All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Muḥammad 47:4 Juzʾ 26 Page 507

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

So when you meet those who disbelieve [in battle], strike [their] necks until, when you have inflicted slaughter upon them, then secure their bonds, and either [confer] favor afterwards or ransom [them] until the war lays down its burdens. That [is the command]. And if Allah had willed, He could have taken vengeance upon them [Himself], but [He ordered armed struggle] to test some of you by means of others. And those who are killed in the cause of Allah - never will He waste their deeds.

Read in the muṣḥaf

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الفاءُ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ يَسْتَدْعِي مُتَعَلِّقًا يَتَعَلَّقُ بِهِ ويَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، فَما وجْهُ التَّعَلُّقِ بِما قَبْلَهُ؟ نَقُولُ: هو مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: لَمّا بَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أضَلَّ اللَّهُ أعْمالَهم واعْتِبارُ الإنْسانِ بِالعَمَلِ، ومَن لَمْ يَكُنْ لَهُ عَمَلٌ فَهو هَمَجٌ فَإنْ صارَ مَعَ ذَلِكَ يُؤْذِي حَسُنَ إعْدامُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ بَعْدَ ظُهُورِ أنَّ لا حُرْمَةَ لَهم وبَعْدَ إبْطالِ أعْمالِهِمْ، فاضْرِبُوا أعْناقَهم.

الثّانِي: إذا تَبَيَّنَ تَبايُنُ الفَرِيقَيْنِ وتَباعُدُ الطَّرِيقَيْنِ، وأنَّ أحَدَهُما يَتْبَعُ الباطِلَ وهو حِزْبُ الشَّيْطانِ، والآخَرَ يَتْبَعُ الحَقَّ وهو حِزْبُ الرَّحْمَنِ، حَقَّ القِتالُ عِنْدَ التَّحَزُّبِ، فَإذا لَقِيتُمُوهم فاقْتُلُوهم.

الثّالِثُ: أنَّ مِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ لِضَعْفِ قَلْبِهِ وقُصُورِ نَظَرِهِ: إيلامُ الحَيَوانِ مِنَ الظُّلْمِ والطُّغْيانِ، ولا سِيَّما القَتْلُ الَّذِي هو تَخْرِيبُ بُنْيانٍ، فَيُقالُ رَدًّا عَلَيْهِمْ: لَمّا كانَ اعْتِبارُ الأعْمالِ بِاتِّباعِ الحَقِّ والباطِلِ فَمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ لِتَعْظِيمِ أمْرِ اللَّهِ لَهم مِنَ الأجْرِ ما لِلْمُصَلِّي والصّائِمِ، فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فاقْتُلُوهم ولا تَأْخُذُكم بِهِمْ رَأْفَةٌ فَإنَّ ذَلِكَ اتِّباعٌ لِلْحَقِّ والِاعْتِبارُ بِهِ لا بِصُورَةِ الفِعْلِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ‏‏‏‏ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، أيْ فاضْرِبُوا ضَرْبَ الرِّقابِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما الحِكْمَةُ في اخْتِيارِ ضَرْبِ الرَّقَبَةِ عَلى غَيْرِها مِنَ الأعْضاءِ نَقُولُ فِيهِ: لَمّا بَيَّنَ أنَّ المُؤْمِنَ لَيْسَ يُدافِعُ إنَّما هو دافِعٌ، وذَلِكَ أنَّ مَن يَدْفَعُ الصّائِلَ لا يَنْبَغِي أنْ يَقْصِدَ أوَّلًا مَقْتَلَهُ بَلْ يَتَدَرَّجُ ويَضْرِبُ عَلى غَيْرِ المَقْتَلِ، فَإنِ انْدَفَعَ فَذاكَ ولا يَتَرَقّى إلى دَرَجَةِ الإهْلاكِ، فَقالَ تَعالى لَيْسَ المَقْصُودُ إلّا دَفْعُهم عَنْ وجْهِ الأرْضِ، وتَطْهِيرُ الأرْضِ مِنهم، وكَيْفَ لا والأرْضُ لَكم مَسْجِدٌ، والمُشْرِكُونَ نَجَسٌ، والمَسْجِدُ يُطَهَّرُ مِنَ النَّجاسَةِ، فَإذًا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ قَصْدُكم أوَّلًا إلى قَتْلِهِمْ بِخِلافِ دَفْعِ الصّائِلِ، والرَّقَبَةُ أظْهَرُ المَقاتِلِ؛ لِأنَّ قَطْعَ الحُلْقُومِ والأوْداجِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْمَوْتِ لَكِنْ في الحَرْبِ لا يَتَهَيَّأُ ذَلِكَ، والرَّقَبَةُ ظاهِرَةٌ في الحَرْبِ فَفي ضَرْبِها حَزُّ العُنُقِ وهو مُسْتَلْزِمٌ لِلْمَوْتِ بِخِلافِ سائِرِ المَواضِعِ، ولا سِيَّما في الحَرْبِ، وفي قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ما يُنْبِئُ عَنْ مُخالَفَتِهِمُ الصّائِلَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏‏ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَصْدَ مِن جانِبِهِمْ بِخِلافِ قَوْلِنا ”لَقِيَكُمْ“، ولِذَلِكَ قالَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ: ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٩١] .

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ هَهُنا: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ بِإظْهارِ المَصْدَرِ وتَرْكِ الفِعْلِ، وقالَ في الأنْفالِ: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ [الأنْفالِ: ١٢] بِإظْهارِ الفِعْلِ، وتَرْكِ المَصْدَرِ، فَهَلْ فِيهِ فائِدَةٌ؟ نَقُولُ: نَعَمْ ولِنُبَيِّنَها بِتَقْدِيمِ مُقَدِّمَةٍ، وهي أنَّ المَقْصُودَ أوَّلًا في بَعْضِ السُّوَرِ قَدْ يَكُونُ صُدُورُ الفِعْلِ مِن فاعِلٍ ويَتْبَعُهُ المَصْدَرُ ضِمْنًا، إذْ لا يُمْكِنُ أنْ يَفْعَلَ فاعِلٌ إلّا ويَقَعُ مِنهُ المَصْدَرُ في الوُجُودِ، وقَدْ يَكُونُ المَقْصُودُ أوَّلًا المَصْدَرَ ولَكِنَّهُ لا يُوجَدُ إلّا مِن فاعِلٍ فَيُطْلَبُ مِنهُ أنْ يَفْعَلَ، مِثالُهُ مَن قالَ: إنِّي حَلَفْتُ أنْ أخْرُجَ مِنَ المَدِينَةِ. فَيُقالُ لَهُ: فاخْرُجْ، صارَ المَقْصُودُ مِنهُ صُدُورُ الفِعْلِ مِنهُ، والخُرُوجُ في نَفْسِهِ غَيْرُ مَقْصُودِ الِانْتِفاءِ، ولَوْ أمْكَنَ أنْ يَخْرُجَ مِن غَيْرِ تَحَقُّقِ الخُرُوجِ مِنهُ لَما كانَ

صفحة ٣٩
عَلَيْهِ إلّا أنْ يَخْرُجَ لَكِنْ مِن ضَرُوراتِ الخُرُوجِ أنْ يَخْرُجَ، فَإذا قالَ قائِلٌ: ضاقَ بِي المَكانُ بِسَبَبِ الأعْداءِ فَيُقالُ لَهُ مَثَلًا: الخُرُوجُ يَعْنِي الخُرُوجَ فاخْرُجْ فَإنَّ الخُرُوجَ هو المَطْلُوبُ حَتّى لَوْ أمْكَنَ الخُرُوجُ مِن غَيْرِ فاعِلٍ لَحَصَلَ الغَرَضُ لَكِنَّهُ مُحالٌ فَيَتْبَعُهُ الفِعْلُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ في الأنْفالِ الحِكايَةُ عَنِ الحَرْبِ الكائِنَةِ وهم كانُوا فِيها والمَلائِكَةُ أُنْزِلُوا لِنُصْرَةِ مَن حَضَرَ في صَفِّ القِتالِ فَصُدُورُ الفِعْلِ مِنهُ مَطْلُوبٌ، وهَهُنا الأمْرُ وارِدٌ ولَيْسَ في وقْتِ القِتالِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ والمَقْصُودُ بَيانُ كَوْنِ المَصْدَرِ مَطْلُوبًا لِتَقَدُّمِ المَأْمُورِ عَلى الفِعْلِ قالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وفِيما ذَكَرْنا تَبْيِينُ فائِدَةٍ أُخْرى وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ هُناكَ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ [الأنْفالِ: ١٢] وذَلِكَ لِأنَّ الوَقْتَ وقْتُ القِتالِ فَأرْشَدَهم إلى المَقْتَلِ وغَيْرِهِ إنْ لَمْ يُصِيبُوا المَقْتَلَ، وهَهُنا لَيْسَ وقْتُ القِتالِ فَبَيَّنَ أنَّ المَقْصُودَ القَتْلُ وغَرَضُ المُسْلِمِ ذَلِكَ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: (حَتّى) لِبَيانِ غايَةِ الأمْرِ لا لِبَيانِ غايَةِ القَتْلِ أيْ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ لا يَبْقى الأمْرُ بِالقَتْلِ، ويَبْقى الجَوازُ ولَوْ كانَ لِبَيانِ القَتْلِ لَما جازَ القَتْلُ، والقَتْلُ جائِزٌ إذا التَحَقَ المُثْخِنُ بِالشَّيْخِ الهَرِمِ، والمُرادُ كَما إذا قُطِعَتْ يَداهُ ورِجْلاهُ فَنَهى عَنْ قَتْلِهِ.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أمْرُ إرْشادٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ”إمّا“ وإنَّما لِلْحَصْرِ وحالُهم بَعْدَ الأسْرِ غَيْرُ مُنْحَصِرٍ في الأمْرَيْنِ، بَلْ يَجُوزُ القَتْلُ والِاسْتِرْقاقُ والمَنُّ والفِداءُ، نَقُولُ: هَذا إرْشادٌ فَذَكَرَ الأمْرَ العامَّ الجائِزَ في سائِرِ الأجْناسِ، والِاسْتِرْقاقُ غَيْرُ جائِزٍ في أسْرِ العَرَبِ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ مَعَهم فَلَمْ يَذْكُرِ الِاسْتِرْقاقَ، وأمّا القَتْلُ فَلِأنَّ الظّاهِرَ في المُثْخِنِ الإزْمانُ؛ ولِأنَّ القَتْلَ ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَلَمْ يَبْقَ إلّا الأمْرانِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَنًّا وفِداءً مَنصُوبانِ لِكَوْنِهِما مَصْدَرَيْنِ تَقْدِيرُهُ: فَإمّا تَمُنُّونَ مَنًّا وإمّا تُفْدُونَ فِداءً وتَقْدِيمُ المَنِّ عَلى الفِداءِ إشارَةٌ إلى تَرْجِيحِ حُرْمَةِ النَّفْسِ عَلى طَلَبِ المالِ، والفِداءُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مالًا وأنْ يَكُونَ غَيْرُهُ مِنَ الأسْرى أوْ شَرْطًا يُشْرَطُ عَلَيْهِمْ أوْ عَلَيْهِ وحْدَهُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إذا قَدَّرْنا الفِعْلَ وهو تَمُنُّونَ أوْ تُفْدُونَ عَلى تَقْدِيرِ المَفْعُولِ، حَتّى نَقُولَ إمّا تَمُنُّونَ عَلَيْهِمْ مَنًّا أوْ تُفْدُونَهم فِداءً، نَقُولُ: لا؛ لِأنَّ المَقْصُودَ المَنُّ والفِداءُ لا عَلَيْهِمْ وبِهِمْ كَما يَقُولُ القائِلُ: فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ ولا يُقالُ: يُعْطِي زَيْدًا ويَمْنَعُ عُمَرَ لِأنَّ غَرَضَهُ ذِكْرُ كَوْنِهِ فاعِلًا لا بَيانُ المَفْعُولِ، وكَذَلِكَ هَهُنا المَقْصُودُ إرْشادُ المُؤْمِنِينَ إلى الفَضْلِ.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ .
وفِي تَعَلُّقِ (حَتّى) وجْهانِ:

أحَدُهُما: تَعَلُّقُها بِالقَتْلِ أيِ اقْتُلُوهم حَتّى تَضَعَ.

وثانِيهِما: بِالمَنِّ والفِداءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ﴿شُّدُوا الوَثاقَ﴾، وتَعَلُّقُها بِالقَتْلِ أظْهَرُ وإنْ كانَ ذِكْرُهُ أبْعَدَ، وفي الأوْزارِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: السَّلامُ.

والثّانِي: الآثامُ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: إنْ كانَ المُرادُ الإثْمَ، فَكَيْفَ تَضَعُ الحَرْبُ الإثْمَ، والإثْمُ عَلى المُحارِبِ؟ وكَذَلِكَ السُّؤالُ في السِّلاحِ لَكِنَّهُ عَلى الأوَّلِ أشَدُّ تَوَجُّهًا، فَيَقُولُ: تَضَعُ الحَرْبُ الأوْزارَ لا مِن نَفْسِها، بَلْ تَضَعُ الأوْزارَ

صفحة ٤٠
الَّتِي عَلى المُحارِبِينَ والسِّلاحَ الَّذِي عَلَيْهِمْ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَلْ هَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يُوسُفَ: ٨٢] حَتّى يَكُونَ كَأنَّهُ قالَ: حَتّى تَضَعَ أُمَّةُ الحَرْبِ أوْ فِرْقَةُ الحَرْبِ أوْزارَها؟ نَقُولُ: ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ في النَّظَرِ الأوَّلِ، لَكِنْ إذا أمْعَنْتَ في المَعْنى تَجِدُ بَيْنَهُما فَرْقًا، وذَلِكَ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ الحَرْبُ بِالكُلِّيَّةِ بِحَيْثُ لا يَبْقى في الدُّنْيا حِزْبٌ مِن أحْزابِ الكُفْرِ يُحارِبُ حِزْبًا مِن أحْزابِ الإسْلامِ ولَوْ قُلْنا حَتّى تَضَعَ أُمَّةُ الحَرْبِ جازَ أنْ يَضَعُوا الأسْلِحَةَ ويَتْرُكُوا الحَرْبَ وهي باقِيَةٌ بِمادَّتِها، كَما تَقُولُ: خُصُومَتِي ما انْفَصَلَتْ ولَكِنِّي تَرَكْتُها في هَذِهِ الأيّامِ، وإذا أسْنَدْنا الوَضْعَ إلى الحَرْبِ يَكُونُ مَعْناهُ إنَّ الحَرْبَ لَمْ يَبْقَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لَوْ قالَ: حَتّى لا يَبْقى حَرْبٌ أوْ يَنْفِرَ مِنَ الحَرْبِ هَلْ يَحْصُلُ مَعْنى قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ نَقُولُ: لا، والتَّفاوُتُ بَيْنَ العِبارَتَيْنِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ النَّظْمِ، بَلِ النَّظَرُ إلى نَفْسِ المَعْنى كالتَّفاوُتِ بَيْنَ قَوْلِكَ: انْقَرَضَتْ دَوْلَةُ بَنِي أُمَيَّةَ، وقَوْلِكَ: لَمْ يَبْقَ مِن دَوْلَتِهِمْ أثَرٌ، ولا شَكَّ أنَّ الثّانِيَ أبْلَغُ، فَكَذَلِكَ هَهُنا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ مَعْناهُ آثارَها فَإنَّ مِن أوْزارِ الحَرْبِ آثارَها.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: وقْتُ وضْعِ أوْزارِ الحَرْبِ مَتى هُوَ؟ نَقُولُ: فِيهِ أقْوالٌ حاصِلُها راجِعٌ إلى أنَّ ذَلِكَ الوَقْتَ هو الوَقْتُ الَّذِي لا يَبْقى فِيهِ حِزْبٌ مِن أحْزابِ الإسْلامِ وحِزْبٌ مِن أحْزابِ الكُفْرِ، وقِيلَ ذَلِكَ عِنْدَ قِتالِ الدَّجّالِ ونُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ .
فِي مَعْنى ذَلِكَ وجْهانِ:

أحَدُهُما: الأمْرُ ذَلِكَ والمُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: ذَلِكَ واجِبٌ أوْ مُقَدَّمٌ، كَما يَقُولُ القائِلُ: إنْ فَعَلْتَ فَذاكَ، أيْ فَذاكَ مَقْصُودٌ ومَطْلُوبٌ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ قِتالَهم لَيْسَ طَرِيقًا مُتَعَيِّنًا بَلِ اللَّهُ لَوْ أرادَ أهْلَكَهم مِن غَيْرِ جُنْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ .

أيْ ولَكِنْ لِيُكَلِّفَكم فَيَحْصُلُ لَكم شَرَفٌ بِاخْتِيارِهِ إيّاكم لِهَذا الأمْرِ. فَإنْ قِيلَ: ما التَّحْقِيقُ في قَوْلِنا: التَّكْلِيفُ ابْتِلاءٌ وامْتِحانٌ واللَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى ؟ وماذا يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ؟ نَقُولُ فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِعْلَ المُبْتَلِينَ أيْ كَما يَفْعَلُ المُبْتَلى المُخْتَبَرُ، ومِنها أنَّ اللَّهَ تَعالى يَبْلُو لِيَظْهَرَ الأمْرُ لِغَيْرِهِ إمّا لِلْمَلائِكَةِ وإمّا لِلنّاسِ، والتَّحْقِيقُ هو أنَّ الِابْتِلاءَ والِامْتِحانَ والِاخْتِبارَ فِعْلٌ يَظْهَرُ بِسَبَبِهِ أمْرٌ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ عِنْدَ العُقَلاءِ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ قَصْدًا إلى ظُهُورِهِ، وقَوْلُنا فِعْلٌ يَظْهَرُ بِسَبَبِهِ أمْرٌ ظاهِرُ الدُّخُولِ في مَفْهُومِ الِابْتِداءِ؛ لِأنَّ ما لا يَظْهَرُ بِسَبَبِهِ شَيْءٌ أصْلًا لا يُسَمّى ابْتِلاءً، أمّا قَوْلُنا أمْرٌ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ عِنْدَ العُقَلاءِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن يَضْرِبُ بِسَيْفِهِ عَلى القِثّاءِ والخِيارِ لا يُقالُ إنَّهُ يَمْتَحِنُ؛ لِأنَّ الأمْرَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنهُ مُتَعَيِّنٌ وهو القَطْعُ والقَدُّ بِقِسْمَيْنِ، فَإذا ضَرَبَ بِسَيْفِهِ سَبُعًا يُقالُ: يُمْتَحَنُ بِسَيْفِهِ لِيَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ وقَدْ يَقُدُّهُ وقَدْ لا يَقُدُّهُ، وأمّا قَوْلُنا: لِيَظْهَرَ مِنهُ ذَلِكَ، فَلِأنَّ مَن يَضْرِبُ سَبُعًا بِسَيْفِهِ لِيَدْفَعَهُ عَنْ نَفْسِهِ لا يُقالُ إنَّهُ مُمْتَحَنٌ لِأنَّ ضَرْبَهُ لَيْسَ لِظُهُورِ أمْرٍ مُتَعَيِّنٍ، إذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ: اللَّهُ تَعالى إذا أمَرَنا بِفِعْلٍ يَظْهَرُ بِسَبَبِهِ أمْرٌ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ- وهو إمّا الطّاعَةُ أوِ المَعْصِيَةُ في العُقُولِ - لِيُظْهِرَ ذَلِكَ يَكُونُ مُمْتَحِنًا وإنْ كانَ عالِمًا بِهِ؛ لَكَوْنِ عَدَمِ العِلْمِ مُقارَنًا فِينا لِابْتِلائِنا فَإذا ابْتُلِينا وعَدَمُ العِلْمِ فِينا مُسْتَمِرٌّ أُمِرْنا ولَيْسَ مِن ضَرُوراتِ الِابْتِلاءِ، فَإنْ قِيلَ: الِابْتِلاءُ فائِدَتُهُ حُصُولُ العِلْمِ عِنْدَ المُبْتَلِي، فَإذا كانَ اللَّهُ تَعالى عالِمًا فَأيَّةُ فائِدَةٍ

صفحة ٤١
فِيهِ ؟ نَقُولُ: لَيْسَ هَذا سُؤالٌ يَخْتَصُّ بِالِابْتِلاءِ، فَإنَّ قَوْلَ القائِلِ: لِمَ ابْتَلى ؟ كَقَوْلِ القائِلِ لِمَ عاقَبَ الكافِرَ وهو مُسْتَغْنٍ ؟ ولِمَ خَلَقَ النّارَ مُحْرِقَةً وهو قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَها بِحَيْثُ تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ ؟ وجَوابُهُ: لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، ونَقُولُ حِينَئِذٍ ما قالَهُ المُتَقَدِّمُونَ: إنَّهُ لِظُهُورِ الأمْرِ المُتَعَيِّنِ لَإلَهٌ، وبَعْدَ هَذا فَنَقُولُ: المُبْتَلِي لا حاجَةَ لَهُ إلى الأمْرِ الَّذِي يَظْهَرُ مِنَ الِابْتِلاءِ، فَإنَّ المُمْتَحِنَ لِلسَّيْفِ فِيما ذَكَرْنا مِنَ الصُّورَةِ لا حاجَةَ لَهُ إلى قَطْعِ ما يُجَرِّبُ السَّيْفَ فِيهِ حَتّى أنَّهُ لَوْ كانَ مُحْتاجًا - كَما ضَرَبْنا مِن مِثالِ دَفْعِ السَّبُعِ بِالسَّيْفِ - لا يُقالُ إنَّهُ يَمْتَحِنُ وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ إشارَةٌ إلى عَدَمِ الحاجَةِ تَقْرِيرًا لِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .
قُرِئَ قَتَلُوا وقاتَلُوا والكُلُّ مُناسِبٌ لِما تَقَدَّمَ، أمّا مَن قَرَأ: قَتَلُوا فَلِأنَّهُ لَمّا قالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ومَعْناهُ فاقْتُلُوهم، بَيَّنَ ما لِلْقاتِلِ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ رَدًّا عَلى مَن زَعَمَ أنَّ القَتْلَ فَسادٌ مُحَرَّمٌ إذْ هو إفْناءُ مَن هو مُكَرَّمٌ، فَقالَ: عَمَلُهم لَيْسَ كَحَسَنَةِ الكافِرِ يَبْطُلُ بَلْ هو فَوْقَ حَسَناتِ الكافِرِ أضَلَّ اللَّهُ أعْمالَ الكُفّارِ، ولَنْ يُضِلَّ القاتِلِينَ، فَكَيْفَ يَكُونُ القَتْلُ سَيِّئَةً، وأمّا مَن قَرَأ ”قاتَلُوا“ فَهو أكْثَرُ فائِدَةً وأعَمُّ تَناوُلًا؛ لِأنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ مَن سَعى في القَتْلِ سَواءٌ قُتِلَ أوْ لَمْ يُقْتَلْ، وأمّا مَن قَرَأ:”والَّذِينَ قُتِلُوا“ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ فَنَقُولُ: هي مُناسِبَةٌ لِما تَقَدَّمَ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: هو أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيِ اقْتُلُوا، والقَتْلُ لا يَتَأتّى إلّا بِالإقْدامِ، وخَوْفُ أنْ يُقْتَلَ المُقْدِمُ يَمْنَعُهُ مِنَ الإقْدامِ، فَقالَ: لا تَخافُوا القَتْلَ فَإنَّ مَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ مِنَ الأجْرِ والثَّوابِ ما لا يَمْنَعُ المُقاتِلَ مِنَ القِتالِ بَلْ يَحُثُّهُ عَلَيْهِ.

وثانِيها: هو أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ والمُبْتَلى بِالشَّيْءِ بِهِ عَلى كُلِّ وجْهٍ مِن وُجُوهِ الأثَرِ الظّاهِرِ بِالِابْتِلاءِ حالٌ مِنَ الأحْوالِ، فَإنَّ السَّيْفَ المُمْتَحَنَ تَزِيدُ قِيمُتُهُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَقْطَعَ وتَنْقُصُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ لا يَقْطَعَ، فَحالُ المُبْتَلِينَ ماذا ؟ فَقالَ: إنْ قُتِلَ فَلَهُ أنْ لا يُضِلَّ عَمَلَهُ ويُهْدى ويُكْرَمَ ويُدْخَلَ الجَنَّةَ، وأمّا إنْ قَتَلَ فَلا يَخْفى. . . . . . عاجِلًا وآجِلًا، وتَرَكَ بَيانَهُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ قاتِلًا لِظُهُورِهِ، وبَيَّنَ حالَهُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَقْتُولًا.

وثالِثُها: هو أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ [المائِدَةِ: ٤٨] ولا يُبْتَلى الشَّيْءُ النَّفِيسُ بِما يُخافُ مِنهُ هَلاكُهُ، فَإنَّ السَّيْفَ المُهَنَّدَ العَضْبَ الكَبِيرَ القِيمَةِ لا يُجَرَّبُ بِالشَّيْءِ الصُّلْبِ الَّذِي يُخافُ عَلَيْهِ مِنَ الِانْكِسارِ، ولَكِنَّ الآدَمِيَّ مُكَرَّمٌ، كَرَّمَهُ اللَّهُ وشَرَّفَهُ وعَظَّمَهُ، فَلِماذا ابْتَلاهُ بِالقِتالِ وهو يُفْضِي إلى القَتْلِ والهَلاكِ إفْضاءً غَيْرَ نادِرٍ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ هَذا الِابْتِلاءُ ؟ فَنَقُولُ: القَتْلُ لَيْسَ بِإهْلاكٍ بِالنِّسْبَةِ إلى المُؤْمِنِ فَإنَّهُ يُورِثُ الحَياةَ الأبَدِيَّةَ فَإذا ابْتَلاهُ بِالقِتالِ فَهو عَلى تَقْدِيرِ: أنْ يُقْتَلَ مُكْرَمٌ، وعَلى تَقْدِيرِ: أنْ لا يُقْتَلَ مُكْرَمٌ هَذا إنْ قاتَلَ، وإنْ لَمْ يُقاتِلْ، فالمَوْتُ لا بُدَّ مِنهُ وقَدْ فَوَّتَ عَلى نَفْسِهِ الأجْرَ الكَبِيرَ.

* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ قَدْ عُلِمَ مَعْنى الإضْلالِ، بَقِيَ الفَرْقُ بَيْنَ العِبارَتَيْنِ في حَقِّ الكافِرِ والضّالِّ قالَ: ”أضَلَّ“ وقالَ في حَقِّ المُؤْمِنِ الدّاعِي: (لَنْ يُضِلَّ)؛ لِأنَّ المُقاتِلَ داعٍ إلى الإيمانِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ قَدْ ذُكِرَ أنَّ مَعْناهُ حَتّى لَمْ يَبْقَ إثْمٌ بِسَبَبِ حَرْبٍ، وذَلِكَ حَيْثُ يُسْلِمُ الكافِرُ، فالمُقاتِلُ يَقُولُ: إمّا أنْ تُسْلِمَ وإمّا أنْ تُقْتَلَ، فَهو داعٍ والكافِرُ صادٌّ وبَيْنَهُما تَبايُنٌ وتَضادٌّ، فَقالَ في حَقِّ الكافِرِ: أضَلَّ بِصِيغَةِ الماضِي، ولَمْ يَقُلْ: يُضِلُّ إشارَةٌ إلى أنَّ عَمَلَهُ حَيْثُ وُجِدَ عُدِمَ وكَأنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِن أصْلِهِ، وقالَ في حَقِّ المُؤْمِنِ: فَلَنْ يُضِلَّ، ولَمْ يَقُلْ: ما أضَلَّ إشارَةٌ إلى أنَّ عَمَلَهُ كُلَّما ثَبَتَ عَلَيْهِ أُثْبِتَ لَهُ، فَلَنْ يُضِلَّ لِلتَّأْبِيدِ وبَيْنَهُما غايَةُ الخِلافِ، كَما أنَّ بَيْنَ الدّاعِي والصّادِّ غايَةَ التَّبايُنِ والتَّضادِّ، فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى الفاءِ في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏ ؟
صفحة ٤٢
جَوابُهُ لِأنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ مَعْنى الشَّرْطِ.

The same ayah, in another commentary

Muḥammad 47:4