All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Al-Māʾidah 5:110 Juzʾ 7 Page 126

‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏

[The Day] when Allah will say, "O Jesus, Son of Mary, remember My favor upon you and upon your mother when I supported you with the Pure Spirit and you spoke to the people in the cradle and in maturity; and [remember] when I taught you writing and wisdom and the Torah and the Gospel; and when you designed from clay [what was] like the form of a bird with My permission, then you breathed into it, and it became a bird with My permission; and you healed the blind and the leper with My permission; and when you brought forth the dead with My permission; and when I restrained the Children of Israel from [killing] you when you came to them with clear proofs and those who disbelieved among them said, "This is not but obvious magic."

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّ الغَرَضَ مِن قَوْلِهِ تَعالى لِلرُّسُلِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ تَوْبِيخُ مَن تَمَرَّدَ مِن أُمَمِهِمْ، وأشَدُّ الأُمَمِ افْتِقارًا إلى التَّوْبِيخِ والمَلامَةِ النَّصارى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم أتْباعُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ طَعْنَ سائِرِ الأُمَمِ كانَ مَقْصُورًا عَلى الأنْبِياءِ، وطَعْنَ هَؤُلاءِ المَلاعِينِ تَعَدّى إلى جَلالِ اللَّهِ وكِبْرِيائِهِ، حَيْثُ وصَفُوهُ بِما لا يَلِيقُ بِعاقِلٍ أنْ يَصِفَ الإلَهَ بِهِ، وهو اتِّخاذُ الزَّوْجَةِ والوَلَدِ، فَلا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يُعَدِّدُ أنْواعَ نِعَمِهِ عَلى عِيسى بِحَضْرَةِ الرُّسُلِ واحِدَةً فَواحِدَةً، والمَقْصُودُ مِنهُ تَوْبِيخُ النَّصارى وتَقْرِيعُهم عَلى سُوءِ مَقالَتِهِمْ، فَإنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ النِّعَمِ المُعَدَّدَةِ عَلى عِيسى تَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَبْدٌ ولَيْسَ بِإلَهٍ. والفائِدَةُ في هَذِهِ الحِكايَةِ تَنْبِيهُ النَّصارى الَّذِينَ كانُوا في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى قُبْحِ مَقالَتِهِمْ ورَكاكَةِ مَذْهَبِهِمْ واعْتِقادِهِمْ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَوْضِعُ (إذْ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفْعًا بِالِابْتِداءِ عَلى مَعْنى: ذاكَ إذْ قالَ اللَّهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: اذْكُرْ إذْ قالَ اللَّهُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: خَرَجَ قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ عَلى لَفْظِ الماضِي دُونَ المُسْتَقْبَلِ وفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: الدَّلالَةُ عَلى قُرْبِ القِيامَةِ حَتّى كَأنَّها قَدْ قامَتْ ووَقَعَتْ وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ، ويُقالُ: الجَيْشُ قَدْ أتى: إذا قَرُبَ إتْيانُهم، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النَّحْلِ: ١] الثّانِي: أنَّهُ ورَدَ عَلى حِكايَةِ الحالِ ونَظِيرُهُ قَوْلُ الرَّجُلِ لِصاحِبِهِ: كَأنَّكَ بِنا وقَدْ دَخَلْنا بَلْدَةَ كَذا فَصَنَعْنا فِيها كَذا إذْ صاحَ صائِحٌ فَتَرَكْتَنِي وأجَبْتَهُ، ونَظِيرُهُ مِنَ القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [سَبَأٍ: ٥١] ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الأنْفالِ: ٥٠] ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [سَبَأٍ: ٣١] والوَجْهُ في كُلِّ هَذِهِ الآياتِ ما ذَكَرْناهُ، مِن أنَّهُ خَرَجَ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ عَنِ الحالِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (عِيسى) في مَحَلِّ الرَّفْعِ لِأنَّهُ مُنادى مُفْرَدٌ وُصِفَ بِمُضافٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ النَّصْبِ لِأنَّهُ في نِيَّةِ الإضافَةِ ثُمَّ جُعِلَ الِابْنُ تَوْكِيدًا، وكُلُّ ما كانَ مِثْلَ هَذا

صفحة ١٠٤
جازَ فِيهِ وجْهانِ، نَحْوَ يا زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو، ويا زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو، وأنْشَدَ النَّحْوِيُّونَ:

يا حَكَمُ بْنَ المُنْذِرِ بْنِ الجارُودِ
بِرَفْعِ الأوَّلِ ونَصْبِهِ عَلى ما بَيَّنّاهُ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أرادَ الجَمْعَ كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ (النَّحْلِ: ١٨) وإنَّما جازَ ذَلِكَ لِأنَّهُ مُضافٌ يَصْلُحُ لِلْجِنْسِ.

واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى فَسَّرَ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ بِأُمُورٍ، أوَّلُها: قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: رُوحُ القُدُسِ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، الرُّوحُ جِبْرِيلُ والقُدُسُ هو اللَّهُ تَعالى، كَأنَّهُ أضافَهُ إلى نَفْسِهِ تَعْظِيمًا لَهُ.

الثّانِي: أنَّ الأرْواحَ مُخْتَلِفَةٌ بِالماهِيَّةِ، فَمِنها طاهِرَةٌ نُورانِيَّةٌ ومِنها خَبِيثَةٌ ظَلْمانِيَّةٌ، ومِنها مُشْرِقَةٌ، ومِنها كَدِرَةٌ، ومِنها خَيِّرَةٌ، ومِنها نَذْلَةٌ، ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «الأرْواحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ» فاللَّهُ تَعالى خَصَّ عِيسى بِالرُّوحِ الطّاهِرَةِ النُّورانِيَّةِ المُشْرِقَةِ العُلْوِيَّةِ الخَيِّرَةِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لَمّا دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ تَأْيِيدَ عِيسى إنَّما حَصَلَ مِن جِبْرِيلَ أوْ بِسَبَبِ رُوحِهِ المُخْتَصِّ بِهِ، قَدَحَ هَذا في دَلالَةِ المُعْجِزاتِ عَلى صِدْقِ الرُّسُلِ؛ لِأنّا قَبْلَ العِلْمِ بِعِصْمَةِ جِبْرِيلَ نُجَوِّزُ أنَّهُ أعانَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ذَلِكَ، عَلى سَبِيلِ إغْواءِ الخَلْقِ وإضْلالِهِمْ؛ فَما لَمْ تُعْرَفْ عِصْمَةُ جِبْرِيلَ لا يَنْدَفِعُ هَذا، وما لَمْ تُعْرَفْ نُبُوَّةُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لا تُعْرَفُ عِصْمَةُ جِبْرِيلَ، فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ. وجَوابُهُ ما ثَبَتَ مِن أصْلِنا أنَّ الخالِقَ لَيْسَ إلّا اللَّهُ، وبِهِ يَنْدَفِعُ هَذا السُّؤالُ.

وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أمّا كَلامُ عِيسى في المَهْدِ فَهو قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [مَرْيَمَ: ٣٠] وقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ في مَوْضِعِ الحالِ، والمَعْنى: يُكَلِّمُهم طِفْلًا وكَهْلًا مِن غَيْرِ أنْ يَتَفاوَتَ كَلامُهُ في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، وهَذِهِ خاصِّيَّةٌ شَرِيفَةٌ كانَتْ حاصِلَةً لَهُ وما حَصَلَتْ لِأحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ.

وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ .

وفِي (الكِتابِ) قَوْلانِ، أحَدُهُما: المُرادُ بِهِ الكِتابَةُ وهي الخَطُّ. والثّانِي: المُرادُ مِنهُ جِنْسُ الكُتُبِ. فَإنَّ الإنْسانَ يَتَعَلَّمُ أوَّلًا كُتُبًا سَهْلَةً مُخْتَصَرَةً، ثُمَّ يَتَرَقّى مِنها إلى الكُتُبِ الشَّرِيفَةِ. وأمّا (الحِكْمَةُ) فَهي عِبارَةٌ عَنِ العُلُومِ النَّظَرِيَّةِ، والعُلُومِ العَمَلِيَّةِ. ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ (التَّوْراةَ والإنْجِيلَ) وفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُما خُصّا بِالذِّكْرِ بَعْدَ ذِكْرِ الكُتُبِ عَلى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ كَقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [البَقَرَةِ: ٢٣٨] وقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [الأحْزابِ: ٧] .

والثّانِي وهو الأقْوى: أنَّ الِاطِّلاعَ عَلى أسْرارِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ لا يَحْصُلُ إلّا لِمَن صارَ بانِيًا في أصْنافِ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ الظّاهِرَةِ الَّتِي يَبْحَثُ عَنْها العُلَماءُ. فَقَوْلُهُ: (التَّوْراةُ والإنْجِيلُ) إشارَةٌ إلى الأسْرارِ الَّتِي لا يَطَّلِعُ عَلَيْها أحَدٌ إلّا أكابِرُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ (فَتَكُونُ طائِرًا) والباقُونَ (طَيْرًا) بِغَيْرِ ألِفٍ، وطَيْرٌ جَمْعُ طائِرٍ كَضَأْنٍ وضائِنٍ ورَكْبٍ وراكِبٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هاهُنا ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وذَكَرَ في آلِ عِمْرانَ ﴿فَأنْفُخُ فِيهِ﴾ .

والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ هَيْئَةٌ مِثْلُ هَيْئَةِ الطَّيْرِ فَقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ الضَّمِيرُ لِلْكافِ؛ لِأنَّها صِفَةُ الهَيْئَةِ الَّتِي كانَ يَخْلُقُها عِيسى ويَنْفُخُ فِيها ولا يَرْجِعُ إلى الهَيْئَةِ المُضافِ إلَيْها؛ لِأنَّها لَيْسَتْ مِن خَلْقِهِ ولا نَفْخِهِ في شَيْءٍ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الكافُ تُؤَنَّثُ بِحَسَبَ المَعْنى لِدَلالَتِها عَلى الهَيْئَةِ الَّتِي هي مِثْلُ هَيْئَةِ الطَّيْرِ، وتُذَكَّرُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ جازَ أنْ يَقَعَ الضَّمِيرُ عَنْها تارَةً عَلى وجْهِ التَّذْكِيرِ وأُخْرى عَلى وجْهِ التَّأْنِيثِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى اعْتَبَرَ الإذْنَ في خَلْقِ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، وفي صَيْرُورَتِهِ ذَلِكَ الشَّيْءَ طَيْرًا. وإنَّما أعادَ قَوْلَهُ: ‏‏‏ تَأْكِيدًا لِكَوْنِ ذَلِكَ واقِعًا بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وتَخْلِيقِهِ لا بِقُدْرَةِ عِيسى وإيجادِهِ.

وخامِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وإبْراءُ الأكْمَهِ والأبْرَصِ مَعْرُوفٌ، وقالَ الخَلِيلِيُّ: الأكْمَهُ مَن وُلِدَ أعْمى، والأعْمى مَن وُلِدَ بَصِيرًا ثُمَّ عَمِيَ.

وسادِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ وإذْ تُخْرِجُ المَوْتى مِن قُبُورِهِمْ أحْياءً بِإذْنِي؛ أيْ بِفِعْلِي ذَلِكَ عِنْدَ دُعائِكَ، وعِنْدَ قَوْلِكَ لِلْمَيِّتِ: اخْرُجْ بِإذْنِ اللَّهِ مِن قَبْرِكَ، وذِكْرُ الإذْنِ في هَذِهِ الأفاعِيلِ إنَّما هو عَلى مَعْنى إضافَةِ حَقِيقَةِ الفِعْلِ إلى اللَّهِ تَعالى كَقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ [آلِ عِمْرانَ: ١٤٥] أيْ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ المَوْتَ فِيها.

* وسابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

صفحة ١٠٦
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ هَذِهِ البَيِّناتِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالألِفُ واللّامُ لِلْعَهْدِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ جِنْسَ البَيِّناتِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا أظْهَرَ هَذِهِ المُعْجِزاتِ العَجِيبَةَ قَصَدَ اليَهُودُ قَتْلَهُ فَخَلَّصَهُ اللَّهُ تَعالى مِنهم حَيْثُ رَفَعَهُ إلى السَّماءِ.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (ساحِرٌ) بِالألِفِ وكَذَلِكَ في يُونُسَ وهُودٍ والصَّفِّ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ في يُونُسَ بِالألِفِ فَقَطْ والباقُونَ (سِحْرٌ) فَمَن قَرَأ (ساحِرٌ) أشارَ إلى الرَّجُلِ ومَن قَرَأ (سِحْرٌ) أشارَ بِهِ إلى ما جاءَ بِهِ، وكِلاهُما حَسَنٌ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: والِاخْتِيارُ (سِحْرٌ) لِجَوازِ وُقُوعِهِ عَلى الحَدَثِ والشَّخْصِ، أمّا وُقُوعُهُ عَلى الحَدَثِ فَظاهِرٌ وأمّا وُقُوعُهُ عَلى الشَّخْصِ فَتَقُولُ: هَذا سِحْرٌ، وتُرِيدُ بِهِ: ذُو سِحْرٍ، كَما قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [البَقَرَةِ: ١٧٧] أيْ ذا البِرِّ، قالَ الشّاعِرُ:

فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارٌ
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى شَرَعَ هاهُنا في تَعْدِيدِ نِعَمِهِ عَلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَوْلُ الكُفّارِ في حَقِّهِ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ لَيْسَ مِنَ النِّعَمِ، فَكَيْفَ ذَكَرَهُ هاهُنا ؟
والجَوابُ: أنَّ مِنَ الأمْثالِ المَشْهُورَةِ أنَّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ، وطَعْنُ الكُفّارِ في عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذا الكَلامِ يَدُلُّ عَلى أنَّ نِعَمَ اللَّهِ في حَقِّهِ كانَتْ عَظِيمَةً، فَحَسُنَ ذِكْرُهُ عِنْدَ تَعْدِيدِ النِّعَمِ لِلْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ.

وثامِنُها: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الوَحْيِ، فَمَن قالَ: إنَّهم كانُوا أنْبِياءَ، قالَ: ذَلِكَ الوَحْيُ هو الوَحْيُ الَّذِي يُوحى إلى الأنْبِياءِ، ومَن قالَ: إنَّهم ما كانُوا أنْبِياءَ، قالَ: المُرادُ بِذَلِكَ الوَحْيُ والإلْهامُ والإلْقاءُ في القَلْبِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وقَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [النَّحْلِ: ٦٨] وإنَّما ذَكَرَ هَذا في مَعْرِضِ تَعْدِيدِ النِّعَمِ لِأنَّ صَيْرُورَةَ الإنْسانِ مَقْبُولَ القَوْلِ عِنْدَ النّاسِ مَحْبُوبًا في قُلُوبِهِمْ مِن أعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلى الإنْسانِ، وذَكَرَ تَعالى أنَّهُ لَمّا ألْقى ذَلِكَ الوَحْيَ في قُلُوبِهِمْ آمَنُوا وأسْلَمُوا، وإنَّما قَدَّمَ ذِكْرَ الإيمانِ عَلى الإسْلامِ لِأنَّ الإيمانَ صِفَةُ القَلْبِ، والإسْلامَ عِبارَةٌ عَنِ الِانْقِيادِ والخُضُوعِ في الظّاهِرِ، يَعْنِي آمَنُوا بِقُلُوبِهِمْ وانْقادُوا بِظَواهِرِهِمْ.

فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى قالَ في أوَّلِ الآيَةِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ثُمَّ إنَّ جَمِيعَ ما ذَكَرَهُ تَعالى مِنَ النِّعَمِ مُخْتَصٌّ بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَيْسَ لِأُمِّهِ بِشَيْءٍ مِنها تَعَلُّقٌ.

قُلْنا: كُلُّ ما حَصَلَ لِلْوَلَدِ مِنَ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ والدَّرَجاتِ العالِيَةِ فَهو حاصِلٌ عَلى سَبِيلِ الضِّمْنِ والتَّبَعِ لِلْأُمِّ؛ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [المؤمنون: ٥٠] فَجَعَلَهُما مَعًا آيَةً واحِدَةً لِشِدَّةِ اتِّصالِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِالآخَرِ، ورُوِيَ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ لِعِيسى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ كانَ يَلْبَسُ الشَّعْرَ ويَأْكُلُ الشَّجَرَ ولا يَدَّخِرُ شَيْئًا لِغَدٍ ويَقُولُ: مَعَ كُلِّ يَوْمٍ رِزْقُهُ، ومَن لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيْتٌ فَيَخْرَبُ، ولا ولَدٌ فَيَمُوتُ، أيْنَما أمْسى باتَ.

The same ayah, in another commentary

Al-Māʾidah 5:110