All commentaries

زاد المسير

Ibn al-Jawzī

ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ)

Every opinion held on a verse, listed briefly and numbered, then on to the next.

An-Nabaʾ 78:1 Juzʾ 30 Page 582

‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏

About what are they asking one another?

Read in the muṣḥaf

(p-٣)سُورَةُ النَّبَإ

وَيُقالُ لَها: سُورَةُ التَّساؤُلِ

وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ أصْلُهُ " عَنْ ما " فَأُدْغِمَتِ النُّونُ في المِيمِ، وحُذِفَتْ ألِفُ " ما " كَقَوْلِهِمْ: فِيمَ، وبِمَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَعَلَ المُشْرِكُونَ يَتَساءَلُونَ بَيْنَهُمْ، فَيَقُولُونَ: ما الَّذِي أتى بِهِ؟ ويَتَجادَلُونَ، ويَخْتَصِمُونَ فِيما بُعِثَ بِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. واللَّفْظُ لَفْظُ اسْتِفْهامٍ، والمَعْنى: تَفْخِيمُ القِصَّةِ، كَما يَقُولُونَ: أيُّ شَيْءٍ زَيْدٌ؟ إذا أرَدْتَ تَعْظِيمَ شَأْنِهِ. ثُمَّ بَيَّنَ ما الَّذِي يَتَساءَلُونَ عَنْهُ، فَقالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ يَعْنِي: عَنِ الخَبَرِ العَظِيمِ الشَّأْنِ. وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: القُرْآنُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ. قالَ الفَرّاءُ: فَلَمّا أجابَ صارَتْ " عَمَّ " كَأنَّها في مَعْنى: لِأيِّ شَيْءٍ يَتَساءَلُونَ عَنِ القُرْآنِ.

والثّانِي: البَعْثُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ أمْرُ النَّبِيِّ ﷺ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مَن قالَ: إنَّهُ القُرْآنُ، فَإنَّ المُشْرِكِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: هو سِحْرٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو شِعْرٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: (p-٥)أساطِيرُ الأوَّلِينَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ. وكَذَلِكَ مَن قالَ: هو أمْرُ النَّبِيِّ ﷺ، فَأمّا مَن قالَ: إنَّهُ البَعْثُ والقِيامَةُ، فَفي اخْتِلافِهِمْ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَمّا سَمِعُوا بِهِ، فَمِنهم مَن صَدَّقَ وآمَنَ، ومِنهم مَن كَذَّبَ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَصَدَّقَ بِهِ المُسْلِمُونَ، وكَذَّبَ بِهِ المُشْرِكُونَ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا﴾ قالَ بَعْضُهُمْ: هي رَدْعٌ وزَجْرٌ. وقالَ بَعْضُهُمْ: هي نَفْيٌ لِاخْتِلافِهِمْ، والمَعْنى: لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما قالُوا ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ عاقِبَةَ تَكْذِيبِهِمْ حِينَ يَنْكَشِفُ الأمْرُ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وعِيدٌ عَلى إثْرِ وعِيدٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " سَتَعْلَمُونَ " في الحَرْفَيْنِ بِالتّاءِ. ثُمَّ ذَكَرَ صُنْعَهُ لِيَعْرِفُوا تَوْحِيدَهُ، فَقالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: فِراشًا وبِساطًا ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ لِلْأرْضِ لِئَلّا تَمِيدَ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: أصْنافًا، وأضْدادًا، ذُكُورًا، وإناثًا، سُودًا، وبِيضًا، وحُمْرًا. ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: راحَةٌ لِأبْدانِكم. وقَدْ شَرَحْنا هَذا في [الفُرْقانِ: ٤٧] وشَرَحْنا هُناكَ قَوْلَهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ .

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: سَبَبًا لِمَعاشِكم. والمَعاشُ: العَيْشُ، وكُلُّ شَيْءٍ يُعاشُ بِهِ، فَهو مَعاشٌ. والمَعْنى: جَعَلْنا النَّهارَ مَطْلَبًا لِلْمَعاشِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعاشًا، أيْ: عَيْشًا، وهو مَصْدَرٌ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ قالَ مُقاتِلٌ: هي السَّمَواتُ، غِلْظُ كُلِّ سَماءٍ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وبَيْنَ كُلِّ سَماءَيْنِ مِثْلُ ذَلِكَ، وهي فَوْقَكم يا بَنِي آدَمَ. فاحْذَرُوا أنْ تَعْصُوا فَتَخِرَّ عَلَيْكم.

(p-٦)قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ يَعْنِي: الشَّمْسَ ﴿وَهّاجًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو المُضِيءُ. وقالَ اللُّغَوِيُّونَ: الوَهّاجُ: الوَقّادُ. وقِيلَ: الوَهّاجُ يَجْمَعُ النُّورَ والحَرارَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها السَّمَواتُ، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: أنَّها الرِّياحُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: هي الجَنُوبَ. فَعَلى هَذا القَوْلِ تَكُونُ " مِن " بِمَعْنى " الباءِ " فَتَقْدِيرُهُ: بِالمُعْصِراتِ. وإنَّما قِيلَ لِلرِّياحِ: مُعْصِراتٌ، لِأنَّها تَسْتَدِرُّ المَطَرَ.

والثّالِثُ: أنَّها السَّحابُ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ أبُو العالِيَةِ. والضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ. قالَ الفَرّاءُ: السَّحابَةُ المُعْصِرُ: الَّتِي تَتَحَلَّبُ بِالمَطَرِ ولَمّا يَجْتَمِعْ، مِثْلُ الجارِيَةِ المُعْصِرِ، قَدْ كادَتْ تَحِيضُ، ولَمّا تَحِضْ. وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: شُبِّهَتِ السَّحابُ بِمَعاصِيرِ الجَوارِي، والمُعْصِرُ: الجارِيَةُ الَّتِي قَدْ دَنَتْ مِنَ الحَيْضِ. وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّما قِيلَ لِلسَّحابِ: مُعْصِراتٌ، كَما قِيلَ: أجَزَّ الزَّرْعُ، فَهو مُجَزٌّ، أيْ: صارَ إلى أنْ يُجَزَّ، فَكَذَلِكَ السَّحابُ إذا صارَ إلى أنْ يُمْطِرَ، فَقَدْ أعْصَرَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ قالَ مُقاتِلٌ: أيْ: مَطَرًا كَثِيرًا مُنْصَبًّا يَتْبَعُ بَعْضُهُ بَعْضًا. وقالَ غَيْرُهُ: يُقالُ: ثَجَّ الماءُ يَثُجُّ: إذا انْصَبَّ ‏‏‏‏ ‏‏‏ أيْ: بِذَلِكَ الماءِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ الحَبَّ: ما يَأْكُلُهُ النّاسُ، والنَّباتَ: ما تُنْبِتُهُ الأرْضُ مِمّا يَأْكُلُ (p-٧)النّاسُ والأنْعامُ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ ما حُصِدَ حَبٌّ، وكُلُّ ما أكَلَتْهُ الماشِيَةُ مِنَ الكَلَإ، فَهو نَباتٌ.

والثّانِي: أنَّ الحَبَّ: اللُّؤْلُؤُ، والنَّباتُ: العُشْبُ. قالَ عِكْرِمَةُ: ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ قَطْرًا، إلّا أنْبَتَ بِهِ في البَحْرِ لُؤْلُؤًا، وفي الأرْضِ عُشْبًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَنّاتٍ﴾ يَعْنِي: بَساتِينَ ﴿ألْفافًا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: مُلْتَفَّةٌ مِنَ الشَّجَرِ لَيْسَ بَيْنَها خِلالٌ، الواحِدَةُ: لَفّاءٌ، وجَنّاتٌ لُفٌّ، وجَمْعُ الجَمْعِ: ألْفافٌ. قالَ المُفَسِّرُونَ: فَدَلَّ بِذِكْرِ المَخْلُوقاتِ عَلى البَعْثِ. ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ فَقالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: يَوْمَ القَضاءِ بَيْنَ الخَلائِقِ ‏‏ ‏‏‏‏‏ لِما وعَدَ اللَّهُ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ. ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مِن قُبُورِكم ﴿أفْواجًا﴾ أيْ: زُمَرًا زُمَرًا مِن كُلِّ مَكانٍ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ " وفُتِّحَتْ " بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالتَّخْفِيفِ، وإنَّما تُفْتَحُ لِنُزُولِ المَلائِكَةِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: ذاتُ أبْوابٍ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ عَنْ أماكِنِها ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: كالسَّرابِ، لِأنَّها تَصِيرُ هَباءً مُنْبَثًّا فَيَراها النّاظِرُ كالسَّرابِ بَعْدَ شِدَّتِها وصَلابَتِها ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ قالَ المُبَرِّدُ: مِرْصادًا يَرْصُدُونَ بِهِ، أيْ: هو مُعَدٌّ لَهم يَرْصُدُ بِها خَزَنَتُها الكُفّارَ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: المِرْصادُ: المَكانُ الَّذِي يَرْصُدُ فِيهِ الرّاصِدُ العَدُوَّ. ثُمَّ بَيَّنَ لِمَن هي مِرْصادٌ فَقالَ تَعالى: ﴿لِلطّاغِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِلْمُشْرِكِينَ ﴿مَآبًا﴾ أيْ: مَرْجِعًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لابِثِينَ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ " لَبِثِينَ " والمَعْنى: فِيهِما واحِدٌ. يُقالُ: هو لابِثٌ بِالمَكانِ، ولَبِثٌ. ومِثْلُهُ طامِعٌ، وطَمِعٌ، وفارِهٌ، وفَرِهٌ. وأمّا الأحْقابُ فَجَمْعَ حِقْبٍ، وقَدْ ذَكَرْنا الِاخْتِلافَ فِيهِ في [الكَهْفِ: ٦٠] .

(p-٨)فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى ذِكْرِ الأحْقابِ، وخُلُودُهم في النّارِ لا نَفادَ لَهُ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ.

أحَدُهُما: أنَّ هَذا لا يَدُلُّ عَلى غايَةٍ، لِأنَّهُ كُلَّما مَضى حِقْبٌ تَبِعَهُ حِقْبٌ. ولَوْ أنَّهُ قالَ " لابِثِينَ فِيها عَشْرَةَ أحْقابٍ أوْ خَمْسَةً " دَلَّ عَلى غايَةٍ، هَذا قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ، والجُمْهُورِ. وبَيانُهُ أنَّ زَمانَ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ يُتَصَوَّرُ دُخُولُهُ تَحْتَ العَدَدِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَها نِهايَةٌ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: أنَّهم يَلْبَثُونَ فِيها أحْقابًا ‏ ‏‏‏‏‏‏ في الأحْقابِ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ فَأمّا خُلُودُهم في النّارِ فَدائِمٌ. هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. وبَيانُهُ أنَّ الأحْقابَ حَدٌّ لِعَذابِهِمْ بِالحَمِيمِ والغَسّاقِ، فَإذا انْقَضَتِ الأحْقابُ عُذِّبُوا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العَذابِ. وفي المُرادِ " بِالبَرْدِ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ بَرْدُ الشَّرابِ. رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدَ الشَّرابِ، ولا الشَّرابَ.

والثّانِي: أنَّهُ الرُّوحُ والرّاحَةُ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ النَّوْمُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، وأنْشَدُوا:

؎ فَإنْ شِئْتُ حَرَّمْتُ النِّساءَ سِواكُمُ وإنْ شِئْتُ لَمْ أطْعَمْ نُقاخًا ولا بَرْدًا

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: النُّقاخُ: الماءُ، والبَرْدُ: النَّوْمُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ تَبْرُدُ فِيهِ الحَرارَةُ. (p-٩)وَقالَ مُقاتِلٌ: لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا يَنْفَعُهم مِن حَرِّها، ولا شَرابًا يَنْفَعُهم مِن عَطَشٍ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ " غَساقًا " بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالتَّشْدِيدِ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الحَمِيمِ، والغَسّاقِ [ص: ٥٧] ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ قالَ الفَرّاءُ: وِفْقًا لِأعْمالِهِمْ. وقالَ غَيْرُهُ: جُوزُوا جَزاءً وِفاقًا لِأعْمالِهِمْ عَلى مِقْدارِها فَلا ذَنْبَ أعْظَمُ مِنَ الشِّرْكِ، ولا عَذابَ أعْظَمُ مِنَ النّارِ.

‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لا يَخافُونَ أنْ يُحاسَبُوا، لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: لا يَرْجُونَ ثَوابَ حِسابٍ، لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ قالَ الفَرّاءُ: الكِذّابُ بِالتَّشْدِيدِ لُغَةٌ يَمانِيَّةٌ فَصِيحَةٌ، يَقُولُونَ: كَذَّبْتُ بِهِ كِذّابًا، وخَرَقْتُ القَمِيصَ خِرّاقًا، وكُّلُّ " فَعَلْتُ " فَمَصْدَرُهُ في لُغَتِهِمْ مُشَدَّدٌ. قالَ لِي أعْرابِيٌّ مِنهم عَلى المَرْوَةِ يَسْتَفْتِينِي: الحَلْقُ أحَبُّ إلَيْكَ، أمِ القِصّارُ؟ وأنْشَدَنِي بَعْضُ بَنِي كِلابٍ:

؎ لَقَدْ طالَ ما ثَبَّطَتْنِي عَنْ صَحابَتِي ∗∗∗ وعَنْ حِوَجٍ قِضّاؤُها مِن شِفائِيا

وَأمّا أهْلُ نَجْدٍ، فَيَقُولُونَ: كَذَّبْتُ بِهِ تَكْذِيبًا. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الكِذّابُ أشَدُّ مِنَ الكِذابِ، وهُما مَصْدَرُ المُكاذَبَةِ. قالَ الأعْشى:(p-١٠)

؎ فَصَدَقْتُها وكَذَبْتُها ∗∗∗ والمَرْءُ يَنْفَعُهُ كِذابُهْ

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ قالَ الزَّجّاجُ: " كُلَّ " مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَفْسِيرُهُ: أحْصَيْناهُ، والمَعْنى: أحْصَيْنا كُلَّ شَيْءٍ، و ﴿كِتابًا﴾ تَوْكِيدٌ ِلـِ " أحْصَيْناهُ "، لِأنَّ مَعْنى " أحْصَيْناهُ " و " كَتَبْناهُ " فِيما يَحْصُلُ ويَثْبُتُ واحِدٌ. فالمَعْنى: كَتَبْناهُ كِتابًا. قالَ المُفَسِّرُونَ: وكُلُّ شَيْءٍ مِنَ الأعْمالِ أثْبَتْناهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ ﴿فَذُوقُوا﴾ أيْ: فَيُقالُ لَهُمْ: ذُوقُوا جَزاءَ فِعالِكم ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ الَّذِينَ لَمْ يُشْرِكُوا ﴿مَفازًا﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مُتَنَزَّهًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: فازُوا بِأنْ نَجَوْا مِنَ النّارِ بِالجَنَّةِ، ومِنَ العَذابِ بِالرَّحْمَةِ، قالَهُ قَتادَةُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " مَفازًا " في مَوْضِعِ " فَوْزٍ " ﴿حَدائِقَ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الحَدائِقُ: بَساتِينُ نَخْلٍ، واحِدُها: حَدِيقَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَواعِبَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الكَواعِبُ: النَّواهِدُ. قالَ ابْنُ فارِسٍ: يُقالُ: كَعَبَتِ المَرْأةُ كَعابَةً، فَهي كاعِبٌ: إذا نَتَأ ثَدْيُها. وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى " الأتْرابِ " في [ص: ٥٢] .

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها المَلْأى، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.

(p-١١)والثّانِي: أنَّها المُتَتابِعَةُ. رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ. وعَنْ مُجاهِدٍ كالقَوْلَيْنِ.

والثّالِثُ: أنَّها الصّافِيَةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: في الجَنَّةِ إذا شَرِبُوها ﴿لَغْوًا﴾ وقَدْ ذَكَرْناهُ في [الطَّوْرِ: ٢٣] وغَيْرِها ‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: لا يُكَذِّبُ بَعْضُهم بَعْضًا، لِأنَّ أهْلَ الدُّنْيا إذا شَرِبُوا الخَمْرَ تَكَلَّمُوا بِالباطِلِ، وأهْلُ الجَنَّةِ مُنَزَّهُونَ عَنْ ذَلِكَ.

قالَ الفَرّاءُ: وقِراءَةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " كِذابًا " بِالتَّخْفِيفِ، كَأنَّهُ -واللَّهُ أعْلَمُ- لا يَتَكاذَبُونَ فِيها. وكانَ الكِسائِيُّ يُخَفِّفُ هَذِهِ ويُشَدِّدُ، " وكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا " لِأنَّ " كَذَّبُوا " يُقَيِّدُ " الكِذّابَ " بِالمَصْدَرِ، وهَذِهِ لَيْسَتْ مُقَيَّدَةً بِفِعْلٍ يُصَيِّرُها مَصْدَرًا. وقَدْ ذَكَرْنا عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ الكِذّابَ بِالتَّشْدِيدِ والتَّخْفِيفِ مَصْدَرُ المُكاذَبَةِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: " الكِذابُ " بِالتَّخْفِيفِ مَصْدَرُ " كَذَبَ "، مِثْلُ " الكِتابِ " مَصْدَرُ " كَتَبَ " .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَزاءً﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: جازاهم بِذَلِكَ جَزاءً، وكَذَلِكَ " عَطاءً "، لِأنَّ مَعْنًى أعْطاهم وجازاهم واحِدٌ. و ﴿حِسابًا﴾ مَعْناهُ: ما يَكْفِيهِمْ، أيْ: فِيهِ كُلُّ ما يَشْتَهُونَ. يُقالُ: أحْسَبَنِي كَذا بِمَعْنى كَفانِي. ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والمُفَضَّلُ: " رَبُّ السَّمَواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما الرَّحْمَنُ " بِرَفْعِ الباءِ مِن " رَبِّ " والنُّونِ مِنَ " الرَّحْمَنِ " عَلى مَعْنى: هو رَبُّ السَّمَواتِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ بِخَفْضِ الباءِ والنُّونِ عَلى الصِّفَةِ مِن " رَبِّكَ " . وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِكَسْرِ الباءِ ورَفْعِ النُّونِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ الفَرّاءُ، ووافَقَهُ عَلى هَذا جَماعَةٌ، وعَلَّلُوا بِأنَّ الرَّبَّ قَرِيبٌ مِنَ المَخْفُوضِ، والرَّحْمَنَ بَعِيدٌ مِنهُ.

(p-١٢)قَوْلُهُ تَعالى: ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إلّا بِإذْنِهِ قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والثّانِي: لا يَقْدِرُ الخَلْقُ أنْ يُكَلِّمُوا الرَّبَّ إلّا بِإذْنِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ جُنْدٌ مِن جُنْدِ اللَّهِ تَعالى، ولَيْسُوا بِمَلائِكَةٍ، رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقالَ مُجاهِدٌ: هم خَلْقٌ عَلى صُورَةِ بَنِي آدَمَ يَأْكُلُونَ ويَشْرَبُونَ.

والثّانِي: أنَّهُ مَلَكٌ أعْظَمُ مِنَ السَّمَواتِ والجِبالِ، والمَلائِكَةِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ. ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الرُّوحُ: مَلَكٌ ما خَلَقَ اللَّهُ أعْظَمَ مِنهُ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ قامَ هو وحْدَهُ صَفًّا، وقامَتِ المَلائِكَةُ كُلُّهم صَفًّا واحِدًا، فَيَكُونُ عِظَمُ خَلْقِهِ مِثْلَ صُفُوفِهِمْ.

والثّالِثُ: أنَّها أرْواحُ النّاسِ تَقُومُ مَعَ المَلائِكَةِ فِيما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ قَبْلَ أنْ تُرَدَّ إلى الأجْسامِ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَهُ الشَّعْبِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ.

(p-١٣)والخامِسُ: أنَّهم بَنُو آدَمَ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

والسّادِسُ: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

والسّابِعُ: أنَّهم أشْرَفُ المَلائِكَةِ، قالَهُ َمُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ قالَ الشَّعْبِيُّ: هُما سِماطانِ، سِماطٌ مِنَ الرُّوحِ، وسِماطٌ مِنَ المَلائِكَةِ. فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ صَفًّا، والمَلائِكَةُ صَفًّا. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿صَفًّا﴾ صُفُوفًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏ ‏‏‏‏‏‏ يَعْنِي: الخَلْقَ كُلَّهم ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ في الكَلامِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: قالَ في الدُّنْيا صَوابًا، وهو الشَّهادَةُ بِالتَّوْحِيدِ عِنْدَ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ. وقالَ مُجاهِدٌ: قالَ حَقًّا في الدُّنْيا، وعَمِلَ بِهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ الكائِنُ الواقِعُ بِلا شَكٍّ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: مَرْجِعًا إلَيْهِ بِطاعَتِهِ. ثُمَّ خَوَّفَ كُفّارَ مَكَّةَ، فَقالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وهو عَذابُ الآخِرَةِ، وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: يَرى عَمَلَهُ مُثْبَتًا في صَحِيفَتِهِ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا ﴿وَيَقُولُ الكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾ يا لَيْتَنِي لَمْ أُبْعَثْ. وحَكى الثَّعْلَبِيُّ عَنْ بَعْضِ أشْياخِهِ أنَّهُ رَأى في بَعْضِ التَّفاسِيرِ أنَّ الكافِرَ هاهُنا: إبْلِيسُ، وذَلِكَ أنَّهُ عابَ آدَمَ، لِأنَّهُ خُلِقَ مِنَ التُّرابِ، فَتَمَنّى يَوْمَ القِيامَةِ أنَّهُ كانَ بِمَكانِ آدَمَ، فَقالَ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا.

The same ayah, in another commentary

An-Nabaʾ 78:1