All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

An-Nisāʾ 4:164 Juzʾ 6 Page 104

‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

And [We sent] messengers about whom We have related [their stories] to you before and messengers about whom We have not related to you. And Allah spoke to Moses with [direct] speech.

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى أنَّ اليَهُودَ سَألُوا الرَّسُولَ ﷺ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ، وذَكَرَ تَعالى بَعْدَهُ أنَّهم لا يَطْلُبُونَ ذَلِكَ لِأجْلِ الِاسْتِرْشادِ ولَكِنْ لِأجْلِ العِنادِ واللَّجاجِ، وحَكى أنْواعًا كَثِيرَةً مِن فَضائِحِهِمْ وقَبائِحِهِمْ، وامْتَدَّ الكَلامُ إلى هَذا المَقامِ، شَرَعَ الآنَ في الجَوابِ عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ والمَعْنى: أنّا تَوافَقْنا عَلى نُبُوَّةِ نُوحٍ وإبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وجَمِيعِ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآيَةِ، وعَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلَيْهِمْ، ولا طَرِيقَ إلى العِلْمِ بِكَوْنِهِمْ أنْبِياءَ اللَّهِ ورُسُلَهُ إلّا ظُهُورُ المُعْجِزاتِ عَلَيْهِمْ ولِكُلِّ واحِدٍ مِنهم نَوْعٌ آخَرُ مِنَ المُعْجِزاتِ عَلى التَّعْيِينِ، وما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ كِتابًا بِتَمامِهِ مِثْلَ ما أنْزَلَ إلى مُوسى، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ عَدَمُ إنْزالِ الكِتابِ عَلى هَؤُلاءِ دُفْعَةً واحِدَةً قادِحًا في نُبُوَّتِهِمْ، بَلْ كَفى في إثْباتِ نُبُوَّتِهِمْ ظُهُورُ نَوْعٍ واحِدٍ مِن أنْواعِ المُعْجِزاتِ عَلَيْهِمْ، عَلِمْنا أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ زائِلَةٌ، وأنَّ إصْرارَ اليَهُودِ عَلى طَلَبِ هَذِهِ المُعْجِزَةِ باطِلٌ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ

صفحة ٨٦
إثْباتَ المَدْلُولِ يَتَوَقَّفُ عَلى ثُبُوتِ الدَّلِيلِ، ثُمَّ إذا حَصَلَ الدَّلِيلُ وتَمَّ فالمُطالَبَةُ بِدَلِيلٍ آخَرَ تَكُونُ طَلَبًا لِلزِّيادَةِ وإظْهارًا لِلتَّعَنُّتِ واللَّجاجِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ، فَلا اعْتِراضَ عَلَيْهِ لِأحَدٍ بِأنَّهُ لِمَ أعْطى هَذا الرَّسُولَ هَذِهِ المُعْجِزَةَ وذَلِكَ الرَّسُولَ الآخَرَ مُعْجِزًا آخَرَ، وهَذا الجَوابُ المَذْكُورُ هَهُنا هو الجَوابُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الإسْراءِ: ٩٠] إلى قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الإسْراءِ: ٩٣] يَعْنِي أنَّكَ إنَّما ادَّعَيْتَ الرِّسالَةَ، والرَّسُولُ لا بُدَّ لَهُ مِن مُعْجِزَةٍ تَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ، وذَلِكَ قَدْ حَصَلَ، وأمّا أنْ تَأْتِيَ بِكُلِّ ما يُطْلَبُ مِنكَ فَذاكَ لَيْسَ مِن شَرْطِ الرِّسالَةِ، فَهَذا جَوابٌ مُعْتَمَدٌ عَنِ الشُّبْهَةِ الَّتِي أوْرَدَها اليَهُودُ، وهو المَقْصُودُ الأصْلِيُّ مِن هَذِهِ الآيَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: الإيحاءُ الإعْلامُ عَلى سَبِيلِ الخَفاءِ، قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [مَرْيَمَ: ١١] أيْ: أشارَ إلَيْهِمْ، وقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ [المائِدَةِ: ١١١] وقالَ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [النَّحْلِ: ٦٨] ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [القَصَصِ: ٧] والمُرادُ بِالوَحْيِ في هَذِهِ الآياتِ الثَّلاثَةِ الإلْهامُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالُوا: إنَّما بَدَأ تَعالى بِذِكْرِ نُوحٍ لِأنَّهُ أوَّلُ نَبِيٍّ شَرَعَ اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِهِ الأحْكامَ والحَلالَ والحَرامَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ثُمَّ خَصَّ بَعْضَ النَّبِيِّينَ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهِمْ أفْضَلَ مِن غَيْرِهِمْ كَقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البَقَرَةِ: ٩٨] .

واعْلَمْ أنَّ الأنْبِياءَ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآيَةِ سِوى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - اثْنا عَشَرَ ولَمْ يُذْكَرْ مُوسى مَعَهم، وذَلِكَ لِأنَّ اليَهُودَ قالُوا: إنْ كُنْتَ يا مُحَمَّدُ نَبِيًّا فَأْتِنا بِكِتابٍ مِنَ السَّماءِ دُفْعَةً واحِدَةً كَما أتى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالتَّوْراةِ دُفْعَةً واحِدَةً، فاللَّهُ تَعالى أجابَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِأنَّ هَؤُلاءِ الأنْبِياءَ الِاثْنَيْ عَشَرَ كُلُّهم كانُوا أنْبِياءَ ورُسُلًا مَعَ أنَّ واحِدًا مِنهم ما أتى بِكِتابٍ مِثْلِ التَّوْراةِ دُفْعَةً واحِدَةً، ثُمَّ خَتَمَ ذِكْرَ الأنْبِياءِ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ يَعْنِي أنَّكُمُ اعْتَرَفْتُمْ بِأنَّ الزَّبُورَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّهُ ما نَزَلَ عَلى داوُدَ دُفْعَةً واحِدَةً في ألْواحٍ مِثْلَ ما نَزَلَتِ التَّوْراةُ دُفْعَةً واحِدَةً عَلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الألْواحِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ نُزُولَ الكِتابِ لا عَلى الوَجْهِ الَّذِي نَزَلَتِ التَّوْراةُ لا يَقْدَحُ في كَوْنِ الكِتابِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وهَذا إلْزامٌ حَسَنٌ قَوِيٌّ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الزَّبُورُ الكِتابُ، وكُلُّ كِتابٍ زَبُورٌ، وهو فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالرَّسُولِ والرَّكُوبِ والحَلُوبِ، وأصْلُهُ مِن زَبَرْتُ بِمَعْنى كَتَبْتُ، وقَدْ ذَكَرْنا ما فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿جاءُوا بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨٤] .

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ: (زُبُورًا) بِضَمِّ الزّايِ في كُلِّ القُرْآنِ، والباقُونَ بِفَتْحِها، حُجَّةُ حَمْزَةَ أنَّ الزَّبُورَ مَصْدَرٌ في الأصْلِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في المَفْعُولِ كَقَوْلِهِمْ: ضَرْبُ الأمِيرِ ونَسْجُ فُلانٍ، فَصارَ اسْمًا ثُمَّ جُمِعَ عَلى زُبُرٍ كَشُهُودٍ وشُهُدٍ، والمَصْدَرُ إذا أُقِيمَ مَقامَ المَفْعُولِ فَإنَّهُ يَجُوزُ جَمْعُهُ كَما يُجْمَعُ الكِتابُ عَلى كُتُبٍ، فَعَلى هَذا، الزَّبُورُ الكِتابُ، والزُّبُرُ بِضَمِّ الزّايِ: الكُتُبُ، أمّا قِراءَةُ الباقِينَ فَهي أوْلى لِأنَّها أشْهَرُ، والقِراءَةُ بِها أكْثَرُ.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ .
صفحة ٨٧

واعْلَمْ أنَّهُ انْتَصَبَ قَوْلُهُ: (رُسُلًا) بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ أحْوالَ بَعْضِ الأنْبِياءِ في القُرْآنِ، والأكْثَرُونَ غَيْرُ مَذْكُورِينَ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ.

* * *
ثُمَّ قالَ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ والمُرادُ أنَّهُ بَعَثَ كُلَّ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ وخَصَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالتَّكَلُّمِ مَعَهُ، ولَمْ يَلْزَمْ مِن تَخْصِيصِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهَذا التَّشْرِيفِ الطَّعْنُ في نُبُوَّةِ سائِرِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، فَكَذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ مِن تَخْصِيصِ مُوسى بِإنْزالِ التَّوْراةِ عَلَيْهِ دُفْعَةً واحِدَةً طَعْنٌ فِيمَن أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ الكِتابَ لا عَلى هَذا الوَجْهِ، وعَنْ إبْراهِيمَ ويَحْيى بْنِ وثّابٍ أنَّهُما قَرَآ (وكَلَّمَ اللَّهَ) بِالنَّصْبِ، وقالَ بَعْضُهم: وكَلَّمَ اللَّهُ مَعْناهُ وجَرَحَ اللَّهُ مُوسى بِأظْفارِ المِحَنِ ومَخالِبِ الفِتَنِ وهَذا تَفْسِيرٌ باطِلٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في انْتِصابِ قَوْلِهِ (رُسُلًا) وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الأوْجَهُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى المَدْحِ.

والثّانِي: أنَّهُ انْتَصَبَ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ .

الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أوْحَيْنا إلَيْهِمْ رُسُلًا فَيَكُونُ مَنصُوبًا عَلى الحالِ واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ أيْضًا جَوابٌ عَنْ شُبْهَةِ اليَهُودِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ المَقْصُودَ مِن بِعْثَةِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنْ يُبَشِّرُوا الخَلْقَ عَلى اشْتِغالِهِمْ بِعُبُودِيَّةِ اللَّهِ، وأنْ يُنْذِرُوهم عَلى الإعْراضِ عَنِ العُبُودِيَّةِ، فَهَذا هو المَقْصُودُ الأصْلِيُّ مِنَ البِعْثَةِ، فَإذا حَصَلَ هَذا المَقْصُودُ فَقَدْ كَمُلَ الغَرَضُ وتَمَّ المَطْلُوبُ، وهَذا المَقْصُودُ الأصْلِيُّ حاصِلٌ بِإنْزالِ الكِتابِ المُشْتَمِلِ عَلى بَيانِ هَذا المَطْلُوبِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا يَخْتَلِفُ حالُ هَذا المَطْلُوبِ بِأنْ يَكُونَ ذَلِكَ الكِتابُ مَكْتُوبًا في الألْواحِ أوْ لَمْ يَكُنْ، وبِأنْ يَكُونَ نازِلًا دُفْعَةً واحِدَةً أوْ مُنَجَّمًا مُفَرَّقًا، بَلْ لَوْ قِيلَ: إنَّ إنْزالَ الكِتابِ مُنَجَّمًا مُفَرَّقًا أقْرَبُ إلى المَصْلَحَةِ لَكانَ أوْلى لِأنَّ الكِتابَ إذا نَزَلَ دُفْعَةً واحِدَةً كَثُرَتِ التَّكالِيفُ وتَوَجَّهَتْ بِأسْرِها عَلى المُكَلَّفِينَ فَيَثْقُلُ عَلَيْهِمْ قَبُولُها، ولِهَذا السَّبَبِ أصَرَّ قَوْمُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى التَّمَرُّدِ ولَمْ يَقْبَلُوا تِلْكَ التَّكالِيفَ، أمّا إذا نَزَلَ الكِتابُ مُنَجَّمًا مُفَرَّقًا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، بَلْ يُنْزِلُ التَّكالِيفَ شَيْئًا فَشَيْئًا وجُزْءًا فَجُزْءًا، فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ الِانْقِيادُ والطّاعَةُ مِنَ القَوْمِ وحاصِلُ هَذا الجَوابِ أنَّ المَقْصُودَ مِن بِعْثَةِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ هو الإعْذارُ والإنْذارُ، وهَذا المَقْصُودُ حاصِلٌ سَواءٌ نَزَلَ الكِتابُ دُفْعَةً واحِدَةً أوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَكانَ اقْتِراحُ اليَهُودِ في إنْزالِ الكِتابِ دُفْعَةً واحِدَةً اقْتِراحًا فاسِدًا. وهَذا أيْضًا جَوابٌ عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ في غايَةِ الحُسْنِ، ثُمَّ خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ يَعْنِي هَذا الَّذِي يَطْلُبُونَهُ مِنَ الرَّسُولِ أمْرٌ هَيِّنٌ في القُدْرَةِ، ولَكِنَّكم طَلَبْتُمُوهُ عَلى سَبِيلِ اللَّجاجِ وهو تَعالى عَزِيزٌ، وعِزَّتُهُ تَقْتَضِي أنْ لا يُجابَ المُتَعَنِّتُ إلى مَطْلُوبِهِ فَكَذَلِكَ حِكْمَتُهُ تَقْتَضِي هَذا الِامْتِناعَ لِعِلْمِهِ تَعالى بِأنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَبَقُوا مُصِرِّينَ عَلى لَجاجِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أعْطى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَذا التَّشْرِيفَ ومَعَ ذَلِكَ فَقَوْمُهُ بَقُوا مَعَهُ عَلى المُكابَرَةِ والإصْرارِ واللَّجاجِ واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ وُجُوبَ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى لا يَثْبُتُ إلّا بِالسَّمْعِ قالُوا لِأنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ يَدُلُّ عَلى أنَّ قَبْلَ البِعْثَةِ يَكُونُ لِلنّاسِ حُجَّةٌ في تَرْكِ الطّاعاتِ والعِباداتِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الإسْراءِ: ١٥] وقَوْلُهُ: (ولَوْ أنّا)

صفحة ٨٨
‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [طه: ١٣٤] .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ العَبْدَ قَدْ يَحْتَجُّ عَلى الرَّبِّ، وأنَّ الَّذِي يَقُولُهُ أهْلُ السُّنَّةِ مِن أنَّهُ تَعالى لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ في شَيْءٍ، وأنَّ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ كَما يَشاءُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، قالُوا: لِأنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ يَقْتَضِي أنَّ لَهم عَلى اللَّهِ حُجَّةً قَبْلَ الرُّسُلِ، وذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَ أهْلِ السُّنَّةِ.

والجَوابُ: المُرادُ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ، أيْ: ما يُشْبِهُ الحُجَّةَ فِيما بَيْنَكم. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: وتَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ أيْضًا عَلى أنَّ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّ عَدَمَ إرْسالِ الرُّسُلِ إذا كانَ يَصْلُحُ عُذْرًا فَبِأنْ يَكُونَ عَدَمُ المُكْنَةِ والقُدْرَةِ صالِحًا لِأنْ يَكُونَ عُذْرًا كانَ أوْلى، وجَوابُهُ المُعارَضَةُ بِالعِلْمِ واللَّهُ أعْلَمُ.

The same ayah, in another commentary

An-Nisāʾ 4:164