All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

Adh-Dhāriyāt 51:19 Juzʾ 26 Page 521

‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And from their properties was [given] the right of the [needy] petitioner and the deprived.

Read in the muṣḥaf

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ .

وقَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعْدَ ذِكْرِ تَعْظِيمِ نَفْسِهِ يَذْكُرُ الشَّفَقَةَ عَلى خَلْقِهِ، ولا شَكَّ أنَّ قَلِيلَ الهُجُوعِ المُسْتَغْفِرَ في وُجُوهِ الأسْحارِ وُجِدَ مِنهُ التَّعْظِيمُ العَظِيمُ، فَأشارَ بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أضافَ المالَ إلَيْهِمْ، وقالَ في مَواضِعَ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ [يس: ٤٧] وقالَ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ نَقُولُ: سَبَبُهُ أنَّ في تِلْكَ المَواضِعِ كانَ الذِّكْرُ لِلْحَثِّ، فَذَكَرَ مَعَهُ ما يَدْفَعُ الحَثَّ ويَرْفَعُ المانِعَ، فَقالَ: هو رِزْقُ اللَّهِ واللَّهُ يُزْرُقُكم فَلا تَخافُوا الفَقْرَ وأعْطُوا، وأمّا هَهُنا فَمَدَحَ عَلى ما فَعَلُوهُ فَلَمْ يَكُنْ إلى

صفحة ١٧٧
الحِرْصِ حاجَةٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَشْهُورُ في الحَقِّ أنَّهُ هو القَدْرُ الَّذِي عُلِمَ شَرْعًا وهو الزَّكاةُ وحِينَئِذٍ لا يَبْقى هَذا صِفَةُ مَدْحٍ؛ لِأنَّ كَوْنَ المُسْلِمِ في مالِهِ حَقٌّ وهو الزَّكاةُ لَيْسَ صِفَةَ مَدْحٍ لِأنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ كَذَلِكَ، بَلِ الكافِرُ إذا قُلْنا إنَّهُ مُخاطَبٌ بِفُرُوعِ الإسْلامِ في مالِهِ حَقٌّ مَعْلُومٌ غَيْرَ أنَّهُ إذا أسْلَمَ سَقَطَ عَنْهُ وإنْ ماتَ عُوقِبَ عَلى تَرْكِهِ، وإنْ أدّى مِن غَيْرِ الإسْلامِ لا يَقَعُ المَوْقِعُ، فَكَيْفَ يُفْهَمُ كَوْنُهُ مَدْحًا ؟ نَقُولُ الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنّا نُفَسِّرُ السّائِلَ بِمَن يَطْلُبُ شَرْعًا، والمَحْرُومَ الَّذِي لا مَكِنَةَ لَهُ مِنَ الطَّلَبِ ومَنعَهُ الشّارِعُ مِنَ المُطالَبَةِ، ثُمَّ إنَّ المَنعَ قَدْ يَكُونُ لِكَوْنِ الطّالِبِ غَيْرَ مُسْتَحِقٍّ، وقَدْ يَكُونُ لِكَوْنِ المَطْلُوبِ مِنهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ حَقٌّ فَلا يُطالَبُ فَقالَ تَعالى في مالِهِ حَقٌّ لِلطّالِبِ وهو الزَّكاةُ ولِغَيْرِ الطّالِبِ وهو الصَّدَقَةُ المُتَطَوَّعُ بِها فَإنَّ ذَلِكَ المالِكَ لا يُطالَبُ بِها ويُحْرَمُ الطّالِبُ مِنهُ طَلَبًا عَلى سَبِيلِ الجِزْيَةِ والزَّكاةِ، بَلْ يَسْألُ سُؤالًا اخْتِيارِيًّا فَيَكُونُ حِينَئِذٍ كَأنَّهُ قالَ في مالِهِ زَكاةٌ وصَدَقَةٌ والصَّدَقَةُ في المالِ لا تَكُونُ إلّا بِفَرْضِهِ هو ذَلِكَ وتَقْدِيرِهِ وإفْرازِهِ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ.

الجَوابُ الثّانِي: هو أنَّ قَوْلَهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ مالُهم ظَرْفٌ لِحُقُوقِهِمْ فَإنَّ كَلِمَةَ في لِلظَّرْفِيَّةِ لَكِنَّ الظَّرْفَ لا يُطْلَبُ إلّا لِلْمَظْرُوفِ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ هم لا يَطْلُبُونَ المالَ ولا يَجْمَعُونَهُ إلّا ويَجْعَلُونَهُ ظَرْفًا لِلْحَقِّ، ولا شَكَّ أنَّ المَطْلُوبَ مِنَ الظَّرْفِ هو المَظْرُوفُ، والظَّرْفُ مالُهم فَجَعَلَ مالَهم ظَرْفًا لِلْحُقُوقِ ولا يَكُونُ فَوْقَ هَذا مَدْحٌ فَإنْ قِيلَ فَلَوْ قِيلَ مالُهم لِلسّائِلِ هَلْ كانَ أبْلَغَ ؟ قُلْنا: لا وذَلِكَ لِأنَّ مَن يَكُونُ لَهُ أرْبَعُونَ دِينارًا فَتَصَدَّقَ بِها لا تَكُونُ صَدَقَتُهُ دائِمَةً لَكِنْ إذا اجْتَهَدَ واتَّجَرَ وعاشَ سِنِينَ وأدّى الزَّكاةَ والصَّدَقَةَ يَكُونُ مِقْدارُ المُؤَدّى أكْثَرَ وهَذا كَما في الصَّلاةِ والصَّوْمِ ولَوْ أضْعَفَ واحِدٌ نَفْسَهُ بِهِما حَتّى عَجَزَ عَنْهُما لا يَكُونُ مِثْلَ مَنِ اقْتَصَدَ فِيهِما، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ ﷺ: ”«إنَّ هَذا الدِّينَ مَتِينٌ فَأوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ فَإنَّ المُنْبَتَّ لا أرْضًا قَطَعَ ولا ظَهْرًا أبْقى» “ وفي السّائِلِ والمَحْرُومِ وُجُوهٌ.

أحَدُها: أنَّ السّائِلَ هو النّاطِقُ وهو الآدَمِيُّ والمَحْرُومُ كُلُّ ذِي رُوحٍ غَيْرُهُ مِنَ الحَيَواناتِ المَحْرُومَةِ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«لِكُلِّ كَبِدٍ حَرّى أجْرٌ» “ .

وثانِيها: وهو الأظْهَرُ والأشْهَرُ، أنَّ السّائِلَ هو الَّذِي يَسْألُ، والمَحْرُومَ المُتَعَفِّفُ الَّذِي يَحْسَبُهُ بَعْضُ النّاسِ غَنِيًّا فَلا يُعْطِيهِ شَيْئًا.

والأوَّلُ: كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكُمْ﴾ [طه: ٥٤] .

والثّانِي: كَقَوْلِهِ: ﴿وأطْعِمُوا القانِعَ والمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] فالقانِعُ كالمَحْرُومِ فَإنْ قِيلَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ التَّرْتِيبُ في غايَةِ الحُسْنِ، فَإنَّ دَفْعَ حاجَةِ النّاطِقِ مُقَدَّمٌ عَلى دَفْعِ حاجَةِ البَهائِمِ، فَما وجْهُ التَّرْتِيبِ في الوَجْهِ الثّانِي ؟ نَقُولُ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّ السّائِلَ انْدِفاعُ حاجَتِهِ قَبْلَ انْدِفاعِ حاجَةِ المَحْرُومِ في الوُجُودِ لِأنَّهُ يُعْرَفُ حالُهُ بِمَقالِهِ ويَطْلُبُ لِقِلَّةِ مالِهِ فَيُقَدَّمُ بِدَفْعِ حاجَتِهِ، والمَحْرُومَ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَلا تَنْدَفِعُ حاجَتُهُ إلّا بَعْدَ الِاطِّلاعِ عَلَيْهِ، فَكانَ الذِّكْرُ عَلى التَّرْتِيبِ الواقِعِ.

وثانِيهِما: هو أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى كَثْرَةِ العَطاءِ فَيَقُولُ يُعْطِي السّائِلَ فَإذا لَمْ يَجِدْهم يَسْألْ هو عَنِ المُحْتاجِينَ فَيَكُونُ سائِلًا ومَسْؤُولًا.

الثّالِثُ: هو أنَّ المَحاسِنَ اللَّفْظِيَّةَ غَيْرُ مَهْجُورَةٍ في الكَلامِ الحِكَمِيِّ، فَإنَّ قَوْلَ القائِلِ إنَّ رُجُوعَهم إلَيْنا وعَلَيْنا حِسابُهم لَيْسَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الغاشية: ٢٦] والكَلامُ لَهُ جِسْمٌ وهو اللَّفْظُ ولَهُ رُوحٌ وهو المَعْنى، وكَما أنَّ الإنْسانَ الَّذِي نَوَّرَ رُوحَهُ بِالمَعْرِفَةِ يَنْبَغِي أنْ يُنَوِّرَ جِسْمَهُ الظّاهِرَ بِالنَّظافَةِ، كَذَلِكَ الكَلامُ ورُبَّ كَلِمَةٍ حِكَمَيَّةٍ لا تُؤَثِّرُ في النُّفُوسِ لِرَكاكَةِ لَفْظِها، إذا عَرَفْتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ أحْسَنُ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ مِن قَوْلِنا وبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ، وفي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلْمَحْرُومِ والسّائِلِ، فَإنْ قِيلَ قُدِّمَ السّائِلُ عَلى المَحْرُومِ هَهُنا لِما ذَكَرْتَ مِنَ الوُجُوهِ، ولِمَ قُدِّمَ المَحْرُومُ عَلى السّائِلِ في قَوْلِهِ: ﴿القانِعَ والمُعْتَرَّ﴾ [الحَجِّ:

صفحة ١٧٨
٣٦ ] لِأنَّ (القانِعَ) هو الَّذِي لا يَسْألُ (والمُعْتَرَّ) السّائِلُ ؟ نَقُولُ قَدْ قِيلَ إنَّ (القانِعَ) هو (السّائِلُ) (والمُعْتَرَّ) الَّذِي لا يَسْألُ، فَلا فَرْقَ بَيْنَ المَوْضِعَيْنِ، وقِيلَ بِأنَّ (القانِعَ والمُعْتَرَّ) كِلاهُما لا يَسْألُ لَكِنَّ (القانِعَ) لا يَتَعَرَّضُ ولا يَخْرُجُ مَن بَيْتِهِ (والمُعْتَرَّ) يَتَعَرَّضُ لِلْأخْذِ بِالسَّلامِ والتَّرَدُّدِ ولا يَسْألُ، وقِيلَ بِأنَّ (القانِعَ) لا يَسْألُ (والمُعْتَرَّ) يَسْألُ، فَعَلى هَذا فَلَحْمُ البَدَنَةِ يُفَرَّقُ مِن غَيْرِ مُطالَبَةِ ساعٍ أوْ مُسْتَحِقِّ مُطالَبَةِ جِزْيَةٍ، والزَّكاةُ لَها طالِبٌ وسائِلٌ هو السّاعِي والإمامُ، فَقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ إشارَةٌ إلى الزَّكاةِ، وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ أيِ المَمْنُوعِ إشارَةٌ إلى الصَّدَقَةِ المُتَطَوَّعِ بِها وإحْداهُما قَبْلَ الأُخْرى بِخِلافِ إعْطاءِ اللَّحْمِ.

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And on the earth are signs for the certain [in faith]

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وهو يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏، ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ تَدُلُّهم عَلى أنَّ الحَشْرَ كائِنٌ كَما قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ إلى أنْ قالَ: ﴿إنَّ الَّذِي أحْياها لَمُحْيِي المَوْتى﴾ [فُصِّلَتْ: ٣٩ ] .

وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِأفْعالِ المُتَّقِينَ، فَإنَّهم خافُوا اللَّهَ فَعَظَّمُوهُ فَأظْهَرُوا الشَّفَقَةَ عَلى عِبادِهِ، وكانَ لَهم آياتٌ في الأرْضِ، وفي أنْفُسِهِمْ عَلى إصابَتِهِمُ الحَقَّ في ذَلِكَ، فَإنَّ مَن يَكُونُ لَهُ في الأرْضِ الآياتُ العَجِيبَةُ يَكُونُ لَهُ القُدْرَةُ التّامَّةُ فَيُخْشى ويُتَّقى، ومَن لَهُ في أنْفُسِ النّاسِ حِكَمٌ بالِغَةٌ ونِعَمٌ سابِغَةٌ يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ ويُتْرُكَ الهُجُوعُ لِعِبادَتِهِ، وإذا قابَلَ العَبْدُ العِبادَةَ بِالنِّعْمَةِ يَجِدُها دُونَ حَدِّ الشُّكْرِ فَيَسْتَغْفِرُ عَلى التَّقْصِيرِ، وإذا عَلِمَ أنَّ الرِّزْقَ مِنَ السَّماءِ لا يَبْخَلُ بِمالِهِ، فالآياتُ الثَّلاثَةُ المُتَأخِّرَةُ فِيها تَقْرِيرُ ما تَقَدَّمَ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الذاريات: ٢٣] يَكُونُ عَوْدُ الكَلامِ بَعْدَ اعْتِراضِ الكَلامِ الأوَّلِ أقْوى وأظْهَرَ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: كَيْفَ خَصَّصَ المُوقِنِينَ بِكَوْنِ الآياتِ لَهم مَعَ أنَّ الآياتِ حاصِلَةٌ لِلْكُلِّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [يس: ٣٣] نَقُولُ قَدْ ذَكَرْنا أنَّ اليَمِينَ آخَرُ ما يَأْتِي بِهِ المُبَرْهِنُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ أوَّلًا يَأْتِي بِالبُرْهانِ، فَإنْ صُدِّقَ فَذَلِكَ وإنْ لَمْ يُصَدَّقْ لا بُدَّ لَهُ مِن أنْ يَنْسُبَهُ الخَصْمُ إلى إصْرارٍ عَلى الباطِلِ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَقْدِرْ عَلى قَدْحٍ فِيهِ ولَمْ يُصَدِّقْهُ يَعْتَرِفْ لَهُ بِقُوَّةِ الجَدَلِ ويَنْسُبْهُ إلى المُكابَرَةِ فَيَتَعَيَّنُ طَرِيقُهُ في اليَمِينِ، فَإذًا آياتُ الأرْضِ لَمْ تُفْدِهم لِأنَّ اليَمِينَ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ دَلَّتْ عَلى سَبْقِ إقامَةِ البَيِّناتِ وذِكْرِ الآياتِ ولَمْ يُفِدْ فَقالَ فِيها: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وإنْ لَمْ يَحْصُلْ لِلْمُصِرِّ المُعانِدِ مِنها فائِدَةٌ، وأمّا في سُورَةِ يس وغَيْرِها مِنَ المَواضِعِ الَّتِي جَعَلَ فِيها آياتِ الأرْضِ لِلْعامَّةِ لَمْ يَحْصُلْ فِيها اليَمِينُ وذِكْرُ الآياتِ قَبْلَهُ فَجازَ أنْ يُقالَ إنَّ الأرْضَ آياتٌ لِمَن يَنْظُرُ فِيها.

الجَوابُ الثّانِي: وهو الأصَحُّ أنَّ هُنا الآياتُ بِالفِعْلِ والِاعْتِبارِ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْ حَصَلَ ذَلِكَ لَهم وحَيْثُ قالَ لِكُلٍّ مَعْناهُ إنَّ فِيها آياتٍ لَهم إنْ نَظَرُوا وتَأمَّلُوا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَهُنا قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وقالَ هُناكَ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ﴾ [يس: ٣٣] نَقُولُ لَمّا جَعَلَ الآيَةَ ‏‏‏‏‏‏‏ ذَكَرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِأنَّ المُوقِنَ لا يَغْفُلُ عَنِ اللَّهِ تَعالى في حالٍ ويَرى في كُلِّ شَيْءٍ آياتٍ دالَّةً، وأمّا الغافِلُ فَلا يَتَنَبَّهُ إلّا بِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ فَيَكُونُ الكُلُّ لَهُ كالآيَةِ الواحِدَةِ.

‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And in yourselves. Then will you not see?

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ إشارَةً إلى دَلِيلِ الأنْفُسِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] وإنَّما اخْتارَ مِن دَلائِلَ الآفاقِ ما في الأرْضِ لِظُهُورِها لِمَن عَلى ظُهُورِها فَإنَّ في أطْرافِها وأكْنافِها ما لا يُمْكِنُ عَدُّ أصْنافِها فَدَلِيلُ الأنْفُسِ في قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ عامٌّ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعَ المُؤْمِنِينَ، وإنَّما أتى بِصِيغَةِ الخِطابِ لِأنَّها أظْهَرُ لِكَوْنِ عِلْمِ الإنْسانِ بِما في نَفْسِهِ أتَمَّ وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وفِيكم، يُقالُ الحِجارَةُ في نَفْسِها صُلْبَةٌ ولا يُرادُ بِها النَّفْسُ الَّتِي هي مَنبَعُ الحَياةِ والحِسِّ والحَرَكاتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وفي نُفُوسِكُمُ الَّتِي بِها حَياتُكم آياتٌ وقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ بِالِاسْتِفْهامِ إشارَةٌ إلى ظُهُورِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فِيهِ وُجُوهٌ.

أحَدُها: في السَّحابِ المَطَرُ.

ثانِيها: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مَكْتُوبٌ.

ثالِثُها: تَقْدِيرُ الأرْزاقِ كُلِّها مِنَ السَّماءِ ولَوْلاهُ لَما حَصَلَ في الأرْضِ حَبَّةُ قُوتٍ، وفي الآياتِ الثَّلاثِ تَرْتِيبٌ حَسَنٌ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ لَهُ أُمُورٌ يَحْتاجُ إلَيْها لا بُدَّ مِن سَبْقِها حَتّى يُوجَدَ هو في نَفْسِهِ وأُمُورٌ تُقارِنُهُ في الوُجُودِ وأُمُورٌ تَلْحَقُهُ وتُوجَدُ بَعْدَهُ لِيَبْقى بِها، فالأرْضُ هي المَكانُ وإلَيْهِ يَحْتاجُ الإنْسانُ ولا بُدَّ مِن سَبْقِها فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ثُمَّ في نَفْسِ الإنْسانِ أُمُورٌ مِنَ الأجْسامِ والأعْراضِ فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ثُمَّ بَقاؤُهُ بِالرِّزْقِ فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ولَوْلا السَّماءُ لَما كانَ لِلنّاسِ البَقاءُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فِيهِ وُجُوهٌ.

أحَدُها: الجَنَّةُ المَوْعُودُ بِها لِأنَّها في السَّماءِ.

ثانِيها: هو مِنَ الإيعادِ لِأنَّ البِناءَ لِلْمَفْعُولِ مِن أوْعَدَ يُوعِدُ أيْ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إمّا مِنَ الجَنَّةِ والنّارِ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ وقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ فَيَكُونُ إيعادًا عامًّا، وإمّا مِنَ العَذابِ وحِينَئِذٍ يَكُونُ الخِطابُ مَعَ الكُفّارِ فَيَكُونُ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ كافِيَةٌ، وأمّا أنْتُمْ أيُّها الكافِرُونَ فَفي أنْفُسِكم آياتٌ هي أظْهَرُ الآياتِ وتَكْفُرُونَ بِها لِحُطامِ الدُّنْيا وحُبِّ الرِّياسَةِ، وفي السَّماءِ الأرْزاقُ، فَلَوْ نَظَرْتُمْ وتَأمَّلْتُمْ حَقَّ التَّأمُّلِ، لَما تَرَكْتُمُ الحَقَّ لِأجْلِ الرِّزْقِ، فَإنَّهُ واصِلٌ بِكُلِّ طَرِيقٍ ولاجْتَنَبْتُمُ الباطِلَ اتِّقاءً لِما تُوعِدُونَ مِنَ العَذابِ النّازِلِ.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .
وفِي المُقْسَمِ عَلَيْهِ وُجُوهٌ.

أحَدُها: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ ما تُوعَدُونَ لَحَقٌّ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وعَلى هَذا يَعُودُ كُلُّ ما قُلْناهُ في وُجُوهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إنْ قُلْنا إنَّ ذَلِكَ هو الجَنَّةُ فالمُقْسَمُ عَلَيْهِ هو هي.

ثانِيها: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى القُرْآنِ أيْ أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ وفِيما ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ دَلِيلُ هَذِهِ وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مَعْناهُ تَكَلَّمَ بِهِ المَلَكُ النّازِلُ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِهِ مِثْلَ ما أنَّكم تَتَكَلَّمُونَ وسَنَذْكُرُهُ.

ثالِثُها: أنَّهُ راجِعٌ إلى الدِّينِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ .

رابِعُها: أنَّهُ راجِعٌ إلى اليَوْمِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ يَدُلُّ عَلَيْهِ وصْفُ اللَّهِ اليَوْمَ بِالحَقِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ اليَوْمُ الحَقُّ﴾ [النبأ: ٣٩] .

خامِسُها: أنَّهُ راجِعٌ

صفحة ١٨٠
إلى القَوْلِ الَّذِي يُقالُ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ وفي التَّفْسِيرِ مَباحِثُ:
الأوَّلُ: الفاءُ تَسْتَدْعِي تَعْقِيبَ أمْرٍ لِأمْرٍ فَما الأمْرُ المُتَقَدِّمُ ؟ نَقُولُ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: الدَّلِيلُ المُتَقَدِّمُ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ﴾ لَحَقٌّ بِالبُرْهانِ المُبِينِ، ثُمَّ بِالقَسَمِ واليَمِينِ.

ثانِيهِما: القَسَمُ المُتَقَدِّمُ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿والذّارِياتِ﴾ ثُمَّ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وعَلى هَذا يَكُونُ الفاءُ حَرْفَ عَطْفٍ أُعِيدَ مَعَهُ حَرْفُ القَسَمِ كَما يُعادُ الفِعْلُ إذْ يَصِحُّ أنْ يُقالَ ومَرَرْتُ بِعَمْرٍو، فَقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ عَطْفٌ مِن غَيْرِ إعادَةِ حَرْفِ القَسَمِ، وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مَعَ إعادَةِ حَرْفِهِ، والسَّبَبُ فِيهِ وُقُوعُ الفَصْلِ بَيْنَ القَسَمَيْنِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ الأمْرُ المُتَقَدِّمُ هو بَيانُ الثَّوابِ في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ وفِيهِ فائِدَةٌ، وهو أنَّ الفاءَ تَكُونُ تَنْبِيهًا عَلى أنْ لا حاجَةَ إلى اليَمِينِ مَعَ ما تَقَدَّمَ مِنَ الكَشْفِ المُبِينِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ ورَبِّ السَّماءِ والأرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ، كَما يَقُولُ القائِلُ بَعْدَما يُظْهِرُ دَعْواهُ هَذا واللَّهِ إنَّ الأمْرَ كَما ذَكَرْتُ فَيُؤَكِّدُ قَوْلَهُ بِاليَمِينِ، ويُشِيرُ إلى ثُبُوتِهِ مِن غَيْرِ يَمِينٍ.

البَحْثُ الثّانِي: أقْسَمَ مِن قَبْلُ بِالأُمُورِ الأرْضِيَّةِ وهي الرِّياحُ وبِالسَّماءِ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ولَمْ يُقْسِمْ بِرَبِّها، وهَهُنا أقْسَمَ بِرَبِّها نَقُولُ كَذَلِكَ التَّرْتِيبُ يُقْسِمُ المُتَكَلِّمُ أوَّلًا بِالأدْنى فَإنْ لَمْ يُصَدَّقْ بِهِ يَرْتَقِي إلى الأعْلى، ولِهَذا قالَ بَعْضُ النّاسِ إذا قالَ قائِلٌ وحَياتِكَ واللَّهِ لا يَكْفُرُ وإذا قالَ: واللَّهِ وحَياتِكَ لا شَكَّ يَكْفُرُ وهَذا اسْتِشْهادٌ، وإنْ كانَ الأمْرُ عَلى خِلافِ ما قالَهُ ذَلِكَ القائِلُ؛ لِأنَّ الكُفْرَ إمّا بِالقَلْبِ، أوْ بِاللَّفْظِ الظّاهِرِ في أمْرِ القَلْبِ، أوْ بِالفِعْلِ الظّاهِرِ، وما ذَكَرَهُ لَيْسَ بِظاهِرٍ في تَعْظِيمِ جانِبِ غَيْرِ اللَّهِ، والعَجَبُ مِن ذَلِكَ القائِلِ أنَّهُ لا يَجْعَلُ التَّأْخِيرَ في الذِّكْرِ مُفِيدًا لِلتَّرْتِيبِ في الوُضُوءِ وغَيْرِهِ.

البَحْثُ الثّالِثُ: قُرِئَ ”مِثْلُ“ بِالرَّفْعِ وحِينَئِذٍ يَكُونُ وصْفًا لِقَوْلِهِ ”لَحَقٌّ“ ومِثْلُ وإنْ أُضِيفَ إلى المَعْرِفَةِ لا يُخْرِجُهُ عَنْ جَوازِ وصْفِ المُنْكَّرِ بِهِ، تَقُولُ رَأيْتُ رَجُلًا مِثْلَ عَمْرٍو؛ لِأنَّهُ لا يُفِيدُهُ تَعْرِيفًا لِأنَّهُ في غايَةِ الإبْهامِ وقُرِئَ:”مِثْلَ“ بِالنَّصْبِ، ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَفْتُوحًا لِإضافَتِهِ إلى ما هو ضَعِيفٌ وإلّا جازَ أنْ يُقالَ زَيْدٌ قاتِلُ مَن يَعْرِفُهُ أوْ ضارِبُ مَن يَشْتُمُهُ.

ثانِيهِما: أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى البَيانِ تَقْدِيرُهُ لَحَقٌّ حَقًّا مِثْلَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ إنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَعْلُومٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ، ووَجْهُهُ أنّا دَلَّلَنا أنَّ المُرادَ مِنَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ﴾ هو القُرْآنُ فَكَأنَّهُ قالَ إنَّ القُرْآنَ لَحَقٌّ نَطَقَ بِهِ المَلَكُ نُطْقًا ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وما مَجْرُورٌ لا شَكَّ فِيهِ.

Reading a passage 3 ayat 5 ayat 10 ayat Just this one

The same ayah, in another commentary

Adh-Dhāriyāt 51:19