All commentaries

زاد المسير

Ibn al-Jawzī

ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ)

Every opinion held on a verse, listed briefly and numbered, then on to the next.

Al-Kahf 18:1 Juzʾ 15 Page 293

‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏

[All] praise is [due] to Allah, who has sent down upon His Servant the Book and has not made therein any deviance.

Read in the muṣḥaf

(p-١٠٢)سُورَةُ الكَهْفِ

فَصْلٌ في نُزُولِها

رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ سُورَةَ ( الكَهْفِ ) مَكِّيَّةٌ، وكَذَلِكَ قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ. وهَذا إجْماعُ المُفَسِّرِينَ مِن غَيْرِ خِلافٍ نَعْلَمُهُ، إلّا أنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّ مِنها آَيَةً مَدَنِيَّةً، وهي قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [ الكَهْفِ: ٢٨ ] . وقالَ مُقاتِلٌ: مِن أوَّلِها إلى قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [ الكَهْفِ: ٨ ] مَدَنِيٌّ، و قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [ الكَهْفِ: ١٠٧، ١٠٨ ] الآَيَتانِ مَدَنِيَّةٌ، وباقِيها مَكِّيٌّ. ورَوى أبُو الدَّرْداءِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: " «مَن حَفِظَ عَشْرَ آَياتٍ مِن أوَّلِ الكَهْفِ، ثُمَّ أدْرَكَ الدَّجّالَ لَمْ يَضُرَّهُ، ومَن حَفِظَ خَواتِيمَ سُورَةِ الكَهْفِ كانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ القِيامَةِ» " . (p-١٠٣)

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏ قَدْ شَرَحْناهُ في أوَّلِ ( الفاتِحَةِ ) . والمُرادُ بِعَبْدِهِ هاهُنا: مُحَمَّدٌ ﷺ، وبِالكِتابِ: القُرْآَنُ، تَمَدَّحَ بِإنْزالِهِ؛ لِأنَّهُ إنْعامٌ عَلى الرَّسُولِ خاصَّةً، وعَلى النّاسِ عامَّةً. قالَ العُلَماءُ بِاللُّغَةِ والتَّفْسِيرِ: في هَذِهِ الآَيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُا: أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ﴿قَيِّمًا﴾؛ أيْ: مُسْتَقِيمًا عَدْلًا. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وابْنُ يَعْمُرَ، والنَّخَعِيُّ، والأعْمَشُ: ( قِيَمًا ) بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الياءِ، وقَدْ فَسَّرْناهُ في ( الأنْعامِ: ١٦١ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏؛ أيْ: لَمْ يَجْعَلْ فِيهِ اخْتِلافًا، وقَدْ سَبَقَ بَيانُ العِوَجِ في ( آَلِ عِمْرانَ: ٩٩ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏؛ أيْ: عَذابًا شَدِيدًا، ‏‏ ‏‏‏؛ أيْ: مِن عِنْدِهِ، ومِن قَبْلِهِ، والمَعْنى: لِيُنْذِرَ الكافِرِينَ، ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏؛ أيْ: بِأنَّ لَهم ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وهو الجَنَّةُ. ﴿ماكِثِينَ﴾؛ (p-١٠٤)أيْ: مُقِيمِينَ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ. ﴿وَيُنْذِرَ﴾ بِعَذابِ اللَّهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ وهُمُ اليَهُودُ حِينَ قالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، والنَّصارى حِينَ قالُوا: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، والمُشْرِكُونَ حِينَ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏؛ أيْ: بِذَلِكَ القَوْلِ ‏‏ ‏‏‏؛ لِأنَّهم قالُوا: افْتَرى عَلى اللَّهِ، ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ الَّذِينَ قالُوا ذَلِكَ، ﴿كَبُرَتْ﴾؛ أيْ: عَظُمَتْ ﴿كَلِمَةً﴾ الجُمْهُورِ عَلى النَّصْبِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو رَجاءٍ، ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( كَلِمَةٌ ) بِالرَّفْعِ. قالَ الفَرّاءُ مَن نَصَبَ أضْمَرَ: كَبُرَتْ تِلْكَ الكَلِمَةُ كَلِمَةً، ومِن رَفَعَ لَمْ يُضْمِرْ شَيْئًا، كَما تَقُولُ: عَظُمَ قَوْلُكَ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَن نَصَبَ فالمَعْنى: كَبُرَتْ مَقالَتُهُمْ: اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا كَلِمَةً، و " كَلِمَةً " مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ. ومَن رَفَعَ فالمَعْنى: عَظُمَتْ كَلِمَةً هي قَوْلُهُمْ: اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: إنَّها قَوْلٌ بِالفَمِ لا صِحَّةَ لَها، ولا دَلِيلَ عَلَيْها، ‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: ما يَقُولُونَ ‏‏ ‏‏‏‏ . ثُمَّ عاتَبَهُ عَلى حُزْنِهِ لِفَوْتِ ما كانَ يَرْجُو مِن إسْلامِهِمْ، فَقالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وقَتادَةُ: ( باخِعٌ نَفْسِكَ ) بِكَسْرِ السِّينِ عَلى الإضافَةِ. قالَ المُفَسِّرُونَ واللُّغَوِيُّونَ: فَلَعَلَّكَ مُهْلِكٌ نَفْسَكَ، وقاتَلٌ نَفْسَكَ، وأنْشَدَأبُو عُبَيْدَةَ لِذِي الرُّمَّةِ:

؎ ألا أيُّهَذا الباخِعُ الوَجْدُ نَفْسَهُ لِشَيْءٍ نَحَتْهُ عَنْ يَدَيْهِ المَقادِرُ

أيْ: نَحَّتْهُ (p-١٠٥)

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: " فَلَعَلَّكَ " والغالِبُ عَلَيْها الشَّكُ، واللَّهُ عالِمٌ بِالأشْياءِ قَبْلَ كَوْنِها ؟

فالجَوابُ: أنَّها لَيْسَتْ بِشَكٍّ، إنَّما هي مُقَدَّرَةٌ تَقْدِيرَ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي يَعْنِي بِهِ التَّقْرِيرُ، فالمَعْنى: هَلْ أنْتَ قاتِلٌ نَفْسَكَ ؟ لا يَنْبَغِي أنْ يَطُولَ أساكَ عَلى إعْراضِهِمْ، فَإنَّ مَن حَكَمْنا عَلَيْهِ بِالشِّقْوَةِ لا تُجْدِي عَلَيْهِ الحَسْرَةُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏ ‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: مِن بَعْدِ تَوَلِّيهِمْ عَنْكَ، ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ يَعْنِي: القُرْآَنَ، ﴿أسَفًا﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: حَزَنًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ قُتَيْبَةَ. والثّانِي: جَزَعًا، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: غَضَبًا، قالَهُ قَتادَةُ. والرّابِعُ: نَدَمًا، قالَهُ السُّدِّيُّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: نَدَمًا وتَلَهُّفًا وأسًى. قالَ الزَّجّاجُ: الأسَفُ: المُبالَغَةُ في الحُزْنِ أوِ الغَضَبِ، يُقالُ: قَدْ أسِفَ الرَّجُلُ فَهو أسِيفٌ، قالَ الشّاعِرُ:

؎ أرى رَجُلًا مِنهم أسَيْفًا كَأنَّما ∗∗∗ يَضُمُّ إلى كَشْحَيْهِ كَفًّا مُخَضَّبًا

وَهَذِهِ الآَيَةُ يُشِيرُ بِها إلى نَهْيِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَنْ كَثْرَةِ الحِرْصِ عَلى إيمانِ قَوْمِهِ؛ لِئَلّا يُؤَدِّيَ ذَلِكَ إلى هَلاكِ نَفْسِهِ بِالأسَفِ.

The same ayah, in another commentary

Al-Kahf 18:1