All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

Az-Zukhruf 43:75 Juzʾ 25 Page 495

‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

It will not be allowed to subside for them, and they, therein, are in despair.

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعالى ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ذَكَرَ عَقِيبَهُ بَعْضَ ما يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ القِيامَةِ:

فَأوَّلُها: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ والمَعْنى ﴿الأخِلّاءُ﴾ في الدُّنْيا ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يَعْنِي في الآخِرَةِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ يَعْنِي أنَّ الخُلَّةَ إذا كانَتْ عَلى المَعْصِيَةِ والكُفْرِ صارَتْ عَداوَةً يَوْمَ القِيامَةِ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ يَعْنِي المُوَحِّدِينَ الَّذِينَ يُخالِلُ بَعْضُهم بَعْضًا عَلى الإيمانِ والتَّقْوى، فَإنَّ خُلَّتَهم لا تَصِيرُ عَداوَةً، ولِلْحُكَماءِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ طَرِيقٌ حَسَنٌ، قالُوا: إنَّ المَحَبَّةَ أمْرٌ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ اعْتِقادِ حُصُولِ خَيْرٍ أوْ دَفْعِ ضَرَرٍ، فَمَتى حَصَلَ هَذا الِاعْتِقادُ حَصَلَتِ المَحَبَّةُ لا مَحالَةَ، ومَتى حَصَلَ اعْتِقادُ أنَّهُ يُوجِبُ ضَرَرًا حَصَلَ البُغْضُ والنَّفْرَةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: تِلْكَ الخَيْراتُ الَّتِي كانَ اعْتِقادُ حُصُولِها يُوجِبُ حُصُولَ المَحَبَّةِ - إمّا أنْ تَكُونَ قابِلَةً لِلتَّغَيُّرِ والتَّبَدُّلِ، أوْ لا تَكُونُ كَذَلِكَ، فَإنْ كانَ الواقِعُ هو القِسْمَ الأوَّلَ، وجَبَ أنْ تُبَدَّلَ تِلْكَ المَحَبَّةُ بِالنَّفْرَةِ، لِأنَّ تِلْكَ المَحَبَّةَ إنَّما حَصَلَتْ لِاعْتِقادِ حُصُولِ الخَيْرِ والرّاحَةِ، فَإذا زالَ ذَلِكَ الِاعْتِقادُ وحَصَلَ عَقِيبَهُ اعْتِقادُ أنَّ الحاصِلَ هو الضَّرَرُ والألَمُ - وجَبَ أنْ تَتَبَدَّلَ تِلْكَ المَحَبَّةُ بِالبِغْضَةِ، لِأنَّ تَبَدُّلَ العِلَّةِ يُوجِبُ تَبَدُّلَ المَعْلُولِ، أمّا إذا كانَتِ الخَيْراتُ المُوجِبَةُ لِلْمَحَبَّةِ خَيْراتٍ باقِيَةً أبَدِيَّةً غَيْرَ قابِلَةٍ لِلتَّبَدُّلِ والتَّغَيُّرِ، كانَتْ تِلْكَ المَحَبَّةُ أيْضًا مَحَبَّةً باقِيَةً آمِنَةً مِنَ التَّغَيُّرِ، إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَنَقُولُ: الَّذِينَ حَصَلَتْ بَيْنَهم مَحَبَّةٌ ومَوَدَّةٌ في الدُّنْيا، إنْ كانَتْ تِلْكَ المَحَبَّةُ لِأجْلِ طَلَبِ الدُّنْيا وطَيِّباتِها ولَذّاتِها، فَهَذِهِ المَطالِبُ لا تَبْقى في القِيامَةِ، بَلْ يَصِيرُ طَلَبُ الدُّنْيا سَبَبًا لِحُصُولِ الآلامِ والآفاتِ في يَوْمِ القِيامَةِ، فَلا جَرَمَ تَنْقَلِبُ هَذِهِ المَحَبَّةُ الدُّنْيَوِيَّةُ بِغْضَةً ونَفْرَةً في القِيامَةِ، أمّا إنْ كانَ المُوجِبُ لِحُصُولِ المَحَبَّةِ في الدُّنْيا الِاشْتِراكَ في مَحَبَّةِ اللَّهِ وفي خِدْمَتِهِ وطاعَتِهِ، فَهَذا السَّبَبُ غَيْرُ قابِلٍ لِلنَّسْخِ والتَّغَيُّرِ، فَلا جَرَمَ كانَتْ هَذِهِ المَحَبَّةُ باقِيَةً في القِيامَةِ، بَلْ كَأنَّها تَصِيرُ أقْوى وأصْفى وأكْمَلَ وأفْضَلَ مِمّا كانَتْ في الدُّنْيا، فَهَذا هو التَّفْسِيرُ المُطابِقُ لِقَوْلِهِ

صفحة ١٩٣
تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ الحُكْمُ الثّانِي مِن أحْكامِ يَوْمِ القِيامَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏، وقَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ عادَةَ القُرْآنِ جارِيَةٌ بِتَخْصِيصِ لَفْظِ العِبادِ بِالمُؤْمِنِينَ المُطِيعِينَ المُتَّقِينَ، فَقَوْلُهُ: ﴿ياعِبادِ﴾ كَلامُ اللَّهُ تَعالى، فَكَأنَّ الحَقَّ يُخاطِبُهم بِنَفْسِهِ ويَقُولُ لَهم: ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏، وفِيهِ أنْواعٌ كَثِيرَةٌ مِمّا يُوجِبُ الفَرَحَ:
أوَّلُها: أنَّ الحَقَّ سُبْحانَهُ وتَعالى خاطَبَهم بِنَفْسِهِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ.

وثانِيها: أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِالعُبُودِيَّةِ، وهَذا تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ، بِدَلِيلِ أنَّهُ لَمّا أرادَ أنْ يُشَرِّفَ مُحَمَّدًا ﷺ لَيْلَةَ المِعْراجِ قالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الإسراء: ١] .

وثالِثُها: قَوْلُهُ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ فَأزالَ عَنْهُمُ الخَوْفَ في يَوْمِ القِيامَةِ بِالكُلِّيَّةِ، وهَذا مِن أعْظَمِ النِّعَمِ.

ورابِعُها: قَوْلُهُ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فَنَفى عَنْهُمُ الحُزْنَ بِسَبَبِ فَوْتِ الدُّنْيا الماضِيَةِ.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ قِيلَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ مُضْمَرٌ، والتَّقْدِيرُ: يُقالُ لَهم: ادْخُلُوا الجَنَّةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أعْنِي الَّذِينَ آمَنُوا.
قالَ مُقاتِلٌ: إذا وقَعَ الخَوْفُ يَوْمَ القِيامَةِ نادى مُنادٍ: ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏، فَإذا سَمِعُوا النِّداءَ رَفَعَ الخَلائِقُ رُءُوسَهم، فَيُقالُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فَتُنَكِّسُ أهْلُ الأدْيانِ الباطِلَةِ رُءُوسَهم.

الحُكْمُ الثّالِثُ: مِن وقائِعِ القِيامَةِ أنَّهُ تَعالى إذا أمَّنَ المُؤْمِنِينَ مِنَ الخَوْفِ والحُزْنِ، وجَبَ أنْ يَمُرَّ حِسابُهم عَلى أسْهَلِ الوُجُوهِ وعَلى أحْسَنِها، ثُمَّ يُقالُ لَهم: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏، والحَبْرَةُ المُبالَغَةُ في الإكْرامِ فِيما وُصِفَ بِالجَمِيلِ، يَعْنِي يُكْرَمُونَ إكْرامًا عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، وهَذا مِمّا سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الرُّومِ.

* * *
ثُمَّ قالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏، قالَ الفَرّاءُ: الكُوبُ المُسْتَدِيرُ الرَّأْسِ الَّذِي لا أُذُنَ لَهُ، فَقَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ إشارَةٌ إلى المَطْعُومِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأكْوابٍ﴾ إشارَةٌ إلى المَشْرُوبِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى تَرَكَ التَّفْصِيلَ وذَكَرَ بَيانًا كُلِّيًّا فَقالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ .
* * *
ثُمَّ قالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏، وقَدْ ذَكَرْنا في وِراثَةِ الجَنَّةِ وجْهَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ﴾ [المؤمنون: ١٠، ١١]، ولَمّا ذَكَرَ الطَّعامَ والشَّرابَ فِيما تَقَدَّمَ ذَكَرَ هَهُنا حالَ الفاكِهَةِ فَقالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ إلى العَرَبِ أوَّلًا، ثُمَّ إلى العالَمِينَ ثانِيًا، والعَرَبُ كانُوا في ضِيقٍ شَدِيدٍ بِسَبَبِ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والفاكِهَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ تَفَضَّلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ المَعانِي مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى تَكْمِيلًا لِرَغْبَتِهِمْ وتَقْوِيَةً لِدَواعِيهِمْ.

The same ayah, in another commentary

Az-Zukhruf 43:75