All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

Al-Aʿrāf 7:2 Juzʾ 8 Page 151

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

Read in the muṣḥaf
مفاتيح الغيب Al-Rāzī

ثُمَّ قالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ مَواعِظَ لِلْمُصَدِّقِينَ. قالَ الزَّجّاجُ: وهو اسْمٌ في مَوْضِعِ المَصْدَرِ. قالَ اللَّيْثُ: (الذِّكْرى) اسْمٌ لِلتَّذْكِرَةِ، وفي مَحَلِّ ذِكْرى مِنَ الإعْرابِ وُجُوهٌ:

قالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى مَعْنى: لِتَنْذُرَ بِهِ ولِتُذَكِّرَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفْعًا بِالرَّدِّ عَلى قَوْلِهِ: (كِتابٌ) والتَّقْدِيرُ: كِتابٌ حَقٌّ وذِكْرى، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ، وهو ذِكْرى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَفْضًا؛ لِأنَّ مَعْنى لِتُنْذِرَ بِهِ، لِأنْ تُنْذِرَ بِهِ فَهو في مَوْضِعِ خَفْضٍ، لِأنَّ المَعْنى لِلْإنْذارِ والذِّكْرى.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ قَيَّدَ هَذِهِ الذِّكْرى بِالمُؤْمِنِينَ؟

قُلْنا: هو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ والبَحْثُ العَقْلِيُّ فِيهِ أنَّ النُّفُوسَ البَشَرِيَّةَ عَلى قِسْمَيْنِ: نُفُوسٌ بَلِيدَةٌ جاهِلَةٌ، بَعِيدَةٌ عَنْ عالَمِ الغَيْبِ، غَرِيقَةٌ في طَلَبِ اللَّذّاتِ الجِسْمانِيَّةِ، والشَّهَواتِ الجَسَدانِيَّةِ، ونُفُوسٌ شَرِيفَةٌ مُشْرِقَةٌ بِالأنْوارِ الإلَهِيَّةِ مُسْتَعِدَّةٌ بِالحَوادِثِ الرُّوحانِيَّةِ، فَبَعْثَةُ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ في حَقِّ القِسْمِ الأوَّلِ، إنْذارٌ وتَخْوِيفٌ، فَإنَّهم لَمّا غَرِقُوا في نَوْمِ الغَفْلَةِ ورَقْدَةِ الجَهالَةِ، احْتاجُوا إلى مُوقِظٍ يُوقِظُهم، وإلى مُنَبِّهٍ يُنَبِّهُهم. وأمّا في حَقِّ القِسْمِ الثّانِي فَتَذْكِيرٌ وتَنْبِيهٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ النُّفُوسَ بِمُقْتَضى جَواهِرِها الأصْلِيَّةِ مُسْتَعِدَّةٌ لِلِانْجِذابِ إلى عالَمِ القُدُسِ والِاتِّصالِ بِالحَضْرَةِ الصَّمَدِيَّةِ، إلّا أنَّهُ رُبَّما غَشِيَها غَواشٍ مِن عالَمِ الجِسْمِ، فَيَعْرِضُ لَها نَوْعُ ذُهُولٍ وغَفْلَةٍ، فَإذا سَمِعَتْ دَعْوَةَ الأنْبِياءِ واتَّصَلَ بِها أنْوارُ أرْواحِ رُسُلِ اللَّهِ تَعالى، تَذَكَّرَتْ مَرْكَزَها وأبْصَرَتْ مَنشَأها، واشْتاقَتْ إلى ما حَصَلَ هُنالِكَ مِنَ الرُّوحِ والرّاحَةِ والرَّيْحانِ، فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى إنَّما أنْزَلَ هَذا الكِتابَ عَلى رَسُولِهِ لِيَكُونَ إنْذارًا في حَقِّ طائِفَةٍ، وذِكْرى في حَقِّ طائِفَةٍ أُخْرى. واللَّهُ أعْلَمُ.