولا نَشْتَغِلَ بِتَعْيِينِ المُرادِ، بَلْ نُفَوِّضُ عِلْمَهُ إلى اللَّهِ تَعالى، فَنَقُولُ: هَذا هو طَرِيقُ المُوَحِّدِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنّا نَعْلَمُ لَيْسَ مُرادُ اللَّهِ مِن هَذِهِ الألْفاظِ هَذِهِ الأعْضاءَ، فَأمّا تَعْيِينُ المُرادِ، فَإنّا نُفَوِّضُ ذَلِكَ العِلْمَ إلى اللَّهِ تَعالى، فَهَذِهِ هي طَرِيقَةُ السَّلَفِ المُعْرِضِينَ عَنِ التَّأْوِيلاتِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ الَّتِي أتى بِها هَذا الرَّجُلُ لَيْسَ تَحْتَها شَيْءٌ مِنَ الفائِدَةِ أصْلًا، واللَّهُ أعْلَمُ.

صفحة ١٦
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ عَظَمَتَهُ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ قالَ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ يَعْنِي أنَّ هَذا القادِرَ القاهِرَ العَظِيمَ الَّذِي حارَتِ العُقُولُ والألْبابُ في وصْفِ عَظَمَتِهِ، تَنَزَّهَ وتَقَدَّسَ عَنْ أنْ تُجْعَلَ الأصْنامُ شُرَكاءً لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ، فَإنْ قِيلَ: السُّؤالُ عَلى هَذا الكَلامِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ العَرْشَ أعْظَمُ مِنَ السَّماواتِ السَّبْعِ والأرَضِينَ السَّبْعِ، ثُمَّ إنَّهُ قالَ في صِفَةِ العَرْشِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الحاقَّةُ: ١٧] وإذا وصَفَ المَلائِكَةَ بِكَوْنِهِمْ حامِلِينَ العَرْشَ العَظِيمَ، فَكَيْفَ يَجُوزُ تَقْدِيرُ عَظَمَةِ اللَّهِ بِكَوْنِهِ حامِلًا لِلسَّماواتِ والأرْضِ؟

السُّؤالُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ شَرَحَ حالَةً لا تَحْصُلُ إلّا في يَوْمِ القِيامَةِ، والقَوْمُ ما شاهَدُوا ذَلِكَ، فَإنْ كانَ هَذا الخِطابُ مَعَ المُصَدِّقِينَ لِلْأنْبِياءِ فَهم يَكُونُونَ مُعْتَرِفِينَ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ القَوْلُ بِجَعْلِ الأصْنامِ شُرَكاءَ اللَّهِ تَعالى، فَلا فائِدَةَ في إيرادِ هَذِهِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، وإنْ كانَ هَذا الخِطابُ مَعَ المُكَذِّبِينَ بِالنُّبُوَّةِ وهم يُنْكِرُونَ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَكَيْفَ يُمْكِنُ الِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلى إبْطالِ القَوْلِ بِالشِّرْكِ؟

* * *
السُّؤالُ الثّالِثُ: حاصِلُ القَوْلِ في القَبْضَةِ واليَمِينِ هو القُدْرَةُ الكامِلَةُ الوافِيَةُ بِحِفْظِ هَذِهِ الأجْسامِ العَظِيمَةِ، وكَما أنَّ حِفْظَها وإمْساكَها يَوْمَ القِيامَةِ لَيْسَ إلّا بِقُدْرَةِ اللَّهِ فَكَذَلِكَ الآنَ، فَما الفائِدَةُ في تَخْصِيصِ هَذِهِ الأحْوالِ بِيَوْمِ القِيامَةِ؟
الجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ مَراتِبَ التَّعْظِيمِ كَثِيرَةٌ فَأوَّلُها تَقْرِيرُ عَظَمَةِ اللَّهِ بِكَوْنِهِ قادِرًا عَلى حِفْظِ هَذِهِ الأجْسامِ العَظِيمَةِ، ثُمَّ بَعْدَ تَقْرِيرِ عَظَمَتِهِ بِكَوْنِهِ قادِرًا عَلى إمْساكِ أُولَئِكَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ.

الجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنَّ المَقْصُودَ أنَّ الحَقَّ سُبْحانَهُ هو المُتَوَلِّي لِإبْقاءِ السَّماواتِ والأرْضِينَ عَلى وُجُوهِ العِمارَةِ في هَذا الوَقْتِ، وهو المُتَوَلِّي بِتَخْرِيبِها وإفْنائِها في يَوْمِ القِيامَةِ، فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ قُدْرَةٍ تامَّةٍ عَلى الإيجادِ والإعْدامِ، وتَنْبِيهٌ أيْضًا عَلى كَوْنِهِ غَنِيًّا عَلى الإطْلاقِ، فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إذا حاوَلَ تَخْرِيبَ الأرْضِ فَكَأنَّهُ يَقْبِضُ قَبْضَةً صَغِيرَةً ويُرِيدُ إفْناءَها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَمالِ الِاسْتِغْناءِ.

الجَوابُ عَنِ الثّالِثِ: أنَّهُ إنَّما خَصَّصَ تِلْكَ بِيَوْمِ القِيامَةِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ كَما ظَهَرَ كَمالُ قُدْرَتِهِ في الإيجادِ عِنْدَ عِمارَةِ الدُّنْيا، فَكَذَلِكَ ظَهَرَ كَمالُ قُدْرَتِهِ عِنْدَ خَرابِ الدُّنْيا، واللَّهُ أعْلَمُ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَّرَ كَمالَ عَظَمَتِهِ بِما سَبَقَ ذِكْرُهُ أرْدَفَهُ بِذِكْرِ طَرِيقَةٍ أُخْرى تَدُلُّ أيْضًا عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وعَظَمَتِهِ، وذَلِكَ شَرْحُ مُقَدِّماتِ يَوْمِ القِيامَةِ لِأنَّ نَفْخَ الصُّورِ يَكُونُ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ، فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ واخْتَلَفُوا في الصَّعْقَةِ، مِنهم مَن قالَ: إنَّها غَيْرُ المَوْتِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى في مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وخَرَّ مُوسى صَعِقًا﴾ [الأعْرافِ: ١٤٣] مَعَ أنَّهُ لَمْ يَمُتْ، فَهَذا هو النَّفْخُ الَّذِي يُورِثُ الفَزَعَ الشَّدِيدَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالمُرادُ مِن نَفْخِ الصَّعْقَةِ ومِن نَفْخِ الفَزَعِ واحِدٌ، وهو المَذْكُورُ في سُورَةِ النَّمْلِ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ وعَلى هَذا القَوْلِ فَنَفْخُ الصُّوَرِ لَيْسَ إلّا مَرَّتَيْنِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الصَّعْقَةَ عِبارَةٌ عَنِ المَوْتِ، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ قالُوا: إنَّهم يَمُوتُونَ مِنَ الفَزَعِ وشِدَّةِ الصَّوْتِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالنَّفْخَةُ تَحْصُلُ ثَلاثَ مَرّاتٍ، أوَّلُها: نَفْخَةُ الفَزَعِ وهي المَذْكُورَةُ في سُورَةِ

صفحة ١٧
النَّمْلِ. والثّانِيَةُ: نَفْخَةُ الصَّعْقِ. والثّالِثَةُ: نَفْخَةُ القِيامِ وهُما مَذْكُورَتانِ في هَذِهِ السُّورَةِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: عِنْدَ نَفْخَةِ الصَّعْقِ يَمُوتُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ ومَلَكَ المَوْتِ، ثُمَّ يُمِيتُ اللَّهُ مِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ ويَبْقى جِبْرِيلُ ومَلَكُ المَوْتِ ثُمَّ يُمِيتُ جِبْرِيلَ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهم هُمُ الشُّهَداءُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [آلِ عِمْرانَ: ١٦٩] وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«هُمُ الشُّهَداءُ مُتَقَلِّدُونَ أسْيافَهم حَوْلَ العَرْشِ“» .

القَوْلُ الثّالِثُ: قالَ جابِرٌ: هَذا المُسْتَثْنى هو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهُ صَعِقَ مَرَّةً فَلا يُصْعَقُ ثانِيًا.

القَوْلُ الرّابِعُ: أنَّهُمُ الحُورُ العِينُ وسُكّانُ العَرْشِ والكُرْسِيِّ.

والقَوْلُ الخامِسُ: قالَ قَتادَةُ: اللَّهُ أعْلَمُ بِأنَّهم مَن هم، ولَيْسَ في القُرْآنِ والأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم مَن هم.

The same ayah, in another commentary

Az-Zumar 39:67