All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Al-Wāqiʿah 56:11 Juzʾ 27 Page 534

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏

Those are the ones brought near [to Allah]

Read in the muṣḥaf

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في إعْرابِهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ﴿والسّابِقُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى ”أصْحابِ المَيْمَنَةِ“ وعِنْدَهُ تَمَّ الكَلامُ، وقَوْلُهُ: ﴿السّابِقُونَ﴾ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ جُمْلَةٌ واحِدَةٌ، والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ جُمْلَةٌ واحِدَةٌ، كَما يَقُولُ القائِلُ: أنْتَ أنْتَ. وكَما قالَ الشّاعِرُ:

أنا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي
وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ لِشُهْرَةِ أمْرِ المُبْتَدَأِ بِما هو عَلَيْهِ فَلا حاجَةَ إلى الخَبَرِ عَنْهُ، وهو مُرادُ الشّاعِرِ وهو المَشْهُورُ عِنْدَ النُّحاةِ. والثّانِي: لِلْإشارَةِ إلى أنَّ في المُبْتَدَأِ ما لا يُحِيطُ العِلْمُ بِهِ ولا يُخْبَرُ عَنْهُ ولا يُعْرَفُ مِنهُ إلّا نَفْسُ المُبْتَدَأِ، وهو كَما يَقُولُ القائِلُ لِغَيْرِهِ: أخْبِرْنِي عَنْ حالِ المَلِكِ. فَيَقُولُ: لا أعْرِفُ مِنَ المَلِكِ إلّا أنَّهُ
صفحة ١٢٨
مَلِكٌ. فَقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ لا يُمْكِنُ الإخْبارُ عَنْهم إلّا بِنَفْسِهِمْ، فَإنَّ حالَهم وما هم عَلَيْهِ فَوْقَ أنْ يُحِيطَ بِهِ عِلْمُ البَشَرِ، (وهَهُنا لَطِيفَةٌ): وهي أنَّهُ في أصْحابِ المَيْمَنَةِ قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ بِالِاسْتِفْهامِ وإنْ كانَ لِلْإعْجازِ، لَكِنْ جَعْلَهم مَوْرِدَ الِاسْتِفْهامِ، وهَهُنا لَمْ يَقُلْ: والسّابِقُونَ ما السّابِقُونَ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ الَّذِي لِلْإعْجازِ يُورَدُ عَلى مُدَّعِي العِلْمَ فَيُقالُ لَهُ: إنْ كُنْتَ تَعَلَمُ فَبَيَّنَ الكَلامَ، وأمّا إذا كانَ يَعْتَرِفُ بِالجَهْلِ فَلا يُقالُ لَهُ: كَذَبْتَ ولا يُقالُ: كَيْفَ كَذا، وما الجَوابُ عَنْ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ في: ﴿والسّابِقُونَ﴾ ما جَعَلَهم بِحَيْثُ يَدَّعُونَ، فَيُورَدُ عَلَيْهِمُ الِاسْتِفْهامُ فَيُبَيِّنُ عَجْزَهم، بَلْ بَنى الأمْرَ عَلى أنَّهم مُعْتَرِفُونَ في الِابْتِداءِ بِالعَجْزِ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ كَقَوْلِ العالِمِ لِمَن سَألَ عَنْ مَسْألَةٍ مُعْضِلَةٍ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَفْهَمُها وإنْ كانَ أبانَها غايَةَ الإبانَةِ أنَّ الأمْرَ فِيها عَلى ما هو عَلَيْهِ ولا يَشْتَغِلُ بِالبَيانِ. وثالِثُها: هو أنَّ ”السّابِقُونَ“ ثانِيًا تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿والسّابِقُونَ﴾ والوَجْهُ الأوْسَطُ هو الأعْدَلُ الأصَحُّ، وعَلى الوَجْهِ الأوْسَطِ قَوْلٌ آخَرُ: وهو أنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّ السّابِقِينَ إلى الخَيْراتِ في الدُّنْيا هُمُ السّابِقُونَ إلى الجَنَّةِ في العُقْبى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ يَقْتَضِي الحَصْرَ فَيَنْبَغِي أنْ لا يَكُونَ غَيْرُهم مُقَرَّبًا، وقَدْ قالَ في حَقِّ المَلائِكَةِ إنَّهم مُقَرَّبُونَ، نَقُولُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ مِنَ الأزْواجِ الثَّلاثَةِ، فَإنْ قِيلَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ لَيْسُوا مِنَ المُقَرَّبِينَ، نَقُولُ: لِلتَّقْرِيبِ دَرَجاتٌ ﴿والسّابِقُونَ﴾ في غايَةِ القُرْبِ، ولا حَدَّ هُناكَ، ويَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ، وهو أنْ يُقالَ: المُرادُ السّابِقُونَ مُقَرَّبُونَ مِنَ الجَنّاتِ حالَ كَوْنِ أصْحابِ اليَمِينِ مُتَوَجِّهِينَ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ؛ لِأنَّهُ بِمِقْدارِ ما يُحاسَبُ المُؤْمِنُ حِسابًا يَسِيرًا ويُؤْتى كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، يَكُونُ السّابِقُونَ قَدْ قَرُبُوا مِنَ المَنزِلِ، أوْ قَرَّبَهم إلى اللَّهِ في الجَنَّةِ، وأصَحابُ اليَمِينِ بَعْدُ مُتَوَجِّهُونَ إلى ما وصَلَ إلَيْهِ المُقَرَّبُونَ، ثُمَّ إنَّ السَّيْرَ والِارْتِفاعَ لا يَنْقَطِعُ، فَإنَّ السَّيْرَ في اللَّهِ لا انْقِطاعَ لَهُ، والِارْتِفاعَ لا نِهايَةَ لَهُ، فَكُلَّما تَقَرَّبَ أصْحابُ اليَمِينِ مِن دَرَجَةِ السّابِقِ، يَكُونُ قَدِ انْتَقَلَ هو إلى مَوْضِعٍ أعْلى مِنهُ، فَأُولَئِكَ هُمُ المُقَرَّبُونَ في جَنّاتِ النَّعِيمِ، في أعْلى عِلِّيِّينَ حالَ وُصُولِ أصْحابِ اليَمِينِ إلى الحُورِ العِينِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: بَعْدَ بَيانِ أقْسامِ الأزْواجِ لَمْ يَعُدْ إلى بَيانِ حالِهِمْ عَلى تَرْتِيبِ ذِكْرِهِمْ، بَلْ بَيَّنَ حالَ السّابِقِينَ مَعَ أنَّهُ أخَّرَهم، وأخَّرَ ذِكْرَ أصْحابِ الشِّمالِ مَعَ أنَّهُ قَدَّمَهم أوَّلًا في الذِّكْرِ عَلى السّابِقِينَ، نَقُولُ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ عِنْدَ ذِكْرِ الواقِعَةِ قَدَّمَ مَن يَنْفَعُهُ ذِكْرُ الأهْوالِ، وأخَّرَ مَن لا يَخْتَلِفُ حالُهُ بِالخَوْفِ والرَّجاءِ، وأمّا عِنْدَ البَيانِ فَذَكَرَ السّابِقَ لِفَضِيلَتِهِ وفَضِيلَةِ حالِهِ.

The same ayah, in another commentary

Al-Wāqiʿah 56:11