All commentaries

روح المعاني

Al-Ālūsī

شهاب الدين الآلوسي (ت ١٢٧٠ هـ)

Gathers the whole tradition on a verse, then closes with its spiritual reading.

Al-Kahf 18:1 Juzʾ 15 Page 293

‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏

[All] praise is [due] to Allah, who has sent down upon His Servant the Book and has not made therein any deviance.

Read in the muṣḥaf

سُورَةُ الكَهْفِ 18

ويُقالُ: سُورَةُ أصْحابِ الكَهْفِ كَما في حَدِيثٍ أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، ورَوى البَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا أنَّها تُدْعى في التَّوْراةِ الحائِلَةَ تَحُولُ بَيْنَ قارِئِها وبَيْنَ النّارِ إلّا أنَّهُ قالَ: إنَّهُ مُنْكَرٌ وهي مَكِّيَّةٌ كُلُّها في المَشْهُورِ واخْتارَهُ الدّابِّيُّ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وعَدَّها بَعْضُهم مِنَ السُّوَرِ الَّتِي نَزَلَتْ جُمْلَةً لِما أخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «نَزَلَتْ سُورَةُ الكَهْفِ جُمْلَةً مَعَها سَبْعُونَ ألْفًا مِنَ المَلائِكَةِ».

وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ الآيَةَ فَمَدَنِيٌّ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ، وقالَ مُقاتِلٌ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا أوَّلَها إلى ﴿جُرُزًا﴾ وقَوْلَهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إلى آخِرِها فَمَدَنِيٌّ، وهي مِائَةٌ وإحْدى عَشْرَةَ آيَةً عِنْدَ البَصْرِيِّينَ ومِائَةٌ وعَشَرَةٌ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، ومِائَةٌ وسِتٌّ عِنْدَ الشّامِيِّينَ، ومِائَةٌ وخَمْسٌ عِنْدَ الحِجازِيِّينَ، ووَجْهُ مُناسَبَةِ وضْعِها بَعْدَ الإسْراءِ عَلى ما قِيلَ افْتِتاحُ تِلْكَ بِالتَّسْبِيحِ وهَذِهِ بِالتَّحْمِيدِ، وهُما مُقْتَرِنانِ في المِيزانِ وسائِرِ الكَلامِ نَحْوَ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ فَسُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، وأيْضًا تَشابُهُ اخْتِتامِ تِلْكَ وافْتِتاحِ هَذِهِ، فَإنَّ في كُلٍّ مِنهُما حَمْدًا، نَعَمْ فُرِّقَ بَيْنَهُما بِأنَّ الحَمْدَ الأوَّلَ ظاهِرٌ في الحَمْدِ الذّاتِيِّ والحَمْدَ المُفْتَتَحَ بِهِ في هَذِهِ يَدُلُّ عَلى الِاسْتِحْقاقِ الغَيْرِ الذّاتِيِّ، وقالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في ذَلِكَ: إنَّ اليَهُودَ أمَرُوا المُشْرِكِينَ أنْ يَسْألُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ثَلاثَةِ أشْياءَ: عَنِ الرُّوحِ وعَنْ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ وعَنْ قِصَّةِ ذِي القَرْنَيْنِ، وقَدْ ذُكِرَ جَوابُ السُّؤالِ الأوَّلِ في آخِرِ السُّورَةِ الأُولى وجَوابُ السُّؤالَيْنِ الآخَرَيْنِ في هَذِهِ فَناسَبَ اتِّصالُهُما، ولَمْ تُجْمَعِ الأجْوِبَةُ الثَّلاثَةُ في سُورَةٍ لِأنَّهُ لَمْ يَقَعِ الجَوابُ عَنِ الأوَّلِ بِالبَيانِ فَناسَبَ أنْ يُذْكَرَ وحْدَهُ في سُورَةٍ، واخْتِيرَتْ سُورَةُ الإسْراءِ لِما بَيْنَ الرُّوحِ وبَيْنَ الإسْراءِ مِنَ المُشارَكَةِ بِأنَّ كُلًّا مِنهُما مِمّا لا يَكادُ تَصِلُ إلى حَقِيقَتِهِ العُقُولُ، وقِيلَ: إنَّما ذُكِرَ هُناكَ لَمّا أنَّ الإسْراءَ مُتَضَمِّنٌ العُرُوجَ إلى المَحَلِّ الأرْفَعِ، والرُّوحُ مُتَّصِفَةٌ بِالهُبُوطِ مِن ذَلِكَ المَحَلِّ، ولِذا قالَ ابْنُ سِينا فِيها:

هَبَطَتْ إلَيْكَ مِنَ المَحَلِّ الأرْفَعِ ورْقاءَ ذاتَ تَعَزُّزٍ وتَمَنُّعِ
ثُمَّ قالَ: ظَهَرَ لِي وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ في تِلْكَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ والخِطابُ لِلْيَهُودِ اسْتَظْهَرَ عَلى ذَلِكَ بِقِصَّةِ مُوسى نَبِيِّ بَنِي إسْرائِيلَ مَعَ الخَضِرِ عَلَيْهِما السَّلامُ الَّتِي كانَ سَبَبُها ذِكْرَ العِلْمِ والأعْلَمِ وما دَلَّتْ عَلَيْهِ مِن كَثْرَةِ مَعْلُوماتِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي لا تُحْصى، فَكانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ كَإقامَةِ الدَّلِيلِ لِما ذُكِرَ مِنَ الحُكْمِ في تِلْكَ السُّورَةِ.

وقَدْ ورَدَ في الحَدِيثِ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ قالَتِ اليَهُودُ: قَدْ أُوتِينا التَّوْراةَ فِيها عِلْمُ كُلِّ شَيْءٍ فَنَزَلَ: ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ الآيَةَ. فَتَكُونُ هَذِهِ السُّورَةُ مِن هَذِهِ الجِهَةِ جَوابًا عَنْ شُبْهَةِ الخُصُومِ فِيما قُرِّرَ في تِلْكَ، وأيْضًا لَمّا قالَ سُبْحانَهُ هُناكَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ شَرَحَ ذَلِكَ هُنا وبَسَطَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ اه، ولِلْمُناسَبَةِ أوْجُهٌ أُخَرُ تَظْهَرُ بِأدْنى تَأمُّلٍ، وأمّا فَضْلُها فَمَشْهُورٌ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «مَن قَرَأ سُورَةَ الكَهْفِ في يَوْمِ الجُمْعَةِ سَطَعَ لَهُ نُورٌ مِن تَحْتِ
صفحة 200
قَدَمِهِ إلى عَنانِ السَّماءِ يُضِيءُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وغُفِرَ لَهُ ما بَيْنَ الجُمْعَتَيْنِ».

ورَوى غَيْرُ واحِدٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: «مَن قَرَأ سُورَةَ الكَهْفِ في يَوْمِ الجُمْعَةِ أضاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ البَيْتِ العَتِيقِ».

وكانَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كَما أخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أُمِّ مُوسى يَقْرَؤُها كُلَّ لَيْلَةٍ.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ مَرْفُوعًا: «البَيْتُ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الكَهْفِ لا يَدْخُلُهُ شَيْطانٌ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وإلى سُنِّيَّةِ قِراءَتِها يَوْمَ الجُمْعَةِ وكَذا لَيْلَتَها ذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الأئِمَّةِ وقالُوا بِنَدْبِ تَكْرارِ قِراءَتِها».

وأخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ حِبّانَ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ««مَن حَفِظَ عَشْرَ آياتٍ مِن أوَّلِ سُورَةِ الكَهْفِ عُصِمَ مِن فِتْنَةِ الدَّجّالِ»».

وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ رَواها أحْمَدُ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ وابْنُ حِبّانَ أيْضًا قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن قَرَأ العَشْرَ الأواخِرَ مِن سُورَةِ الكَهْفِ عُصِمَ مِن فِتْنَةِ الدَّجّالِ»».

وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا: ««أنَّ مَن قَرَأ ثَلاثَ آياتٍ مِن أوَّلِ الكَهْفِ عُصِمَ»». إلَخْ.

وجاءَ في حَدِيثٍ أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها مَرْفُوعًا: ««أنَّ مَن قَرَأ الخَمْسَ الأواخِرَ مِنها عِنْدَ نَوْمِهِ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى أيَّ اللَّيْلِ شاءَ».» وقَدْ جَرَّبْتُ ذَلِكَ مِرارًا فَلْيُحْفَظْ. واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.

‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ مُحَمَّدٍ ﷺ ‏‏‏‏‏ الكامِلَ الغَنِيَّ عَنِ الوَصْفِ بِالكَمالِ المَعْرُوفِ بِذَلِكَ مِن بَيْنِ سائِرِ الكُتُبِ، الحَقِيقَ بِاخْتِصاصِ اسْمِ الكِتابِ بِهِ، وهو إمّا عِبارَةٌ عَنْ جَمِيعِ القُرْآنِ فَفِيهِ تَغْلِيبُ المَوْجُودِ عَلى المُتَرَقَّبِ، وإمّا عِبارَةٌ عَنِ الجَمِيعِ المُنَزَّلِ حِينَئِذٍ فالأمْرُ ظاهِرٌ. وفي وصْفِهِ تَعالى بِالمَوْصُولِ إشْعارٌ بِعِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لِاسْتِحْقاقِ الحَمْدِ الدّالِّ عَلَيْهِ اللّامُ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ ابْنُ هِشامٍ وغَيْرُهُ، وإيذانٌ بِعِظَمِ شَأْنِ التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ كَيْفَ لا وهو الهادِي إلى الكَمالِ المُمْكِنِ في جانِبَيِ العِلْمِ والعَمَلِ وفي التَّعْبِيرِ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ بِالعَبْدِ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ تَعالى مِنَ الإشارَةِ إلى تَعْظِيمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكَذا تَعْظِيمُ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ ما فِيهِ، وفِيهِ أيْضًا إشْعارٌ بِأنَّ شَأْنَ الرَّسُولِ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلْمُرْسَلِ لا كَما زَعَمَتِ النَّصارى في حَقِّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَأْخِيرُ المَفْعُولِ الصَّرِيحِ عَنِ الجارِّ والمَجْرُورِ مَعَ أنَّ حَقَّهُ التَّقْدِيمُ عَلَيْهِ لِيَتَّصِلَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ أيْ لِلْكِتابِ ‏‏‏‏ أيْ شَيْئًا مِنَ العِوَجِ بِاخْتِلالِ اللَّفْظِ مِن جِهَةِ الإعْرابِ ومُخالَفَةِ الفَصاحَةِ وتَناقُضِ المَعْنى وكَوْنِهِ مُشْتَمِلًا عَلى ما لَيْسَ بِحَقٍّ أوْ داعِيًا لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى، والعِوَجُ وكَذا العَوَجُ الِانْحِرافُ والمَيْلُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ إلّا أنَّهُ قِيلَ: هو بِكَسْرِ العَيْنِ ما يُدْرَكُ بِفَتْحِ العَيْنِ، وبِفَتْحِ العَيْنِ ما يُدْرَكُ بِفَتْحِ العَيْنِ، فالأوَّلُ الِانْحِرافُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ المَعْنَوِيَّةِ الَّتِي تُدْرَكُ بِالبَصِيرَةِ كَعِوَجِ الدِّينِ والكَلامِ، والثّانِي الِانْحِرافُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ الحِسِّيَّةِ الَّتِي تُدْرَكُ بِالبَصَرِ كَعِوَجِ الحائِطِ والعُودِ، أوْرَدَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى في شَأْنِ الأرْضِ: ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ فَإنَّ الأرْضَ مَحْسُوسَةٌ واعْوِجاجُها وكَذا اسْتِقامَتُها مِمّا يُدْرَكُ بِالبَصَرِ، فَكانَ يَنْبَغِي عَلى ما ذُكِرَ فَتْحُ العَيْنِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَمّا أُرِيدَ بِهِ هُنا ما خَفِيَ مِنَ الِاعْوِجاجِ حَتّى احْتاجَ إثْباتُهُ إلى المَقايِيسِ الهَنْدَسِيَّةِ المُحْتاجَةِ إلى إعْمالِ البَصِيرَةِ الحَقِّ بِما هو عَقْلِيٌّ صِرْفٌ فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِذَلِكَ وتُعُقِّبَ بِأنَّ «لا تَرى» ظاهِرٌ في أنَّ المَنفِيَّ ما يُدْرَكُ بِالبَصَرِ فَيَحْتاجُ إلى أنْ يُرادَ بِهِ الإدْراكُ، وعَنِ ابْنِ السِّكِّيتِ أنَّ المَكْسُورَ أعَمُّ مِنَ المَفْتُوحِ.

صفحة 201
واخْتارَ المَرْزُوقِيُّ في شَرْحِ الفَصِيحِ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَهُما

The same ayah, in another commentary

Al-Kahf 18:1