All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Al-Anʿām 6:8 Juzʾ 7 Page 128

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And they say, "Why was there not sent down to him an angel?" But if We had sent down an angel, the matter would have been decided; then they would not be reprieved.

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا النَّوْعَ الثّالِثَ مِن شُبَهِ مُنْكِرِي النُّبُوّاتِ فَإنَّهم يَقُولُونَ: لَوْ بَعَثَ اللَّهُ إلى الخَلْقِ رَسُولًا لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الرَّسُولُ واحِدًا مِنَ المَلائِكَةِ فَإنَّهم إذا كانُوا مِن زُمْرَةِ المَلائِكَةِ كانَتْ عُلُومُهم أكْثَرَ، وقُدْرَتُهم أشَدَّ، ومَهابَتُهم أعْظَمَ، وامْتِيازُهم عَنِ الخَلْقِ أكْمَلَ، والشُّبُهاتُ والشُّكُوكُ في نُبُوَّتِهِمْ ورِسالَتِهِمْ أقَلَّ.

صفحة ١٣٤
والحَكِيمُ إذا أرادَ تَحْصِيلَ مُهِمٍّ فَكُلُّ شَيْءٍ كانَ أشَدَّ إفْضاءً إلى تَحْصِيلِ ذَلِكَ المَطْلُوبِ كانَ أوْلى، فَلَمّا كانَ وُقُوعُ الشُّبُهاتِ في نُبُوَّةِ المَلائِكَةِ أقَلَّ، وجَبَ لَوْ بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا إلى الخَلْقِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الرَّسُولُ مِنَ المَلائِكَةِ، هَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أجابَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ مِن وجْهَيْنِ:

أمّا الأوَّلُ: فَقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ومَعْنى القَضاءِ الإتْمامُ والإلْزامُ، وقَدْ ذَكَرْنا مَعانِيَ القَضاءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، ثُمَّ هَهُنا وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ إنْزالَ المَلَكِ عَلى البَشَرِ آيَةٌ باهِرَةٌ، فَبِتَقْدِيرِ إنْزالِ المَلَكِ عَلى هَؤُلاءِ الكُفّارِ فَرُبَّما لَمْ يُؤْمِنُوا كَما قالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الأنعام: ١١١] إلى قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ [الأنعام: ١١١] وإذا لَمْ يُؤْمِنُوا وجَبَ إهْلاكُهم بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، فَإنَّ سُنَّةَ اللَّهِ جارِيَةٌ بِأنَّ عِنْدَ ظُهُورِ الآيَةِ الباهِرَةِ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا جاءَهم عَذابُ الِاسْتِئْصالِ، فَهَهُنا ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى المَلَكَ إلَيْهِمْ لِئَلّا يَسْتَحِقُّوا هَذا العَذابَ.

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهم إذا شاهَدُوا المَلَكَ زَهَقَتْ أرْواحُهم مِن هَوْلِ ما يَشْهَدُونَ، وتَقْرِيرُهُ: أنَّ الآدَمِيَّ إذا رَأى المَلَكَ فَإمّا أنْ يَراهُ عَلى صُورَتِهِ الأصْلِيَّةِ أوْ عَلى صُورَةِ البَشَرِ. فَإنْ كانَ الأوَّلَ لَمْ يَبْقَ الآدَمِيُّ حَيًّا، ألا تَرى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا رَأى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى صُورَتِهِ الأصْلِيَّةِ غُشِيَ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ الثّانِيَ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ المَرْئِيُّ شَخْصًا عَلى صُورَةِ البَشَرِ، وذَلِكَ لا يَتَفاوَتُ الحالُ فِيهِ سَواءٌ كانَ هو في نَفْسِهِ مَلَكًا أوْ بَشَرًا. ألا تَرى أنَّ جَمِيعَ الرُّسُلِ عايَنُوا المَلائِكَةَ في صُورَةِ البَشَرِ كَأضْيافِ إبْراهِيمَ، وأضْيافِ لُوطٍ، وكالَّذِينِ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ، وكَجِبْرِيلَ حَيْثُ تَمَثَّلَ لِمَرْيَمَ بَشَرًا سَوِيًّا.

والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ إنْزالَ المَلَكِ آيَةٌ باهِرَةٌ جارِيَةٌ مَجْرى الإلْجاءِ، وإزالَةِ الِاخْتِيارِ، وذَلِكَ مُخِلٌّ بِصِحَّةِ التَّكْلِيفِ.

الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ إنْزالَ المَلَكِ وإنْ كانَ يَدْفَعُ الشُّبُهاتِ المَذْكُورَةَ إلّا أنَّهُ يُقَوِّي الشُّبُهاتِ مِن وجْهٍ آخَرَ، وذَلِكَ لِأنَّ أيَّ مُعْجِزَةٍ ظَهَرَتْ عَلَيْهِ قالُوا: هَذا فِعْلُكَ فَعَلْتَهُ بِاخْتِيارِكَ وقُدْرَتِكَ، ولَوْ حَصَلَ لَنا مِثْلُ ما حَصَلَ لَكَ مِنَ القُدْرَةِ والقُوَّةِ والعِلْمِ لَفَعَلْنا مِثْلَ ما فَعَلْتَهُ أنْتَ، فَعَلِمْنا أنَّ إنْزالَ المَلَكِ وإنْ كانَ يَدْفَعُ الشُّبْهَةَ مِنَ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ لَكِنَّهُ يُقَوِّي الشُّبْهَةَ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ.

* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ فالفائِدَةُ في كَلِمَةِ ”ثُمَّ“ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ عَدَمَ الإنْظارِ أشَدُّ مِن قَضاءِ الأمْرِ، لِأنَّ مُفاجَأةَ الشِّدَّةِ أشَدُّ مِن نَفْسِ الشِّدَّةِ.
وأمّا الثّانِي: فَقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ أيْ لَجَعَلْناهُ في صُورَةِ البَشَرِ. والحِكْمَةُ فِيهِ أُمُورٌ:

أحَدُها: أنَّ الجِنْسَ إلى الجِنْسِ أمَيْلُ.

وثانِيها: أنَّ البَشَرَ لا يُطِيقُ رُؤْيَةَ المَلَكِ.

وثالِثُها: أنَّ طاعاتِ المَلائِكَةِ قَوِيَّةٌ فَيَسْتَحْقِرُونَ طاعَةَ البَشَرِ، ورُبَّما لا يَعْذُرُونَهم في الإقْدامِ عَلى المَعاصِي.

ورابِعُها: أنَّ النُّبُوَّةَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ فَيَخْتَصُّ بِها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، سَواءٌ كانَ مَلَكًا أوْ بَشَرًا.

* * *
ثُمَّ قالَ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ قالَ الواحِدِيُّ: يُقالُ لَبَسْتُ الأمْرَ عَلى القَوْمِ ألْبِسُهُ لَبْسًا إذا شَبَّهْتَهُ عَلَيْهِمْ وجَعَلْتَهُ مُشْكِلًا، وأصْلُهُ مِنَ التَّسَتُّرِ بِالثَّوْبِ، ومِنهُ لَبِسَ الثَّوْبَ؛ لِأنَّهُ يُفِيدُ سَتْرَ النَّفْسِ، والمَعْنى أنّا إذا جَعَلْنا المَلَكَ في صُورَةِ البَشَرِ فَهم يَظُنُّونَ كَوْنَ ذَلِكَ المَلَكِ بَشَرًا، فَيَعُودُ سُؤالُهم أنّا لا نَرْضى بِرِسالَةِ هَذا الشَّخْصِ. وتَحْقِيقُ الكَلامِ أنَّ اللَّهَ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَصارَ فِعْلُ اللَّهِ نَظِيرًا لِفِعْلِهِمْ في التَّلْبِيسِ، وإنَّما كانَ ذَلِكَ تَلْبِيسًا؛ لِأنَّ النّاسَ يَظُنُّونَ أنَّهُ بَشَرٌ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وإنَّما كانَ فِعْلُهم تَلْبِيسًا؛ لِأنَّهم يَقُولُونَ لِقَوْمِهِمْ: إنَّهُ بَشَرٌ مِثْلُكم والبَشَرُ لا يَكُونُ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى.

The same ayah, in another commentary

Al-Anʿām 6:8