All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

Adh-Dhāriyāt 51:19 Juzʾ 26 Page 521

‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And from their properties was [given] the right of the [needy] petitioner and the deprived.

Read in the muṣḥaf

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ .

وقَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعْدَ ذِكْرِ تَعْظِيمِ نَفْسِهِ يَذْكُرُ الشَّفَقَةَ عَلى خَلْقِهِ، ولا شَكَّ أنَّ قَلِيلَ الهُجُوعِ المُسْتَغْفِرَ في وُجُوهِ الأسْحارِ وُجِدَ مِنهُ التَّعْظِيمُ العَظِيمُ، فَأشارَ بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أضافَ المالَ إلَيْهِمْ، وقالَ في مَواضِعَ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ [يس: ٤٧] وقالَ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ نَقُولُ: سَبَبُهُ أنَّ في تِلْكَ المَواضِعِ كانَ الذِّكْرُ لِلْحَثِّ، فَذَكَرَ مَعَهُ ما يَدْفَعُ الحَثَّ ويَرْفَعُ المانِعَ، فَقالَ: هو رِزْقُ اللَّهِ واللَّهُ يُزْرُقُكم فَلا تَخافُوا الفَقْرَ وأعْطُوا، وأمّا هَهُنا فَمَدَحَ عَلى ما فَعَلُوهُ فَلَمْ يَكُنْ إلى

صفحة ١٧٧
الحِرْصِ حاجَةٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَشْهُورُ في الحَقِّ أنَّهُ هو القَدْرُ الَّذِي عُلِمَ شَرْعًا وهو الزَّكاةُ وحِينَئِذٍ لا يَبْقى هَذا صِفَةُ مَدْحٍ؛ لِأنَّ كَوْنَ المُسْلِمِ في مالِهِ حَقٌّ وهو الزَّكاةُ لَيْسَ صِفَةَ مَدْحٍ لِأنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ كَذَلِكَ، بَلِ الكافِرُ إذا قُلْنا إنَّهُ مُخاطَبٌ بِفُرُوعِ الإسْلامِ في مالِهِ حَقٌّ مَعْلُومٌ غَيْرَ أنَّهُ إذا أسْلَمَ سَقَطَ عَنْهُ وإنْ ماتَ عُوقِبَ عَلى تَرْكِهِ، وإنْ أدّى مِن غَيْرِ الإسْلامِ لا يَقَعُ المَوْقِعُ، فَكَيْفَ يُفْهَمُ كَوْنُهُ مَدْحًا ؟ نَقُولُ الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنّا نُفَسِّرُ السّائِلَ بِمَن يَطْلُبُ شَرْعًا، والمَحْرُومَ الَّذِي لا مَكِنَةَ لَهُ مِنَ الطَّلَبِ ومَنعَهُ الشّارِعُ مِنَ المُطالَبَةِ، ثُمَّ إنَّ المَنعَ قَدْ يَكُونُ لِكَوْنِ الطّالِبِ غَيْرَ مُسْتَحِقٍّ، وقَدْ يَكُونُ لِكَوْنِ المَطْلُوبِ مِنهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ حَقٌّ فَلا يُطالَبُ فَقالَ تَعالى في مالِهِ حَقٌّ لِلطّالِبِ وهو الزَّكاةُ ولِغَيْرِ الطّالِبِ وهو الصَّدَقَةُ المُتَطَوَّعُ بِها فَإنَّ ذَلِكَ المالِكَ لا يُطالَبُ بِها ويُحْرَمُ الطّالِبُ مِنهُ طَلَبًا عَلى سَبِيلِ الجِزْيَةِ والزَّكاةِ، بَلْ يَسْألُ سُؤالًا اخْتِيارِيًّا فَيَكُونُ حِينَئِذٍ كَأنَّهُ قالَ في مالِهِ زَكاةٌ وصَدَقَةٌ والصَّدَقَةُ في المالِ لا تَكُونُ إلّا بِفَرْضِهِ هو ذَلِكَ وتَقْدِيرِهِ وإفْرازِهِ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ.

الجَوابُ الثّانِي: هو أنَّ قَوْلَهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ مالُهم ظَرْفٌ لِحُقُوقِهِمْ فَإنَّ كَلِمَةَ في لِلظَّرْفِيَّةِ لَكِنَّ الظَّرْفَ لا يُطْلَبُ إلّا لِلْمَظْرُوفِ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ هم لا يَطْلُبُونَ المالَ ولا يَجْمَعُونَهُ إلّا ويَجْعَلُونَهُ ظَرْفًا لِلْحَقِّ، ولا شَكَّ أنَّ المَطْلُوبَ مِنَ الظَّرْفِ هو المَظْرُوفُ، والظَّرْفُ مالُهم فَجَعَلَ مالَهم ظَرْفًا لِلْحُقُوقِ ولا يَكُونُ فَوْقَ هَذا مَدْحٌ فَإنْ قِيلَ فَلَوْ قِيلَ مالُهم لِلسّائِلِ هَلْ كانَ أبْلَغَ ؟ قُلْنا: لا وذَلِكَ لِأنَّ مَن يَكُونُ لَهُ أرْبَعُونَ دِينارًا فَتَصَدَّقَ بِها لا تَكُونُ صَدَقَتُهُ دائِمَةً لَكِنْ إذا اجْتَهَدَ واتَّجَرَ وعاشَ سِنِينَ وأدّى الزَّكاةَ والصَّدَقَةَ يَكُونُ مِقْدارُ المُؤَدّى أكْثَرَ وهَذا كَما في الصَّلاةِ والصَّوْمِ ولَوْ أضْعَفَ واحِدٌ نَفْسَهُ بِهِما حَتّى عَجَزَ عَنْهُما لا يَكُونُ مِثْلَ مَنِ اقْتَصَدَ فِيهِما، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ ﷺ: ”«إنَّ هَذا الدِّينَ مَتِينٌ فَأوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ فَإنَّ المُنْبَتَّ لا أرْضًا قَطَعَ ولا ظَهْرًا أبْقى» “ وفي السّائِلِ والمَحْرُومِ وُجُوهٌ.

أحَدُها: أنَّ السّائِلَ هو النّاطِقُ وهو الآدَمِيُّ والمَحْرُومُ كُلُّ ذِي رُوحٍ غَيْرُهُ مِنَ الحَيَواناتِ المَحْرُومَةِ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«لِكُلِّ كَبِدٍ حَرّى أجْرٌ» “ .

وثانِيها: وهو الأظْهَرُ والأشْهَرُ، أنَّ السّائِلَ هو الَّذِي يَسْألُ، والمَحْرُومَ المُتَعَفِّفُ الَّذِي يَحْسَبُهُ بَعْضُ النّاسِ غَنِيًّا فَلا يُعْطِيهِ شَيْئًا.

والأوَّلُ: كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكُمْ﴾ [طه: ٥٤] .

والثّانِي: كَقَوْلِهِ: ﴿وأطْعِمُوا القانِعَ والمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] فالقانِعُ كالمَحْرُومِ فَإنْ قِيلَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ التَّرْتِيبُ في غايَةِ الحُسْنِ، فَإنَّ دَفْعَ حاجَةِ النّاطِقِ مُقَدَّمٌ عَلى دَفْعِ حاجَةِ البَهائِمِ، فَما وجْهُ التَّرْتِيبِ في الوَجْهِ الثّانِي ؟ نَقُولُ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّ السّائِلَ انْدِفاعُ حاجَتِهِ قَبْلَ انْدِفاعِ حاجَةِ المَحْرُومِ في الوُجُودِ لِأنَّهُ يُعْرَفُ حالُهُ بِمَقالِهِ ويَطْلُبُ لِقِلَّةِ مالِهِ فَيُقَدَّمُ بِدَفْعِ حاجَتِهِ، والمَحْرُومَ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَلا تَنْدَفِعُ حاجَتُهُ إلّا بَعْدَ الِاطِّلاعِ عَلَيْهِ، فَكانَ الذِّكْرُ عَلى التَّرْتِيبِ الواقِعِ.

وثانِيهِما: هو أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى كَثْرَةِ العَطاءِ فَيَقُولُ يُعْطِي السّائِلَ فَإذا لَمْ يَجِدْهم يَسْألْ هو عَنِ المُحْتاجِينَ فَيَكُونُ سائِلًا ومَسْؤُولًا.

الثّالِثُ: هو أنَّ المَحاسِنَ اللَّفْظِيَّةَ غَيْرُ مَهْجُورَةٍ في الكَلامِ الحِكَمِيِّ، فَإنَّ قَوْلَ القائِلِ إنَّ رُجُوعَهم إلَيْنا وعَلَيْنا حِسابُهم لَيْسَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الغاشية: ٢٦] والكَلامُ لَهُ جِسْمٌ وهو اللَّفْظُ ولَهُ رُوحٌ وهو المَعْنى، وكَما أنَّ الإنْسانَ الَّذِي نَوَّرَ رُوحَهُ بِالمَعْرِفَةِ يَنْبَغِي أنْ يُنَوِّرَ جِسْمَهُ الظّاهِرَ بِالنَّظافَةِ، كَذَلِكَ الكَلامُ ورُبَّ كَلِمَةٍ حِكَمَيَّةٍ لا تُؤَثِّرُ في النُّفُوسِ لِرَكاكَةِ لَفْظِها، إذا عَرَفْتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ أحْسَنُ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ مِن قَوْلِنا وبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ، وفي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلْمَحْرُومِ والسّائِلِ، فَإنْ قِيلَ قُدِّمَ السّائِلُ عَلى المَحْرُومِ هَهُنا لِما ذَكَرْتَ مِنَ الوُجُوهِ، ولِمَ قُدِّمَ المَحْرُومُ عَلى السّائِلِ في قَوْلِهِ: ﴿القانِعَ والمُعْتَرَّ﴾ [الحَجِّ:

صفحة ١٧٨
٣٦ ] لِأنَّ (القانِعَ) هو الَّذِي لا يَسْألُ (والمُعْتَرَّ) السّائِلُ ؟ نَقُولُ قَدْ قِيلَ إنَّ (القانِعَ) هو (السّائِلُ) (والمُعْتَرَّ) الَّذِي لا يَسْألُ، فَلا فَرْقَ بَيْنَ المَوْضِعَيْنِ، وقِيلَ بِأنَّ (القانِعَ والمُعْتَرَّ) كِلاهُما لا يَسْألُ لَكِنَّ (القانِعَ) لا يَتَعَرَّضُ ولا يَخْرُجُ مَن بَيْتِهِ (والمُعْتَرَّ) يَتَعَرَّضُ لِلْأخْذِ بِالسَّلامِ والتَّرَدُّدِ ولا يَسْألُ، وقِيلَ بِأنَّ (القانِعَ) لا يَسْألُ (والمُعْتَرَّ) يَسْألُ، فَعَلى هَذا فَلَحْمُ البَدَنَةِ يُفَرَّقُ مِن غَيْرِ مُطالَبَةِ ساعٍ أوْ مُسْتَحِقِّ مُطالَبَةِ جِزْيَةٍ، والزَّكاةُ لَها طالِبٌ وسائِلٌ هو السّاعِي والإمامُ، فَقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ إشارَةٌ إلى الزَّكاةِ، وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ أيِ المَمْنُوعِ إشارَةٌ إلى الصَّدَقَةِ المُتَطَوَّعِ بِها وإحْداهُما قَبْلَ الأُخْرى بِخِلافِ إعْطاءِ اللَّحْمِ.

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And on the earth are signs for the certain [in faith]

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وهو يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏، ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ تَدُلُّهم عَلى أنَّ الحَشْرَ كائِنٌ كَما قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ إلى أنْ قالَ: ﴿إنَّ الَّذِي أحْياها لَمُحْيِي المَوْتى﴾ [فُصِّلَتْ: ٣٩ ] .

وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِأفْعالِ المُتَّقِينَ، فَإنَّهم خافُوا اللَّهَ فَعَظَّمُوهُ فَأظْهَرُوا الشَّفَقَةَ عَلى عِبادِهِ، وكانَ لَهم آياتٌ في الأرْضِ، وفي أنْفُسِهِمْ عَلى إصابَتِهِمُ الحَقَّ في ذَلِكَ، فَإنَّ مَن يَكُونُ لَهُ في الأرْضِ الآياتُ العَجِيبَةُ يَكُونُ لَهُ القُدْرَةُ التّامَّةُ فَيُخْشى ويُتَّقى، ومَن لَهُ في أنْفُسِ النّاسِ حِكَمٌ بالِغَةٌ ونِعَمٌ سابِغَةٌ يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ ويُتْرُكَ الهُجُوعُ لِعِبادَتِهِ، وإذا قابَلَ العَبْدُ العِبادَةَ بِالنِّعْمَةِ يَجِدُها دُونَ حَدِّ الشُّكْرِ فَيَسْتَغْفِرُ عَلى التَّقْصِيرِ، وإذا عَلِمَ أنَّ الرِّزْقَ مِنَ السَّماءِ لا يَبْخَلُ بِمالِهِ، فالآياتُ الثَّلاثَةُ المُتَأخِّرَةُ فِيها تَقْرِيرُ ما تَقَدَّمَ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الذاريات: ٢٣] يَكُونُ عَوْدُ الكَلامِ بَعْدَ اعْتِراضِ الكَلامِ الأوَّلِ أقْوى وأظْهَرَ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: كَيْفَ خَصَّصَ المُوقِنِينَ بِكَوْنِ الآياتِ لَهم مَعَ أنَّ الآياتِ حاصِلَةٌ لِلْكُلِّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [يس: ٣٣] نَقُولُ قَدْ ذَكَرْنا أنَّ اليَمِينَ آخَرُ ما يَأْتِي بِهِ المُبَرْهِنُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ أوَّلًا يَأْتِي بِالبُرْهانِ، فَإنْ صُدِّقَ فَذَلِكَ وإنْ لَمْ يُصَدَّقْ لا بُدَّ لَهُ مِن أنْ يَنْسُبَهُ الخَصْمُ إلى إصْرارٍ عَلى الباطِلِ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَقْدِرْ عَلى قَدْحٍ فِيهِ ولَمْ يُصَدِّقْهُ يَعْتَرِفْ لَهُ بِقُوَّةِ الجَدَلِ ويَنْسُبْهُ إلى المُكابَرَةِ فَيَتَعَيَّنُ طَرِيقُهُ في اليَمِينِ، فَإذًا آياتُ الأرْضِ لَمْ تُفْدِهم لِأنَّ اليَمِينَ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ دَلَّتْ عَلى سَبْقِ إقامَةِ البَيِّناتِ وذِكْرِ الآياتِ ولَمْ يُفِدْ فَقالَ فِيها: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وإنْ لَمْ يَحْصُلْ لِلْمُصِرِّ المُعانِدِ مِنها فائِدَةٌ، وأمّا في سُورَةِ يس وغَيْرِها مِنَ المَواضِعِ الَّتِي جَعَلَ فِيها آياتِ الأرْضِ لِلْعامَّةِ لَمْ يَحْصُلْ فِيها اليَمِينُ وذِكْرُ الآياتِ قَبْلَهُ فَجازَ أنْ يُقالَ إنَّ الأرْضَ آياتٌ لِمَن يَنْظُرُ فِيها.

الجَوابُ الثّانِي: وهو الأصَحُّ أنَّ هُنا الآياتُ بِالفِعْلِ والِاعْتِبارِ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْ حَصَلَ ذَلِكَ لَهم وحَيْثُ قالَ لِكُلٍّ مَعْناهُ إنَّ فِيها آياتٍ لَهم إنْ نَظَرُوا وتَأمَّلُوا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَهُنا قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وقالَ هُناكَ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ﴾ [يس: ٣٣] نَقُولُ لَمّا جَعَلَ الآيَةَ ‏‏‏‏‏‏‏ ذَكَرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِأنَّ المُوقِنَ لا يَغْفُلُ عَنِ اللَّهِ تَعالى في حالٍ ويَرى في كُلِّ شَيْءٍ آياتٍ دالَّةً، وأمّا الغافِلُ فَلا يَتَنَبَّهُ إلّا بِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ فَيَكُونُ الكُلُّ لَهُ كالآيَةِ الواحِدَةِ.

‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And in yourselves. Then will you not see?

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ إشارَةً إلى دَلِيلِ الأنْفُسِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] وإنَّما اخْتارَ مِن دَلائِلَ الآفاقِ ما في الأرْضِ لِظُهُورِها لِمَن عَلى ظُهُورِها فَإنَّ في أطْرافِها وأكْنافِها ما لا يُمْكِنُ عَدُّ أصْنافِها فَدَلِيلُ الأنْفُسِ في قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ عامٌّ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعَ المُؤْمِنِينَ، وإنَّما أتى بِصِيغَةِ الخِطابِ لِأنَّها أظْهَرُ لِكَوْنِ عِلْمِ الإنْسانِ بِما في نَفْسِهِ أتَمَّ وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وفِيكم، يُقالُ الحِجارَةُ في نَفْسِها صُلْبَةٌ ولا يُرادُ بِها النَّفْسُ الَّتِي هي مَنبَعُ الحَياةِ والحِسِّ والحَرَكاتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وفي نُفُوسِكُمُ الَّتِي بِها حَياتُكم آياتٌ وقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ بِالِاسْتِفْهامِ إشارَةٌ إلى ظُهُورِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فِيهِ وُجُوهٌ.

أحَدُها: في السَّحابِ المَطَرُ.

ثانِيها: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مَكْتُوبٌ.

ثالِثُها: تَقْدِيرُ الأرْزاقِ كُلِّها مِنَ السَّماءِ ولَوْلاهُ لَما حَصَلَ في الأرْضِ حَبَّةُ قُوتٍ، وفي الآياتِ الثَّلاثِ تَرْتِيبٌ حَسَنٌ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ لَهُ أُمُورٌ يَحْتاجُ إلَيْها لا بُدَّ مِن سَبْقِها حَتّى يُوجَدَ هو في نَفْسِهِ وأُمُورٌ تُقارِنُهُ في الوُجُودِ وأُمُورٌ تَلْحَقُهُ وتُوجَدُ بَعْدَهُ لِيَبْقى بِها، فالأرْضُ هي المَكانُ وإلَيْهِ يَحْتاجُ الإنْسانُ ولا بُدَّ مِن سَبْقِها فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ثُمَّ في نَفْسِ الإنْسانِ أُمُورٌ مِنَ الأجْسامِ والأعْراضِ فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ثُمَّ بَقاؤُهُ بِالرِّزْقِ فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ولَوْلا السَّماءُ لَما كانَ لِلنّاسِ البَقاءُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فِيهِ وُجُوهٌ.

أحَدُها: الجَنَّةُ المَوْعُودُ بِها لِأنَّها في السَّماءِ.

ثانِيها: هو مِنَ الإيعادِ لِأنَّ البِناءَ لِلْمَفْعُولِ مِن أوْعَدَ يُوعِدُ أيْ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إمّا مِنَ الجَنَّةِ والنّارِ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ وقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ فَيَكُونُ إيعادًا عامًّا، وإمّا مِنَ العَذابِ وحِينَئِذٍ يَكُونُ الخِطابُ مَعَ الكُفّارِ فَيَكُونُ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ كافِيَةٌ، وأمّا أنْتُمْ أيُّها الكافِرُونَ فَفي أنْفُسِكم آياتٌ هي أظْهَرُ الآياتِ وتَكْفُرُونَ بِها لِحُطامِ الدُّنْيا وحُبِّ الرِّياسَةِ، وفي السَّماءِ الأرْزاقُ، فَلَوْ نَظَرْتُمْ وتَأمَّلْتُمْ حَقَّ التَّأمُّلِ، لَما تَرَكْتُمُ الحَقَّ لِأجْلِ الرِّزْقِ، فَإنَّهُ واصِلٌ بِكُلِّ طَرِيقٍ ولاجْتَنَبْتُمُ الباطِلَ اتِّقاءً لِما تُوعِدُونَ مِنَ العَذابِ النّازِلِ.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .
وفِي المُقْسَمِ عَلَيْهِ وُجُوهٌ.

أحَدُها: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ ما تُوعَدُونَ لَحَقٌّ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وعَلى هَذا يَعُودُ كُلُّ ما قُلْناهُ في وُجُوهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إنْ قُلْنا إنَّ ذَلِكَ هو الجَنَّةُ فالمُقْسَمُ عَلَيْهِ هو هي.

ثانِيها: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى القُرْآنِ أيْ أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ وفِيما ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ دَلِيلُ هَذِهِ وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مَعْناهُ تَكَلَّمَ بِهِ المَلَكُ النّازِلُ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِهِ مِثْلَ ما أنَّكم تَتَكَلَّمُونَ وسَنَذْكُرُهُ.

ثالِثُها: أنَّهُ راجِعٌ إلى الدِّينِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ .

رابِعُها: أنَّهُ راجِعٌ إلى اليَوْمِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ يَدُلُّ عَلَيْهِ وصْفُ اللَّهِ اليَوْمَ بِالحَقِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ اليَوْمُ الحَقُّ﴾ [النبأ: ٣٩] .

خامِسُها: أنَّهُ راجِعٌ

صفحة ١٨٠
إلى القَوْلِ الَّذِي يُقالُ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ وفي التَّفْسِيرِ مَباحِثُ:
الأوَّلُ: الفاءُ تَسْتَدْعِي تَعْقِيبَ أمْرٍ لِأمْرٍ فَما الأمْرُ المُتَقَدِّمُ ؟ نَقُولُ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: الدَّلِيلُ المُتَقَدِّمُ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ﴾ لَحَقٌّ بِالبُرْهانِ المُبِينِ، ثُمَّ بِالقَسَمِ واليَمِينِ.

ثانِيهِما: القَسَمُ المُتَقَدِّمُ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿والذّارِياتِ﴾ ثُمَّ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وعَلى هَذا يَكُونُ الفاءُ حَرْفَ عَطْفٍ أُعِيدَ مَعَهُ حَرْفُ القَسَمِ كَما يُعادُ الفِعْلُ إذْ يَصِحُّ أنْ يُقالَ ومَرَرْتُ بِعَمْرٍو، فَقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ عَطْفٌ مِن غَيْرِ إعادَةِ حَرْفِ القَسَمِ، وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مَعَ إعادَةِ حَرْفِهِ، والسَّبَبُ فِيهِ وُقُوعُ الفَصْلِ بَيْنَ القَسَمَيْنِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ الأمْرُ المُتَقَدِّمُ هو بَيانُ الثَّوابِ في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ وفِيهِ فائِدَةٌ، وهو أنَّ الفاءَ تَكُونُ تَنْبِيهًا عَلى أنْ لا حاجَةَ إلى اليَمِينِ مَعَ ما تَقَدَّمَ مِنَ الكَشْفِ المُبِينِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ ورَبِّ السَّماءِ والأرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ، كَما يَقُولُ القائِلُ بَعْدَما يُظْهِرُ دَعْواهُ هَذا واللَّهِ إنَّ الأمْرَ كَما ذَكَرْتُ فَيُؤَكِّدُ قَوْلَهُ بِاليَمِينِ، ويُشِيرُ إلى ثُبُوتِهِ مِن غَيْرِ يَمِينٍ.

البَحْثُ الثّانِي: أقْسَمَ مِن قَبْلُ بِالأُمُورِ الأرْضِيَّةِ وهي الرِّياحُ وبِالسَّماءِ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ولَمْ يُقْسِمْ بِرَبِّها، وهَهُنا أقْسَمَ بِرَبِّها نَقُولُ كَذَلِكَ التَّرْتِيبُ يُقْسِمُ المُتَكَلِّمُ أوَّلًا بِالأدْنى فَإنْ لَمْ يُصَدَّقْ بِهِ يَرْتَقِي إلى الأعْلى، ولِهَذا قالَ بَعْضُ النّاسِ إذا قالَ قائِلٌ وحَياتِكَ واللَّهِ لا يَكْفُرُ وإذا قالَ: واللَّهِ وحَياتِكَ لا شَكَّ يَكْفُرُ وهَذا اسْتِشْهادٌ، وإنْ كانَ الأمْرُ عَلى خِلافِ ما قالَهُ ذَلِكَ القائِلُ؛ لِأنَّ الكُفْرَ إمّا بِالقَلْبِ، أوْ بِاللَّفْظِ الظّاهِرِ في أمْرِ القَلْبِ، أوْ بِالفِعْلِ الظّاهِرِ، وما ذَكَرَهُ لَيْسَ بِظاهِرٍ في تَعْظِيمِ جانِبِ غَيْرِ اللَّهِ، والعَجَبُ مِن ذَلِكَ القائِلِ أنَّهُ لا يَجْعَلُ التَّأْخِيرَ في الذِّكْرِ مُفِيدًا لِلتَّرْتِيبِ في الوُضُوءِ وغَيْرِهِ.

البَحْثُ الثّالِثُ: قُرِئَ ”مِثْلُ“ بِالرَّفْعِ وحِينَئِذٍ يَكُونُ وصْفًا لِقَوْلِهِ ”لَحَقٌّ“ ومِثْلُ وإنْ أُضِيفَ إلى المَعْرِفَةِ لا يُخْرِجُهُ عَنْ جَوازِ وصْفِ المُنْكَّرِ بِهِ، تَقُولُ رَأيْتُ رَجُلًا مِثْلَ عَمْرٍو؛ لِأنَّهُ لا يُفِيدُهُ تَعْرِيفًا لِأنَّهُ في غايَةِ الإبْهامِ وقُرِئَ:”مِثْلَ“ بِالنَّصْبِ، ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَفْتُوحًا لِإضافَتِهِ إلى ما هو ضَعِيفٌ وإلّا جازَ أنْ يُقالَ زَيْدٌ قاتِلُ مَن يَعْرِفُهُ أوْ ضارِبُ مَن يَشْتُمُهُ.

ثانِيهِما: أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى البَيانِ تَقْدِيرُهُ لَحَقٌّ حَقًّا مِثْلَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ إنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَعْلُومٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ، ووَجْهُهُ أنّا دَلَّلَنا أنَّ المُرادَ مِنَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ﴾ هو القُرْآنُ فَكَأنَّهُ قالَ إنَّ القُرْآنَ لَحَقٌّ نَطَقَ بِهِ المَلَكُ نُطْقًا ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وما مَجْرُورٌ لا شَكَّ فِيهِ.

‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And in the heaven is your provision and whatever you are promised.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ إشارَةً إلى دَلِيلِ الأنْفُسِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] وإنَّما اخْتارَ مِن دَلائِلَ الآفاقِ ما في الأرْضِ لِظُهُورِها لِمَن عَلى ظُهُورِها فَإنَّ في أطْرافِها وأكْنافِها ما لا يُمْكِنُ عَدُّ أصْنافِها فَدَلِيلُ الأنْفُسِ في قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ عامٌّ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعَ المُؤْمِنِينَ، وإنَّما أتى بِصِيغَةِ الخِطابِ لِأنَّها أظْهَرُ لِكَوْنِ عِلْمِ الإنْسانِ بِما في نَفْسِهِ أتَمَّ وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وفِيكم، يُقالُ الحِجارَةُ في نَفْسِها صُلْبَةٌ ولا يُرادُ بِها النَّفْسُ الَّتِي هي مَنبَعُ الحَياةِ والحِسِّ والحَرَكاتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وفي نُفُوسِكُمُ الَّتِي بِها حَياتُكم آياتٌ وقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ بِالِاسْتِفْهامِ إشارَةٌ إلى ظُهُورِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فِيهِ وُجُوهٌ.

أحَدُها: في السَّحابِ المَطَرُ.

ثانِيها: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مَكْتُوبٌ.

ثالِثُها: تَقْدِيرُ الأرْزاقِ كُلِّها مِنَ السَّماءِ ولَوْلاهُ لَما حَصَلَ في الأرْضِ حَبَّةُ قُوتٍ، وفي الآياتِ الثَّلاثِ تَرْتِيبٌ حَسَنٌ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ لَهُ أُمُورٌ يَحْتاجُ إلَيْها لا بُدَّ مِن سَبْقِها حَتّى يُوجَدَ هو في نَفْسِهِ وأُمُورٌ تُقارِنُهُ في الوُجُودِ وأُمُورٌ تَلْحَقُهُ وتُوجَدُ بَعْدَهُ لِيَبْقى بِها، فالأرْضُ هي المَكانُ وإلَيْهِ يَحْتاجُ الإنْسانُ ولا بُدَّ مِن سَبْقِها فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ثُمَّ في نَفْسِ الإنْسانِ أُمُورٌ مِنَ الأجْسامِ والأعْراضِ فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ثُمَّ بَقاؤُهُ بِالرِّزْقِ فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ولَوْلا السَّماءُ لَما كانَ لِلنّاسِ البَقاءُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فِيهِ وُجُوهٌ.

أحَدُها: الجَنَّةُ المَوْعُودُ بِها لِأنَّها في السَّماءِ.

ثانِيها: هو مِنَ الإيعادِ لِأنَّ البِناءَ لِلْمَفْعُولِ مِن أوْعَدَ يُوعِدُ أيْ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إمّا مِنَ الجَنَّةِ والنّارِ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ وقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ فَيَكُونُ إيعادًا عامًّا، وإمّا مِنَ العَذابِ وحِينَئِذٍ يَكُونُ الخِطابُ مَعَ الكُفّارِ فَيَكُونُ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ كافِيَةٌ، وأمّا أنْتُمْ أيُّها الكافِرُونَ فَفي أنْفُسِكم آياتٌ هي أظْهَرُ الآياتِ وتَكْفُرُونَ بِها لِحُطامِ الدُّنْيا وحُبِّ الرِّياسَةِ، وفي السَّماءِ الأرْزاقُ، فَلَوْ نَظَرْتُمْ وتَأمَّلْتُمْ حَقَّ التَّأمُّلِ، لَما تَرَكْتُمُ الحَقَّ لِأجْلِ الرِّزْقِ، فَإنَّهُ واصِلٌ بِكُلِّ طَرِيقٍ ولاجْتَنَبْتُمُ الباطِلَ اتِّقاءً لِما تُوعِدُونَ مِنَ العَذابِ النّازِلِ.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .
وفِي المُقْسَمِ عَلَيْهِ وُجُوهٌ.

أحَدُها: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ ما تُوعَدُونَ لَحَقٌّ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وعَلى هَذا يَعُودُ كُلُّ ما قُلْناهُ في وُجُوهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إنْ قُلْنا إنَّ ذَلِكَ هو الجَنَّةُ فالمُقْسَمُ عَلَيْهِ هو هي.

ثانِيها: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى القُرْآنِ أيْ أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ وفِيما ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ دَلِيلُ هَذِهِ وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مَعْناهُ تَكَلَّمَ بِهِ المَلَكُ النّازِلُ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِهِ مِثْلَ ما أنَّكم تَتَكَلَّمُونَ وسَنَذْكُرُهُ.

ثالِثُها: أنَّهُ راجِعٌ إلى الدِّينِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ .

رابِعُها: أنَّهُ راجِعٌ إلى اليَوْمِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ يَدُلُّ عَلَيْهِ وصْفُ اللَّهِ اليَوْمَ بِالحَقِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ اليَوْمُ الحَقُّ﴾ [النبأ: ٣٩] .

خامِسُها: أنَّهُ راجِعٌ

صفحة ١٨٠
إلى القَوْلِ الَّذِي يُقالُ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ وفي التَّفْسِيرِ مَباحِثُ:
الأوَّلُ: الفاءُ تَسْتَدْعِي تَعْقِيبَ أمْرٍ لِأمْرٍ فَما الأمْرُ المُتَقَدِّمُ ؟ نَقُولُ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: الدَّلِيلُ المُتَقَدِّمُ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ﴾ لَحَقٌّ بِالبُرْهانِ المُبِينِ، ثُمَّ بِالقَسَمِ واليَمِينِ.

ثانِيهِما: القَسَمُ المُتَقَدِّمُ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿والذّارِياتِ﴾ ثُمَّ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وعَلى هَذا يَكُونُ الفاءُ حَرْفَ عَطْفٍ أُعِيدَ مَعَهُ حَرْفُ القَسَمِ كَما يُعادُ الفِعْلُ إذْ يَصِحُّ أنْ يُقالَ ومَرَرْتُ بِعَمْرٍو، فَقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ عَطْفٌ مِن غَيْرِ إعادَةِ حَرْفِ القَسَمِ، وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مَعَ إعادَةِ حَرْفِهِ، والسَّبَبُ فِيهِ وُقُوعُ الفَصْلِ بَيْنَ القَسَمَيْنِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ الأمْرُ المُتَقَدِّمُ هو بَيانُ الثَّوابِ في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ وفِيهِ فائِدَةٌ، وهو أنَّ الفاءَ تَكُونُ تَنْبِيهًا عَلى أنْ لا حاجَةَ إلى اليَمِينِ مَعَ ما تَقَدَّمَ مِنَ الكَشْفِ المُبِينِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ ورَبِّ السَّماءِ والأرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ، كَما يَقُولُ القائِلُ بَعْدَما يُظْهِرُ دَعْواهُ هَذا واللَّهِ إنَّ الأمْرَ كَما ذَكَرْتُ فَيُؤَكِّدُ قَوْلَهُ بِاليَمِينِ، ويُشِيرُ إلى ثُبُوتِهِ مِن غَيْرِ يَمِينٍ.

البَحْثُ الثّانِي: أقْسَمَ مِن قَبْلُ بِالأُمُورِ الأرْضِيَّةِ وهي الرِّياحُ وبِالسَّماءِ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ولَمْ يُقْسِمْ بِرَبِّها، وهَهُنا أقْسَمَ بِرَبِّها نَقُولُ كَذَلِكَ التَّرْتِيبُ يُقْسِمُ المُتَكَلِّمُ أوَّلًا بِالأدْنى فَإنْ لَمْ يُصَدَّقْ بِهِ يَرْتَقِي إلى الأعْلى، ولِهَذا قالَ بَعْضُ النّاسِ إذا قالَ قائِلٌ وحَياتِكَ واللَّهِ لا يَكْفُرُ وإذا قالَ: واللَّهِ وحَياتِكَ لا شَكَّ يَكْفُرُ وهَذا اسْتِشْهادٌ، وإنْ كانَ الأمْرُ عَلى خِلافِ ما قالَهُ ذَلِكَ القائِلُ؛ لِأنَّ الكُفْرَ إمّا بِالقَلْبِ، أوْ بِاللَّفْظِ الظّاهِرِ في أمْرِ القَلْبِ، أوْ بِالفِعْلِ الظّاهِرِ، وما ذَكَرَهُ لَيْسَ بِظاهِرٍ في تَعْظِيمِ جانِبِ غَيْرِ اللَّهِ، والعَجَبُ مِن ذَلِكَ القائِلِ أنَّهُ لا يَجْعَلُ التَّأْخِيرَ في الذِّكْرِ مُفِيدًا لِلتَّرْتِيبِ في الوُضُوءِ وغَيْرِهِ.

البَحْثُ الثّالِثُ: قُرِئَ ”مِثْلُ“ بِالرَّفْعِ وحِينَئِذٍ يَكُونُ وصْفًا لِقَوْلِهِ ”لَحَقٌّ“ ومِثْلُ وإنْ أُضِيفَ إلى المَعْرِفَةِ لا يُخْرِجُهُ عَنْ جَوازِ وصْفِ المُنْكَّرِ بِهِ، تَقُولُ رَأيْتُ رَجُلًا مِثْلَ عَمْرٍو؛ لِأنَّهُ لا يُفِيدُهُ تَعْرِيفًا لِأنَّهُ في غايَةِ الإبْهامِ وقُرِئَ:”مِثْلَ“ بِالنَّصْبِ، ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَفْتُوحًا لِإضافَتِهِ إلى ما هو ضَعِيفٌ وإلّا جازَ أنْ يُقالَ زَيْدٌ قاتِلُ مَن يَعْرِفُهُ أوْ ضارِبُ مَن يَشْتُمُهُ.

ثانِيهِما: أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى البَيانِ تَقْدِيرُهُ لَحَقٌّ حَقًّا مِثْلَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ إنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَعْلُومٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ، ووَجْهُهُ أنّا دَلَّلَنا أنَّ المُرادَ مِنَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ﴾ هو القُرْآنُ فَكَأنَّهُ قالَ إنَّ القُرْآنَ لَحَقٌّ نَطَقَ بِهِ المَلَكُ نُطْقًا ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وما مَجْرُورٌ لا شَكَّ فِيهِ.

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Then by the Lord of the heaven and earth, indeed, it is truth - just as [sure as] it is that you are speaking.

This commentary could not be reached just now. Please try again in a moment.

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

Has there reached you the story of the honored guests of Abraham? -

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ إشارَةً إلى تَسْلِيَةِ قَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ بِبَيانِ أنَّ غَيْرَهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كانَ مِثْلَهُ، واخْتارَ إبْراهِيمَ لِكَوْنِهِ شَيْخَ المُرْسَلِينَ وكَوْنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى سُنَّتِهِ في بَعْضِ الأشْياءِ، وإنْذارًا لِقَوْمِهِ بِما جَرى مِنَ الضَّيْفِ، ومِن إنْزالِ الحِجارَةِ عَلى المُذْنِبِينَ المُضِلِّينَ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: إذا كانَ المُرادُ ما ذَكَرْتَ مِنَ التَّسْلِيَةِ والإنْذارِ فَأيُّ فائِدَةٍ في حِكايَةِ الضِّيافَةِ ؟ نَقُولُ لِيَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً إلى الفَرَجِ في حَقِّ الأنْبِياءِ، والبَلاءِ عَلى الجَهَلَةِ والأغْبِياءِ، إذا جاءَهم مِن حَيْثُ لا يُحْتَسَبُ.

صفحة ١٨١
قالَ اللَّهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الحشر: ٢] فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ خَبَرٌ مِن إنْزالِ العَذابِ مَعَ ارْتِفاعِ مَكانَتِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كَيْفَ سَمّاهم ضَيْفًا ولَمْ يَكُونُوا ؟ نَقُولُ لَمّا حَسِبَهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ضَيْفًا لَمْ يُكَذِّبْهُ اللَّهُ تَعالى في حِسابِهِ إكْرامًا لَهُ، يُقالُ في كَلِماتِ المُحَقِّقِينَ: الصّادِقُ يَكُونُ ما يَقُولُ، والصِّدِّيقِ يَقُولُ ما يَكُونُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”ضَيْفُ“ لَفْظٌ واحِدٌ والمُكْرَمِينَ جَمْعٌ، فَكَيْفَ وصَفَ الواحِدَ بِالجَمْعِ ؟ نَقُولُ الضَّيْفُ يَقَعُ عَلى القَوْمِ، يُقالُ قَوْمٌ ضَيْفٌ ولِأنَّهُ مَصْدَرٌ فَيَكُونُ كَلَفْظِ الرِّزْقُ مَصْدَرًا، وإنَّما وصَفَهم بِالمُكْرَمِينَ إمّا لِكَوْنِهِمْ عِبادًا مُكْرَمِينَ كَما قالَ تَعالى: ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] وإمّا لِإكْرامِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إيّاهم، فَإنْ قِيلَ: بِماذا أكْرَمَهم ؟ قُلْنا بِبَشاشَةِ الوَجْهِ أوَّلًا، وبِالإجْلاسِ في أحْسَنِ المَواضِعِ وألْطَفِها، ثانِيًا وتَعْجِيلِ القِرى ثالِثًا، وبَعْدُ التَّكْلِيفُ لِلضَّيْفِ بِالأكْلِ والجُلُوسِ. وكانُوا عِدَّةً مِنَ المَلائِكَةِ في قَوْلٍ: ثَلاثَةٌ جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وثالِثٌ، وفي قَوْلٍ عَشَرَةٌ، وفي آخَرَ اثْنا عَشْرَةَ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هم أُرْسِلُوا لِلْعَذابِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [الذاريات: ٣٢] وهم لَمْ يَكُونُوا مِن قَوْمِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنَّما كانُوا مِن قَوْمِ لُوطٍ فَما الحِكْمَةُ في مَجِيئِهِمْ إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ؟ نَقُولُ فِيهِ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ، وبَيانُها مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ شَيْخُ المُرْسَلِينَ وكانَ لُوطٌ مِن قَوْمِهِ ومِن إكْرامِ المَلِكِ لِلَّذِي في عُهْدَتِهِ وتَحْتَ طاعَتِهِ إذا كانَ يُرْسِلُ رَسُولًا إلى غَيْرِهِ يَقُولُ لَهُ اعْبُرْ عَلى فُلانٍ المَلِكِ وأخْبِرْهُ بِرِسالَتِكَ وخُذْ فِيها رَأْيَهُ.

وثانِيهِما: هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قَدَّرَ أنْ يُهْلِكَ قَوْمًا كَثِيرًا وجَمًّا غَفِيرًا، وكانَ ذَلِكَ مِمّا يُحْزِنُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ شَفَقَةً مِنهُ عَلى عِبادِهِ قالَ لَهم بَشِّرُوهُ بِغُلامٍ يَخْرُجُ مِن صُلْبِهِ أضْعافُ ما يَهْلِكُ، ويَكُونُ مِن صُلْبِهِ خُرُوجُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

When they entered upon him and said, "[We greet you with] peace." He answered, "[And upon you] peace, [you are] a people unknown.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ما العامِلُ في إذْ ؟ فِيهِ وُجُوهٌ.

أحَدُها: ما في المُكْرَمِينَ مِنَ الإشارَةِ إلى الفِعْلِ إنْ قُلْنا وصَفَهم بِكَوْنِهِمْ مُكْرَمِينَ بِناءً عَلى أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أكْرَمُهم فَيَكُونُ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: أُكْرِمُوا إذْ دَخَلُوا، وهَذا مِن شَأْنِ الكَرِيمِ أنْ يُكْرِمَ ضَيْفَهُ وقْتَ الدُّخُولِ.

ثانِيها: ما في الضَّيْفِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الفِعْلِ؛ لِأنّا قُلْنا إنَّ الضَّيْفَ مَصْدَرٌ فَيَكُونُ كَأنَّهُ يَقُولُ: أضافَهم إذْ دَخَلُوا.

وثالِثُها: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ أتاكَ تَقْدِيرُهُ ما أتاكَ حَدِيثُهم وقْتَ دُخُولِهِمْ، فاسْمَعِ الآنَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ ”هَلْ“ لَيْسَ لِلِاسْتِفْهامِ في هَذا المَوْضِعِ حَقِيقَةً بَلْ لِلْإعْلامِ، وهَذا أوْلى لِأنَّهُ فِعْلٌ مُصَرَّحٌ بِهِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ اذْكُرْ إذْ دَخَلُوا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِماذا اخْتَلَفَ إعْرابُ السَّلامَيْنِ في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ ؟ نَقُولُ: نُبَيِّنُ أوَّلًا وُجُوهَ النَّصْبِ والرَّفْعِ، ثُمَّ نُبَيِّنُ وُجُوهَ الِاخْتِلافِ في الإعْرابِ، أمّا النَّصْبُ فَيَحْتَمِلُ وُجُوهًا:

أحَدُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ السَّلامِ هو التَّحِيَّةَ وهو المَشْهُورُ، ونَصْبُهُ حِينَئِذٍ عَلى المَصْدَرِ تَقْدِيرُهُ نُسَلِّمُ سَلامًا.

ثانِيها: هو أنْ يَكُونَ السَّلامُ نَوْعًا مِن أنْواعِ الكَلامِ وهو كَلامٌ سَلِمَ بِهِ المُتَكَلِّمُ مِن أنْ يَلْغُوَ أوْ يَأْثَمَ

صفحة ١٨٢
فَكَأنَّهم لَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا حَسَنًا سَلِمُوا مِنَ الإثْمِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ مَفْعُولًا لِلْقَوْلِ لِأنَّ مَفْعُولَ القَوْلِ هو الكَلامُ، يُقالُ قالَ فُلانٌ كَلامًا، ولا يَكُونُ هَذا مِن بابِ ضَرْبَهُ سَوْطًا لِأنَّ المَضْرُوبَ هُناكَ لَيْسَ هو السَّوْطَ، وهَهُنا القَوْلُ هو الكَلامُ فَسَّرَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الفرقان: ٦٣] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦] .
ثالِثُها: أنْ يَكُونَ مَفْعُولَ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ نُبَلِّغُكَ سَلامًا، لا يُقالُ عَلى هَذا: إنَّ المُرادَ لَوْ كانَ ذَلِكَ لَعَلِمَ كَوْنِهِمْ رُسُلَ اللَّهِ عِنْدَ السَّلامِ فَما كانَ يَقُولُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ولا كانَ يُقَرِّبُ إلَيْهِمُ الطَّعامَ، ولِما قالَ نَكِرَهم وأوْجَسَ لِأنّا نَقُولُ جازَ أنْ يُقالَ إنَّهم قالُوا: نُبَلِّغُكَ سَلامًا ولَمْ يَقُولُوا مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى أنْ سَألَهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِمَّنْ تُبَلِّغُونَ لِيَ السَّلامَ، وذَلِكَ لِأنَّ الحَكِيمَ لا يَأْتِي بِالأمْرِ العَظِيمِ إلّا بِالتَّدْرِيجِ فَلَمّا كانَتْ هَيْبَتُهم عَظِيمَةً، فَلَوْ ضَمُّوا إلَيْهِ الأمْرَ العَظِيمَ الَّذِي هو مِنَ اللَّهِ تَعالى لانْزَعَجَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ اشْتَغَلَ بِإكْرامِهِمْ عَنْ سُؤالِهِمْ وأخَّرَ السُّؤالَ إلى حِينِ الفَراغِ فَنَكِرَهم بَيْنَ السَّلامِ والسُّؤالِ عَمَّنْ مِنهُ السَّلامُ هَذا وجْهُ النَّصْبِ، وأمّا الرَّفْعُ فَنَقُولُ يَحْتَمِلُ أنَّ المُرادَ مِنهُ السَّلامُ الَّذِي هو التَّحِيَّةُ وهو المَشْهُورُ أيْضًا، وحِينَئِذٍ يَكُونُ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ سَلامٌ عَلَيْكم، وكَوْنُ المُبْتَدَأِ نَكِرَةً يَحْتَمِلُ في قَوْلِ القائِلِ سَلامٌ عَلَيْكم ووَيْلٌ لَهُ، أوْ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ قالَ جَوابَهُ سَلامٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ قَوْلًا يُسَلِّمُ بِهِ أوْ يُنْبِئُ عَنِ السَّلامَةِ فَيَكُونُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أمْرِي سَلامٌ بِمَعْنى مُسالَمَةٍ لا تَعَلُّقَ بَيْنِي وبَيْنَكم لِأنِّي لا أعْرِفُكم، أوْ يَكُونُ المُبْتَدَأُ قَوْلَكم، وتَقْدِيرُهُ قَوْلُكم سَلامٌ يُنْبِئُ عَنِ السَّلامَةِ وأنْتُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ فَما خَطْبُكم فَإنَّ الأمْرَ أُشْكِلَ عَلَيَّ، وهَذا ما يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ في النَّصْبِ والرَّفْعِ، وأمّا الفَرْقُ فَنَقُولُ أمّا عَلى التَّفْسِيرِ المَشْهُورِ وهو أنَّ السَّلامَ في المَوْضِعَيْنِ بِمَعْنى التَّحِيَّةِ فَنَقُولُ: الفَرْقُ بَيْنَهُما مِن حَيْثُ اللَّفْظُ ومِن حَيْثُ المَعْنى:

أمّا مِن حَيْثُ اللَّفْظُ: فَنَقُولُ سَلامٌ عَلَيْكَ إنَّما جُوِّزَ واسْتُحْسِنَ لِكَوْنِهِ مُبْتَدَأً وهو نَكِرَةٌ، مِن حَيْثُ إنَّهُ كالمَتْرُوكِ عَلى أصْلِهِ لِأنَّ الأصْلَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى تَقْدِيرِ أُسَلِّمُ سَلامًا وعَلَيْكَ يَكُونُ لِبَيانِ مَن أُرِيدَ بِالسَّلامِ، ولا يَكُونُ لَعَلَيْكَ حَظٌّ مِنَ المَعْنى غَيْرَ ذَلِكَ البَيانِ فَيَكُونُ كالخارِجِ عَنِ الكَلامِ، والكَلامُ التّامُّ أُسَلِّمُ سَلامًا، كَما أنَّكَ تَقُولُ ضَرَبْتُ زَيْدًا عَلى السَّطْحِ يَكُونُ عَلى السَّطْحِ خارِجًا عَنِ الفِعْلِ والفاعِلِ والمَفْعُولِ لِبَيانِ مُجَرَّدِ الظَّرْفِيَّةِ، فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ وكانَ السَّلامُ والأدْعِيَةُ كَثِيرَ الوُقُوعِ، قالُوا نَعْدِلُ عَنِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ إلى الِاسْمِيَّةِ ونَجْعَلُ لَعَلَيْكَ حَظًّا في الكَلامِ، فَنَقُولُ سَلامٌ عَلَيْكَ، فَتَصِيرُ عَلَيْكَ لِفائِدَةٍ لا بُدَّ مِنها، وهي الخَبَرِيَّةُ، ويُتْرَكُ السَّلامُ نَكِرَةً كَما كانَ حالُ النَّصْبِ، إذا عُلِمَ هَذا فالنَّصْبُ أصْلٌ والرَّفْعُ مَأْخُوذٌ مِنهُ، والأصْلُ مُقَدَّمٌ عَلى المَأْخُوذِ مِنهُ، فَقالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ قُدِّمَ الأصْلُ عَلى المُتَفَرِّعِ مِنهُ.

وأمّا مِن حَيْثُ المَعْنى: فَذَلِكَ لِأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِالأحْسَنِ، فَأتى بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ فَإنَّها أدَلُّ عَلى الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ، فَإنَّ قَوْلَنا جَلَسَ زَيْدٌ لا يُنْبِئُ عَنْهُ لِأنَّ الفِعْلَ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الإنْباءِ عَنِ التَّجَدُّدِ والحُدُوثِ، ولِهَذا لَوْ قُلْتَ: اللَّهُ مَوْجُودٌ الآنَ لَأثْبَتَ العَقْلُ الدَّوامَ إذْ لا يُنْبِئُ عَنِ التَّجَدُّدِ، ولَوْ قالَ قائِلٌ: وُجِدَ اللَّهُ الآنَ لَكادَ يُنْكِرُهُ العاقِلُ لِما بَيَّنّا فَلَمّا قالُوا: سَلامًا قالَ: سَلامُ عَلَيْكم مُسْتَمِرٌّ دائِمٌ، وأمّا عَلى قَوْلِنا: المُرادُ القَوْلُ ذُو السَّلامَةِ فَظاهِرُ الفَرْقِ، فَإنَّهم قالُوا قَوْلًا ذا سَلامٍ، وقالَ لَهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ:

صفحة ١٨٣
سَلامٌ أيْ قَوْلُكم ذُو سَلامٍ وأنْتُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ فالتَبَسَ الأمْرُ عَلَيَّ، وإنْ قُلْنا المُرادُ أمْرُ مُسالَمَةٍ ومُتارَكَةٍ وهم سَلَّمُوا عَلَيْهِ تَسْلِيمًا، فَنَقُولُ فِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ أمْرَيْنِ: تَعْظِيمُ جانِبِ اللَّهِ، ورِعايَةُ قَلْبِ عِبادِ اللَّهِ، فَإنَّهُ لَوْ قالَ: سَلامٌ عَلَيْكم وهو لَمْ يَعْلَمْ كَوْنَهم مِن عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ كانَ يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَيَكُونُ الرَّسُولُ قَدْ أمَّنَهم، فَإنَّ السَّلامَ أمانٌ وأمانُ الرَّسُولِ أمانُ المُرْسِلِ فَيَكُونُ فاعِلًا لِلْأمْرِ مِن غَيْرِ إذَنِ اللَّهِ نِيابَةً عَنِ اللَّهِ فَقالَ: أنْتُمْ سَلَّمْتُمْ عَلَيَّ وأنا مُتَوَقِّفٌ أمْرِي مُتارَكَةٌ لا تَعَلُّقَ بَيْنَنا إلى أنَّ يَتَبَيَّنَ الحالُ، ويَدُلُّ عَلى هَذا هو أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وقالَ في مِثْلِ هَذا المَعْنى لِلنَّبِيِّ ﷺ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [الزخرف: ٨٩] ولَمْ يُقِلْ قُلْ سَلامًا، وذَلِكَ لِأنَّ الأخْيارَ المَذْكُورِينَ في القُرْآنِ لَوْ سَلَّمُوا عَلى الجاهِلِينَ لا يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِحُرْمَةِ التَّعَرُّضِ إلَيْهِمْ، وأمّا النَّبِيُّ ﷺ لَوْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ لَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِحُرْمَةِ التَّعَرُّضِ إلَيْهِمْ، فَقالَ: قُلْ سَلامٌ أيْ أمْرِي مَعَكم مُتارَكَةٌ تَرَكْناهُ إلى أنْ يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ بِأمْرٍ، وأمّا عَلى قَوْلِنا بِمَعْنى نُبَلِّغُ سَلامًا فَنَقُولُ هم لَمّا قالُوا نُبَلِّغُكَ سَلامًا ولَمْ يَعْلَمْ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ مِمَّنْ قالَ سَلامٌ أيْ إنْ كانَ مِنَ اللَّهِ فَإنَّ هَذا مِنهُ قَدِ ازْدادَ بِهِ شَرَفِي وإلّا فَقَدْ بَلَغَنِي مِنهُ سَلامٌ وبِهِ شَرَفِي ولا أتَشَرَّفُ بِسَلامِ غَيْرِهِ، وهَذا ما يُمْكِنُ أنْ يُقالَ فِيهِ واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ. والأوَّلُ والثّانِي عَلَيْهِما الِاعْتِمادُ فَإنَّهُما أقْوى وقَدْ قِيلَ بِهِما.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ في سُورَةِ هُودٍ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [هود: ٧٠] فَدَلَّ عَلى أنَّ إنْكارَهم كانَ حاصِلًا بَعْدَ تَقْرِيبِهِ العِجْلَ مِنهم وقالَ هَهُنا: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ .

‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏

Then he went to his family and came with a fat [roasted] calf

ثُمَّ قالَ تَعالى:

‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ بِفاءِ التَّعْقِيبِ فَدَلَّ عَلى أنَّ تَقْرِيبَ الطَّعامِ مِنهم بَعْدَ حُصُولِ الإنْكارِ لَهم، فَما الوَجْهُ فِيهِ ؟ نَقُولُ: جازَ أنْ يَحْصُلَ أوَّلًا عِنْدَهُ مِنهم نُكْرٌ ثُمَّ زادَ عِنْدَ إمْساكِهِمْ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى هَذا هو أنَّهم كانُوا عَلى شَكْلٍ وهَيْئَةٍ غَيْرَ ما يَكُونُ عَلَيْهِ النّاسُ وكانُوا في أنْفُسِهِمْ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ مُنْكَرِينَ، واشْتَرَكَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وغَيْرُهُ فِيهِ، ولِهَذا لَمْ يَقُلْ أنْكَرْتُكم، بَلْ قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الحِجْرِ: ٦٢ ] في أنْفُسِكم عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ مِنّا، ثُمَّ إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَفَرَّدَ بِمُشاهَدَةِ أمْرٍ مِنهم هو الإمْساكُ فَنَكِرَهم فَوْقَ ما كانَ مِنهم بِالنِّسْبَةِ إلى الكُلِّ، لَكِنَّ الحالَةَ في سُورَةِ هُودٍ مَحْكِيَّةٌ عَلى وجْهٍ أبْسَطَ مِمّا ذَكَرَهُ هَهُنا، فَإنَّ هَهُنا لَمْ يُبَيِّنِ المُبَشَّرَ بِهِ، وهُناكَ ذَكَرَهُ بِاسْمِهِ وهو إسْحاقُ، ولَمْ يُقِلْ هَهُنا إنَّ القَوْمَ قَوْمُ مَن وهُناكَ قالَ قَوْمُ لُوطٍ، وفي الجُمْلَةِ مَن يَتَأمَّلُ السُّورَتَيْنِ يَعْلَمُ أنَّ الحِكايَةَ مَحْكِيَّةٌ هُناكَ عَلى وجْهِ الإضافَةِ أبْسَطَ، فَذَكَرَ فِيها النُّكْتَةَ الزّائِدَةَ، ولَمْ يَذْكُرْ هَهُنا. ولْنَعُدْ إلى بَيانِ ما أتى بِهِ مِن آدابِ الإضافَةِ وما أتَوْا بِهِ مِن آدابِ الضِّيافَةِ، فالإكْرامُ أوَّلًا مِمَّنْ جاءَهُ ضَيْفٌ قَبْلَ أنْ يَجْتَمِعَ بِهِ ويُسَلِّمَ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ أنْواعٌ مِنَ الإكْرامِ وهي اللِّقاءُ الحَسَنُ والخُرُوجُ إلَيْهِ والتَّهَيُّؤُ لَهُ ثُمَّ السَّلامُ مِنَ الضَّيْفِ عَلى الوَجْهِ الحَسَنِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ النَّصْبُ في قَوْلِهِ: ﴿سَلامًا﴾ إمّا لِكَوْنِهِ مُؤَكَّدًا بِالمَصْدَرِ أوْ لِكَوْنِهِ مُبَلِّغًا مِمَّنْ هو أعْظَمُ مِنهُ، ثُمَّ الرَّدُّ الحَسَنُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الرَّفْعُ والإمْساكُ عَنِ الكَلامِ لا يَكُونُ فِيهِ وفاءٌ فَإنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكم بَلْ قالَ أمْرِي مُسالِمَةٌ أوْ قَوْلُكم سَلامٌ وسَلامُكم مُنْكَرٌ فَإنَّ ذَلِكَ وإنْ كانَ مُخِلًّا بِالإكْرامِ، لَكِنَّ العُذْرَ لَيْسَ مِن شِيَمِ الكِرامِ، ومَوَدَّةُ أعْداءِ اللَّهِ لا تَلِيقُ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. ثُمَّ تَعْجِيلُ القِرى الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [هود: ٦٩]

صفحة ١٨٤
وقَوْلُهُ هَهُنا: ‏‏‏‏ فَإنَّ الرَّوَغانَ يَدُلُّ عَلى السُّرْعَةِ والرَّوْغِ الَّذِي بِمَعْنى النَّظَرِ الخَفِيِّ أوِ الرَّواحِ المَخْفِيِّ أيْضًا كَذَلِكَ، ثُمَّ الإخْفاءُ فَإنَّ المُضِيفَ إذا أحْضَرَ شَيْئًا يَنْبَغِي أنْ يُخْفِيَهُ عَنِ الضَّيْفِ كَيْ لا يَمْنَعَهُ مِنَ الإحْضارِ بِنَفْسِهِ حَيْثُ راغَ هو ولَمْ يَقُلْ هاتُوا، وغَيْبَةُ المُضِيفِ لَحْظَةً مِنَ الضَّيْفِ مُسْتَحْسَنٌ لِيَسْتَرِيحَ ويَأْتِيَ بِدَفْعِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ ويَمْنَعُهُ الحَياءُ مِنهُ. ثُمَّ اخْتِيارُ الأجْوَدِ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ثُمَّ تَقْدِيمُ الطَّعامِ إلَيْهِمْ لا نَقْلُهم إلى الطَّعامِ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ لِأنَّ مَن قَدَّمَ الطَّعامَ إلى قَوْمٍ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مُسْتَقِرًّا في مَقَرِّهِ لا يَخْتَلِفُ عَلَيْهِ المَكانُ فَإنْ نَقَلَهم إلى مَكانِ الطَّعامِ رُبَّما يَحْصُلُ هُناكَ اخْتِلافُ جُلُوسٍ فَيُقَرَّبُ الأدْنى ويُضَيَّقُ عَلى الأعْلى. ثُمَّ العَرْضُ لا الأمْرُ حَيْثُ قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ولَمْ يَقُلْ كُلُوا. ثُمَّ كَوْنُ المُضِيفِ مَسْرُورًا بِأكْلِهِمْ غَيْرَ مَسْرُورٍ بِتَرْكِهِمُ الطَّعامَ كَما يُوجَدُ في بَعْضِ البُخَلاءِ المُتَكَلِّفِينَ الَّذِينَ يُحْضِرُونَ طَعامًا كَثِيرًا، ويَكُونُ نَظَرُهُ ونَظَرُ أهْلِ بَيْتِهِ في الطَّعامِ مَتى يُمْسِكُ الضَّيْفُ يَدَهُ عَنْهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ.

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And placed it near them; he said, "Will you not eat?"

ثُمَّ قالَ تَعالى:

‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ بِفاءِ التَّعْقِيبِ فَدَلَّ عَلى أنَّ تَقْرِيبَ الطَّعامِ مِنهم بَعْدَ حُصُولِ الإنْكارِ لَهم، فَما الوَجْهُ فِيهِ ؟ نَقُولُ: جازَ أنْ يَحْصُلَ أوَّلًا عِنْدَهُ مِنهم نُكْرٌ ثُمَّ زادَ عِنْدَ إمْساكِهِمْ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى هَذا هو أنَّهم كانُوا عَلى شَكْلٍ وهَيْئَةٍ غَيْرَ ما يَكُونُ عَلَيْهِ النّاسُ وكانُوا في أنْفُسِهِمْ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ مُنْكَرِينَ، واشْتَرَكَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وغَيْرُهُ فِيهِ، ولِهَذا لَمْ يَقُلْ أنْكَرْتُكم، بَلْ قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الحِجْرِ: ٦٢ ] في أنْفُسِكم عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ مِنّا، ثُمَّ إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَفَرَّدَ بِمُشاهَدَةِ أمْرٍ مِنهم هو الإمْساكُ فَنَكِرَهم فَوْقَ ما كانَ مِنهم بِالنِّسْبَةِ إلى الكُلِّ، لَكِنَّ الحالَةَ في سُورَةِ هُودٍ مَحْكِيَّةٌ عَلى وجْهٍ أبْسَطَ مِمّا ذَكَرَهُ هَهُنا، فَإنَّ هَهُنا لَمْ يُبَيِّنِ المُبَشَّرَ بِهِ، وهُناكَ ذَكَرَهُ بِاسْمِهِ وهو إسْحاقُ، ولَمْ يُقِلْ هَهُنا إنَّ القَوْمَ قَوْمُ مَن وهُناكَ قالَ قَوْمُ لُوطٍ، وفي الجُمْلَةِ مَن يَتَأمَّلُ السُّورَتَيْنِ يَعْلَمُ أنَّ الحِكايَةَ مَحْكِيَّةٌ هُناكَ عَلى وجْهِ الإضافَةِ أبْسَطَ، فَذَكَرَ فِيها النُّكْتَةَ الزّائِدَةَ، ولَمْ يَذْكُرْ هَهُنا. ولْنَعُدْ إلى بَيانِ ما أتى بِهِ مِن آدابِ الإضافَةِ وما أتَوْا بِهِ مِن آدابِ الضِّيافَةِ، فالإكْرامُ أوَّلًا مِمَّنْ جاءَهُ ضَيْفٌ قَبْلَ أنْ يَجْتَمِعَ بِهِ ويُسَلِّمَ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ أنْواعٌ مِنَ الإكْرامِ وهي اللِّقاءُ الحَسَنُ والخُرُوجُ إلَيْهِ والتَّهَيُّؤُ لَهُ ثُمَّ السَّلامُ مِنَ الضَّيْفِ عَلى الوَجْهِ الحَسَنِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ النَّصْبُ في قَوْلِهِ: ﴿سَلامًا﴾ إمّا لِكَوْنِهِ مُؤَكَّدًا بِالمَصْدَرِ أوْ لِكَوْنِهِ مُبَلِّغًا مِمَّنْ هو أعْظَمُ مِنهُ، ثُمَّ الرَّدُّ الحَسَنُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الرَّفْعُ والإمْساكُ عَنِ الكَلامِ لا يَكُونُ فِيهِ وفاءٌ فَإنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكم بَلْ قالَ أمْرِي مُسالِمَةٌ أوْ قَوْلُكم سَلامٌ وسَلامُكم مُنْكَرٌ فَإنَّ ذَلِكَ وإنْ كانَ مُخِلًّا بِالإكْرامِ، لَكِنَّ العُذْرَ لَيْسَ مِن شِيَمِ الكِرامِ، ومَوَدَّةُ أعْداءِ اللَّهِ لا تَلِيقُ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. ثُمَّ تَعْجِيلُ القِرى الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [هود: ٦٩]

صفحة ١٨٤
وقَوْلُهُ هَهُنا: ﴿فَراغَ﴾ فَإنَّ الرَّوَغانَ يَدُلُّ عَلى السُّرْعَةِ والرَّوْغِ الَّذِي بِمَعْنى النَّظَرِ الخَفِيِّ أوِ الرَّواحِ المَخْفِيِّ أيْضًا كَذَلِكَ، ثُمَّ الإخْفاءُ فَإنَّ المُضِيفَ إذا أحْضَرَ شَيْئًا يَنْبَغِي أنْ يُخْفِيَهُ عَنِ الضَّيْفِ كَيْ لا يَمْنَعَهُ مِنَ الإحْضارِ بِنَفْسِهِ حَيْثُ راغَ هو ولَمْ يَقُلْ هاتُوا، وغَيْبَةُ المُضِيفِ لَحْظَةً مِنَ الضَّيْفِ مُسْتَحْسَنٌ لِيَسْتَرِيحَ ويَأْتِيَ بِدَفْعِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ ويَمْنَعُهُ الحَياءُ مِنهُ. ثُمَّ اخْتِيارُ الأجْوَدِ بِقَوْلِهِ: ﴿سَمِينٍ﴾ ثُمَّ تَقْدِيمُ الطَّعامِ إلَيْهِمْ لا نَقْلُهم إلى الطَّعامِ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ لِأنَّ مَن قَدَّمَ الطَّعامَ إلى قَوْمٍ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مُسْتَقِرًّا في مَقَرِّهِ لا يَخْتَلِفُ عَلَيْهِ المَكانُ فَإنْ نَقَلَهم إلى مَكانِ الطَّعامِ رُبَّما يَحْصُلُ هُناكَ اخْتِلافُ جُلُوسٍ فَيُقَرَّبُ الأدْنى ويُضَيَّقُ عَلى الأعْلى. ثُمَّ العَرْضُ لا الأمْرُ حَيْثُ قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ولَمْ يَقُلْ كُلُوا. ثُمَّ كَوْنُ المُضِيفِ مَسْرُورًا بِأكْلِهِمْ غَيْرَ مَسْرُورٍ بِتَرْكِهِمُ الطَّعامَ كَما يُوجَدُ في بَعْضِ البُخَلاءِ المُتَكَلِّفِينَ الَّذِينَ يُحْضِرُونَ طَعامًا كَثِيرًا، ويَكُونُ نَظَرُهُ ونَظَرُ أهْلِ بَيْتِهِ في الطَّعامِ مَتى يُمْسِكُ الضَّيْفُ يَدَهُ عَنْهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ.

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

And he felt from them apprehension. They said, "Fear not," and gave him good tidings of a learned boy.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ثُمَّ أدَبُ الضَّيْفِ أنَّهُ إذا أكَلَ حَفِظَ حَقَّ المُؤاكَلَةِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ خافَهم حَيْثُ لَمْ يَأْكُلُوا، ثُمَّ وُجُوبُ إظْهارِ العُذْرِ عِنْدَ الإمْساكِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ‏ ‏‏‏ ثُمَّ تَحْسِينُ العِبارَةِ في العُذْرِ وذَلِكَ لِأنَّ مَن يَكُونُ مُحْتَمِيًا وأُحْضِرُ لَدَيْهِ الطَّعامُ فَهُناكَ أمْرانِ.

أحَدُهُما: أنَّ الطَّعامَ لا يَصْلُحُ لَهُ لِكَوْنِهِ مُضِرًّا بِهِ.

الثّانِي: كَوْنُهُ ضَعِيفَ القُوَّةِ عَنْ هَضْمِ ذَلِكَ الطَّعامِ فَيَنْبَغِي أنْ لا يَقُولَ الضَّيْفُ هَذا طَعامٌ غَلِيظٌ لا يَصْلُحُ لِي بَلِ الحَسَنُ أنْ يَأْتِيَ بِالعِبارَةِ الأُخْرى ويَقُولَ: لِي مانِعٌ مِن أكْلِ الطَّعامِ وفي بَيْتِي لا آكُلُ أيْضًا شَيْئًا، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ حَيْثُ فَهَّمُوهُ أنَّهم لَيْسُوا مِمَّنْ يَأْكُلُونَ ولَمْ يَقُولُوا لا يَصْلُحُ لَنا الطَّعامُ والشَّرابُ، ثُمَّ أدَبٌ آخَرُ في البِشارَةِ أنْ لا يُخْبَرَ الإنْسانُ بِما يَسُرُّهُ دُفْعَةً فَإنَّهُ يُورِثُ مَرَضًا يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهم جَلَسُوا واسْتَأْنَسَ بِهِمْ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ قالُوا نُبَشِّرُكَ ثُمَّ ذَكَرُوا أشْرَفَ النَّوْعَيْنِ وهو الذِّكْرُ ولَمْ يَقْتَنِعُوا بِهِ حَتّى وصَفُوهُ بِأحْسَنِ الأوْصافِ فَإنَّ الِابْنَ يَكُونُ دُونَ البِنْتِ إذا كانَتِ البِنْتُ كامِلَةَ الخِلْقَةِ حَسَنَةَ الخُلُقِ والِابْنُ بِالضِّدِّ، ثُمَّ إنَّهم تَرَكُوا سائِرَ الأوْصافِ مِنَ الحُسْنِ والجَمالِ والقُوَّةِ والسَّلامَةِ واخْتارُوا العِلْمَ إشارَةً إلى أنَّ العِلْمَ رَأْسُ الأوْصافِ ورَئِيسُ النُّعُوتِ، وقَدْ ذَكَرْنا فائِدَةَ تَقْدِيمِ البِشارَةِ عَلى الإخْبارِ عَنْ إهْلاكِهِمْ قَوْمَ لُوطٍ، لِيَعْلَمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُهْلِكُهم إلى خَلَفٍ، ويَأْتِي بِبَدَلِهِمْ خَيْرًا مِنهم.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ .
أيْ أقْبَلَتْ عَلى أهْلِها، وذَلِكَ لِأنَّها كانَتْ في خِدْمَتِهِمْ، فَلَمّا تَكَلَّمُوا مَعَ زَوْجِها بِوِلادَتِها اسْتَحْيَتْ وأعْرَضَتْ عَنْهم، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِلَفْظِ الإقْبالِ عَلى الأهْلِ، ولَمْ يَقُلْ بِلَفْظِ الإدْبارِ عَنِ المَلائِكَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ‏ ‏‏‏ أيْ صَيْحَةٍ، كَما جَرَتْ عادَةُ النِّساءِ حَيْثُ يَسْمَعْنَ شَيْئًا مِن أحْوالِهِنَّ يَصِحْنَ صَيْحَةً مُعْتادَةً

صفحة ١٨٥
لَهُنَّ عِنْدَ الِاسْتِحْياءِ أوِ التَّعَجُّبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ تِلْكَ الصَّيْحَةُ كانَتْ بِقَوْلِها يا ويْلَتا، تَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ الَّتِي في سُورَةِ هُودٍ، وصَكُّ الوَجْهَ أيْضًا مِن عادَتِهِنَّ، واسْتَبْعَدَتْ ذَلِكَ لِوَصْفَيْنِ مِنِ اجْتِماعِهِما.
أحَدُهُما: كِبَرُ السِّنِّ.

والثّانِي: العُقْمُ؛ لِأنَّها كانَتْ لا تَلِدُ في صِغَرِ سِنِّها، وعُنْفُوانِ شَبابِها، ثُمَّ عَجَزَتْ وأيِسَتْ فاسْتَبْعَدَتْ، فَكَأنَّها قالَتْ: يا لَيْتَكم دَعَوْتُمْ دُعاءً قَرِيبًا مِنَ الإجابَةِ، ظَنًّا مِنها أنَّ ذَلِكَ مِنهم، كَما يَصْدُرُ مِنَ الضَّيْفِ عَلى سَبِيلِ الأخْبارِ مِنَ الأدْعِيَةِ كَقَوْلِ الدّاعِي: اللَّهُ يُعْطِيكَ مالًا ويَرْزُقُكَ ولَدًا، فَقالُوا: هَذا مِنّا لَيْسَ بِدُعاءٍ. وإنَّما ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ثُمَّ دَفَعُوا اسْتِبْعادَها بِقَوْلِهِمْ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

وقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَهُما مِرارًا، فَإنْ قِيلَ لِمْ قالَ هَهُنا: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وقالَ في هُودٍ: ﴿حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣] نَقُولُ لِما بَيَّنّا أنَّ الحِكايَةَ هُناكَ أبْسَطُ، فَذَكَرُوا ما يَدْفَعُ الِاسْتِبْعادَ بِقَوْلِهِمْ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [هود: ٧٣] ثُمَّ لَمّا صَدَّقَتْ أرْشَدُوهم إلى القِيامِ بِشُكْرِ نِعَمِ اللَّهِ، وذَكَّرُوهم بِنِعْمَتِهِ بِقَوْلِهِمْ: (حَمِيدٌ) فَإنَّ الحَمِيدَ هو الَّذِي يَتَحَقَّقُ مِنهُ الأفْعالُ الحَسَنَةُ، وقَوْلُهم: ﴿مَجِيدٌ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الفائِقَ العالِيَ الهِمَّةَ لا يَحْمَدُهُ لِفِعْلِهِ الجَمِيلِ، وإنَّما يَحْمَدُهُ ويَسْبَحُ لَهُ لِنَفْسِهِ، وهَهُنا لَمّا لَمْ يَقُولُوا: ﴿أتَعْجَبِينَ﴾ إشارَةً إلى ما يَدْفَعُ تَعُجُّبَها مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى حُكْمِهِ وعِلْمِهِ، وفِيهِ لَطِيفَةٌ وهي أنَّ هَذا التَّرْتِيبَ مُراعًى في السُّورَتَيْنِ، فالحَمِيدُ يَتَعَلَّقُ بِالفِعْلِ، والمَجِيدُ يَتَعَلَّقُ بِالقَوْلِ، وكَذَلِكَ الحَكِيمُ هو الَّذِي فِعْلُهُ، كَما يَنْبَغِي لِعِلْمِهِ قاصِدًا لِذَلِكَ الوَجْهِ بِخِلافِ مَن يَتَّفِقُ فِعْلُهُ مُوافِقًا لِلْمَقْصُودِ اتِّفاقًا، كَمَن يَنْقَلِبُ عَلى جَنْبِهِ فَيَقْتُلُ حَيَّةً وهو نائِمٌ، فَإنَّهُ لا يُقالُ لَهُ حَكِيمٌ، وأمّا إذا فَعَلَ فِعْلًا قاصِدًا لِقَتْلِها بِحَيْثُ يَسْلَمُ عَنْ نَهْشِها، يُقالُ لَهُ حَكِيمٌ فِيهِ، والعَلِيمُ راجِعٌ إلى الذّاتِ إشارَةً إلى أنَّهُ يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ بِمَجْدِهِ، وإنْ لَمْ يَفْعَلْ فِعْلًا وهو قاصِدٌ لِعِلْمِهِ، وإنْ لَمْ يَفْعَلْ عَلى وفْقِ القاصِدِ.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: لَمّا عَلِمَ حالَهم بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿مُنْكَرُونَ﴾ لِمَ لَمْ يَقْنَعْ بِما بَشَّرُوهُ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ نُزُولُهم لِلْبِشارَةِ لا غَيْرُ ؟ نَقُولُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ أتى بِما هو مِن آدابِ المُضِيفِ حَيْثُ يَقُولُ لِضَيْفِهِ إذا اسْتَعْجَلَ في الخُرُوجِ ما هَذِهِ العَجَلَةُ، وما شُغْلُكَ الَّذِي يَمْنَعُنا مِنَ التَّشَرُّفِ بِالِاجْتِماعِ بِكَ، ولا يَسْكُتُ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مَخافَةَ أنْ يَكُونَ سُكُوتُهُ يُوهِمُ اسْتِثْقالَهم، ثُمَّ إنَّهم أتَوْا بِما هو مِن آدابِ الصَّدِيقِ الَّذِي لا يُسِرُّ عَنِ الصَّدِيقِ الصَّدُوقِ، لا سِيَّما وكانَ ذَلِكَ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى لَهم في إطْلاعِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى إهْلاكِهِمْ، وجَبْرِ قَلْبِهِ بِتَقْدِيمِ البِشارَةِ بِخَيْرِ البَدَلِ، وهو أبُو الأنْبِياءِ إسْحاقُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى الصَّحِيحِ، فَإنْ قِيلَ فَما الَّذِي اقْتَضى ذِكْرَهُ بِالفاءِ، ولَوْ كانَ كَما ذَكَرْتُمْ لَقالَ ما هَذا الِاسْتِعْجالُ، وما خَطْبُكُمُ المُعَجَّلُ لَكم ؟ نَقُولُ: لَوْ كانَ أوْجَسَ مِنهم خِيفَةً وخَرَجُوا مِن غَيْرِ بِشارَةٍ وإيناسٍ ما كانَ يَقُولُ شَيْئًا، فَلَمّا آنَسُوهُ قالَ: ما خَطْبُكم، أيْ بَعْدَ هَذا الأُنْسِ العَظِيمِ، ما هَذا الإيحاشُ الألِيمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَلْ في الخَطْبِ فائِدَةٌ لا تُوجَدُ في غَيْرِهِ مِنَ الألْفاظِ ؟ نَقُولُ: نَعَمْ، وذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ الألْفاظَ المُفْرَدَةَ الَّتِي يَقْرُبُ مِنها الشُّغْلُ والأمْرُ والفِعْلُ وأمْثالُها، وكُلُّ ذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى عِظَمِ الأمْرِ، وأمّا الخَطْبُ فَهو الأمْرُ العَظِيمُ، وعِظَمُ الشَّأْنِ يَدُلُّ عَلى عِظَمِ مَن عَلى يَدِهِ يَنْقَضِي، فَقالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ لِعَظَمَتِكم لا تُرْسَلُونَ إلّا في عَظِيمٍ، ولَوْ قالَ بِلَفْظٍ مُرَكَّبٍ بِأنْ يَقُولَ ما شُغْلُكُمُ الخَطِيرُ وأمْرُكُمُ العَظِيمُ لَلَزِمَ التَّطْوِيلُ، فالخَطْبُ أفادَ التَّعْظِيمَ مَعَ الإيجازِ.

Reading a passage 3 ayat 5 ayat 10 ayat Just this one

The same ayah, in another commentary

Adh-Dhāriyāt 51:19