All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Al-Fatḥ 48:19 Juzʾ 26 Page 513

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

And much war booty which they will take. And ever is Allah Exalted in Might and Wise.

Read in the muṣḥaf

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ بَيَّنَ مَن يَجُوزُ لَهُ التَّخَلُّفُ وتَرْكُ الجِهادِ، وما بِسَبَبِهِ يَجُوزُ تَرْكُ الجِهادِ وهو ما يَمْنَعُ مِنَ الكَرِّ والفَرِّ، وبَيَّنَ ذَلِكَ بِبَيانِ ثَلاثَةِ أصْنافٍ: الأوَّلُ: (الأعْمى) فَإنَّهُ لا يُمْكِنُهُ الإقْدامُ عَلى العَدُوِّ والطَّلَبِ، ولا يُمْكِنُهُ الِاحْتِرازُ والهَرَبُ، والأعْرَجُ كَذَلِكَ، والمَرِيضُ كَذَلِكَ، وفي مَعْنى الأعْرَجِ: الأقْطَعُ والمُقْعَدُ، بَلْ ذَلِكَ أوْلى بِأنْ يُعْذَرَ، ومَن بِهِ عَرَجٌ لا يَمْنَعُهُ مِنَ الكَرِّ والفَرِّ لا يُعْذَرُ، وكَذَلِكَ المَرَضُ القَلِيلُ الَّذِي لا يَمْنَعُ مِنَ الكَرِّ والفَرِّ كالطُّحالِ والسُّعالِ إذْ بِهِ يَضْعُفُ، وبَعْضُ أوْجاعِ المَفاصِلِ لا يَكُونُ عُذْرًا. وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ هَذِهِ أعْذارٌ تَكُونُ في نَفْسِ المُجاهِدِ، ولَنا أعْذارٌ خارِجَةٌ كالفَقْرِ الَّذِي لا يَتَمَكَّنُ صاحِبُهُ مِنِ اسْتِصْحابِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ، والِاشْتِغالِ بِمَن لَوْلاهُ لَضاعَ كَطِفْلٍ أوْ مَرِيضٍ، والأعْذارُ تُعْلَمُ مِنَ الفِقْهِ، ونَحْنُ نَبْحَثُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالتَّفْسِيرِ في بَيانِ مَسائِلَ:

المَسْألَةُ الأُولى: ذِكْرُ الأعْذارِ الَّتِي في السَّفَرِ؛ لِأنَّ غَيْرَها مُمْكِنُ الإزالَةِ بِخِلافِ العَرَجِ والعَمى.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اقْتُصِرَ مِنها عَلى الأصْنافِ الثَّلاثَةِ، لِأنَّ العُذْرَ إمّا أنْ يَكُونَ بِإخْلالٍ في عُضْوٍ أوْ بِاخْتِلالٍ في القُوَّةِ، والَّذِي بِسَبَبِ إخْلالِ العُضْوِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ بِسَبَبِ اخْتِلالٍ في العُضْوِ الَّذِي بِهِ الوُصُولُ إلى العَدُوِّ

صفحة ٨٢
والِانْتِقالُ في مَواضِعِ القِتالِ، أوْ في العُضْوِ الَّذِي تَتِمُّ بِهِ فائِدَةُ الحُصُولِ في المَعْرِفَةِ والوُصُولِ، والأوَّلُ: هو الرِّجْلُ، والثّانِي: هو العَيْنُ؛ لِأنَّ بِالرِّجْلِ يَحْصُلُ الِانْتِقالُ، وبِالعَيْنِ يَحْصُلُ الِانْتِفاعُ في الطَّلَبِ والهَرَبِ. وأمّا الأُذُنُ والأنْفُ واللِّسانُ وغَيْرُها مِنَ الأعْضاءِ، فَلا مَدْخَلَ لَها في شَيْءٍ مِنَ الأمْرَيْنِ. بَقِيَتِ اليَدُ، فَإنَّ المَقْطُوعَ اليَدَيْنِ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، وهو عُذْرٌ واضِحٌ ولَمْ يَذْكُرْهُ، نَقُولُ: لِأنَّ فائِدَةَ الرِّجْلِ وهي الِانْتِقالُ تَبْطُلُ بِالخَلَلِ في إحْداهُما، وفائِدَةُ اليَدِ وهي الضِّرابُ والبَطْشُ لا تَبْطُلُ إلّا بِبُطْلانِ اليَدَيْنِ جَمِيعًا، ومَقْطُوعُ اليَدَيْنِ لا يُوجَدُ إلّا نادِرًا، ولَعَلَّ في جَماعَةِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مَقْطُوعَ اليَدَيْنِ فَلَمْ يَذْكُرْهُ، أوْ لِأنَّ المَقْطُوعَ يُنْتَفَعُ بِهِ في الجِهادِ، فَإنَّهُ يُنْظَرُ ولَوْلاهُ لاسْتَقَلَّ بِهِ مُقاتِلٌ، فَيُمْكِنُ أنْ يُقاتِلَ، وهو غَيْرُ مَعْذُورٍ في التَّخَلُّفِ؛ لِأنَّ المُجاهِدِينَ يَنْتَفِعُونَ بِهِ بِخِلافِ الأعْمى، فَإنْ قِيلَ: كَما أنَّ مَقْطُوعَ اليَدِ الواحِدَةِ لا تَبْطُلُ مَنفَعَةُ بَطْشِهِ، كَذَلِكَ الأعْوَرُ لا تَبْطُلُ مَنفَعَةُ رُؤْيَتِهِ، وقَدْ ذَكَرَ الأعْمى، وما ذَكَرَ الأشَلَّ وأقْطَعَ اليَدَيْنِ ؟ قُلْنا: لِما بَيَّنّا أنَّ مَقْطُوعَ اليَدَيْنِ نادِرُ الوُجُودِ، والآفَةُ النّازِلَةُ بِإحْدى اليَدَيْنِ لا تَعُمُّهُما، والآفَةُ النّازِلَةُ بِالعَيْنِ الواحِدَةِ تَعُمُّ العَيْنَيْنِ؛ لِأنَّ مَنبَعَ النُّورِ واحِدٌ وهُما مُتَجاذِبانِ، والوُجُودُ يُفَرِّقُ بَيْنَهُما، فَإنَّ الأعْمى كَثِيرُ الوُجُودِ، ومَقْطُوعَ اليَدَيْنِ نادِرٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَدَّمَ الآفَةَ في الآلَةِ عَلى الآفَةِ في القُوَّةِ؛ لِأنَّ الآفَةَ في القُوَّةِ تَزُولُ وتَطْرَأُ، والآفَةَ في الآلَةِ إذا طَرَأتْ لا تَزُولُ، فَإنَّ الأعْمى لا يَعُودُ بَصِيرًا فالعُذْرُ في مَحَلِّ الآلَةِ أتَمُّ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَدَّمَ الأعْمى عَلى الأعْرَجِ؛ لِأنَّ عُذْرَ الأعْمى يَسْتَمِرُّ ولَوْ حَضَرَ القِتالَ، والأعْرَجُ إنْ حَضَرَ راكِبًا أوْ بِطْرِيقٍ آخَرَ يَقْدِرُ عَلى القِتالِ بِالرَّمْيِ وغَيْرِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏

اعْلَمْ أنَّ طاعَةَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما طاعَةٌ لِلْآخَرِ، فَجُمِعَ بَيْنَهُما بَيانًا لِطاعَةِ اللَّهِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ قالَ: ومَن يُطِعِ اللَّهَ كانَ لِبَعْضِ النّاسِ أنْ يَقُولَ: نَحْنُ لا نَرى اللَّهَ ولا نَسْمَعُ كَلامَهُ، فَمِن أيْنَ نَعْلَمُ أمْرَهُ حَتّى نُطِيعَهُ ؟ فَقالَ: طاعَتُهُ في طاعَةِ رَسُولِهِ، وكَلامُهُ يُسْمَعُ مِن رَسُولِهِ.

* * *
ثُمَّ قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ بِقَلْبِهِ، ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ حالَ المُخَلَّفِينَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ [الفتح: ١٠] عادَ إلى بَيانِ حالِهِمْ، وقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ مِنَ الصِّدْقِ كَما عَلِمَ ما في قُلُوبِ المُنافِقِينَ مِنَ المَرَضِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ حَتّى بايَعُوا عَلى المَوْتِ، وفِيهِ مَعْنًى لَطِيفٌ وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ فَجَعَلَ طاعَةَ اللَّهِ والرَّسُولِ عَلامَةً لِإدْخالِ اللَّهِ الجَنَّةَ في تِلْكَ الآيَةِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ بَيَّنَ أنَّ طاعَةَ اللَّهِ والرَّسُولِ وُجِدَتْ مِن أهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ، أمّا طاعَةُ اللَّهِ فالإشارَةُ إلَيْها بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وأمّا طاعَةُ الرَّسُولِ فَبِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ بَقِيَ المَوْعُودُ بِهِ وهو إدْخالُ الجَنَّةِ، أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ لِأنَّ الرِّضا يَكُونُ مَعَهُ إدْخالُ الجَنَّةِ كَما قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [المجادلة: ٢٢] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ، وعِلْمُ اللَّهِ قَبْلَ الرِّضا لِأنَّهُ عَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ
صفحة ٨٣
الصِّدْقِ، فَرَضِيَ عَنْهم فَكَيْفَ يُفْهَمُ التَّعْقِيبُ في العِلْمِ ؟ نَقُولُ: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ كَما يَقُولُ القائِلُ: فَرِحْتُ أمْسِ إذْ كَلَّمْتُ زَيْدًا فَقامَ إلَيَّ، أوْ إذْ دَخَلْتُ عَلَيْهِ فَأكْرَمَنِي، فَيَكُونُ الفَرَحُ بَعْدَ الإكْرامِ تَرْتِيبًا، كَذَلِكَ هَهُنا قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ مِنَ الصِّدْقِ، إشارَةً إلى أنَّ الرِّضا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ المُبايَعَةِ فَحَسْبُ، بَلْ عِنْدَ المُبايَعَةِ الَّتِي كانَ مَعَها عِلْمُ اللَّهِ بِصِدْقِهِمْ، والفاءُ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ لِلتَّعْقِيبِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ فَإنَّهُ تَعالى رَضِيَ عَنْهم، فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ، وفي ”عَلِمَ“ بَيانُ وصْفِ المُبايِعَةِ بِكَوْنِها مُعَقَّبَةً بِالعِلْمِ بِالصِّدْقِ الَّذِي في قُلُوبِهِمْ، وهَذا تَوْفِيقٌ لا يَتَأتّى إلّا لِمَن هَداهُ اللَّهُ تَعالى إلى مَعانِي كِتابِهِ الكَرِيمِ
وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ هو فَتْحُ خَيْبَرَ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ مَغانِمُها، وقِيلَ: مَغانِمُ هَجَرَ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ كامِلَ القُدْرَةِ غَنِيًّا عَنْ إعانَتِكم إيّاهُ (حَكِيمًا) حَيْثُ جَعَلَ هَلاكَ أعْدائِهِ عَلى أيْدِيكم لِيُثِيبَكم عَلَيْهِ، أوْ لِأنَّ في ذَلِكَ إعْزازَ قَوْمٍ وإذْلالَ آخَرِينَ، فَإنَّهُ يُذِلُّ مَن يَشاءُ بِعِزَّتِهِ ويُعِزُّ مَن يَشاءُ بِحِكْمَتِهِ.

The same ayah, in another commentary

Al-Fatḥ 48:19