All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Al-Aʿrāf 7:85 Juzʾ 8 Page 161

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

And to [the people of] Madyan [We sent] their brother Shu'ayb. He said, "O my people, worship Allah; you have no deity other than Him. There has come to you clear evidence from your Lord. So fulfill the measure and weight and do not deprive people of their due and cause not corruption upon the earth after its reformation. That is better for you, if you should be believers.

Read in the muṣḥaf

صفحة ١٤١
قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةُ الخامِسَةُ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ التَّقْدِيرَ: ”وأرْسَلْنا إلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا“ وذَكَرْنا أنَّ هَذِهِ الأُخُوَّةَ كانَتْ في النَّسَبِ لا في الدِّينِ، وذَكَرْنا الوُجُوهَ فِيهِ، واخْتَلَفُوا في مَدْيَنَ، فَقِيلَ: أنَّهُ اسْمُ البَلَدِ، وقِيلَ: إنَّهُ اسْمُ القَبِيلَةِ بِسَبَبِ أنَّهم أوْلادُ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَدِينُ صارَ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ، كَما يُقالُ: بَكْرٌ وتَمِيمٌ. وشُعَيْبٌ مِن أوْلادِهِ وهو: شُعَيْبُ بْنُ نُوَيْبِ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ شُعَيْبٍ أنَّهُ أمَرَ قَوْمَهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِأشْياءَ:

الأوَّلُ: أنَّهُ أمَرَهم بِعِبادَةِ اللَّهِ ونَهاهم عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، وهَذا أصْلٌ مُعْتَبَرٌ في شَرائِعِ جَمِيعِ الأنْبِياءِ، فَقالَ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

والثّانِي: أنَّهُ ادَّعى النُّبُوَّةَ فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ويَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ البَيِّنَةِ هَهُنا المُعْجِزَةَ؛ لِأنَّهُ لا بُدَّ لِمُدَّعِي النُّبُوَّةِ مِنها، وإلّا لَكانَ مُتَنَبِّئًا لا نَبِيًّا، فَهَذِهِ الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ حَصَلَتْ لَهُ مُعْجِزَةٌ دالَّةٌ عَلى صِدْقِهِ. فَأمّا أنَّ تِلْكَ المُعْجِزَةَ مِن أيِّ الأنْواعِ كانَتْ فَلَيْسَ في القُرْآنِ دَلالَةٌ عَلَيْهِ، كَما لَمْ يَحْصُلْ في القُرْآنِ الدَّلالَةُ عَلى كَثِيرٍ مِن مُعْجِزاتِ رَسُولِنا.

قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ومِن مُعْجِزاتِ شُعَيْبٍ: أنَّهُ دَفَعَ إلى مُوسى عَصاهُ، وتِلْكَ العَصا حارَبَتِ التِّنِّينَ، وأيْضًا قالَ لِمُوسى: إنَّ هَذِهِ الأغْنامَ تَلِدُ أوْلادًا فِيها سَوادٌ وبَياضٌ، وقَدْ وهَبْتُها مِنكَ، فَكانَ الأمْرُ كَما أخْبَرَ عَنْهُ. ثُمَّ قالَ: وهَذِهِ الأحْوالُ كانَتْ مُعْجِزاتٍ لِشُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ مُوسى في ذَلِكَ الوَقْتِ ما ادَّعى الرِّسالَةَ.

واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ بِناءً عَلى أصْلٍ مُخْتَلِفٍ بَيْنَ أصْحابِنا وبَيْنَ المُعْتَزِلَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ عِنْدَنا أنَّ الَّذِي يَصِيرُ نَبِيًّا ورَسُولًا بَعْدَ ذَلِكَ يَجُوزُ أنْ يُظْهِرَ اللَّهُ عَلَيْهِ أنْواعَ المُعْجِزاتِ قَبْلَ إيصالِ الوَحْيِ، ويُسَمّى ذَلِكَ إرْهاصًا لِلنُّبُوَّةِ، فَهَذا الإرْهاصُ عِنْدَنا جائِزٌ، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ غَيْرُ جائِزٍ، فالأحْوالُ الَّتِي حَكاها صاحِبُ ”الكَشّافِ“ هي عِنْدَنا إرْهاصاتٌ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ مُعْجِزاتٌ لِشُعَيْبٍ لِما أنَّ الإرْهاصَ عِنْدَهم غَيْرُ جائِزٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ قالَ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ .

واعْلَمْ أنَّ عادَةَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إذا رَأوْا قَوْمَهم مُقْبِلِينَ عَلى نَوْعٍ مِن أنْواعِ المَفاسِدِ إقْبالًا أكْثَرَ مِن إقْبالِهِمْ عَلى سائِرِ أنْواعِ المَفاسِدِ بَدَءُوا بِمْنَعِهِمْ عَنْ ذَلِكَ النَّوْعِ، وكانَ قَوْمُ شُعَيْبٍ مَشْغُوفِينَ بِالبَخْسِ والتَّطْفِيفِ، فَلِهَذا السَّبَبِ بَدَأ بِذِكْرِ هَذِهِ الواقِعَةِ فَقالَ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ وهَهُنا سُؤالانِ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: الفاءُ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ تُوجِبُ أنْ تَكُونَ لِلْأمْرِ بِإيفاءِ الكَيْلِ كالمَعْلُولِ والنَّتِيجَةِ عَمّا سَبَقَ ذِكْرُهُ وهو قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ فَكَيْفَ الوَجْهُ فِيهِ ؟

والجَوابُ: كَأنَّهُ يَقُولُ: البَخْسُ والتَّطْفِيفُ عِبارَةٌ عَنِ الخِيانَةِ بِالشَّيْءِ القَلِيلِ، وهو أمْرٌ مُسْتَقْبَحٌ في العُقُولِ، ومَعَ ذَلِكَ قَدْ جاءَتِ البَيِّنَةُ والشَّرِيعَةُ المُوجِبَةُ لِلْحُرْمَةِ، فَلَمْ يَبْقَ لَكم فِيهِ عُذْرٌ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ .

السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ قالَ: ”الكَيْلَ والمِيزانَ“ ولَمْ يَقُلِ: ”المِكْيالَ والمِيزانَ“ كَما في سُورَةِ هُودٍ ؟

والجَوابُ: أرادَ بِالكَيْلِ آلَةَ الكَيْلِ، وهو المِكْيالُ، أوْ يُسَمّى ما يُكالُ بِهِ بِالكَيْلِ، كَما يُقالُ: العَيْشُ، لِما

صفحة ١٤٢
يُعاشُ بِهِ.
والرّابِعُ: قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ والمُرادُ أنَّهُ لَمّا مَنَعَ قَوْمَهُ مِنَ البَخْسِ في الكَيْلِ والوَزْنِ مَنَعَهم بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ البَخْسِ والتَّنْقِيصِ بِجَمِيعِ الوُجُوهِ، ويَدْخُلُ فِيهِ المَنعُ مِنَ الغَصْبِ، والسَّرِقَةِ، وأخْذِ الرِّشْوَةِ، وقَطْعِ الطَّرِيقِ. وانْتِزاعِ الأمْوالِ بِطَرِيقِ الحِيَلِ.

والخامِسُ: قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا كانَ أخْذُ أمْوالِ النّاسِ بِغَيْرِ رِضاها يُوجِبُ المُنازَعَةَ والخُصُومَةَ، وهُما يُوجِبانِ الفَسادَ، لا جَرَمَ قالَ بَعْدَهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الكَلِمَةِ، وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا فَقِيلَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ بِأنْ تُقْدِمُوا عَلى البَخْسِ في الكَيْلِ والوَزْنِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَتْبَعُهُ الفَسادُ. وقِيلَ: أرادَ بِهِ المَنعَ مِن كُلِّ ما كانَ فَسادًا حَمْلًا لِلَّفْظِ عَلى عُمُومِهِ. وقِيلَ: قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ مَنعٌ مِن مَفاسِدِ الدُّنْيا.

وقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ مَنعٌ مِن مَفاسِدِ الدِّينِ حَتّى تَكُونَ الآيَةُ جامِعَةً لِلنَّهْيِ عَنْ مَفاسِدِ الدُّنْيا والدِّينِ، واخْتَلَفُوا في مَعْنى ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ قِيلَ: بَعْدَ أنْ صَلَحَتِ الأرْضُ بِمَجِيءِ النَّبِيِّ بَعْدَ أنْ كانَتْ فاسِدَةً بِخُلُوِّها مِنهُ، فَنَهاهم عَنِ الفَسادِ، وقَدْ صارَتْ صالِحَةً. وقِيلَ: المُرادُ أنْ لا تُفْسِدُوا بَعْدَ أنْ أصْلَحَها اللَّهُ بِتَكْثِيرِ النِّعَمِ فِيهِمْ، وحاصِلُ هَذِهِ التَّكالِيفِ الخَمْسَةِ يَرْجِعُ إلى أصْلَيْنِ: التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ ويَدْخُلُ فِيهِ الإقْرارُ بِالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ ويَدْخُلُ فِيهِ تَرْكُ البَخْسِ وتَرْكُ الإفْسادِ، وحاصِلُها يَرْجِعُ إلى تَرْكِ الإيذاءِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: إيصالُ النَّفْعِ إلى الكُلِّ مُتَعَذِّرٌ. وأمّا كَفُّ الشَّرِّ عَنِ الكُلِّ فَمُمْكِنٌ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الخَمْسَةَ قالَ: (ذَلِكم) وهو إشارَةٌ إلى هَذِهِ الخَمْسَةِ، والمَعْنى: خَيْرٌ لَكم في الآخِرَةِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِالآخِرَةِ، والمُرادُ: تَرْكُ البَخْسِ وتَرْكُ الإفْسادِ خَيْرٌ لَكم في طَلَبِ المالِ في المَعْنى؛ لِأنَّ النّاسَ إذا عَلِمُوا مِنكُمُ الوَفاءَ والصِّدْقَ والأمانَةَ رَغِبُوا في المُعامَلاتِ مَعَكم، فَكَثُرَتْ أمْوالُكم ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ إنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ لِي في قَوْلِي.

The same ayah, in another commentary

Al-Aʿrāf 7:85