All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

Al-Insān 76:16 Juzʾ 29 Page 579

‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Clear glasses [made] from silver of which they have determined the measure.

Read in the muṣḥaf

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ طَعامَهم ولِباسَهم ومَسْكَنَهم وصَفَ بَعْدَ ذَلِكَ شَرابَهم، وقَدَّمَ عَلَيْهِ وصْفَ تِلْكَ الأوانِي الَّتِي فِيها يَشْرَبُونَ، فَقالَ: ﴿ويُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وأكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَ﴾ ﴿قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ في الآيَةِ سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الزخرف: ٧١]، والصِّحافُ هي القِصاعُ، والغالِبُ فِيها الأكْلُ، فَإذا كانَ ما يَأْكُلُونَ فِيهِ ذَهَبًا، فَما يَشْرَبُونَ فِيهِ أوْلى أنْ يَكُونَ ذَهَبًا؛ لِأنَّ العادَةَ أنْ يُتَنَوَّقَ في إناءِ الشُّرْبِ ما لا يُتَنَوَّقُ في إناءِ الأكْلِ، وإذا دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ إناءَ شُرْبِهِمْ يَكُونُ مِنَ الذَّهَبِ، فَكَيْفَ ذُكِرَ هَهُنا أنَّهُ مِنَ الفِضَّةِ، (والجَوابُ): أنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، فَتارَةً يُسْقَوْنَ بِهَذا، وتارَةً بِذاكَ.

السُّؤالُ الثّانِي: ما الفَرْقُ بَيْنَ الآنِيَةِ والأكْوابِ ؟ (الجَوابُ): قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الأكْوابُ: الكِيزانُ الَّتِي لا عُرى لَها، فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عَلى مَعْنى أنَّ الإناءَ يَقَعُ فِيهِ الشُّرْبُ كالقَدَحِ، والكُوبُ ما صُبَّ مِنهُ في الإناءِ كالإبْرِيقِ.

السُّؤالُ الثّالِثُ: ما مَعْنى ”كانَتْ“ ؟ (الجَوابُ): هو مِن ”يَكُونُ“ في قَوْلِهِ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] أيْ تَكَوَّنَتْ قَوارِيرَ بِتَكْوِينِ اللَّهِ؛ تَفْخِيمًا لِتِلْكَ الخِلْقَةِ العَجِيبَةِ الشَّأْنِ، الجامِعَةِ بَيْنَ صِفَتَيِ الجَوْهَرَيْنِ المُتَبايِنَيْنِ.

السُّؤالُ الرّابِعُ: كَيْفَ تَكُونُ هَذِهِ الأكْوابُ مِن فِضَّةٍ ومِن قَوارِيرَ ؟ (الجَوابُ) عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ أصْلَ القَوارِيرِ في الدُّنْيا الرَّمْلُ، وأصْلُ قَوارِيرِ الجَنَّةِ هو فِضَّةُ الجَنَّةِ، فَكَما أنَّ اللَّهَ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يَقْلِبَ الرَّمْلَ الكَثِيفَ زُجاجَةً صافِيَةً، فَكَذَلِكَ هو قادِرٌ عَلى أنْ يَقْلِبَ فِضَّةَ الجَنَّةِ قارُورَةً لَطِيفَةً، فالغَرَضُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ نِسْبَةَ قارُورَةِ الجَنَّةِ إلى قارُورَةِ الدُّنْيا كَنِسْبَةِ فِضَّةِ الجَنَّةِ إلى رَمْلِ الدُّنْيا، فَكَما أنَّهُ لا نِسْبَةَ بَيْنَ

صفحة ٢٢١
هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ، فَكَذا بَيْنَ القارُورَتَيْنِ في الصَّفاءِ واللَّطافَةِ.
وثانِيها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيْسَ في الدُّنْيا شَيْءٌ مِمّا في الجَنَّةِ إلّا الأسْماءُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكَمالُ الفِضَّةِ في بَقائِها ونَقائِها وشَرَفِها إلّا أنَّهُ كَثِيفُ الجَوْهَرِ، وكَمالُ القارُورَةِ في شَفافِيَّتِها وصَفائِها إلّا أنَّهُ سَرِيعُ الِانْكِسارِ، فَآنِيَةُ الجَنَّةِ آنِيَةٌ يَحْصُلُ فِيها مِنَ الفِضَّةِ بَقاؤُها ونَقاؤُها وشَرَفُ جَوْهَرِها، ومِنَ القارُورَةِ صَفاؤُها وشَفافِيَّتُها.

وثالِثُها: أنَّها تَكُونُ فِضَّةً ولَكِنْ لَها صَفاءُ القارُورَةِ، ولا يُسْتَبْعَدُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى الجَمْعُ بَيْنَ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ.

ورابِعُها: أنَّ المُرادَ بِالقَوارِيرِ في الآيَةِ لَيْسَ هو الزُّجاجَ؛ فَإنَّ العَرَبَ تُسَمِّيَ ما اسْتَدارَ مِنَ الأوانِي الَّتِي تُجْعَلُ فِيها الأشْرِبَةُ ورَقَّ وصَفا قارُورَةً، فَمَعْنى الآيَةِ: وأكْوابٍ مِن فِضَّةٍ مُسْتَدِيرَةٍ صافِيَةٍ رَقِيقَةٍ.

السُّؤالُ الخامِسُ: كَيْفَ القِراءَةُ في (قَوارِيرًا قَوارِيرَ) ؟ (الجَوابُ) قُرِئا غَيْرَ مُنَوَّنَيْنِ، وبِتَنْوِينِ الأوَّلِ، وبِتَنْوِينِهِما، وهَذا التَّنْوِينُ بَدَلٌ عَنْ ألْفِ الإطْلاقِ؛ لِأنَّهُ فاصِلَةٌ، وفي الثّانِي لِإتْباعِهِ الأوَّلَ؛ لِأنَّ الثّانِيَ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ، فَيَتْبَعُ البَدَلُ المُبْدَلَ، وقُرِئَ: ”قَوارِيرُ مِن فِضَّةٍ“ بِالرَّفْعِ عَلى: هي قَوارِيرُ. و”قَدَّرُوها“ صِفَةٌ لِـ ”قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ“ .

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ عَلى قَدْرِ رِيِّهِمْ، لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ مِنَ الرِّيِّ؛ لِيَكُونَ ألَذَّ لِشُرْبِهِمْ، وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: إنَّ تِلْكَ الأوانِيَ تَكُونُ بِمِقْدارِ مِلْءِ الكَفِّ، لَمْ تَعْظُمْ فَيَثْقُلَ حِمْلُها.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ مُنْتَهى مُرادِ الرَّجُلِ في الآنِيَةِ الَّتِي يَشْرَبُ مِنها الصَّفاءُ والنَّقاءُ والشَّكْلُ، أمّا الصَّفاءُ فَقَدْ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿كانَتْ قَوارِيرَ﴾ وأمّا النَّقاءُ فَقَدْ ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏، وأمّا الشَّكْلُ فَقَدْ ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُقَدِّرُ لِهَذا التَّقْدِيرِ مَن هو ؟ فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّهم هُمُ الطّائِفُونَ الَّذِينَ دَلَّ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏، وذَلِكَ أنَّهم قَدَّرُوا شَرابَها عَلى قَدْرِ رِيِّ الشّارِبِ.

والثّانِي: أنَّهم هُمُ الشّارِبُونَ، وذَلِكَ لِأنَّهم إذا اشْتَهَوْا مِقْدارًا مِنَ المَشْرُوبِ جاءَهم عَلى ذَلِكَ القَدْرِ.

The same ayah, in another commentary

Al-Insān 76:16