(p-٣٩٥)سُورَةُ مُحَمَّدٍ
ﷺ
وَفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: [أنَّها] مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ الأكْثَرُونَ، مِنهم مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ. وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ حَجِّهِ حِينَ خَرَجَ مِن مَكَّةَ وجَعَلَ يَنْظُرُ إلى البَيْتِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ ﴾ [مُحَمَّدٍ: ١٣] .
والثّانِي: أنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ﴾ أيْ: بِتَوْحِيدِ اللَّهِ ﴿وَصَدُّوا﴾ النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِهِ، وهم مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، ﴿ ﴾ أيْ: أبْطَلَها، ولَمْ يَجْعَلْ لَها ثَوابًا، فَكَأنَّها لَمْ تَكُنْ؛ وقَدْ كانُوا يُطْعِمُونَ الطَّعامَ، ويَصِلُونَ الأرْحامَ، ويَتَصَدَّقُونَ، ويَفْعَلُونَ ما يَعْتَقِدُونَهُ قُرْبَةً.
﴿ ﴾ يَعْنِي أصْحابَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
﴿ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "نَزَّلَ" بِفَتْحِ النُّونِ والزّايِ وتَشْدِيدِها. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ومُعاذُ القارِئُ: "أُنْزِلَ" بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ مَكْسُورَةِ الزّايِ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ: "نَزَلَ" بِفَتْحِ النُّونِ والزّايِ وتَخْفِيفِها، ﴿ ﴾ أيْ: غَفَرَها لَهم ﴿ ﴾ أيْ: حالَهُمْ، قالَهُ قَتادَةُ، والمُبَرِّدُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: الأمْرُ ذَلِكَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ: ذَلِكَ الإضْلالُ، لِاتِّباعِهِمُ الباطِلِ، وتِلْكَ الهِدايَةُ والكَفّاراتُ بِاتِّباعِ المُؤْمِنِينَ الحَقَّ، ﴿ ﴾ أيْ: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ أمْثالَ حَسَناتِ المُؤْمِنِينَ وسَيِّئاتِ الكافِرِينَ كَهَذا البَيانِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ﴾ إغْراءٌ؛ والمَعْنى: فاقْتُلُوهُمْ، لِأنَّ الأغْلَبَ في مَوْضِعِ القَتْلِ ضَرْبُ العُنُقِ ﴿ ﴾ أيْ: أكْثَرْتُمْ فِيهِمُ (p-٣٩٧)القَتْلَ ﴿ ﴾ يَعْنِي في الأسْرِ؛ وإنَّما يَكُونُ الأسْرُ بَعْدَ المُبالَغَةِ في القَتْلِ. و "الوَثاقُ" اسْمٌ مِنَ الإيثاقِ؛ تَقُولُ: أوْثَقْتُهُ إيثاقًا ووِثاقًا، إذا شَدَدْتَ أسْرَهُ لِئَلّا يُفْلِتَ ﴿ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إمّا أنْ تَمُنُّوا، وإمّا أنْ تُفادُوا، ومِثْلُهُ: سَقْيًا، ورَعْيًا، وإنَّما هو سُقِيتَ ورُعِيتَ. وقالَ الزَّجّاجُ: إمّا مَنَنْتُمْ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ تَأْسِرُوهم مَنًّا، وإمّا أطْلَقْتُمُوهم بِفِداءٍ.
فَصْلٌ
وَهَذِهِ الآيَةُ مُحْكَمَةٌ عِنْدَ عامَّةِ العُلَماءِ. ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّ حُكْمَ المَنِّ والفِداءِ باقٍ لَمْ يُنْسَخْ: ابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ، وأحْمَدُ، والشّافِعِيُّ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى نَسْخِ المَنِّ والفِداءِ بِقَوْلِهِ: ﴿ ﴾، ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى هَذا ابْنُ جُرَيْجٍ، والسُّدِّيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ. وقَدْ أشَرْنا إلى القَوْلَيْنِ في [بَراءَةٍ: ٥] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حَتّى لا يَبْقى أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ. وقالَ مُجاهِدٌ: حَتّى لا يَكُونَ دِينٌ إلّا دِينَ الإسْلامِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: حَتّى يَخْرُجَ المَسِيحُ. وقالَ الفَرّاءُ: حَتّى لا يَبْقى إلّا مُسْلِمٌ أوْ مُسالِمٌ. وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: حَتّى يَضَعَ أهْلُ الحَرْبِ سِلاحَهُمْ؛ قالَ الأعْشى:
؎ وأعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أوْزارَها: رِماحًا طِوالًا وخَيْلًا ذُكُورا
(p-٣٩٨)وَأصْلُ "الوِزْرِ" ما حَمَلْتَهُ، فَسُمِّيَ السِّلاحُ "أوْزارًا" لِأنَّهُ يُحْمَلُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: حَتّى تَضَعَ حَرْبُكم وقِتالُكم أوْزارَ المُشْرِكِينَ وقَبائِحَ أعْمالِهِمْ بِأنْ يُسْلِمُوا ولا يَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ذَلِكَ أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْنا ﴿ ﴾ بِإهْلاكِهِمْ أوَتَعْذِيبِهِمْ بِما شاءَ ولَكِنْ أمَرَكم بِالحَرْبِ ﴿ ﴾ فَيُثِيبُ المُؤْمِنَ ويُكْرِمُهُ بِالشَّهادَةِ، ويُخْزِي الكافِرَ بِالقَتْلِ والعَذابِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "قُتِلُوا" بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ التّاءِ؛ والباقُونَ: "قاتَلُوا" بِألِفٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَهْدِيهِمْ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: يَهْدِيهِمْ إلى أرْشَدِ الأُمُورِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: يُحَقِّقُ لَهُمُ الهِدايَةَ، قالَهُ الحَسَنُ. والثّالِثُ: إلى مُحاجَّةِ مُنْكَرٍ ونَكِيرٍ. والرّابِعُ: إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، حَكاهُما الماوَرْدِيُّ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: عَرَّفَهم مَنازِلَهم فِيها فَلا يَسْتَدِلُّونَ عَلَيْها ولا يُخْطِئُونَها، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، مِنهم مُجاهِدٌ، وقَتادَةَ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ.
والثّانِي: طَيَّبَها لَهُمْ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو قَوْلُ أصْحابِ اللُّغَةِ، يُقالُ: طَعامٌ مُعَرَّفٌ، أيْ: مُطَيَّبٌ.
وَقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "عَرَفَها لَهُمْ" بِتَخْفِيفِ الرّاءِ.